المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هوشنك بروكا:اشكالية طاوسي ملك



bahzani4
02-06-2014, 11:53
طاوسي ملك: "الإله الكامل"



هوشنك بروكا
إن الدراسات والبحوث التي تناولت شخصية "طاوسي ملك" ((Tawisi Melek اللاهوتية، في الميثولوجيا الإيزيدية، استناداً إلى الفرضية السامية، بإعتباره ملاكاً للشر المطلق، العاصي و المتمرد على أمر الله ومشيئته، هي دراسات ابتعدت في مجملها، قليلاً أو كثيراً، عن "حقيقة" اللاهوت الإيزيدي، وواقع رؤية الديانة الإيزيدية وفلسفتها اللاهوتية لثنائية الخير والشر الكونيين. ف"طاوسي ملك" بحسب الميثولوجيا الإيزيدية، لا يمثل الإله في وجهه الأسود، بإعتباره "إلهاً للشر المطلق" أو "شيطاناً رجيما" مقابل الله الرحمن، وإنما هو طبقاً للإعتقاد الإيزيدي، "مخلوقٌ من نور الله وسرّه العزيز". هو، كما تقول "دفاتر الإيمان" الإيزيدية، إذن، "الإله الكامل" أو الوجه الآخر للإله الأكبر (الله / خوه دا / أزدا) الكليّ القدرة: الكليّ في خيره، كما في شرّه؛ الكليّ في سلامه، كما في حربه؛ الكليّ في بياضه، كما في سواده. وهو، فوق كل هذا وذاك، إسمٌ من أسماء الله "الكثير":

ربِّ، ملك الملك الكريم

ملك العرش العظيم

ربِّ قديمٌ منذ الأزل

ربِّ قدس الأقداس

لك المديح والثناء

ربِّ، كلُّ الجهات

تؤدي إليك..

يارب العالمين1 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote1sym)




هذه الأسفار (أو السبقات كما تُسمى في "العلم الشفوي الإيزيدي")، من "قه ولي طاوسي ملك"، تظهر "حقيقة" الإله الإيزيدي، بإعتباره إلهاً "كثيراً" أو "متعدداً"، تتداخل فيه سيماء شخصية خوده دا/ الله كخالق (من وجهة نظر اللاهوت الإيزيدي)، مع سيماء شخصية "طاوسي ملك" ك"بعض خالق" أو كجزء من عملية الخلق، إلى درجة الحلول والتماهي. ففي ذات الوقت الذي يُنظر إلى "طاوسي ملك"، لاهوتياً، على أنه ذاته في مستوىً، يُنظر إليه على أنه الآخر / الله (خوه دا / بالكردية Xweda أي الخالق نفسه بنفسه) أيضاً في مستوى ثانٍ. ورغم أن السبقات المارة ذكرها، هي مقاطع من "قه ولي طاوسي ملك"، إذ يبدو فيه هذا الإله على أنه ذاته في مستواه الأول، فإن الملامحَ التي يستقرؤها المرء / القارىء من بين ثنايا النص وطبقاته، هي ملامحُ الإله الأكبر الراجح في مستواه الثاني، أي ملامح طاوسي ملك بكونه الله ذاته / خوه دا. لهذا يصعب على الإنسان الإيزيدي، على المستوى العبادَوي، الفصل بين حدود إيمانه بالله وحدود إيمانه بـ "طاوسي ملك"، فالتعالق الميثي بين شخصية الله ك"خالق أكبر"، وشخصية طاوسي ملك ك"خالق أصغر" في وعي الإنسان الإيزيدي، له مرجعيته اللاهوتية والأثيولوجية المتجذرة في أعماق التاريخ والإسطورة الإيزيديين على حد سواء.




الأديان الساميّة، وقبلها الزرادشتية (التي تأثرت بها الأديان الإبراهيمية كثيراً)، تنظر إلى الإله، بإعتباره مصدراً للخير المطلق فقط، أما الشر "النسبي" فيأتيه من الخارج / العدو، الخارج على المشيئة الإلهية. لذا فالإله السامي بشكلٍ خاص والزرادشتي بشكلٍ عام، هو إله إيجابي بالضرورة: هو، إيجابي في خيره، كما في صراعه مع الآخر / الشر / العدو، لأن النصرَ سيكون حليفَه في النهاية، كما اعتقد زَرادشت، مما يستوجب عبادةً إيجابيةً من "الداخل المؤمن"، وبالتالي التقرب منه، بإعتباره إلهاً للخير فقط، ضد قِوى الشر، الفالتة، و"شياطينها" الخارجة عن إرادته.




ففي الزورفانية، أي الزرادشتية في مراحلها الأولى، كان زورفان (Zurvan) رّبّ الزمن والمصير. في الميثولوجيا القديمة هو الإله الأصل أو الإله الأب لكلٍّ من آهورامزدا / سبنتامانيو وأهريمان / أنغرامانيو. و"بما أنّ أنغرامانيو ولد أولاً، فقد صار ملكاً، على عكس ما خطط له زورفان، فقد منح الوقت لكلٍّ من إبنيه ليتشاركا إلى أن يتمّ النصر النهائي لآهورامزدا، أي للخير على الشرّ الذي يمثّله أنغرامينيو. وهكذا ظهر الخيط المشترك لميثولوجيا الفرس القديمة، وهو تقوية الصراع بين النور والظلمة، بين الخير والشر"2 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote2sym). يُستنتج من ذلك أنّ مصدر الألوهية الآريانية في مراحلها الأولى (الزورفانية)، سواء بإعتبارها خيراً ممثلاً ب"آهورامازدا" أو شراً يمثله "أنغرامانيو"، هو إله واحد، أو أبٌّ وربٌّ واحد وهو "زورفان" الذي يُعرف في الزورفانية بأنه أصل العالم.

فالنور والظلمة (من وجهة نظر الفكر الإيراني القديم) أو الخير والشر "أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن، وهما مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما. وحدثت الصور من التراكيب المختلفة"3 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote3sym).




