المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د.عدنان زيان فرحان:سياسة العثمانيين تجاه إيزيدية سنجار 1726-1876 القسم الاول



bahzani4
05-10-2014, 10:36
سياسة العثمانيين تجاه إيزيدية سنجار 1726-1876
القسم الاول
عانى الايزيديون المآسي والاضطهاد على يد السلاطين العثمانيين وولاتهم في الولايات المجاورة لهم، فقد شنّ هؤلاء حملات عسكرية متتالية على مناطقهم والتي رافقتها عمليات نهب وسلب وحرق وتدمير لقراهم، وسبي لنسائهم واطفالهم تلك الحملات التي اثرت سلباً في نفسية الايزيديين؛ إذ مازالوا يذكرون احداثها كصفحات سوداء من تاريخهم والتي تعرف عندهم بـ (الفرمانات). ومن الجدير بالذكر انه لا تتوفر في المصادر التاريخية سوى معلومات نادرة عن تلك الحملات التي شنت بحق الايزيديين في القرون الثلاثة ألاولى من السيطرة العثمانية، أي حتى القرن التاسع عشر، حيث تم التطرق إليها في اطار تناول المؤرخين لاحداث المنطقة واخبار السلاطين العثمانيين وولاتهم، لذلك لا تتيسر بين يدي الباحث معلومات كافية لمعرفة تفاصيل تلك الحملات.


تمثلت سياسة الدولة العثمانية العامة تجاه الايزيديين خلال القرن الثامن عشر بتوجيه حملات عسكرية متعاقبة صوب مناطقهم في شنگال والشيخان، كانت تلك الحملات يقودها غالباً حكام الولايات المجاورة خاصة ولايتي بغداد والموصل()، وكان نتيجتها تحمل الايزديون القتل، والسبي، والتخريب(). وقبل الدخول في تفاصيل تلك الحملات لا بد من توضيح الحجج والأسباب التي اتخذها العثمانيون كذرائع؛ لتبرير حملاتهم العسكرية اللا انسانية ضد الايزيديين.
ومع ان تلك الحملات كانت تدخل في اطار السياسة العثمانية العامة ازاء الايزيديين ومناطقهم؛ لعدهم كفرة ومرتدين حسب وجهة النظر العثمانية انذاك، ولكنها كانت تشن على الايزيديين بحجج أخرى أيضاً، وتعد مسألة خروجهم عن القانون وممارستهم اعمال الشقاوة من قبيل النهب، والسلب، وقطع الطرق()، ومهاجمة القوافل التجارية المارة بين الموصل وماردين()، وهذه ظاهرة كانت موجودة لدى معظم العشائر في الدولة العثمانية انذاك()، الا أن الولاة العثمانيين اتخذوها ذريعة لاضطهاد الايزيديين، وشن الحملات العسكرية على مناطقهم في كوردستان الجنوبية، والقيام بسلب، ونهب اموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم.
ومن خلال مراجعة احداث تلك الحملات، أن هناك عوامل أخرى دفعت بالدولة العثمانية إلى انتهاج تلك السياسة تجاه الايزيديين، وفي مقدمتها العامل المادي المتمثل في محاولة الاستيلاء على ثروات الايزيديين ونهب مقدراتهم المادية والبشرية، وغالبا ما يكون هذا العامل المار ذكره هو الرئيس في شن تلك الحملات، اذ كانت عمليات النهب والسلب، ناهيك عن امتلاك الرقاب ترافق معظم الحملات العثمانية. ومما هو جدير بالذكر ايضا، أن الولاة كانوا يتخذون منها في احيان عديدة وسيلة للتقرب بواسطتها من السلطان ودوائر استانبول، فيفوزون برضا المسوؤلين فيها، وينالون الحظوة لديهم، ولكي يحصل هؤلاء الولاة على ثقة السلطان، يعمدون غالباً إلى ارسال بعض الرؤوس الايزيدية المقطوعة إلى استانبول لتكون دليلا للظفر على تلك المناطق المنكوبة. كذلك كان مماطلة الايزيديين في دفع الضرائب إلى الدولة سبباً آخر وراء تلك الحملات، اما بسبب عدم قدرتهم على دفعها نتيجة لسوء ظروفهم الاقتصادية، أو بسبب تعسف جباة الضرائب العثمانيين في جباية الضرائب منهم(). فضلا عن امتناع الايزيديين في أداء الخدمة العسكرية في الجيش العثماني الذي كان عاملا آخراً للفتك بهم.
كانت القوة المسلحة تعد الأسلوب الأكثر شيوعاً في تعامل سلطات ولايتي بغداد والموصل مع الايزيديين، لذلك تعرضت مناطقهم إلى العديد من الضربات العسكرية. ورغم ان جميع تلك الحملات تتشابه بعضها مع البعض إلى حد كبير من حيث انها كانت تصاحبها القسوة والبطش بدون رحمة أو شفقة مع الغدر في بعض الأحيان، ولكن حملات بغداد كانت تتميز عن تلك الحملات التي توجهها ولاية الموصل في العديد من النواحي، اذ انها كانت تتمتع بشكل عام: بوضوح الهدف، والضخامة، ودقة اكبر في التنظيم، كما كانت اكثر (حظاً) في تحقيق اهدافها، اما حملات ولاة الموصل فكانت اشبه بغارات عشائرية محدودة هدفها النهب والمغانم المادية فقط، كما أن النجاح لم تحالفها دائما()ً.
