المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طارق حسو:عيد خدروالياس في ميثولوجيا الديانة الإيزيدية



bahzani4
02-16-2014, 10:17
عيد خدروالياس في ميثولوجيا الديانة الإيزيدية


طارق حسو .... برلين


الإيزيدية هي إمتداد لأحد وأقدم الديانات الشمسانية الأزلية في العالم، وحسب مفهومها الميثولوجي والديني وتفسيرها للحياة خصوصاً في التراث والفلسفة وتکوين الخليقة وإيديولوجيتها ، وهي تحتفل في أيام معينة من السنة حسب تقويمها الشرقي " الشمسي " وتمارس جميع طقوسها وعاداتها الدينية وهذه تختلف عن غيرها من شرائح المجتمعات الأخری، ومنها تعود جذورها إلی الحضارات القديمة کالأکادية و السومرية والبابلية والميدية والأخمينية، ولکن مع الأسف خلال مسيرتها الطويلة وظهور الأديان السماوية فُقد أغلب هذا التراث والعادات الأجتماعية الکردية القديمة، ومازال المعتقد الإيزيدي محافظ علی نفسه في التواصل والأحتفاظ بهذە الخصوصيات إلی يومنا هذا. وحتی لانبتعد عن عنوان الموضوع هو " خدروالياس " في ميثولوجيا الکرد الإيزيدي، حيث يقام طقوسها في أول يوم الخميس من شهر شباط حسب التقويم الشرقي ويسبقە ثلاثة أيام للصيام . ونظرا للجذور التاريخية العميقة لهذە الشخصية الأسطورية خدروالياس ومن الصعب تحديد الفترة الزمنية لظهورها، إلا أن هذه القصة فلسفية متشابهة في معظم الأديان، حيث يتم ذکرهما بمعاني متشابهة ومتقاربة .


ذُکر خدرو الياس عند العديد من الشعوب السامية القديـــمة، وسمی بالنبي العبري " إيليا أو إيلياهو" ، النبي الإسرائيلي الذي دافع عن اللە ضد عبادة أله البعل والألهة الأخری التي كانت معبودة آنذاك زمن حکم الملك أحاب، ولهما مکانة بارزة في الروايات والقصص اليهودية ولهم في ذلك العدد من الروايات في الأدب الرابيني، وهو الآتي من شرق الأردن بإتجاە إسرائيل، وحسب إعتقادهم بُعيد نهاية حياتە علی الأرض وإنتقالە إلی السماء بأن اللە سوف يرسلە ثانية إلی الکون . أما في الديانة المسيحية فيطلق عليە أسم " مار جرجيس" وتقع أثارە بالقرب من مدينة ماردين التاريخية في کوردستان الشمالي تسمی " ديرالزعفران " الشهيرة وهي بدورها قلعة تعود إلی مرکز خدروالياس وأهم مراکز عبادة الإيزيديين هناك، وهو الآن معروف عندهم بأسم " المار جرجيس" عليە السلام ، ويصادف هذا العيد مع صوم " باعوثة ننوا " المسيحية، حيث يمتنع المسيحي عن أکل اللحوم والدهون ويكتفي بالأکلات النباتية، أما بالنسبة للروايات الإسلامية، فهي تعتبر شخصية النبي خدرو الياس من أحد أولياء اللە الصالحين، وتذکر بعض المصادر القديـــمة إن خدر والياس تشير إلی إلهين يماثل الإلە "مردوخ" البابلي .


نستطيع القول بأن خدر والياس هما من الشخصيات الأسطورية في تاريخ المجتمع البشري، ففي بداية المعتقدات القديمة كان خدرالياس يمثل إلە المطرو الزراعة، وعند العرب القدماء بالخضر الحي ، والکرد المسلمون يطلقون عليە " خدري زەندي " خدر الحي، والهنود المسلمين يطلقون عليە " خواجە خضر " ، والعلويين أو القزلباشيين يطلقون عليە خدر أو خزر أو پير خدر، ومذهب الدروز يطلقون عليه النبي خدر .


أما الديانة الإيزيدية تهتم أکثر بهاتين الشخصيتين الاسطوريتين وتنظر إليهما أکثر تقديسا، ويستعد الإنسان الإيزيدي لهذا الصوم إستعدادا روحيا ونفسيا . وذُکر في فلسفة الديانة الإيزيدية أسطورة "خدرالياس" عندما کلفە الأسکندر الکبير بأحضار ماء الحياة " ئاڤا هێوانێ " فأتی بالماء ولکن النوم ‌غلبە في الطريق وأتی طير ونقر جربة الماء حتی تقطر کلە ولم يصل منە شئ إلی الأسکندر فمات ، ويٶکد المٶرخون صراع الأسکندر مع المرض وکيف حاولوا المستحيل من أجل أنقاذە ولم يفلحوا لأن الموت حتمي وحق علی کل کائن حي، وفعلا فقد مات الأسکندر بمرض الملاريا في بابل وهذە حقيقة معروفة في التاريخ، وتعتبر الإيزيدية "خدرالياس" هما أسمين في الأصل نبي خدر و نبي الياس، وصومهما وعيدهما من أحد الفرائض الدينية، حيث يصوم الإيزيدي ثلاثة أيام ، اليوم الأول للألياس و الثاني للخدر والثالث للمراد "مراز" والرابع عيد نبي الياس والخامس عيد النبي خدر .