ركوناً إلى الطبيعة الكلاّنية (كلّ الخير+ كلّ الشرّ) ل"زورفان" بأعتباره أصلاً للعالم أو ربّاً كلانياً للزمان والمصير، خيراً وشراً، نوراً وظلاماً، ذهب بعض الباحثين إلى الإعتقاد باحتمال كون "يزدان" المرادف لكلمة الله أو الخالق في الإيزيدية، يمثل "زرفان" في الزرادشتية المتأخرة، والذي انبعث منه كلّ من آهورا مازدا وأهريمان، رب النور ورب الظلمة (الخير والشر). وهو الأمر الذي دفع بأصحاب هذه الفرضية إلى الإعتقاد ب"الأصل الإيراني" للإيزيدية، وإعادة أصل تسميتها بالتالي إلى "يزدان" الذي يرادف الله أو "أزدا" أو "خوه دا" في العلم الشفوي الإيزيدي. ف"زرفان" الغير محدود والمطلق، قد نتج عنه ربّان متسلطان على الكون، لهما سلطانهما وعالماهما، آهورا مازدا المحدود غير المطلق، وأهريمان المماثل لذلك. وبالوقت الذي لا يصدر من الأول إلاّ الخير والطيب، يكون الثاني أساس الشرور والآثام والمصائب في هذا العالم. وإذا كان هذا الغرض صحيحاً فأنّ آهورا مازدا يكون "طاوسي ملك" ولكن أهريمان (عنكار، الشيطان) أخ له وربٌّ مثله تلزم عبادته ، وإن يكن مستقلاً عن آهور مازدا، ولكنه يشكل معه وأبويهما "زرفان" ثالوثاً (الثالوث السماوي) وهم مستقلون. ولكن لكلٍّ منهما ذات خاصة وبنفس الوقت ذاتاً واحدة في الثالوث الذي يجمعهم"4 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote4sym).




أما فكرتي الخير والشر الكونيتين لدى اليهود، بإعتبارهم آباءً للفكر الديني السامي، لم تتبلورا ـ في رأيي ـ كقوتين متمثلتين في إلهين منفصلين ومتصارعين: إله للخير، وإله للشر، إلا بعد فترة السبي البابلي (587 ق. م) وتأثر الفكر اليهودي بالأفكار الزرادشتية المتأسسة أصلاً على ذاك الصراع الكوني، والتي سرعان ما أُستسيغت في بابل وسائر أرجاء الإمبراطورية الفارسية آنذاك، فاصبح الرب وإبليس عند اليهود نظيرين لـ آهورامزدا / سبنتامانيو وأهريمان/انغرامانيو، ليتحولَ الربُّ التوارتي لاحقاً من إله خاص جداً باليهود، إلى إله عام لكلِّ البشر. ف"لم يكن اليهود (حسب رأي عباس محمود العقاد، نقلاً عن اللغوي الكردي مسعود محمد) يتكلمون عن الشيطان قبل السبي أو قبل الإقامة فيما بين النهرين، فتكلّموا عنه بعد أن شبّهوه ب"أهريمان" الذي يمثل الشرّ والفساد عند المجوس"5 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote5sym).




على العكس من الأديان التوحيدية التي تقول ب"الوحدانية المطلقة"، كانت الألوهية في العقائد والديانات القديمة، عبارة عن "جبروت مقدس"، يجتمع فيه الخير مع الشرّ، والنور مع الظلام، ما يعني أن قدرة الإله على فعل الخير ك"فعل مقدس"، تساوي تماماً قدرته على فعل الشرّ ك"فعل مقدس" أيضاً. الخالق ههنا، بإعتباره الفاعل بلا حدود، هو "مقدسٌ" في الحالين. عليه، فإنّ الإله القدير، هو القادر على كلّ شيء، خيراً وشرّاً، والعليّ الذي لا تعلوه قوة. "في البدء، لم يحل (الله) في إنسانٍ أو يتجسد فيه، إنما كان موجوداً في الشيء الذي تقدسه العقيدةُ، وليس في كل شيء، وهذا يعني أن "الله" لم يكن قد تبلور عند بني إسرائيل كمفهوم واقعي بإعتباره موجوداً في كل شيء، وإنما يتحقق فعلُه في اللحظة الإبداعية، يفرح فيثيب، يغضب فيبطش.. هو الحامي والمدافع والمناصر لبني إسرائيل، وقد أُعتبر (الله) بمرور الزمن مصدراً لكل شيء، فهو مصدر الخير والشر، إله الظلام وإله النور.. إله الحب والفرح، إله الدمار والخراب"6 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote6sym).

الله، أو الرّب بهذا المعنى، لا يمكن أن يكون إلهاً أو ربّاً للكون، إلا في كونه إلهاً كاملاً، موجوداً في كلّ شيء، خيراً وشراً، وفي كلّ زمان ومكان. "الإله الكامل"، القادر على أن "يفرح فيثيب" أو أن "يغضب فيبطش"، هو إذن إله كلّي القدرة، على فعل كلّ شيء، فعل الخير كفعل الشرّ. "ولعل هذا كان أعظم ما في أيوب، أذ لم يخامره ريب في وحدة الله وهو يواجه "صعوبة لقاء الله على أساسٍ من العدل، وبالتالي على أساسٍ من الأخلاق". لقد رأى في وضوحٍ تامّ أن الله في خصامٍ مع نفسه، وأنّ هذا الخصام بلغ من الشمول حدّاً جعله يوقن بأنّه واجدٌ في الله عوناً له على الله و"وليّاً". كان على يقينٍ من أن الشرّ في يهوه7 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote7sym)، لكنه كان على يقينٍ من أنّ الخير فيه أيضاً. (...) ف يهوه ليس انشطاراً split بل تضادّantinomy ، أي وحدة كليّة من النقائض الداخلية، وهذا هو الشرط الذي لا غنى عنه لديناميّته الهائلة، ولمعرفته وقدرته الكلّيتين"8 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote8sym).




على الرغم من تأكيد الأديان السامية، على الوحدانية المطلقة، وعبادة أهلها ل"الإله الواحد" (الله / الرّب / يهوه)، بإعتباره وجوداً / خيراً / حقاً / حبّاً / تفوقاً / نصراً مطلقاً، لا غبار عليه، وتمثيلها بالتالي ل"الألوهية المطلقة" بمعناها الإيجابي فقط، إلا أنها تضمر أو تخفي بين طيّات و طبقات نصوصها، ثنويةً ألوهيةً خفيةً، تلمّح ولا تصرّح، توحي ولا تقول، يمكن تسميتها ب"الثنوية الخافتة" أو "الثنوية الخجولة".




ف"بالرغم من نتيجة عزل الشيطان جزئياً، (ب)أن تواجد يهوه بجانبه المضيء فأضحى الله خيراً كلّه وأباً محبّاً. لكنّه لم يقلع عن سورات غضبه ولم يبارح عادة إنزال العقاب، لكن بالعدل هذه المرّة. ولعلّ مأساة أيوب لم يعد تكرارها من الأمور المتوقعة"9 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote9sym).