كذلك تميزت تلك الحملات بحشد كافة القوى الممكنة لتسليطها على المناطق الايزيدية، فضلاً عن الهجمات المشتركة ولايتي بغداد والموصل كانت غالبا تلحق بهما قوات أخرى()من الأغوات الكورد()والعديد من العشائر العربية().
- إيزيدية سنجار وحكام بغداد:-


يعود تاريخ اصطدام الإيزيديين بالسلطات العثمانية في إيالة بغداد إلى اوائل القرن الثامن عشر, عندما قررت الدولة العثمانية إلحاق منطقة سنجار ومقاطعة ماردين بإيالة بغداد بدلا من إيالة ديار بكر, التي فشلت في تحقيق الهدف العثماني الرامي إلى اخضاع ايزيدية هذه المنطقة الإخضاع التام والقضاء على نفوذهم في القرن السابق.
وبعد هذا الاجراء الاداري العثماني توفرت عوامل عديدة لتدهور حدة العلاقات بين الإيزيديين وحكام بغداد وبلوغهم حد الصدام المباشر, حيث كان للايزيديين شخصيتهم القائمة بنفسها, وفي اعتقاد ولاة بغداد انهم كفرة يجب قتالهم, وذلك يرجع إلى الفتوى التي صدرت من قبل شيخ الإسلام في القرن السادس عشر, وبالتحديد في عهد السلطان سليمان القانوني كما ذكرنا سابقا, وكان السبب الاخر لتزايد عمق الكراهية بين الطرفين هو ان الإيزيديون كانوا قادرين على قطع الطرق الهامة المارة بين العراق والشام والاناضول, وكان خطرهم يتردد صداه في العراق كله وفي الاستانة, وكانت السلطات العثمانية في الموصل أيضا عاجزة عن السيطرة عليهم, فكلفت بغداد بدرء خطرهم.
لم يكن اخضاع الإيزيديين في جبل سنجار بالمهمة السهلة التي كان ينتظرها حكام بغداد, حيث كانت لدى العشائر الإيزيدية التي تسكنه ما يزيد على ستة الاف رجل مسلحين بالبنادق عدا الفرسان المسلحين بالرماح, كما ان اماكنهم محصنة من كل الجهات الأمر الذي جعلهم ذي قوة وذي شكيمة, لذلك كانت حملات حكام بغداد ضدهم تتسم بالقوة والضخامة والتنظيم, فقد جرد من إيالة بغداد خلال القرن الثامن عشر اكبر حملتين عثمانيتين ضدهم, الأولى كانت سنة 1715م تحت قيادة حسن باشا, والثانية سنة 1752م قادها سليمان باشا ابي ليلة.
يبدو ان التغيير الاداري العثماني في إلحاق منطقة سنجار بإيالة بغداد كان في صالح ايزيدية سنجار, فبدلا من ان يسفر عنه تقويض نفوذهم, نراه يؤدي إلى استمرار سيطرتهم على مناطقهم وامتدادهم إلى المناطق المجاورة, ويصف رحالة فرنسي في مطلع القرن التاسع عشر محاولات حكام بغداد لإخضاع ايزيدية منطقة سنجار بقوله: ((ولقد لاحظت هنا كيف جرب باشوات بغداد في مختلف العصور اخضاع اليزيدية, ومهاجمتهم بقوات كبيرة, لكنهم لم يصيبوا النجاح في ذلك دوما)). فعلى الرغم من تعدد حملاتهم العنيفة, فانها لم تكن لتنتهي ابدا بتحقيق اهدافها في إخضاعهم بشكل نهائي, وسبب ذلك لانهم كانوا قوم اشداء متمنعون في جبالهم المنيعة فلا يلبثون ان يستأنفوا نشاطهم الذي تراه الدولة العثمانية وسلطاتها في بغداد معاديا لها, فهم وحدهم الذين تمسكوا بمعتقداتهم الخاصة, بينما معظم كوردستان سني المذهب


ان الحملة التي قادها والي بغداد حسن باشا (1704- 1723) () في سنة 1715 تعد من أكبر الحملات العثمانية التي شنت ضد الايزيديين خلال القرن الثامن عشر()، إذ حشد حسن باشا جيشاً كبيراً ضم بين صفوفه قواتاً من شهرزور وبعض البيكات الكورد()، وسار به صوب شنگال، ورغم ضخامة جيشه واستخدامه المدفعية إلا أن الايزيديين عزموا على المقاومة فتحصنوا في موقع بالجبل يقال له (دير العاصي)()، واتخذوه كملاذ للدفاع عن انفسهم()، وتصدوا للحملة بعد ان أقاموا المتاريس والطوابي الدفاعية هناك() وعندما قاربهم العسكر العثماني "ابتدروه بالنزال، وقابلوه بالحراب والنبال، وقاتلوه بالاحزاب والأبطال فاشتعلت بينهم نيران الحرب، وكثر بين الفريقين الطعن والضرب"() ، ولكن الايزيديين لم يتمكنوا من الصمود امام هذا الجيش الكبير الشرس الذي يفوقهم في العدد والعدة والذي واصل هجومه على حصونهم وبطش بهم وقتل خلقا عظيماً منهم وتفرقت جموعهم()، وهرع من تمكن منهم النجاة، بعياله ورجاله وخيله إلى اخر معقل لهم يدعى (الخاتونية) ()، فلاحقتهم القوات العثمانية وحاصرت القلعة المذكورة من جميع جهاتها()، لكن المحاصرين لم يبقوا مكتوفي الأيدي تجاه هذا التنكيل، ولهم من القوة والشجاعة ما ليس للجيش الحكومي() فغامروا في التصدي للحملة التي يعرفون صعوبة الانتصار عليها ويبدو انهم قد تعودوا على معاملة العسكر العثماني في الحملات السابقة، لذلك فضلوا الموت على الاستسلام، فدارت معركة ضارية قتل فيها الكثير من رجال الطرفين من بينهم كهية الوالي()، وفي اليوم التالي بعد ان يأسوا من القتال وتيقنوا بانه ليس بمقدورهم الاستمرار في المقاومة والدفاع، اضطروا إلى طلب الامان من حسن باشا، فمنحهم الأخير الأمان والعفو الا انه نكث وعده وغدربهم، فقتل الكثيرين منهم من بينهم عدد من مشاهير رجال جبل شنگال وهم ديللو، مندو، عباس اخو مندو، خركي وسواس، وهكذا كان النصر حليف قوات حسن باشا(). و ارّخ الشعراء والكتاب هذه الحملة بـ (غزوة حسن)(). ومما تجدر الإشارة اليه ان الذين وقع عليهم هذا التنكيل أغلبهم من عشيرتي السموقيين والقيرانيين من سكان شمالي شنگال لقربهم من الخاتونية الذين لجأوا اليها وكان تنكيلا قاسيا ومرّاً؛ إذ مازال الايزديون يذكرون هذه الوقعة وهذا التنكيل في أغانيهم الشعبية ويتوجعون لها().
