المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عضيد جواد الخميسيالمانوية



bahzani
03-26-2014, 18:52
التبشير بالمانوية



عضيد جواد الخميسي


في سنة 240 ـــ 241م وصل التفويض ببث الرسالة الى العالم ، وان رسالة الملاك هي التي عينت ماني رسولا ، وتمشيا مع نصيحة الملاك ، اعلن ماني نبوته ، الى والده والى اعضاء اخرين بارزين في اسرته، وضمن ايمانهم به وتحولهم الى عقيدته ، ونستخلص من هذا الخبر ان والد ماني قد احتفظ بالصلة مع انسبائه واقربائه ، وكان هذا ضروريا لان ماني كان قادرا منذ البداية ـــ اعتمادا على تلك الوسيلة ــ على نيل الدعم الفعال .



كان دين ماني هو مزيج توفيقي من المسيحية ، والعقيدة الزرادشتية مع مرتكزات من عقيدة بلاد الرافدين القديمة وفق الشكل الذي اكتسبته من العقيدة المعمدانية ، واصبحت المسيحية والزرادشتية معتادتين على نوع التقوى الرافدية، لان التقاليد المحلية مارست نفوذا قويا ، لهذا كانت المانوية في وضع اكثر اشراقا بين العقائد الاخرى ، والمعني بهذا عالما اللاهوت المسيحي والزرادشتي ،كي يندمجا في كيان توحيدي اعلى ، يوضع تحت تصرف السكان الاصليين لبلاد النهرين بدرجة متساوية ، هؤلاء السكان ذوي النتاج المقدس المنبعث من العقائد البابلية ـــ الاشورية التقليدية الموروثة ، ولاشك ان هذا كله قد انبأ عن توفر امكانات فرص هامة .

ومع ذلك فان نشاط ماني الاجتماعي العام لم تكن بدايته في بلاد الرافدين ـــ كما هو متوقع ـــ بل في الهند، ويخبرنا هو عن ذلك بقوله في نص جاء باللغة القبطية [ بدأت التبشير في السنين الاخيرة لحكم الملك اردشير ، فقد ابحرت الى بلد الهنود ، وبشرت بينهم بأمل الحياة ، واخترت هناك نخبة جيدة ] .


لقد ذهب ماني الى الهند ،ومن المحتمل ان رحلته لم تذهب به ابعد من اقليمي مكران وتوران الفارسيتين اضافة الى المناطق الشمالية الغربية من الهند وقندهار [ اي الى المناطق التي تالفت منها باكستان ] فقد كانت الاقاليم الشمالية الغربية من الهند واقعة منذ ذلك الحين ، اي في حوالي سنة 130 ق.م ، تحت النفوذ الفارسي الشديد ، وبشكل ادق تحت النفوذ الفرثي ، ففي هذه المناطق لربما كان ماني قادرا ــ على الاقل بين الاوساط العليا ـــ على جعل نفسه مفهوما بالتعبير عما كان يريده بلغته الفرثية الام .

ولم يقدر نشاط ماني في الهند ان يدوم طويلا ، ولم يكن عليه ان يمكث هناك مدة تزيد عن السنة ، فقد جاء في روايته قوله [ في السنة التي توفي فيها الملك اردشير ، واصبح ابنه شابور ملكا وخليفة له ،ابحرت من بلاد الهند الى بلاد فارس ، وسافرت من بلاد فارس الى بلاد بابل ، الى ميشان ,, ميسان ,, وخوزستان ] وكان لشابور ــ ملك الملوك ــ اخ يسمى مهرشاه ، كان اميرا على اقليم ميشان ، وقد كسبه ماني الى دينه هو واخوه فيروز، وعليه انتقل ماني الى اقليم ـــ اشورستان ـــ ثم الى اقاليم ميديا وفرثيا ، كما انه نجح اثناء اقامته في طيسفون في اقامة علاقات مع الملك العظيم شابور وجرى استقباله من قبل الملك الجديد ، وحظي بثلاث مقابلات متتالية معه ، وكان برفقة ماني في مقابلته الاولى ، ابوه ، واثنان من تلاميذه هما شمعون وزكوا ,, وكلاهما اسمان سريانيان ,, وقدم للملك بهذه المناسبة كتابه الاول ,, كتاب شابور ,, والذي هو ــ بالمناسبة ــ كتابه الوحيد الذي كتبه بالفارسية الوسيطة .