وكذلك المسيح في المسيحية، رغم وجوده في الله، كواحد من ثلاثة، بإعتباره أقنوماً من أقانيمه الثلاث، ورغم "أنه كان يثق بأبيه ثقةً تامّةً، تجعله يشعر أنّه والأب كينونة واحدة، لم يجد مناصاً من إباء نوعٍ من الحذر والتحذير في صلاته: "ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجّينا من الشرير". فهو يسأل الله صراحةً الاّ يغرينا بارتكاب الشرّ، وأن ينجّينا من الوقوع فيه"10 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote10sym).




أمّا في الإسلام الحنيف، فهناك العديد من الآيات القرآنية الصريحة، التي تدوّن لبعض الله / الضلال، إن شاء: "فيضّل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم"11 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote11sym)؛ و "كذلك يضلّ الله من يشاء و يهدي من يشاء"12 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote12sym)؛ و "من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم"13 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote13sym)؛ و "لو شئنا لآتينا كلّ نفسٍ هُداها و لكن حق القول منّي لأملأنَ جهنم من الجنّة والناس أجمعين"14 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote14sym).




اعتماداً على ماسبق من نصوصٍ وعقائد يهودية و مسيحية و إسلامية، يمكن القول من وجهة نظرٍ سيكولوجية، حسب يونغ، "أن مبدأ "رأس الحكمة مخافة الله" مبدأ صحيح كلّ الصحة. كما أنّه، من ناحيةٍ ثانية، لا يوجب حمل ما في الله من خيرٍ و عدلٍ و حبٍّ على محمل الزلفى، بل يقضي بأن ينهض كلا الموقفين على أساسٍ صحيح: الخوف من الله، ومحبة الله"15 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote15sym). فمن الحكمة بمكان أن تعبد الله في الحالين: مرّة لأنك تحبه وأخرى لأنك تخاف منه وترهبه؛ مرّة ليحفظك ويزيدك من خيره، وأخرى ليتّقيك ويحميك من شرّه. "إنَ لله جانباً رهيباً آخر: بحراً من النعمة تقابله بحيرةٌ تضطرم فيها النيران، و نوراً من الحبّ الإلهي المتلألئ إلى جانب حرارةٍ شديدة مظلمة؛ يقال أنها تحرق ولا تضيئ، تلك هي البشارة التي تمتاز من البشارة الزمنية القائلة: قد يستطيع الإنسان أن يحبّ الله، لكن عليه أن يخاف منه أيضاً"16 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote16sym).




ذات الشيء يمكن سحبه على ثنائية "الجنة / جهنم"، فقدرة الله على صناعة النعيم في الجنة هي من قدرته ذاتها على صناعته للنار في جهنم.



من القول إن ظهورَ الشرّ وتبلوره في الفكر الديني كقوة إلهية، أو كإله سلبي، مستقل، قائم بذاته، أمام جبروت خير الإله الإيجابي، هو من مفرزات الصراع التاريخي المرير، في المجتمعات البشرية الزراعية الأولى، بين الآلهة القمرية / الإنثوية، والآلهة الشمسية / الذكرية، وبالتالي، فإن بدايات الحضارة الباترياركية / الرجولية / الذكورية بدأت حين تسلم الرجلُ / الذكرُ، كإله شمسي زمامَ الحياة والأمور.




ف"عندما إنهارتِ الدياناتُ والمعتقدات العشتاريةُ / القمريةُ، وإرتفع على أنقاضها آلهةُ الشمس الذكورية، "إحتكروا وجه الألوهة الأبيض، ورموا بوجهها الأسود للأبالسة والشياطين، فتحللتْ صورةُ عشتار / السوداء الجليلة، وتفتتْ إلى صورٍ مبعثرةٍ مبتذلةٍ، يلوكها الخيالُ الشعبي، ويعجنها على طريقة الحكايات الفولكلورية. ففي الغرب هي الساحرة الشمطاء العجوز التي تركب عصا المقشّة طائرةً في الهواء. وفي بلادنا هي "النهّالة" مصّاصة الدماء، وهي السماوية خاطفة الأطفال، وهي "الغولة" آكلة البشر التي إحتفظتْ بلقب "الأم" حيث يشير إليها الناسُ دوماً على أنها "أمنا الغولة"17 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote17sym).




تأسيساً على ما سبق، يمكن القول: إن تاريخ الإله الواحد الأحد، هو تاريخ شمسي، ذكوري، بإمتياز. هو تاريخٌ واحدٌ أحد، لواحدٍ أحدٍ، لا شريك له، إسمه "الرجل / الذكر".




ومع هذا الباتريرك/ الأب الإله / الأب الرّب (رّب البيت؛ رّب العمل؛ رّب المعبد؛ رّب السماء...الخ) كان لا بدّ للكون أن يتثنّى: فتثنّت الألوهة وآلت إلى "رحمانيةٍ" و "شيطانية"، و تثنت السماء بين "خيّرةٍ" و "شرّيرة"، و تثنّت الروح بين "جنيةٍ" و "ملائكية"، وتثنى الإنسان بين إنسان (ذكر) "كامل" وإنسانٍ (أنثى) "ناقص" (ناقصات عقلٍ ودين، الضلع الأعوج)...وهلمجرا.




من هنا كان تاريخ الرّب / الإله الواحد و الذكوري بإمتياز، تاريخاً للصراع بين الإله الخير و الإله الشر؛ بين الإله ال"هو" والإلهة ال"هي"؛ بين الإله السوي الصحيح والإله الأعوج المعتلّ (قارن ذلك مع الأساطير والخرافات التي تصور المرأة، بعكس الرجل، بإعتبارها "ضلعاً أعوجاً")؛ بين الإله الفوق والإله التحت؛ بين الإله الملاك والإله الجن؛ وبين الإله االسماء والإله الأرض.ّ




ف"الثنوية الكونية المعرّفة على أنها المعتقد الذي يقول بقيام مبدأين أو أصلين متناقضين وراء مظاهر الوجود و صيرورة الزمن والتاريخ"18 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote18sym)، هي، بالتالي، ثنوية برسم الإصطفاء أو التفوق للرّب الممتاز، على الرّبة التي لا حول لها ولا قوة، وللذكورية الشمسية المحتلة للمتن والمركز على الإنثوية القمرية المهمّشة والمرمية في الأطراف، وللإله الكامل الأوصاف بإعتباره كلاًّ، على الإلهة الناقصة، في كونها جزءٌ، فحسب.