تختلف المصادر التاريخية بشأن وصف تلك الحملة وما قام به عسكر حسن باشا من الاعمال اللا إنسانية إزاء ايزيدية شنگال انذاك من قبيل السلب والنهب، والقتل، وسبي النساء، والبنات. ويذكر ياسين العمري()بهذا الصدد قائلاً:"...ونهب بعض القرى فيه، وقتل من اليزيدية خلقاً كثيراً، وغنم منهم مالا جزيلا، وملك اغنامهم واسر من اطفالهم ونسائهم، وعاد منصوراً " وفي كتابه غاية المرام يذكر تلك الحملة بقوله:" احل باهله الدمار ونهب وسلب وقتل وعطب حتى اذلهم وافقر غنيهم"() ، اما السويدي فيقول():" ... هلك اكثر خيلهم ورجال من بندق التفك ورشق النبال فدخل القرية عنوة ومحقهم بسيف الانتقام وحصل بذلك للمسلمين الانتظام واسر النساء والاطفال واغتنم الجند الاموال، وابتاعوا نساءهم وبناتهم واماءهم وعاد الوزير منصوراَ...".
وبعد نجاح حملة حسن باشا، وبسط سيطرته على ايزيدية شنگال قام بتفويض حكم المنطقة إلى رئيس قبيلة طي العربية محمد الذياب التي أصبحت تابعة لولاية بغداد(). يبدو على الرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذها حسن باشا في حملته المذكورة، انه لم يحقق ما اراده، لذلك عاد في عام 1718، لغزو جبل شنگال مرة أخرى ، فقتل من أهلها الرجال، وأسر العيال واغتنم الأموال ورجع().
وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر تجددت الحملات العسكرية العثمانية ضد الايزيديين في كوردستان الجنوبية، وبالتحديد توجهت في عام 1752، حملة عثمانية ضخمة تحت قيادة والي بغداد سليمان باشا ابو ليلة (1750-1762) لإخضاع الايزيديين في شنگال، وتقويض قوتهم التي أصبحت تهدد مصالح الدولة العثمانية حسب ما كانت تراه(). ضمت الحملة -التي نحن بصدد الحديث عنها- العديد من العشائر العربية مع قوات بعض الإمارات الكوردية إلى جانب جيش الموصل الذي انضم اليها عندما وصلت الحملة المدينة المذكورة. ويبدو أن الايزيديين قد علموا بامرها مبكرا، وعرفوا بصعوبة ملاقاتها، لذلك ذهب بعض رؤسائهم إلى الوالي طالبين الامان والعفو حينما كانت الحملة ماتزال في كركوك، ولكن ابو ليلة تمكن بدهائه من استغلال ذلك الانشقاق الذي دب في صفوف الايزيديين لكسر شوكتهم. فأمر بترحيل ثلاثة الآف ايزيدي من أولئك الذين تخلوا عن أشقائهم إلى جهات ماردين، بعد أن أعطاهم ما طلبوا من العفو والأمان. اما فيما يتعلق بوقائع الحملة بعدما وصلت شنگال فتتضارب الروايات حولها، إذ تذكر الرواية الايزيدية المحلية بان السكان لاذوا بالفرار لاجئين إلى الكهوف والمغارات عندما علموا بضخامة الحملة، فلجأ سليمان باشا إلى الحيلة لاستدراجهم وذلك حينما أرسل إلى بعض عشائرهم ليبلغهم استعداده للعفو عنهم شرط ان ينزلوا مع اولادهم ونسائهم وأموالهم عارضين عليه الدخالة. فقبل الايزديون ذلك مضطرين ولكنهم طوقوا بالجنود وجردوا من أسلحتهم بعد تطمينهم، ليتعرضوا اثناء الليل إلى عملية إبادة لم ينج منها الإ بضعة اشخاص، وذلك باستثناء النساء اللاتي تعرضن للسبي. ويؤيد الدملوجي هذه الرواية التي حفظتها حسب اعتقاده الاناشيد الشعبية التي يرتلها الايزيديون في نواديهم بطريقة مثيرة للعواطف. اما ياسين العمري فيؤيد هذه الرواية ضمناً، اذ يدون() ذلك في زبدة الاثار قائلاً: "ثم نزلوا يطلبون منه الامان، واقاموا في واد هناك، فامر العساكر فحملوا عليهم من كل مكان، وقتلهم عن اخرهم، وكانوا اكثر من الف رجل ومعهم بعض النساء وقتل من العسكر نحو مائتين"(). ويحاول نفس المؤلف في مكان اخر ان يجد تسويغاً للوالي في غدره هذا فيذكر بانهم حاولوا الغدر بالجنود فاحس بهم الوالي" وامر بقتلهم فقتلوهم عن اخرهم وسبي نسائهم وأطفالهم". اما المصادر الأخرى التي تمثل وجهة النظر العثمانية فكان من الطبيعي ان تهمل صفحة الغدر بالايزيديين، وذلك في الوقت الذي يفتخر فيه سليمان باشا بما فعله من قتل وسبي ونهب وتدمير ليتمكن بذلك من السيطرة على طرف القبلة من جبل شنگال().