وتذكر المصادر المانوية ان شابور قد تاثر بعمق برسالة ماني ووافق على السماح له بنشر تعاليمه بكل حرية ، وفي كل مكان من الامبراطورية ، ويقول ماني نفسه ، ان الملك العظيم قد بعث بتوجهاته الى السلطات المحلية في كل مكان لتقديم حمايتها للدين الجديد اسوة بالديانات الاخرى ،المسيحية واليهودية والمندائية وباقي الديانات البابلية ، ويقص علينا في سيرته في سيرته قائلا [ مثلت امام الملك شابور، واستقبلني بحفاوة كبيرة ، ووافق على ان اتجول في بلاده ، وابشر برسالة الحياة ، وامضيت كذلك ؟... اعواما مع حاشيته ] ، كما يروي عن مقابلته الاخيرة الحاسمة مع الملك العظيم قائلا -;- [ كان الملك شابور قلقا عليّ ، فكتب رسالة توصية ودفاع عني الى جميع الاشخاص البارزين ، بالعبارات التالية ,, ساعدوه ودافعوا عنه بحيث لايخالفه احد او يعتدي عليه ,,] ..


وهكذا نعلم ان مؤسس المانوية قد امضى عددا من السنوات بين اتباع الامبراطور ، وهذا يعني ان ماني قد انتسب الى اسرة الامبراطور ، وكان واحدا من الاتباع الملكيين، ولهذا دلالته وعلاقاته بالنظام الاقطاعي ، ويعني وجود رباط خاص للطاعة والاخلاص بين ماني وشابور ، وبهذه الاهلية ذهب ماني مع سيده المرتبط به ورافقه ضمن اتباعه في حملاته العسكرية .

وحققت الحملات لشابور نجاحات عسكرية وسياسية باهرة ، وبدأ الامر عام 260م كما لو ان شابور سيعيد تاسيس الحكم الاخميني في اسيا الصغرى ، ويفسر هذا كيف ان ,, كرتير ,, موبذموبذان الديانة الزرادشتية في بلاطه قد حصل على سلطات مطلقة من الملك العظيم ــ كما سجلها في نقوشه ــ ليعيد من جديد تاسيس الدين الايراني ,, الزرادشتي ,, مع هياكل ناره في الاقاليم المحتلة لاسيا الصغرى، حيث كان قد سلف لطبقة ارستقراطية اقطاعية ايرانية الاستقرار هناك منذ عدة قرون ، ونعم فيهاالرهبان الزرادشت بموقع سلطوي قوي ، وذلك وفق مارواه الجغرافي سترابون .

وبما ان كرتير ــ وفق روايته الشخصية ــ قد اشرف بنفسه على تجديد هياكل النار ، فمن الواضح ايضا انه كان مع الجيش خلال زحفه في الحملات العسكرية ، وبالنتيجة كان كل من ماني وكرتير ــ اللذين اصبحا متعاديين فيما بعد ــ في حاشية الملك العظيم .


ومن العدل ان نفترض ان شابور لم يكن قد اتخذ بعد اي قرار بتقديم اعتراف رسمي لاي دين من الاديان كان يمكن ان يقع اختياره عليه في مثل تلك الظروف ، واذا كان لابد من ايجاد جل لهذه المعضلة ، فان المانوية كان امامها الكثير كيما تعتمد ، لكن وجود كرتير وماني في حاشية شابور ، يوحي بان الملك الساساني قد رغب في ابقاء كل من البديلين تحت تصرفه.

ومهما يكن الحال فقد قوي الوضع القائم وتمتن خلال الثلاثين سنة التي حكم فيها شابور ، علما بان الامور بدت كما لو ان الفرص كلها كانت مهيأة امام المانوية لتصبح الديانة الرسمية للامبراطورية الساسانية ، غير انها لم تصبح الديانة الرسمية كما طمح ماني وتمنى ، ولانعرف المعايير التي اعاقت شابور على الاقدامعلى اتخاذ خطوة كهذه ،ولكننا نستطيع بكل ثقة ان نقدر حق القدر قوة التقاليد المحافظة التي ورثها من اسلافه ،كهنة زرادشت في [ تخت طاووس ] ـــ اصطخر,, شمالي شرق ايران ,, ـــ ، ففي نقشه الكبير يبزغ شابور من وسط الوصايا والتقاليد الموضوعة للطقوس الروحية لاسرته كأمير زرادشتي تقليدي ، اي زرادشتي بالمعنى التوفيقي المقبول للكلمة في ايامه ، لقد كان هذا موقفه الرسمي ،ومن الجائز لنا ان نفترض ان ميوله الذاتية ومشاركاته الوجدانية كانت مع ماني ، فبدون ذلك يصعب تفسير مواقفه المتعاونة معه وتسهيل الحماية والخدمات له ..[يتبع] .