"أما هذان المبدآن (ف)شيمتهما (هي) الصراع من أجل أن يلغي أحدهما الآخر. وصراعهما يدفع عجلة الزمن و تاريخ العالم والإنسانية نحو نهايةٍ محتومةٍ عبر ثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي مرحلة العصر الذهبي للخليقة قبل أن يعدو الشرّ على الخير. والثانية هى مرحلة امتزاج الخير بالشرّ، والثالثة هي مرحلة الفصل بين الخير والشرّ والقضاء نهائياً على قوى الشرّ لكي يعود العالم طيباً ونقياً وكاملاً كما كان"19 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote19sym).




أما في الحالة الإيزيدية، وحسبما تخبرنا نصوص و طقوس هذه الديانة و شعائرها، فماهية "ثنويتها الكونية" تختلف كليّاً عن غيرها من ثنويات الديانات و المعتقدات الأخرى، كالثنوية المطلقة (المانوية)، والثنوية الجذرية (الزرادشتية)، والثنوية المعتدلة (المعتقدات الغنوصية)، والثنوية الأخلاقية (الإسلام والمسيحية) 20 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote20sym).




في هذه الثنويات جميعها، هناك حدود واضحة تفصل بين قوتين جبّارتين، فوق ـ عاديتين، ميتافيزيقيتن، متصارعتين: قوة خيّرة منتصرة حدودها هي "الله الرحيم"، وأخرى شريرة مندحرة حدودها هي "الشيطان الرجيم". هي في مجملها، إذن، ثنويات تؤمن بمحدودية الشر بإعتباره رجساً من عمل الشيطان، أمام لا محدودية الخير، بإعتباره رحمةً من الله المطلق اللامتناهي على العالمين. أما العابد، إن أراد الإنتصار لإيمانه، فليس له إزاء هذه الثنويات المتقاربة نسبياً، إلا الإنحياز إلى الله ضد الشيطان، وإلى الخير ضد الشر، وإلى النور ضد الظلام. مبدأ الصراع، من وجهة نظر لاهوتية، بين هاتين القوتين الكونيّتين (الله الخير / الشيطان الشر)، في هذه الثنويات، هو يكاد يكون واحداً، ويفضي إلى نتيجة واحدة: إله جبّار قهار وشيطان هالك. لكن التشابه بين هذه الثنويات في ما يتعلق بالمتون، لا يعني التشابه في التفاصيل والهوامش أيضاً. إلا أنّ طبيعة الشرّ والخير في هذه الثنويات ليست واحدة. "فالثنوية الزرادشتية، تعزو كلّ شرّ طبيعاني وأخلاقي إلى الشيطان، وكل خير طبيعاني وأخلاقي إلى الله. والثنوية الغنوصية، ترى أن العالم كلّه شرّ لأنه ينتمي إلى المادة و ما الخير إلا المعرفة التي تعين الروح الإنسانية على التعرف على أصلها النوراني الأعلى، وبذلك يتم خلاصها واتصالها مجدداً. وهنا لا تكتسب الأخلاق والسلوك القويم في الحياة أية قيمة خلاصية مباشرة، ولكنها تُهيِّء النفس في التناسخات المقبلة إلى المعرفة المخلّصة. فإذا جئنا إلى الثنوية الأخلاقية، وجدناها تعزو الشرّ والخير الطبيعانيين إلى الله، لأن الشيطان لا يملك سلطاناً على مظاهر الكون والطبيعة. وليس ما يبدو من خير على المستوى الطبيعاني إلا تعبيراً عن غضب الله و عقابه، وكذلك ما يبدو من خير، فهو رضى من الله ونعمة على عباده. فالخير والشر الطبيعانيان، هما أداتان في يد الخالق يستخدمهما وفق قصد إلهي قد يبدو للناس وقد يخفى عليهم21 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote21sym).




أما الثنوية الإيزيدية، فعلى العكس من الثنويات السابقة المارّة ذكرها، هي ثنوية مضمرة وغير متبلورة، لا وجود لفصل محدد بين حدود الله بإعتباره خيراً أكيداً، وبين حدود الشيطان بإعتباره شراً أكيداً. في الثنوية الإيزيدية، من الصعوبة بمكان أن نتلمّس فصلاً بين هاتين القوتين، أي بين الله كمصدر للخير المطلق والشيطان كمصدر للشرّ النسبي. اللاهوت الإيزيدي ينظر إلى الله بإعتباره كلاًّ واحداً لا انفصام فيه بين الخير والشرّ، والنور والظلام. لا شيء خارج عن إرادة الله، سواء كان خيراً أو شرّاً. عليه فإنّ الثنوية الإيزيدية، بإعتبارها ثنوية "مضمرة" أو "ضامرة"، لا تقر ب"شيطانٍ" خارجٍ على إرادة الله، من شأنه أن يعيق أو يعرقل ما يشاءه الله، أو يقف عائقاً دون إرادة الله أو مشيئته. فالله بإعتباره خالقاً قديراً، هو "كلّي القدرة" على فعل كلّ شيء، خيراً كان أو شرّاً. هو الخالق لكلّ شيء، يخلق ما يشاء كما يشاء ومتى وأنى يشاء. عليه، فإن الثنوية الإيزيدية، تعزو الخير / كلّ الخير والشرّ / كلّ الشرّ إلى الله / كلّ الله، أي "خوه دا / أزدا" الذي هو، بحسب الميثولوجيا الإيزيدية، إله بلا حدود. الإله الإيزيدي، هو إذن، مطلق بلا حدود في خيره كما في شرّه.



عطفاً على ما سبق، يمكن القول أنّ الإله الإيزيدي، "الجدير" بالعبادة (حسب اعتقاد المقيمين في عبادته)، هو إله "كليُّ القدرة" في خيره وشره. وبمثل ما هو خيرٌ، هو شرٌّ أيضاً. هو مصدر كل شيء، ولاشيء خارج إرادته: إرادته على فعل الخير، تساوي تماماً، إرادته على فعل الشر. وبقدر ما يمكن له أن يكون إلهاً خيراً، كذلك يمكن له أن يكون إلهاً شرّاً. لذا فإن تقرّبَ الإنسان الإيزيدي إلى إلهه، وبالتالي عبادته له، أو توسله إليه، يحمل في طياته، إيمانية مزدوجة، تؤمن بثنائية الخير والشر المتجسدة في ذات الله / خوه دا الواحدة. وقد عبر الشيخ "عديّ بن مسافر"، عن هذه الثنوية بصريح العبارة في قوله: "لو كان الشرُ بغير إرادة الله، لكان عاجزاً. ولا يكون العاجزُ إلهاً، لأنه لايجوز أن يكونَ في داره ما لايريده، كما لايجوز أن يكونَ فيها ما لايعلم به"22 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote22sym).