الا ان مهمة الوالي المذكور لم تنته بهذه السهولة اذ تحصن الباقون من السكان في ذروة جبل عال بطرف الشمال يقال لها قلعة بولاد فاضطر إلى تحويل قواته إلى تلك الجهة. وعندما قاوم اولئك المتحصنون مقاومة ضارية رغم النيران التي انهالت عليهم من بنادق ومدافع القوات المهاجمة، لجأ الوالي إلى الضغط عليهم بواسطة قطع المياه الجارية عنهم مما اثر في مصير مقاومتهم، فاستولى الوالي على القلعة وبلغ عدد من قتل فيها اكثر من ثلاثة الآف رجل غير النساء والاطفال الذين زهقت ارواحهم اثناء اشتداد المعركة، فتم ارسال ثلاثة مائة راس مقطوع إلى استانبول. أما النساء والأطفال الذين وقعوا في ايديهم وكانوا يبلغون اربعة الآف وخمسمائة فقد أصبحوا غنائم تضاف إلى ما حصلوا عليها من اموال وممتلكات الايزيديين المقهورين()، ويقول الكركوكلي بهذا الصدد" فلما وصل الوزير بجنوده ضيق عليهم الحصار، واصلاهم ناراً واسراً، وسبى نساءهم، وغنم اموالهم واسلحتهم، ودمر اماكنهم، واقتلع بساتينهم واحرق مزارعهم، وحز اعناق الكثيرين من رجالهم، وأرسل نحو ثلاثمائة رأس منهم إلى الاستانة، ثم عفا عن الباقين وعاد إلى بغداد"(). ويدل ذلك على عظم الكارثة التي حلت بالايزيديين. فنال الوالي بواسطة هذه الحملة امتيازات معينة من السلطة ومسؤوليها، كما فاز بمدح الشعراء الذين اشادوا بانتصاره(). فضلاً عن ان السلطان اهداه خلعة ووساما من الفرو الفاخر تقديرا لانتصاره في حملة شنگال(). كما أرسل الوالي بهدايا أخرى لكثير من رؤساء القبائل الكوردية والعربية والوجهاء الذين شاركوه في الحملة العسكرية على شنگال ووزعت هذه الهدايا والاوسمة في احتفال مهيب().
تاسيساً على ما سبق فأن السياسة التي مارستها الدولة العثمانية ازاء الايزيديين خلال النصف الاول من القرن الثامن عشر كانت سياسة عسكرية قاسية هدفت إلى كسر شوكت الايزيديين الذين لم يتعودوا على الخضوع لسلطة الحكومات المركزية، وقهرهم بالقوة واخضاعهم لسيطرتها المباشرة، كانت الدولة لا تراعي في هجومها على الايزيديين اية قواعد حربية فكل شيء بالنسبة لها كان مباحاً، وتمخضت عن تلك السياسة اضطهاد الايزيديين وجلب الكثير من المآسي والمتاعب لهم.


تواصلت حملات بغداد ضد الكورد الإيزيديين في القرن التاسع عشر, فقد استمرت سياسة المماليك السابقة على حالها تجاههم, ويقول أحد المؤرخين بأن وقائع الإيزيدية كانت أهم ما يشغل بال حكومة بغداد خلال هذه الفترة, الا ان الحملات لم تكن لتشن دون توفر الفرص المناسبة, لذلك قام علي باشا (1802-1807م) الذي خلف سليمان باشا الكبير في حكم بغداد بتوجيه حملة إلى سنجار سنة 1802م لمقاتلة الإيزيديين الذين كانوا يقطعون الطريق ويقتلون الناس وينهبون الاموال وفقا لقول أحد الباحثين, ويقول مؤرخ اخر: ((اقبل علي باشا والي بغداد لتأديب بعض قبائل اليزيدية الذين كانوا قد قطعوا السبل فحمل على سنجار…واجبر العصاة على الطاعة)).