المصادر

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماني والمانوية ــــ جيووايد نغرين
المانوية ــ المؤسس والعقيدة ـــ باريس 1949
ابحاث حول المانوية ــ كومونت ــ بروكسل ــ 1912
ديانة المانويين ــــ كوغنر وبوركت ــ كمبردج ــ 1925

bahzani
03-26-2014, 18:54
اصل المانوية من بلاد الرافدين

عضيد جواد الخميسي


عاش في حوالي 200 بعد الميلاد ،امير فرثي اسمه فتك ، كان من اصل شكاني ، عاش في مدينة همذان عاصمة اقليم ميديا ، وكان متزوجا من سيدة حملت اسم مريم ، وكانت مريم تنتمي الى اسرة كمسركان، وهي اسرة امارة من اسر الدولة الفرثية ، كما انها كانت فرعا من فروع الاسر الاشكانية الحاكمة للامبراطورية الفرثية ، وهي الاسرة التي قدر لها ان تشغل دورا بارزا في تاريخ ارمينيا ، وعليه فان الدم الملكي الاشكاني الذي اسهم به الابوان قد سرى في عروق الابن الذي كتب لمريم ان تلده .
غادر فتك همذان ، واتخذ مقرا له في طيسفون ـــ سلوقية ، وهي العاصمة الامبراطورية ، وغالبا ماتنقل الاقطاعيون الكبار وتناوبوا السكنى بين مقراتهم الريفية ، والقصور الفخمة في العاصمة ، هذا ويبدو ان انتقال فتك من موطنه اقليم ميديا كان بصورة دائمة .
يخبرنا احد المصادر العربية [الفهرس ــ للنديم ] ، كان فتك يحضر في ,, بيت الاصنام ,, كما سائر الناس ، فلما كان في يوم من الايام ، هتف به من هيكل بيت الاصنام هاتف ( يافتق لاتاكل لحما ، ولا تشرب خمرا ،ولا تنكح بشرا ، تكرر ذلك عليه دفعات في ثلاثة ايام ، فلما راى فتك ذلك لحق بقوم كانوا بنواحي دستميسان ــ ميسان حاليا ــ معروفين بالمغتسلة( النص العربي جاء بكتاب الفهرست للنديم ابو فرج محمد بن ابي يعقوب اسحق المعروف بالوراق 380ه ـــ 990م عن حادثة بيت الاصنام كما اسماه ،يلاحظ ان هناك فارق زمني كبير بين وقع الحدث والذي حصل في بداية القرن الثالث ، والقرن العاشر الميلادي ـــ تاريخ تاليف الكتاب ـــ ،اي ان الفارق الزمني يقارب ثمانية قرون ، كما ان ليس هناك ادلة تؤيد ماذهب اليه النديم ،سوى مانقل اليه عن ..ومن.. والى فلان ثم فلان بدون ادلة منطقية تجعلنا نعتمد هذه الحادثة، كم ان هناك سبب ضعف هذه الرواية ،هو صيغة االعبارة التي تلقاها فتك من آمره ، لاتاكل لحما، ولاتشرب خمرا ،ولاتنكح بشرا ،تتكرر عليه في ثلاثة ايام ، هي في حقيقة الامر ،ان الديانة المندائية تمارس طقس الصوم لعدد من المرات خلال السنة ،يمتنع فيها افرادها عن ذبح الحيوانات واكلها ،والامتناع عن ممارسة الجنس او شرب الخمر والابتعاد عن الكثير من السلوكيات والتي تتعارض مع مبدأ هذا الطقس المقدس ,والتفرغ للعبادة .. ) ، ومهما يكن الامر ، فقد حملت مريم بعد مدة وجيزة من حادثة بيت الاصنام بولد سمته ,, ماني ,, ويمكن تحديد ميلاده على انه حدث في نيسان 216م..
وبالطبع نجد ان الاسطورة المانوية ، قد زخرفت هذا الحدث بكل انواع البشائر الاعجازية الرائعة ، فمن المفترض مثلا ان ام ماني قد علمت عن طريق الرؤى والالهامات بما قدر لابنها من مواهب وعظمة مقبلة ، زد على هذا انها راته يصعد الى السماء ثم يهبط منها ، وهذه المسالة الاخيرة هي الناحية التي تستبق قيام التقاليد الغريبة المتعلقة بصعود ماني الى السماء وتختلف الروايات حول تحديد مكان ولادة ماني ،ولكن الرواية الاصح هي في بلاد بابل الشمالية ..