الإيزيديون لا يعرفون الشيطان، كما يُشاع عنهم، ولا يعبدونه ك"إله مستقل" عن الله / خو ه دا، بإعتباره رأساً للألوهة الإيزيدية الكلانية. هم يعتقدون بالله بإعتباره "إلهاً كثيراً" ليس لهم إلا أن يعبدوه في كلّيته بإعتباره "أصلاً" للعالم وخالقاً له. كلّ شيء، بحسب الإعتقاد الإيزيدي، شرّاً كان أو خيراً خلقه الله. الله هو أصل الكون والوجود. كلّ شيء به بداً، وليس له إلا أن ينتهي إليه. الله بإعتباره معبوداً كلاّنياً، بحسب اللاهوت الإيزيدي، هو إله "خالق" و"حامٍ" و"مدمّر" في آن. أيّ هو "إله كامل" بلا حدود، لا حدود لخيره الكامل في شرّه، كما لا حدود لشرّه الكامل في خيره.

"يقول الرحالة البريطاني جيمس بكنغهام (1786ـ1855): وأهالي كلك من اليزيدية، وهم يختلفون عن يزيدية سنجار في بعض نقاط معتقدهم والتفصيلات التي نجهلها (...) ولو أنهم مثل أولئك يقدسون إله الشر وإله الخير(...) وليس معروفاً ما إذا كان احترامهم لإله الشر (الشيطان) الذي يسمونه جلبي أو السيد منحدراً في أصله عن الفرس القدامى، بعد أن امتزج بشيء من المسيحية، أو أنه بقايا المذهب المانوي الذي ازدهرت هرطقته في أورفة. ويذكر بأن إسم الإيزيدية مأخوذ من "يزد" إله الشر الذي يقابله "هرمز" إله الخير"23 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote23sym).

عبادة الإيزيديين لله "اليزدان" بإعتباره إلهاً كاملاً، لا علاقة لها ب"الشيطان"، بإعتباره "إلهاً" أو ملاكاً للشر، وإنما هي عبادة لله (خوه دا / أزدا) في كلّه، بإعتباره إلهاً لكلّ الشرّ في كلّ الخير، ولكلّ الخير في كلّ الشرّ. ذات المذهب، كان قد ذهب إليه الرحالة الألماني كارستن نيبور، الذي أكدّ على أن الأكراد الإيزيديين (الداسن) لا يعبدون إله الشر مطلقاً، وإنما يعبدون الله ويقدسونه فقط لأنه خالق كل شيء ويجلب الخير والشر معاً24 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote24sym).

وربما من هنا تحديداً، أي من كون عبادة الإيزيديين لله مرّتين مرّة بإعتباره "خالقاً وحامياً" يجلب الخير والأمان للعالم، وأخرى بإعتباره "مدمّراً" يجلب الخراب والشرّ للعالم، اختلط الأمر على الكثير من الباحثين، فظنوا أنّ عبادة الإيزيدي لله في "شرّه" كما في خيره، ما هي إلا عبادة للشيطان بعينه، بإعتباره "ندّاً لله وعدواً لإرادته. ورغم محاولة الميجرسون تقريب صورة الملاك الإيزيدي الأقدس "طاوسي ملك" بإعتباره رمزاً للخير المطلق، من صورة الشيطان في كونه إلهاً للشر المطلق، إلا أنه قال بتقديس الإيزيدية للشمس في صورة الإله "شيشيمس" (شيخ شمس) وللقمر في صورة إلهه "شيخسن" (شيخ حسن)، كإلهين مقابلين لشماس (شمس = أوتو) وسن في معتقدات ميسوبوتاميا وكردستان القديمة".25 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote25sym)




ثنائية الخير والشر، المتجسدة في إرادة الله (خوه دا / أزدا) الواحدة بإعتباره "إلهاً قادراً" على كلّ شيء، هي من منظور اللاهوت الإيزيدي، ليست "ثنائية ضدية" متخاصمة، وإنما هي ثنائية متصالحة ومتكاملة في ذات الإله الواحدة. الثنوية الإيزيدية بإعتبارها "ثنوية ضامرة"، هي ليست "ثنوية ضدية"، كي يتقابل فيها طرفاهاّ الندّ للندّ. فالله بإعتباره مصدراً للخير لا يمكن أن يكون ضد نفسه بإعتباره مصدراً للشر. أما شرّ الإله، بحسب الإعتقاد الإيزيدي، فلا يمكن أن يكون إلا متصالحاً مع خيره ومكمّلاً له. الله (خوه دا) في الأدب الشفاهي الإيزيدي، هو مصدر العالم والخلق في كلّ شيء: "ربِّ أرزقنا بالخير، ونجّنا من الشر"؛ "الخير والشر كلاهما ينبعان من باب الله"، هذا ناهيك عن الإستحلاف أو أداء اليمين بين الإيزيديين، يكون بإلهٍ للّيل / الظلام، في ذات الوقت الذي هو إله للنهار/النور ("خوه داني شه ف و روز"، تفيد العبارة معنى "إله الليل والنهار"). والله، إيزيدياً، بقدر ما يكون مصدراً للداء، فهو بذات القدر وذات الجبروت، يكون مصدراً للدواء والشفاء. بهذا يكون الإلهُ الإيزيدي، هو الإله القادر بلا حدود، الذي قدرته على خلق الخير، كقدرته على خلق الشر؛ هو مبتدأ العالم ومنتهاه؛ وأولّ الخلق وآخره.




إن فكرةَ عبادة الإله الكوني الكامل في خيره و شرّه؛ أو بياضه و سواده؛ أو "يانغ"ه و"ين"ه، أو آهورامزديته و أهريمانيته26 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote26sym)، هي فكرة قديمة جداً، وأصيلة في الفكر الديني، سواء في إيران القديمة أو ميزوبوتاميا. فدين الإنسان البدائي كان ديناً متمركزاً حول مدار إله كاملٍ في صورته وقدرته، إله مطلق في شره وخيره. الجغرافيا الإلهية من منظور الإنسان البدائي، هي قبل كلّ شيء، جغرافيا كوسموغونية / كونية، كلاّنية، لاتعرف الحدود بين الخير والشر، بين إله أبيض وآخر أسود، أو ألوهة مظلمة وأخرى منيرة، فالخير والشر، الأبيض والأسود، النور والظلام، كلها توائم أزلية متجسدة في الذات / أو الذوات الإلهية الكلاّنية الشاملة.