بينما يذكر عباس العزاوي بأنه كان قد عزم الرجوع إلى بغداد بعد ان اخضع عشائر البلباس الكوردية, لكنه لما علم ان ((اليزيدية في جبل سنجار طغوا وتزايد ضررهم)) تحرك من اربيل إلى سنجار ونكل بهم, ويورد مؤرخ آخر انه بعد اخضاع عشائر البلباس, فكر علي باشا في أمر اخضاع ايزيدية سنجار كذلك, والذين كانوا يسببون المتاعب منذ أمد طويل لاهالي الموصل حسب رأيه باعتداءاتهم وشرورهم, فكان توجيه حملة عسكرية ضدهم في تلك الأيام, حيث سنحت الظروف فرصة ملائمة جدا لوالي بغداد علي باشا, ويؤيدهم صاحب دوحة الوزراء بقوله: ((وعلى اثر استعداده للعودة }يقصد من اربيل بعد اخضاع قبائل البلباس{ تلقى شكوى من سكان سنجار وما جاورها ضد اليزيدية الذين لا يتقيدون بنظام أو قانون, فاضطر ان يتجه نحو سنجار لمعاقبتهم)), وجاء في مطالع السعود ضمن حوادث سنة 1802م ما يلي: ((وفيها غزا الوزير علي بعدما وردت اليه الإيالة وعرف الخاص والعام انها له البلباس من الاكراد فاطاعوا واعطوه ما اراد, ثم انقلب منهم بعسكره الجرار, وعبر الدجلة من الموصل لمقاتلة اهل سنجار… فترل شمالي ذلك الجبل, وجاهد…بالسيوف والأسل)). ويبدو ان الهدف الحقيقي للحملة كان القضاء على الاستقلال الذاتي لايزيدية سنجار الذين كانوا يتمتعون به خلال فترة حكم والي بغداد علي باشا, فقد كانوا مستقلين في احكامهم ازمانا طويلة وهم يدينون لأمير كوردي منهم-أي أمير الشيخان-و له عليهم الحكم المطلق.
وقبل ان يأخذ علي باشا قراره النهائي بتوجيه حملة عسكرية ضد ايزيدية جبل سنجار, اراد ان يطلع حلفائه على نواياه بهذا الشأن, وخاصة البابانيين الذين رحبوا بذلك ووافقوه على ان في الحملة ثوابا دينيا, وبعد ان نالت الحملة المرتقبة استحسان كل الاطراف, أمر علي باشا بالتحرك بعد ايام يتم خلالها اعداد العدة الكافية, وكانت قوات الحملة تنتمي إلى عناصر مختلفة مشبعين بالروح الدينية في الجهاد ضد الكورد الإيزيديين, وتم استقبال هذه القوات الكبيرة من جانب والي الموصل محمد باشا الجليلي عند وصولها إلى حمام العليل التي سارت حتى دخلت مدينة الموصل, ولما كانت قوة الإيزيديين من الكثرة ومواقعهم من المناعة أمر باستعجال التحاق قوات الموصل العسكرية به بغية احراز النصر.
تحركت الحملة من الموصل صوب سنجار بعد إتمام جمع وتحشيد القوات والمعدات الكافية, ولما وصلت سفوح الجبال الواقعة شمالي سنجار اتخذوها مقرا لهم ونصبوا خيامهم, اما الكورد الإيزيديون فقد تركوا في اليوم التالي قراهم ومساكنهم كلها وتوجهوا نحو قمم جبال سنجار وأقاموا فيها الأستحكامات وبنوا المواقع الدفاعية وذلك لرد الهجمات التي ستشن عليهم, وكانوا قد أخذوا معهم كل مايحتاجون اليه من مستلزمات ومعدات, وقد تبين ذلك للوالي علي باشا عن طريق جواسيس خصوصيين أرسلوا لاستطلاع أخبارهم وترصد اعمالهم, لذلك صدر الأمر بادىء ذي بدء بحرق مساكنهم وقراهم وقطع اشجارهم وتدمير بساتينهم, وبالفعل تم تنفيذ كل ذلك.
اما عن مجريات أحداث الحملة الأخرى ووقائعها وآثارها ونتائجها, فهناك معلومات وافرة عن ذلك, حيث ورد في تاريخ الموصل على إن علي باشا والي بغداد خرب ودمر القرى وأتلف المزروعات والبساتين واجبر الإيزيديين على اعلان الخضوع لسلطته, ويذكر انستاس الكرملي بأنه تمكن من إخضاع جمع غفير منهم, كما قتل منهم خلقا لا يحصى عددهم, ويعلق على وقائع حملة علي باشا ياسين بن خير الله العمري ضمن حوادث 1802م, ما نصه: ((شدد الحصار على جبل سنجار فاطاعته فرقة ودام القتال اياما وأمر بقطع أشجارهم وهدم قراهم ونهب اموالهم واخراج خباياهم فترلوا واطاعوا وشرط عليهم ان يحرثوا ويعمروا قراهم اسفل الجبل فقبلوا ما أمرهم به ثم نصب عليهم أحد أمراءه…ورحل علي باشا عن الجبل)), ويوافقه لونكريك على ذلك ضمنيا بقوله بأنه سار للقضاء على ايزيدية جبل سنجار, فأدت اساليب الحصار والضغط المتوالي إلى طردهم من كهوفهم واضطرارهم للاستسلام بشروط قاسية.