إن معتنقي الديانة الإيزيدية ينظرون إلى هذا العيد ويعتبرونه بأنه " عيد الحب " هذا من جهة، ومن الجهة الثانية هو قريب من عيد الحب العالمي " فالانتاين " يوم تحقيق الأماني وخاصة عند الشباب، فحسب الإعتقاد الديانة الإيزيدية إن الشخص سواء کان فتی أم فتاة إن شاهد في منامە ليلة العيد قد شرب ماء في بيت ما فهذا دليل بأن نصيبە في الزواج سيکون من ذلك المنزل أو قريب منه، أن أکثرية الشباب و الشابات يعطشون أنفسهم في تلك الليلة لتٶکد شربهم الماء في هذە الليلة ويحلمون بنصيبهم وقسمتهم في تلك الليلة المقدسة. ونظراً لقدسية هذا النبي لدی الإيزيديين فهم يصومون ثلاثة أيام متتالية وأعتبار يوم الأثنين اليوم الأول والخميس "عيد" وعند إيزيدية أرمينيا وجورجيا يعتبرون يوم الجمعة "عيد" ، ويتوجب بالضرورة علی کل إيزيدي يحمل أسم خدر أو الياس أن يصوم . وفي ليلة العيد تهيئ ربات البيوت الملابس الزاهية لأبنائها وتقلي کمية من البقوليات وعلی شرط أن يتکون من سبعة مواد من البقوليات " دلالة علی سبعة ملائکة " مثل القمح و الشعير و الباقلاء والحمص و الذرة وحبة الشـمس والبطيخ وسمي ب " قە لاتك " وطحنها بعد القلي سمي ب " پيخون " ثم يوضع في صحن علی مکان مرتفع و معزول أي في غرفة هادئة حتی الصباح وحسب إعتقادهم بأن خدرالياس سيزور المنزل ويترك بصماتە علی هذا الطحين، فيزداد فرحة أفراد العائلة أکثر فرحة و بهجة وبحضور هذە الشخصية لها أي بمعنی في تلك السنة يتحقق کل أمانيهم وأمالهم، ويزداد الخير والبرکة في ملکهم وحالهم . وفي صباح العيد يقوم کل بيت بتوزيع أقراص الخبز سمي ب " صە وك " علی الأقرباء والجيران و الفقراء من أجل موتاهم ، وکذلك تقوم ربة المنزل بعمل الطحين المقلي بالدبس أو العسل ويجبل الخليط علی شکل کرات صغيرة تدعی ب " سە رکين پيخوني " وهذە دلالة علی حلاوة خدر والياس ، وتزور ربات البيوت القبور ومعها الخبز والحلويات بتوزيعها خيرا لموتاهم علی المساکين و الأيتام ، فيجب أن لاننسی هناك أکلة خاصة في صبيحة العيد يدعی ب " جە رخوس " وهي عبارة عن برغل مقلي وحنطة مجروشة ويتم طبخهما کوجبة غذاء العيد، ومن مراسيم العيد أيضا، الناس يقومون بزيارة المزارات و الأماکن المقدسة بشکل مجاميع يهيئون ويتبادلون تهاني وتبريکات العيد من قلوب صافية و يستمر لحين وقت الغذاء وفي أکثرية الأماکن يتناول الجميع الغذاء الجماعي الذي تبرعت بە عوائل القرية ، ويجب علی كل فرد إيزيدي في هذا العيد أن يقص بعضا من شعر الرأس، وحتی النساء يقصن قليلا من شعرهن وتسمی ب " زبکاندن " ويعتبرذلك تزکية دينية ، کما لايجوز الخياطة في هذا اليوم وإستعمال الخيط و الإبرة . كما أن الأطفال يتجولون في القرية ويجمعون حلاوة العيد تعبيراً عن سرورهم بفرحة العيد .


ومن عادات هذا العيد يُحرم على أبناء هذە الديانة تقديم الذبائح التي تقدم في المناسبات والأعياد الأخری، وكذلك يحرم الصيد خلال هذە الأيام المبارکة لأن هذە الأيام مخصصة لخدروالياس، بينما الرجال يذهبون الی حقولهم بکل ثقة وإيمان ويأخذون معهم " پيخون أو جەرخوس " ليرشوها علی مزارعهم طلبا من اللە الخير والبرکة، وعلى الإيزيدي أن يتجنب السفر في هذا العيد، فحسب الإعتقاد الإيزيدي أن النبي خدروالياس يتجولون وحدهم في البراري و هذە الأيام مخصصة لهم من أجل الصيد و السفر وزيارة البيوت.


أخيراً نستطيع القول بأن شخصية النبي خدروالياس ذات خلفية أسطورة تاريخية عريقة وذات مناسبة مشترکة بين الإيزيدية والأديان الأخری، ونتمنی من جلالة الباري أن يعيد علينا وعلى كل أرجاء العالم هذا العيد بألف خير وسلام .


Tariq-heso@hotmail.de


طارق حسو ..... برلين

15-02-2014