سوآل يتبادر الى الذهن ، ماذا كان هذا الدين ؟ استنادا الى الظروف ، لابد انه كان دين طائفة معمدانية ، لان هناك تسمية وردت لدى الكاتب السرياني ثيودور بار ـــ جونيه ,, منقضي ,, و ,, هلي ــ هواري ,, وتعنيان على التوالي ,, الذين يطهرون انفسهم ,, و,, حلل بيضاء ,, . ويلاحظ ان العديد من طوائف الكهنوت قد استخدمت الاردية البيضاء مثل ,, البراهميون ، المندائيون ، والزرادشتيون ، والكهنة السريان في دورا ـــ اوريوس ,, .
تروي الكتابات القبطية المانوية كيف ان احد الحواريين سال ماني عن الكائنات السماوية التي يقدسها اهل الفطرة ، فاجابه ماني مشيرا الى الحياة الاولى ، والحياة الثانية ، وبلا شك الى الحياة الثالثة ايضا ,, النص لسوء الحظ مفتت في هذا المكان في النص القبطي ,, كما ان هذه التعاريف موجودة بدقة في الادب المندائي القديم . وعليه يقودنا تصريح ماني مباشرة الى المندائية ، وبفضل التواؤم الذي يميز كل من الميثولوجيا المندائية والمانوية ومظهرهما التأملي ، وطقوسهما الدينية والعديد من تعابيرهما المتخصصة يمكننا ان نفترض بكل ثقة ان,, فتك ,, قد انضم الى طائفة المندائيين في بلاد بابل الجنوبية ،وان ماني قد نشأ وترعرع في وسط هذه الطائفة المعمدانية .. وتواجهنا هنا بعض العقبات -;- لقد فرض على ,,فتك,, الالتزام ببعض مظاهر الزهد والتقشف ، وهي الامتناع عن تناول اللحوم ،وعن شرب الخمر ، والتزام باصول وضوابط الصيام ، والصلاة والتعميد بالماء الجاري حتى في اقسى الظروف المناخية ،ليتعود الصبر والجلد ، والمندائية كما هو معلوم من حيث المبدأ عقيدة تقشف ، و يلاحظ ان الكتابات المندائية تردد في اماكن مختلفة مواعظ ضد الجشع والطمع ، وكنز الثروات ،والزنى ،والربى ، والرياء ،والكذب والسرقة ، والقتل ، والاذلال ،والى ماهناك من تحذيرات ووصايا ،لذلك من الواضح انه كان لدى المندائية نزعة شديدة نحو الاخذ بمنهج حياتي متقشف وعفيف ، وفي هذا الوسط ترعرع ماني ، لذا فان الاستنتاج في البحث الجديد ،والذي يقول ,, نشأ ماني في جنوبي بلاد بابل ، وفي وسط طائفة معمدانية ،هي بلا شك الطائفة المندائية ، وهناك تلقى بوضوح مؤثرات كانت حاسمة لمستقبله . وتذكر المصادر ، بانه ولما تم لماني اثنتا عشرة سنة اتاه الوحي للمرةالاولى ـــ وكان هذا سنة 228، 229م ، وكان محتوى رسالة الرسول السماوي لماني ,, اعتزل هؤلاء القوم ،فلست منهم ، وعليك بالنزاهة ،وترك الشهوات ، ولم يئن لك ان تظهر لحداثة سنك ,, وبناء على ذلك هجر ماني الطائفة المعمدانية التي كان قد التحق بها ولازمها حتى تيك الساعة تمشيا مع ارادة والده ، هذا ويروي ثيودور بارـــ جونيه ، بان تلك الطائفة المذكورة انفا ، لم تكن قادرة على التساهل معه ، لذلك تخلصت منه ..
وبقي ماني يعيش في عزلة تامة ، وذلك تنفيذا لاوامر الرسول السماوي ، واستنادا الى التطورات اللاحقة يمكن الحكم انه امضى مدة الاعداد هذه في دراسة الاداب المقدسة التي كانت آنذاك متداولة في حضارة بلاد الرافدين ، وفي التأمل في جميع مادرسه ، ولابد ان هذا التأمل وهذه القراءة قد انضجتا قناعاته ، ومهما يكن الحال تم الان اكمال المرحلة لاعداده وتطوره الديني ، وهي المرحلة التي يمكن ان نسميها المرحلة المندائية ..

انتشار المانوية ليس في بلاد الرافدين ، موضوعنا القادم .

المصادر-;-
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المانوية ـــ المؤسس والعقيدة ـــ بوخ ـــ باريس 1949
مجلة معهد الدراسات الشرقية والافريقية ـــ لندن ـــ 1943
المانوية ـــ جيووايد نغرين
اوراق سرية عرفانية مصرية ـــ دورسي ـــ باريس 1958
المندائية ـــ كونتجن 1960 ـــ 1961