وجاءت في دوحة الوزراء عن أحداث هذه الحملة ان علي باشا ((ضرب نطاقا على المتمردين وراح يصليهم نارا حامية, مما اضطرهم إلى ترك بيوتهم وزواياهم وفروا بأنفسهم إلى قمم الجبال, وقد استولت الحملة على بيوتهم وقراهم, وما فيها من اموال وذخائر, ودمرت بساتينهم ومزارعهم… ثم ضيقت الحملة على اليزيدية واحاطت بهم من كل مكان, واصبح اكثرهم هدفا للرماة فوقعوا قتلى وجرحى, وسمح للعشائر التابعة للحملة بالهجوم عليهم وهم العبيد والجربة وغيرهما, فراحوا يطاردونهم ويتصيدونهم وكادوا يفنونهم عن بكرة ابيهم لولا ان استسلم الذين بقوا منهم على قيد الحياة, معلنين الخضوع والاستسلام)).
وفي كتاب تاريخ الإمارة البابانية لمؤلفه حسين ناظم بيك تفاصيل كثيرة ودقيقة عن أحداث حملة علي باشا على ايزيدية جبل سنجار, فيذكر انه بسبب مناعة مواقع الإيزيديين وكون أغلبية قوات الحملة غير متمرسة على قتال الجبال بأستثناء القوات البابانية, ولما كان علي باشا يلاحظ هذه المشاكل, كان يخشى عدم النجاح مع عدم تملكه القوة التي يطمئن اليها لإحراز الانتصار, ولكن تمكن أبرز قادة الحملة ولا سيما من البابانيين وبموافقة علي باشا من وضع خطة محكمة للهجوم على مواقع الإيزيديين وبالتالي ضمان النصر والظفر.
ويشير المؤرخ المذكور ان الخطة الموضوعة كانت ناجحة في اختراق مواقع الإيزيديين, حيث واصلت قوات الحملة تقدمها صوب معاقلهم بالرغم من الغارات الليلية الاقتحامية المباغتة التي كان يشنها الإيزيديون, ووفاة أحد قادة الحملة وهو إبراهيم باشا الباباني أثناء العمليات, حيث داهموا استحكامات الإيزيديين وتمكنوا من قتل اعداد كبيرة منهم قدرت بالمئات, فطلب الباقون منهم الامان, فاقتادتهم قوات الحملة مع غنائم كثيرة إلى الوالي علي باشا الذي اخلى سبيلهم وأذن لهم ان يأووا الى اماكنهم كسابق عهدهم على ان لايعودوا الى معتقداتهم ثانية, وألا يخلوا بالأمن والاستقرار في المنطقة, ويدفعوا ما تراكم عليهم من الضرائب دفعة واحدة نقدا, وبعد تنفيذ الإيزيديين للشرط الأخير لم يبق ما يستوجب البقاء في تلك الديار, وصدرت الأوامر بالتحرك والعودة.
وكانت هذه الحملة موضع اهتمام ورضا السلطان سليم الثالث (1789-1807م) الذي أرسل فرمان تقدير إلى علي باشا في اواسط صفر 1218هـ/1803م, ولكن هناك في مصادر أخرى ما يشير إلى ان الحملة لم تحقق هدفها الرئيسي في اخضاع الإيزيدية الإخضاع التام, حيث يذكر الرحالة الفرنسي روسو وهو الذي عاصر هذه الأحداث قائلا: ((ولقد حاول علي باشا ذات المحاولة }يقصد محاولة إخضاعهم{ لكنه لم يكن موفقا في ذلك. فقد ذكر أن حملته ضد اولئك… }يقصد ايزيدية سنجار{ لم تمكنه الا من الاستيلاء على ثلاث او اربع من قراهم حيث وقعت مذبحة اصابت بعض العوائل المنكوبة… التي اجبرت على اعتناق الدين الاسلامي من دون تعويض)), ويتحدث إسماعيل بك جول عن انكسار قوات علي باشا عندما هاجمتهم رجال القبائل الإيزيدية, ونتيجة لذلك قام والي بغداد المذكور بمعاقبة عدد من قادة قواته وقتلهم ثم تراجع نحو الموصل, أما عثمان بن سند البصري فينقل عن شاهد عيان قوله ان الباشا غضب أشد الغضب عندما سمع عن هروب بعض القوى المشاركة بالحملة من الواقعة, على أية حال فإن نتائج الحملة على المدى البعيد كانت بالفعل غير مثمرة بالرغم من أنها أوقعت بايزيدية سنجار خسائر فادحة في الارواح والممتلكات, حيث ان دخولهم طاعة حكام بغداد لم تستمر طويلا, فقد عادوا خاضعين في أحكامهم الداخلية لأمرائهم.
خلف سليمان باشا الصغير (1808-1810م) علي باشا في حكم أيالة بغداد ولم يحسن الوالي الجديد التصرف بالسياسة العشائرية التي كانت من شؤون الإيالة الخطيرة في تلك الحقبة اذ انحاز إلى فارس الجربا شيخ مشايخ الشمر ضد العشائر الإيزيدية في جبل سنجار, ففي سنة 1809م اقنع زعيم شمر المذكور سليمان باشا الصغير بقيادة حملة عسكرية على ايزيدية سنجار, وكان هدف فارس الجربا من وراء هذه الحملة ضمان سيطرة شمر الجربا على الجزيرة العليا من جبل سنجار, فأبدى للوزير ان لديهم غنائم كثيرة من السهل الحصول عليها, فسول له ان يسير عليهم.
