المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الباحث أبو ازاد:القول والقوال ( قەول بێژ )



bahzani4
01-27-2014, 20:14
القول والقوال ( قەول بێژ )
وقد لا يعرف العديد من أبناء الإيزيدية ما هو القول ومن هو القوال، والحديث في هذا الموضوع يتفرع تباعا إلى جزئيين، وجزء منه يتعلق بالقول والأخر يتعلق بالقوال..
أولا ــ القول ( قەول): وهي عبارة عن قطعة شعرية بالغة الإيزيدية الكوردية التي لها وزن وقافية، ويمكن لكل إنسان أمي يمتلك موهبة شعرية أن يعبرعن وجهة نظره عن مختلف المواضيع من خلال أبيات شعرية، ومنها التي تصب في خانة التعظيم الله والأسياد، ومنها تصف الرجولة والشجاعة، ومنها تصف الحب والحبيبة، ومنها تصف الرثاء والتعازي، ومنها خاصة بالأفراح، ومنها خاصة بالطبيعة والوطن..إلخ. يصنف الإيزيدية الشعر بين الأغاني الفلكلورية والحب والعشق والبطولات والملاحم، وبين الشعر الذي يحمل صبغة دينية من مختلف الزواية، ومنها فلسفية لاهوتية، ومنها علمية، ومنها إرشادات ونصائح دينية ودنيوية، ومنها ذات طابع شرعي يلزم الإنسان الإيزيدي على العبادة واجتناب الفحشاء والمنكر ..إلخ. وجاءت هذه النصوص الشعرية للضرورة الإيمانية والأجتماعية، والتي سدت فراغ رسالات الرسل الأنبياء التي نزلت على بعض شعوب المنطقة، ولم تنزل على الشعب الكوردي الإيزيدي، ولعدم حاجتهم لهم، لأن اكتملت مبادئ دينهم قبل ضهور الأنبياء والرسل بمئات السنوات..
جاءت (الأقوال ــ قەول) الشعرية الدينية المتنوعة في التراث الإيزيدي بالغة الكوردية، وجاءت بعض القصائد بالغة البحزانية والبعشيقية العربية المحليا، والذين ألفوا الأقوال هم رجال الدين من العلماء الحكماء والفلاسفة من بين الإيزيدية، منهم : الأپيار والشيوخ والمريدين ، فقد عبر هؤلاء الرجال عن منظور الديانة الإيزيدية نحو الله وملكوته، وعن خلق الكون والكائنات، وواجبات عن الإنسان تجاه الله وتجاه أخيه الإنسان، وعن كل ما هو موجود في المحيط الذي يعيشون فيه، وتختلف مواضيع الأقوال حسب حاجة الإنسان الإيزيدي، وبعضها فلسفية لاهوتية وبعضها دينية خالصة وبعضها دنيوية، وكما ذكرت بأن القول يعبر عن وجهة نظر مؤلفه المطلع على منظور الديانة الإيزيدية، ومهما بلغت الأقوال من العظمة والبلاغة والمعاني المعبرة على واقع الإيزيدي الديني والدنيوي التي تنال أعجابه، وعلينا أن نعرف بأنها لم تهبط من السماء، وإنما ألفها عقلاء موهوبون عن طريق الإلهام، وحالهم حال الشعراء الموهوبين ، ويبلغ عدد مؤلفي الأقوال بالعشرات، ولو كانت الأقوال منزلة من عند الله، لأصبح مؤلف كل قول في عداد نبي، ولكان لنا عشرات الأنبياء.. في حين يتباه الإيزيديون أمام العالم بدينهم ، باعتباره لم يأتي من قبل الرسل والأنبياء، ولو كانت الأقوال من عند الله لبقيت محفوظة ولا يقدر أحد التلاعب بها أو يغير فقراتها بأخرى ، ولا أنكر بأن فكرة بعض الأقوال ذات الصبغة الفلسفية اللاهوتية ترتقي إلى مستوى الكلام المنزل من الوحي.. تعرض أبناء الإيزيدية إلى مئات الفرمانات ذات التطهير العرقي (جونسا يد) بدأ من عهد الدولة العثمانية وحتى سقوطها، وقتل منهم مئات الألاف من كافة الأجناس والأعمار، ومن بينهم مئات العلماء، وحتى الأولياء لم يسلموا من القتل .. ألف بعض الشخصيات من مختلف السلالات أقوال تحاكي آيات التوراة والإنجيل، ونذكر منهم: ( فخر الدين ئيزدي نمير، وكوجك جم و مند وبدر وبير رشي حيران وأومر خال وبير شرف، وغيرهم الذين يتجاوز عددهم العشرات، ومع شديد الأسف لم تدون الأقوال طوال مئات