في الأديان القديمة، كالمانوية والمازدكية والزورفانية، كانت القوتان الكونيتان(خير+ شر)، قوتان معبودتان، مجسدتان، ومرموزتان في الإنسان الروح، والإنسان الجسد. في هذه الأديان، خصوصاً الأديان ماقبل الأفستية (ما قبل الزرادشتية) كان الربّ الأكبر، بإعتباره ربّاً أو أصلاً للعالم، أباً لإلهين، أحدهما يمثل الخير، وآخر يمثّل الشرّ.



ذات الألوهة الكلانية، في كونها ألوهة تملك كلّ مفاتيح العالم بخيره وشرّه، كانت ميزةً أساسية من ميّزات الأديان الميزوبوتامية. فالإله الكوني الكلاّني الشامل، بإعتباره إلها بلا حدود، "عندما يجرّد من نفسه ظلاً له، يحمّله مسؤولية الموت وشرور الحياة، لابدّ له من الإمساكِ بخيوط القوّتين الكونيتين بذراعيه الإثنتين، فباليمنى يمسك قوةَ الحياة والخير، وباليسرى قوة الموت والشرِّ. وهنا تغدو مسألة إسترضاء وجه الإله الأبيض، وإتقاء غضب وجهه الأسود، الموضوعَ الأساسي للعبادة والطقوس. من هنا نستطيع أن نفهمَ الخصيصتين المتناقضتين للأم الكبرى للعصر الحجري، أول إله شمولي عبده الإنسانُ. كما نستطيع أن نفهمَ إستمرار هاتين الخصيصتين في وريثات الأم الكبرى"27 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote27sym).




ومن هنا تحديداً يمكننا أن نفهم سرّ عبادة الإنسان الديني لله مرّتين، مرّة في كونه خيراً بلا حدود وأخرى في كونه شرّاً بلا حدود.




هكذا كان "زورفان" الإيراني معبوداً مرّتين، مرّة في كونه خيراً أو ربّاً أباً ل"آهورامازدا"، وأخرى في كونه شرّاً أو ربّاً أباً ل"أهريمان". كذلك الأمر بالنسبة ل"إينانا" السومرية، و"عشتار" البابلية. كلتا الإلهتين، كانتا تُعبدان في ميزوبوتاميا مرّتين: مرّة لوجهها الأبيض المشرق بإعتباره أصلاً ومبتدأً ومنبعاً للحياة، وأخرى لوجهها الأسود الغارب بإعتبارها منتهىً ومصبّاً للموت. و"لقد عبّر إنسان العصر الحجري، الحديثَ عن وجهي عشتار (الإلهة الأم) المظلم والمنير، بأنْ مثّلها في هيئةٍ مزدوجةٍ. ففي معابد شتال حيوك، نجد الأمَّ الكبرى في بعض المنحوتات الجدارية، وقد إزدوجت في شكلين إثنين متطابقين، يولد منها الإله الإبن ـ الثور، وهذان الشكلان ليسا تعبيراً عن آلهتين منفصلتين، بل هما تعبيرٌ عن الإلهة الواحدة للعصر النيوليتي ذات الوجهين: وجه تديره نحو الحياة، وآخر نحو الموت"28 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote28sym).




قديماً، كما نقرأ في تاريخ الله القديم، كان الإله يُعبَد بوجهيه، بإعتباره إلهاً كاملاً، في خيره كشرّه وفي شرّه كخيره. ولكي يتسنّى للعابد الدخول إلى العالم والإحتكاك المباشر به، في خيره وشرّه، كان لا بدّ له من الإحتكاك بالإله، أو الدخول إلى زمانه من خلال الدعاء إليه والتقرّب منه، في كونه معبوداً كاملاً، قادراً على خلق النقيضين: الشيء وضده. الألوهة القديمة، كانت ألوهة طبيعانية بإمتياز، بمعنى أنّ الإله في الديانات القديمة، كان يُعبد كصورة طبق الأصل عن الطبيعة بكلّ ما فيها. قدسية الإله بإعتباره "روحاً مقدسة"، كانت تنبع من قدسية الطبيعة نفسها، بإعتبارها "مادةً مقدسة". إذا كانت الحاجة هي أم الإختراع، كما يُقال، فإنّ حاجة الإنسان القديم إلى النار مثلاً، هي التي دفعته إلى "إختراع" إلهٍ خاص بالنار ليعبده فيها. حاجة الإنسان الديني الأول إلى النار وسواها من العناصر الطبيعية الأخرى، ك"حاجة دنيوية"، هي التي أدت به في المنتهى إلى "خلق" آلهة تنوب عن الطبيعة (بشقيها السالب والموجب) ك"حاجة دينية". عليه فإنّ "الآلهة القديمة لدى السومريين والأكديين والبابليين وكذلك الآشوريين، لم تكن آلهة خيرٍ فقط، بل كانت آلهة شرٍّ أيضاً. وبالتالي، فقد كان على الرعية تقديم آيات التقديس والإحترام والقرابين لا إلى آلهة الخير فحسب، وإنما إلى آلهة الشر أيضاً. فالقرابين التي كانت تقدم لإلهة الخصب عشتار، كانت تعني في الوقت نفسه، قرباناً لمنع الجدب عن الناس بمساعدة الإلهة عشتار. وتعبر ملحمة جلجامش البابلية عن ذلك التلاحم في طبيعة الآلهة"29 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote29sym).




إن ثنائية الخير والشر المتجسدة في ذات الإله الواحد/ الإلهة الواحدة، لم تكن في البدء على المستوى الإيماني، ثنوية منحازة لصالح الإله في وجهه الأبيض (الخيّر)، ضد الإله في وجهه الأسود (الشرّير)، وإنّما كان الإلهُ معبوداً في كلّيته: بوجهه الأكمل، وصورته الكلاّنية المثلى، أي بإعتباره خيراً وشراً على حدٍّ سواء.




الله، في أوله، كما تقول دفاتر إيمان الإنسان الديني الأول، لم يكن إلهاً ضد نفسه، أو منشقاً على نفسه (كما هو عليه الحال في آخره)، بين بعض ألوهةٍ خيّرة وأخرى شريرة. الله، في مبتدئه، كان سالباً وموجباً في آن، خيراً وشرّاً في آن، واحداً وكثيراً في آن. الله، في القديم، كان واحداً في كثيره، وكثيراً في واحده. كذا هو الإله الإيزيدي، ك"إله قديم"؛ هو إله كثير في واحد، وواحد في كثير. هو يُعبد في خيره الكثير كشرّه، وفي شرّه الكثير كخيره.