وكان موقف الإيزيديين من هذه الأحداث هو الاتفاق مع عرب قبيلة الظفير ضد شمر الجربا ووالي بغداد وشن الغارات المشتركة على مناطق نفوذهم, في الوقت الذي كان سليمان باشا الصغير يتحين الفرص للهجوم عليهم, لذلك خرج في سنة 1809م من بغداد وعلى رأس قوة كبيرة لتحقيق مبتغاه, حيث يذكر ياسين العمري: ((توجه إلى جهة جبل سنجار ونهب مدينة بلد من اعمال سنجار ثم نهب قرى المهركان وقص اشجارهم وخرب ديارهم واعمى آثارهم ثم نزل على جهة الشمال من سنجار وحاصرها اياما ثم رحل)).
وينقل الدملوجي عن تاريخ جودت حول هذه الأحداث ما نصه: ((سار إلى جبل سنجار بقوة كبيرة مجهزة بست بطاريات ومعه محمد بك أمير الكوي واحتل قرية لهم واعمل السيف برجالها وسـبـي نساءها واظهر من الشدة والصرامة ما القى الخوف والرعب في قلوب اليزيديين)), ويشير مؤرخ اخر بأن سليمان باشا الصغير جهز حملة كبيرة معززة بخمس بطاريات مدفعية صحراء وقادها بنفسه إلى سنجار الثائرة وهناك اشتبك مع الإيزيديين الثائرين, فقتلت وأحرقت وسبت ما شاء لها وطاب من نساء وأولاد واموال الثوار, الذين فروا واعتصموا بقمم الجبال واوديته وكهوفه وتحصنوا فيه, بينما يصف الكركوكلي مقاومة الإيزيديين ودفاعهم عن مواقعهم بقوله: ((ولكنهم ثبتوا في وجهه ولم يتزحزحوا عن أماكنهم, ووقفوا وقفة المستميت)).
وقد شارك في هذه الحملة القوات العثمانية المرابطة في كويسنجق واربيل وكركوك وتكريت بالإضافة الى عشائر عديدة مثل قبائل البوحمدان والبوسلمان وطي والعبيد والبوحمد وشمر الجربا وغيرها ووصفها المؤرخون بانها ((عساكر تسد الفضاء)), ووفق تقديرات إحدى المصادر انه تحرك من بغداد إلى سنجار مباشرة على رأس قوة قوامها اربعون الف شخص وخمس بطاريات مدفع وسائر عدد الحرب, وعلى حد قول صاحب دوحة الوزراء فإن هذه القوات والعشائر بأجمعها لم تفعل شيئا ولم تحرز أي تقدم, فالإيزيديون كانوا قد اعتصموا بجبالهم ولم يكن إخضاعهم بالأمر الهين, حيث ذكر انستاس الكرملي بأنهم تحصنوا بثنية من ثنايا سنجار لايمكن الوصول اليها الا بشق الأنفس, وهذا ما يؤكده مؤرخ آخر, حيث يقول: ((واعتصموا برؤوس الجبال والتجأوا إلى الكهوف والمغارات واستعدوا للقتال, وعندما ادرك سليمان باشا عجزه عنهم ترك الجبل)).
وتعلق مصادر مختلفة على فشل الحملة بالرغم من ضخامتها وسعة نطاقها, حيث يقول أحد الباحثين: ((بيد ان هذه الحملات لم تجديه نفعا }يقصد سليمان باشا الصغير{, فإنه بدلا من ان يعود منها ظافرا محملا بالغنائم التي كان يمنيه بها فارس الجربا وجد نفسه صفر اليدين)), ويتحدث مؤرخ آخر عن فشل هذه الحملة حيث أن الكورد الإيزيديين كانوا يستندون إلى جبلين جنوبي وشمالي, فهاجم سليمان باشا الجبل الجنوبي ومع أن قواته احتلت في الواقع قرية بلد الإيزيدية واسرت آهليها ونهبت أموالهم واستولت على ممتلكاتهم إلا أن الإيزيديين استطاعوا دحر الهجوم الذي شنته قوات الباشا على الجبال وردوا المهاجمين على أعقابهم بعد أن قتلوا منهم الكثير, واضطروهم إلى الإنسحاب, كما تمكنوا في هجمات أخرى معاكسة أن يهزموا القوة الرئيسية لسليمان باشا, الأمر الذي لم يترك له أي مجال للشك في أن قواته ستباد بالمرة, وقد تركت الحملة آثار وخيمة على قوات الإيالة واصابتها المهالك والأخطار من كل حدب وصوب, وهكذا تراجع سليمان باشا يائسا.
وجاء في مصدر آخر ان جيش سليمان باشا الصغير وقف مكتوف اليدين عديم الحيلة تجاه موقع الإيزيديين المنيع بجبل سنجار, فكان من الطبيعي ان تبوء حملته بالفشل, فما أن غادر آخر جندي من جنوده الموقع حتى نزل المدافعون الإيزيديون من كهوفهم ومواقعهم الحصينة واستأنفوا اعمالهم ضد حكام بغداد بشكل أكثر انتقاما بما حل بذويهم, وارتكب الجيش الغازي بحقهم من فضائع, وكان اتفاق السلطات العثمانية في إيالة بغداد مع عشيرة شمر العربية ضد وجود الكورد الإيزيديين في جبل سنجار وانتداب العثمانيين عشيرة شمر لحماية مصالحها في المنطقة اشارة أخرى واضحة إلى ضعف السلطة الحكومية العثمانية في مناطق استقرار الكورد الإيزيديين بجبل سنجار.