السنوات الماضية، وهي تعرض طوال المدة إلى النسيان والفقدان، وبعضها فقدت قسم من فقراتها، وأختفى علماء الإيزيدية الكبار بين طوابير الشهداء، وكنا نخسر بعض الأقوال مع كل قوال (قەول بێژ) يدفن تحت الأرض، وتداخلت بعض فقرات الأقوال ببعضها البعض، فأثر ذلك على معاني تلك الأقوال، وتناقضت بعضها مع نفسها، ونحن الآن نعاني من هذه الأقوال التي تتناقض مع منظور الديانة الإيزيدية، وانتقلت هذه الأقوال على عيوبها وتناقضاتها إلى صدور عشاق الدين الأميين الجدد من الأبيار والشيوخ والمريدين.. كان في معبد لالش مدرسة دينية على مستوى أكاديمية تخرج علماء دينيين عالي المستوى، واختفت هذه المدرسة بسبب الإهمال، مما دفع ببعض رجالات الدين الغيارة إلى فتح مدارس دينية في بيوتهم، وتبرعوا بتدريس الأقوال لمن يرغب، وهؤلاء أتبعوا خطط منهجية أكاديمية لتدريس النصوص لطلابهم، ومع ذلك لم ينهض الإيزيديون بواجبهم بدعم تلك المدارس البيتية ماديا ومعنوية، والقيادة الإيزيدية هي الأخرى لم تقوم بواجبها لحماية الأقوال وتلك المدارس، وضلت بعض تلك المدارس البيتية تعمل حتى منتصف قرن التاسع عشر، وأذكر منهم ( كوجك مادو) رحمه الله، وهو من سكان عين سفني، وحفظ البعض على يده الأقوال الأدعية، وأذكر منهم المخضرم فقير حجي شمو، فكتب على عشاق الأقوال الجدد حفظ الأقوال من البعض بالرجاء والتوسيل، وفي منازلهم وأثناء العمل ووراء المحراث وعلى طريق القوافل وإلى غير ذلك.. حفظ عشاق الأقوال الجدد ما تيسر لهم من الأقوال على علاتها، ومستواهم العلمي، ولم يتمكنوا من تصليح الخلل في بعض الأقوال، قبل أن تتناقل على صدور عشاق أخرين، ولابل مارسوها على علاتها في المناسبات الدينية . وحتى هذه الشريحة المتطوعة لحفظ النصوص، لم يهتم بها الإيزيديون، وتركوهم من دون رعاية ومن دون مصدر معيشة، والإهمال العام دفع حافظي الأقوال إلى استغلال أقوالهم لكسب قوتهم، وهذا دفع بالعديد منهم إلى نهج الأنانية واحتكار الأقوال وحبسها في صدورهم، ولم يعطوها لغيرهم، مخافة منافسهم على مصادر المعيشة، ومع ذلك كان بينهم قوالون (قەول بێژ)لا يبخلون على طلاب الأقوال المخزونة في صدورهم . وكانت أهداف أكثرية عشاق حفظ الأقوال، تبوء مرتبة رجل دين، وهم يعلمون بأن حفظ مجوعة أقوال وأدعية تمكنهم من إدارة مراسيم التعازي وبعض المناسبات الأخرى، في مقابل بعض الأموال ليسدوا بها رمق جوع أبناءهم، وتصرفت هذه الطبقة من أشباه رجال الدين، بما يملي عليها مصالحها المادية، وبذلت جهودا كبيرا بين الإيزيدية على ترسيخ فكرة أنتساب الأقوال إلى الشيخ عدي الشامي، وأنها منزلة، ويكفر كل من يشكك بها ويناقشها، وأعطوا هالة من القدسية إلى الأقوال، وجعلوا أبناء الإيزيدية يقدسون لفظة القول، سواء فهم محتواه أم لا، ونشأ جيل من الإيزيدية لا يميزون بين الأقوال الصحيحة والدخيلة والمفبركة لدوافع سياسية وشخصية. وراح بعض المتملقين والمنافقين لا يخافون الله يؤلفون الأقوال حسب الطلب والهدف والغاية، وكما نشاهده من قبل بعض الأشخاص الذين يظهرون على فضائية (چرا تی ڤی).. القول كلمة عربية ترجمتها إلى الكوردية هي (گوتەن ــ پەیڤ)، ويجب مراجعة ثقافة الأقوال في ضل انتشار الوعي والثقافة والنهضة العلمانية بين الإيزيدية أينما وجدوا، ويقع على عاتق المثقفين الإيزيديين حماية الأقوال وتصحيحها وفق منظور الديانة الإيزيدية، وإلا سوف تتعرض الأقوال الصحية نوعا ما إلى المزيد من التدخلات والتشويهات، وعلى المثقفون الإيزيديون الغيارة تدارك هذا الموضوع قبل فوات الأوان..