العابد الإيزيدي إذ يدعو الله في دعائه، إنما يدعو إليه بإعتباره ربّاً بيده الخير والشرّ في آن:

"ربِّ..

يا تاج الأولين والآخرين

من كلّ خير أعطنا ومن كلّ شرّ نجّنا

الحمد لك يا ربّ العالمين"30 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote30sym)




تأسيساً على الإعتقاد الإيزيدي، يمكن القول أنّ الخير والشر يجتمعان في سنة خلق واحدة، وينبعان من منبع إلهي واحد.




وربما انطلاقاً من هذا المبدأ تحديداً، درس المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي الإيزيدية، في كونها عقيدةً "لاثنائية"، يعتقد أتباعها بوجود قوتين كونيتين في إلهٍ واحدٍ، لأن وراء عملية الخلق كلها، حسب معتقدات هذا الدين، قوتان (خير+ شر) صادرتان من منبعٍ إلهي، كوني واحد31 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote31sym).




العابد الإيزيدي إلى هذا الحين، إذ يحيِّن الله في صلاته و دعائه، فإنّما يُحَيِّنه بوصفه "إلهاً كاملاً": كاملاً في شرّه ككماله في خيره. الله، إيزيدياً، هو في المفهوم الديني العبادوي من الكلّ إلى الكلّ: هو الكلّ الذي ينبع من بابه كلّ الخير و كلّ الشرّ، و كلّ الداء و كلّ الدواء، سواءً بسواء:

"إلهي، أرزقنا بالخير وأبعد الشرور عنّا"32 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote32sym)

" الخير والشرّ، كلاهما، ينبعان من باب الله"33 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote33sym)

"ربِّ، أنّك الداء، وأنّك الدواء"34 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote34sym).




أما الإله، ههنا، كما تقول النصوص الإيزيدية، فهو الله ( خوه دا / أزدا / إيزي) تارةً، و"طاوسي ملك" تارةً أخرى، و"شيخادي" طوراً ثالثاً. الثالوث الإيزيدي الأقدس، إذن، هو اتحاد بين الله (الرّب) و"طاوسي ملك" (الملاك) و"شيخادي" (العارف)، كثلاثة أقانيم في واحد، وواحد في ثلاثة35 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote35sym).

الألوهة الإيزيدية، إذن، هي ألوهة "مثلثة" التجلّي، ممثلة بالله (خو ه دا / أزدا / إيزي) الخالق حيناً، و"طاوسي ملك" الملاك حيناً آخر، و"شيخادي" العارف حيناً ثالثاً.

لهذا تجد العابد الإيزيدي يتقرّب من "شيخادي" و"طاوسي ملك" لكأنه يتقرّب إلى الله نفسه، أو بالعكس، فلا حدود في إيمانه تفصل بين الثلاثة بإعتبارهم مقدساً واحداً، أو تجليات لألوهة واحدة. الثالوث الإيزيدي، مثله مثل الثالوث الهندوسي (براهما / فيشنو / شيفا)، أو الثالوث البوذي (بوذا / دراما / سانغا)، أو الثالوث البابلي (آنو / آيا / بيل) أو الثالوث المصري الفرعوني القديم (أوزيريس / حورس / إيزيس)، أو الثالوث الفارسي (هرمز / ميثرا / أهريمان)، أو الثالوث الفينيقي (إيل / عشتار / بعل)، أو الثالوث الإغريقي (زيوس / أثينا / أبولو)، أو الثالوث الروماني القديم المعروف ب"ثالوث كابيتولين" (جوبيتر / جونو / منيرفا) أو الثالوث المسيحي (الأب / الإبن / الروح القدس)، هو إله واحد في مثلث مقدسٍّ واحد بثلاثة أقانيم.




"طاوسي ملك" بحسب الميثولوجيا الإيزيدية، هو إذن، ضلع أساس في الثالوث الإيزيدي، ومكانته في "البانثيون الإلهي"، في كونه تجلياً من تجليات الألوهة الإيزيدية، هي من مكانة الله. هذا ما نستشفه بوضوح في "قول طاوسي ملك"، الذي يُعتبر واحداً من أهم النصوص الإيزيدية، حيث كلّ ما وُصف به "طاوسي ملك" في هذا النص، تتطابق مع أوصاف وصفاته. "طاوسي ملك" بحسب الإعتقاد الإيزيدي، هو "الأول والأخير"، و"العليم"، و"الحكيم"، و"الكريم"، و"الرحيم"، و"القديم"، و"الربّ الخالق نفسه بنفسه"، و"ربّ كلّ الجهات"، "ملك الإنس والجن والعرش والكرسي"، و"الداء والدواء"، و"الحي القيوم" و"الباقي وغيره لا يدوم"36 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote36sym)...إلخ.




"طاوسي ملك" على مستوى الإعتقاد الإيزيدي، لا يمثّل الإله في وجهه المظلم، أو الإله في بعضه الشرير، كما ذهب إلى ذلك الكثير من الباحثين والكتاب، الذين اتخذوا من فرضية الشيطان السامية أساساً لمذهبهم أو بحثهم عن "الشيطان الإيزيدي". وإنما هو يمثل الإله في كماله، كمال خيره كشرّه، وكمال نهاره كليله، وكمال نوره كظلامه، وكمال دوائه كدائه. هو، وفق التصوّر الإيزيدي، إسمٌ من أسماء الله، أو تجلّ من تجلياته الكثيرة. هو، كما يقول "العلم الإيزيدي الشفوي" الإله الكثير في والواحد الأحد حيناً، والإله الواحد الأحد في كثيره أحياناً أخرى. ما يعني أنه يمثل بهذا الشكل أو ذاك، صورة "الإله الكامل"؛ الكامل في كلّ أوصافه وصفاته، في خيره كشرّه، وفي شرّه كخيره.













*بحث من كتاب يُعد للطبع

1 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote1anc) دُنظر: خدررى سليمان و خه ليلى جندي: ئيزدياتى، جابخانه ى كورى زانيارى كورد، به غدا، 1979، ص 24/ "قه ولى طاوسي مه له ك".