اراد سليمان باشا الصغير ان يعوض فشله السياسي والعسكري في منطقة جبل سنجار وما جاورها في مناطق أخرى ولكن بطريقة مختلفة, فبينما نجده يجرد الحملات على إيزيدية سنجار نراه يطلب من أمير الشيخان التحرش بإيالة الموصل عن طريق نهب القرى المحيطة بها وتخزيبها, ولما لم يمتثل لمطلبه في المرة الأولى كرر دعوته في المرة الثانية عن طريق أمير بهدينان زبير باشا غير إن الإيزيدية وأميرهم يرفضون مجددا تلبية مطاليب والي بغداد سليمان باشا الصغير. وكان هدف سليمان باشا الصغير في تحقيق مطاليبه تلك هو استخدام الإيزيديين كورقة ضغط ضد ولاة الموصل الجليليين.
وتأتي هذه الدعوات كنتيجة للصراع المستحكم بين حكام بغداد وولاة الموصل, سيما بعد فشل حملة سليمان باشا الصغير الاخيرة على جبل سنجار وتمكن الجليليين في الموصل من اقصاء مواليه عن السلطة فيها بعد نهاية الحملة المذكورة, وكان هدف بغداد من تسليط الإيزيديين على إيالة الموصل, ذلك لضرب هذه القوى بعضها بالبعض وبالتالي استغلال ذلك للتدخل في شؤونها الداخلية لصالحها, هذا بدلا من أن تأخذ بأسباب الأصلاح وتعيد الأمن إلى نصابه. وما يمكن قوله بعد هذه الحوادث هو ان حكام بغداد وسياستهم كانت سببا آخر لإثارة المشاكل في مناطق الإيزيديين.
كان علي بك أمير الإيزيدية متمتعا بالاستقلال الذاتي خلال فترة حكم والي بغداد داود باشا (1817-1831م), أما ايزيدية جبل سنجار فكان نفوذهم قد توسع إلى الحد الذي لم تكن فيه سلطات الموصل قادرة على اتخاذ الاجراءات اللازمة للحد منه, زد على ذلك انهم كانوا قد حموا قاسم بك الشاوي الثائر على والي بغداد داود باشا, فكان يرى في ذلك خطرا يهدده, لذلك نصب أحد المماليك على المنطقة وزوده بــ(500) مقاتل واعطاه مبالغ وفيرة, وكلفه بأن يقضي على نفوذ الكورد الإيزيديين في المناطق الواقعة بين سنجار وماردين ويعيد سيطرة بغداد اليها, ويبدو انه لم يقم بالمهمة خير قيام فجرد داود باشا هذه المرة وبنفسه حملة على الإيزيديين في سنجار سنة 1826م وطاردهم, ولكنه لم يتمكن من القضاء عليهم وإخضاعهم إلا بشكل مؤقت نظرا لضيق وقته, وإنه لم يفرغ من المشاكل والفتن إلا لفترة عامين, وإن اخضاع الإيزيديين وإنهاء نفوذهم كان يتطلب في الواقع سنوات عديدة حسبما يتوقعه أحد الباحثين.
يمكن للباحثين ان يقول بعد دراسة سياسة بغداد تجاه الإيزيديين وخصوصا تجاه ايزيدية سنجار بأن الحملات المتكررة التي شنتها لاستئصال شأفتهم كانت لها نتائج معاكسة فقد زادت من ايمانهم في التمسك بمعتقداتهم من جهة وباستقلالهم الذاتي من جهة أخرى, ويؤكد العديد من الباحثين والمؤرخين أنه ومهما كانت الخطورة الناتجة عنهم فقد كان بالامكان معالجة المشاكل التي كانت تحدث معهم بطرق أخرى غير الحملات العسكرية, بهدف التفاهم معهم وإحداث الاصلاح بينهم والمحافظة على الأمن والاستقرار, وهذا ما لم يكن يحرص عليها بتاتا السلطات العثمانية بشكل عام وحكام بغداد بشكل خاص. أما فيما يتعلق بعلاقات الكورد الإيزيديين مع ايالة بغداد في الفترة التالية فلا تورد المصادر اية مناسبات أو حوادث بين الجانبين.


د.عدنان زيان فرحان



المصادر والمراجع والهوامش:

amjad khalifa albaadri
05-11-2014, 00:20
اخي دكتور عدنان ابارك لك جهودك المتميزة في اظهار حقائق وجرائم بشعة كانت ترتكب على هذه الديانة المسالمة وبالرغم من كل هذا الشئ لا تزال هنالك احفاد العثمانيون يعتدون على الايزدية بحجة انهم كفار ويعتدون على المسيحية والشبك واكراد المسلمين لان يؤكد بعض من المصادر انهم مدعومين من الدولة التركية العثمانية لغرض القتل وسفك الدماء لان لايزال افواههم غير مشبعة بالدم وكانهم مصاصي الدماء .. وهم غافلون بان ذلك العصر قد ولى بلا رجعة في القتل الابرياء وسبي النساء والاطفال ونحن في زمن العولمة لو قتل شخص واحد لاسمح الله في امريكا نتلقى الخبر فورا . ولولا جهود هذه الاحزاب القائمة هنا وهناك لكان كل يوم نسمع عن معاناة جديدة تحدث بين ابناء ما ذكرته .. وانشاء تنكسر شوكتهم السامة في المستقبل وتعود المياه الى مجاريها وفي النهاية اتمنى لك الموفقية والنجاح في كتاباتك المبدعة .