ثانيا ــ القوال: بعيدا عن جذور كلمة القوال التاريخية التي تمتد إلى سومر وبابل باسم (كالو)، وكانوا صنف من الكهنة اختصوا بتلاوة التراتيل وعزف الموسيقى الدينية على القيثارة والناي والدفوف. وعن معني القوال سألت رئيس القوالين قوال سليمان سفو، وأجابني مشكورا بأن كلمة القوال جاءت من كلمة (قل) التي جاءت على لسان الشيخ عدي الشامي، وهي كلمة عربية، ونحن ندرك من كلمة (قل) بأنها صيغة الأمر، وهي إشارة إلى رجل معين عنده كلام ديني حول مختلف المواضيع الدينية والدنيوية، وهذا الرجل لا يتكلم من حاله ما لم يطلب منه في المناسبات الدينية، وحينما نريد أن يتكلم القوال للحضور من إحدى أقواله المخزونة في صدره، وهنالك في كل مكان أشخاص لهم خبرة في هذا المجال، ونيابة عن الحضور يطلبون من القوال أن يذكر لهم من العلوم المنسوبة للشيخ عدي، ويخضع هذا الشخص لإتكيت خلاق محترم، وعليه أن يغادر من مكانه وسط الجالسين، ويقف أمام القوال وينحني له قليلا، ويقول له" لقد حضر وجهاء العامة من القرية لكي تحدثهم من علوم الشيخ عادي، ويجيبه القوال أنت صحب معريفي تفضل، وهذه ترجمتها بالكوردية ( بابێ قوال" خەلکێ گوندێ هاتینا دیوانە تە دا توو بووان باخڤی ژعەلمێ شێخادی )، فيرحب القوال به وبالحضور، ويطلب منه أن يتفضل بالجلوس أمامه، وهو الأخر يخضع لإتكيت خلاق قبل أن يستجيب الطلب ويذكر لهم أحد الأقوال.. القوال رجل دين مختص بحفظ الأقوال وترتيلها وعزفها بالموسيقى التي تعتمد على الدفوف والشبابات، وهو مختص لإقامة المراسيم والطقوس الدينية المختلفة. ولهذا ينسب هذا الصنف من رجال الدين بصفتهم قوالون وموسيقيون (قەل بێژ ، خودانێ دەڤ و شەبابێ) وبقية رجال الدين الذين يحفظون الأقوال لا تشملهم صفة القوال بالرغم من أنهم يذكرون الأقوال في المناسبات الدينية، ويطلق عليهم صفة (قەول بێژ)، ومن جهة أخرى يجوز أن نلقب كل شخص يتلو الأقوال وبالقوال كقول (بێژ)مهمها كان عدد الأقوال التي يحفظها.. من خلال متابعتي ومقابلاتي مع القوالين وفي مقدمتهم المعمرين، وتبين لي بأن القوالين هم أحفاد ( پير كمال ويوسف بن أبيه)، وكلاهما كان قوالان في عهد الشيخ عدي الشامي، وكانا يرتلان الأقوال ويعزفان على الدف والشبابي أثناء إقامة شيخ عدي مراسيم السماعات (سما) مع رفاقه الأپيار كل من الپير يوسف المعروف بئيسفيا و الپير حجي علي والپير حجي رجب والپير حجي محمد والپير جروا والپير محمد رشان والپير ممێشفا. وتعرض أبناء الإيزيدية إلى مسلسل الفرمانات ذات التطهير العرقي، وتقلصت نفوسهم بين القتيل والمتأسلم، وكان بينهم رجال الدين كبار، ومن بينهم صنف القوالين، ولم يبقى من ذرية القوالين سوى رجل عجوز، وكإدة تنقرض سلالة القوالين لو لا حكمة أحد أمراء الإيزيدية، وحلل هذا الأمير أمرأه من إحدى سلالات المريدين على هذا الكهل، وصار لهذا العجوز ذرية، والقوالون الدومليون الحاليون هم أحفاد ذرية هذا الرجل العجوز، ويستثنى منهم القوالين الهكاريين والقوالين آل الباسوات الماموسيين، فهرب جدهم من منطقة الكلك بعد أن تعرضت إلى حملة كور باشا الإبادية..
أبو ازاد
ميونيخ: 2014/1/27