2 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote2anc) شابيرو، إس. ماكس & هندريكس، أ. رودا: معجم الأساطير، ترجمة حنا عبود، دار الكندي، ط1، بلا مكان للنشر، 1989، ص271.
ويقول الشهرستاني في "ملله ونحله"، ص235:
"قالوا: أنّ النور أبدع أشخاصاً من نور كلّها روحانية، نورانية، ربّانية. ولكن الشخص الأعظم الذي اسمه زروان شكّ في شيء من الأشياء، فحدث أهرمن الشيطان، يعني إبليس من ذلك الشك. وقال بعضهم لا، بل إنّ زروان الكبير قام فزمزم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعاً وتسعين سنةً ليكون له ابن فلم يكن. ثم حدّث نفسه وفكّر، وقال: لعلّ هذا العلم ليس بشيء، فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد. وحدث هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعاً في بطنٍ واحد. وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن الشيطان حتى شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا."
وللمزيد من الإطلاع، يُنظر المصدر ذاته، ص235ـ237.


3 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote3anc) الشهرستاني، أبي الفتح محمد عبدالكريم : الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ للنشر، ص238.


4 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote4anc) د. الأحمد، سامي سعيد : اليزيدية أحولهم ومعتقداتهم، ج1، مطبعة الجامعة، بغداد، 1971، ص29،30.


5 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote5anc) محمد، مسعود: لسان الكرد،مطبعة الحوادث، بغداد، 1987، ص17 و18.


6 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote6anc) مهدي، فالح: البحث عن منقذ، دار إبن رشد للطباعة والنشر، بيروت 1981، ص 91.


7 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote7anc) نقرأ بهذا الخصوص، في سفر التثنية مثلاً:
8: 2: و تتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب الهك هذه الاربعين سنة في القفر لكي يذلك و يجربك ليعرف ما في قلبك اتحفظ وصاياه ام لا.
8: 3: فاذلك و اجاعك و اطعمك المن الذي لم تكن تعرفه و لا عرفه ابائك لكي يعلمك انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الانسان.
8: 5 : فاعلم في قلبك انه كما يؤدب الانسان ابنه قد ادبك الرب الهك.


8 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote8anc) يونغ، غ. كارل: الإله اليهودي، ترجمة نهاد خياطة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1986، ص17.


9 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote9anc) المصدر ذاته، ص72 و ما بعدها.


10 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote10anc) المصدر نفسه، ص73.


11 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote11anc) ألقرآن الكريم: سورة إبراهيم 4:14.


12 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote12anc) القرآن الكريم: سورة المدثّر 31:74.


13 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote13anc) القرآن الكريم: سورة الأنعام 39:6.


14 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote14anc) القرآن الكريم: سورة السجدة 13:32.


15 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote15anc) يونغ، غ. كارل: الإله اليهودي، مصدر سابق، ص83.


16 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote16anc) المصدر نفسه، ص 124.


17 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote17anc) السواح، فراس: لغز عشتار، دار علاء الدين، ط6، دمشق 1996، ص 234.


18 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote18anc) السوّاح، فراس: الرحمن والشيطان، دار علاءالدين للنشر والتوزيع والترجمة، ط2، دمشق، 2001 ، ص11.


19 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote19anc) المصدر نفسه، ص11.


20 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote20anc) للمزيد من التفصيل حول أشكال ومضامين هذه الثنويات ومعتقداتها، راجع:
السواح، فراس: المصدر ذاته، ص11ـ15.


21 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote21anc) المصدر ذاته، ص15.


22 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote22anc) بروكا، هوشنك: دراسات في ميثولوجيا الديانة الإيزيدية، مصدر سابق، ص 49.


23 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote23anc) جيمس بكنغهام: رحلتي إلى العراق سنة 1816، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1968، 1/21. نقلاً عن
زيان، عدنان & عبوشي، فرهاد: الكورد الإيزيدية في كتب عدد من الرحالة والمستشرقين، مجلة لالش، عدد14، دهوك، 2000، ص27.


24 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote24anc) كارستن نيبور: رحلة نيبور إلى العراق في القرن الثامن عشر، ترجمة د.
زيان، عدنان & فرهاد محمود حسين الأمين، بغداد، 1965، ص92. نقلاً عن:عيوشي، السابق، ص27.


25 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote25anc) الميجر سون: رحلة متنكرة إلى بلاد مابين النهرين وكردستان، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، 1970، 1/135ـ136. نقلاً عن:
زيان & عيوشي: السابق، ص28.


26 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote26anc) نسبةً إلى إلهي الخير/ آهورامازدا والشر/ أهريمان، اللذان يكونان أساس الرؤية الزردشتية إلى العالم.


27 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote27anc) السواح، فراس: لغز عشتار، مصدر سابق، ص 207.


28 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote28anc) المصدر نفسه، ص 210.


29 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote29anc) د. حبيب، كاظم: الأقلية الدينية الإيزيدية الكردية، روز، عدد6، هانوفر، 1998، ص12.


30 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote30anc) من "دعاء الفجر:5"، يُنظر: د. جندي ره شو، خه ليل: ﭗه رن ﮋ ئه ده بي ديني ئيزديان، ب2، سبيريز، دهوك، 2004، ل. 967، 968.


31 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote31anc) مينورسكي، فلاديمير: الأكراد، ملاحظات وانطباعات، ترجمة د. معروف خزنه دار، بيروت، دار الكاتب، 1978، ص77.


32 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote32anc) دعاءٌ روتيني يكرره الإيزيدي، كلّما تذكّر إلهه، وحاول أن يحيّنه في أوقات صلاته.&
من دعاء صلاة الختم/ باشنفيز: : جلادت بدرخان: نفيزين ئيزيديان، مطبعة الترقي، دمشق، 1933، ص10،11.


33 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote33anc) هذا ما يعتقده الإيزيدي في شؤؤن إلهه.


34 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote34anc) من دعاء طاووسي ملك/ دوعايا طاووسي مه له ك. يُنظر مثلاً:
د. جندي، خليل: نحو معرفة حقيقة الديانة الإيزيدية، منشورات رابوون، السويد، 1998، ص158.&
من صلاة الشروق/نفيزا روزهلاتي: جلادت بدرخان: نفيزين ئيزيديان، مصدر سابق، ص8،13.


35 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote35anc) قارن مثلاً: قه ولى كه نيا مارا / شيخادي شيخي شارا: 4 (قول ضحكة الأفاعي: 4): د. جندي ره شو، خه ليل: ﭗه رن ﮋ ئه ده بي ديني ئيزديان، ب1، سبيريز، دهوك، 2004، ل. 425.


36 (http://www.bahzani.net/services/forum/#sdfootnote36anc) يُنظر مثلاً: "دعا / قول طاوسي ملك": المصدر السابق، ص 990ـ992.