من يحمل مطرقة يرى العالم مساميراً – سبعون عاماً على هيروشيما
صائب خليل
7 آب 2015
حين تردد صدام حسين في الخروج من الكويت بعد اكتشافه خدعة السفيرة الأمريكية كلاسبي التي ادخلته الحرب بتطمينها اياه، فإنه اعطى الأمريكان الفرصة التي كانوا يتحرقون إليها بتمزيق الجيش العراقي إرباً، قبل ان ينسحب، فكانت مجزرة صفوان الرهيبة. والحقيقة ان الأمريكان حرصوا من خلال خطابهم الإستفزازي والتشدد الشديد على ان يمنعوا عن صدام اية فرصة للخروج من الفخ الذي اوقع نفسه فيه، لكنه لو كان قد قرأ تاريخ اميركا لفهم أن الحرب والضرب والتدمير قد يكون هدفاً بحد ذاته لهذه الدولة بغض النظر عن فائدته لها، وأن يهرع للخروج باقصى سرعة ومهما كان الفخ الذي نصب له محكماً.
***
في اواسط عام 1945 وجدت اميركا نفسها تمتلك سلاحاً لم يسبق للبشرية أن امتلكته. ولكن لسوء حظها فأن الحرب العالمية الثانية كانت قد انتهت باستسلام المانيا وايطاليا. ولم يبق سوى اليابان التي كانت تطلب من روسيا التوسط لدى الحلفاء لرعاية استسلامها، بشرط واحد هو ابقاء النظام الإمبراطوري الذي يقدسه الشعب. لكن هذا الأمر لم يرق لرجال الجيش الأمريكان، فاليابان هي فرصتها الأخيرة لتجربة السلاح الجديد تجربة حية ودراسة تأثيره التدميري على مدينة كاملة.
الدكتور روبرت اوبنهايمر، احد المشاركين في صنع القنبلة قال انها يمكن ان تقتل 20 الف انسان ولذا يتوجب القاؤها على هدف عسكري وليس مدني، واقترح العالم ألآخر ارثر كومبتون القاؤها على منطقة معزولة من اليابان، لإستعراض قوتها وتقليل الخسائر البشرية قدر الإمكان بنفس الوقت. الا ان هذه الإقتراحات قوبلت بالرفض الحاسم, على اساس انه ان تم تحذير اليابان فانه من المحتمل ان يتمكن اليابانيون من اسقاط الطائرة التي ستحمل القنبلة كما ان هناك احتمال ان تفشل القنبلة في الإنفجار (مما سيفسد الإستعراض)...كذلك استبعدت "لجنة تحديد الأهداف" فوراً خيار الأهداف العسكرية على اعتبار انها اهداف صغيرة، وشددت على ضرورة ان يكون الهدف محاطاً بمنطقة مأهولة، اي مدينة كبيرة.
كذلك ركزت اللجنة على ان يكون "العرض الأول للسلاح" ممتازاً لأهمية "تأثيره الدولي".
اجتمعت في واشنطن لجنة لتقرر توزيع البركات النووية على المدن اليابانية المرشحة سعيدة الحظ، وكان عليهم ان يسرعوا قبل ان تستسلم.لم يكن قد بقي في طوكيو ما يستحق القاء قنبلة ذرية عليها لذا "اعطيت الفرصة" لـ "كيوتو" و "هيروشيما" و "يوكوهاما" و "كوكورا" كقائمة اهداف مرشحة، ولم يكن لاي منها قيمة عسكرية.
استبعدت"كيوتو" (لخاطر) وزير الحرب هنري ستيمسون الذي اشار أنه قضى شهر العسل فيها مع زوجته قبل عدة عقود، فكان الدور على المدينة التالية في القائمة.
صباح السادس من اب 1945، قبل سبعين عاماً بالضبط، اكتشفت طوكيو ان البث الإذاعي قد توقف في هيروشيما، ثم اكتشفوا ان الإتصالات التلفونية مقطوعة وثم كذلك التلغراف.صمت المدينة التام حير القيادة التي كانت تعلم انه لم تكن هناك اية غارة كبيرة ذلك الصباح كما ان المدينة لم تكن تحوي اية مخازن ذخيرة تستحق الذكر. لذا طلبوا من ضابط شاب ان يطير فوراً الى هيروشيما ليستطلع الأمر.
بعد طيران ثلاث ساعات رأى الضابط تحت ضوء شمس بعد الظهر الساطعة, لدهشته ومن مسافة 160 كلم غيمة دخان تغطي المدينة وحين اقترب دار حول المدينة التي تحول مركزها الى فحم اسود وحرائق، فهبط بطائرته وابلغ طوكيو بالكارثة وبدأ فوراً بتنظيم الإنقاذ. كان اختيار اللجنة قد وقع على هيروشيما، وكان من مبررات الترشيح ان موقع المدينة المحاط بالتلال سوف يكون له تأثير "البؤرة" في التركيز حيث ان حتى الإشعاع الذي سيخرج من المدينة سينعكس ثانية محققاً دماراً اكبر. وقد اختير مركز المدينة مكاناً لإلقاء القنبلة الأولى التي سميت "الولد الصغير"، وتم اختيار ساعة بدأ الدوام الصباحي توقيتاً لها، وكان ما كان.
أعلن الرئيس الأمريكي ترومان: " ان لم يقبلوا شروطنا، فستأتيهم من السماء امطاراً من الدمار لم تشهد هذه الأرض له مثيلاً من قبل".
كان هناك نوع آخر من القنبلة الذرية لتتم تجربته، وبسرعة خارقة وبعد ثلاثة ايام حملت طائرة بي 29 امريكية واتجهت الى كوكورا. وحين وصلت المدينة كانت طبقة من السحب تغطيها وتمنع الرؤية عن الطيارين.لقد كان الطيارين متأكدين انهم يطيرون فوق مركز المدينة لكن الأوامر كانت صارمة بشأن شرط الرؤية المجردة. وبعد ثلاث دورات حول المدينة قرر الكابتن الإتجاه الى ناكازاكي خوفاً من نفاد الوقود، لأن الخزان الإحتياطي كان قد اصيب بعطل. هكذا تعاونت غيوم اليابان والصددف على انقاذ مدينة كوكورا من الجحيم. وقد حاولت الغيوم حماية ناكازاكي ايضاً لكنها لم تصمد، ففي اللحظة الأخيرة حدثت فتحة في الغيم مكنت الطيارين من رؤية المدينة الفقيرة ذات البيوت الخشبية.وبعد 43 ثانية انفجر "الرجل البدين"على ارتفاع 500 متر فقتل على الفور ربع سكان المدينة.
في اميركا كان القادة يناقشون خيارين: الإستمرار في القاء القنابل على المدن كلما تم صنع واحدة جديدة، ام تجميع كمية منها ثم "صبها" عليهم مرة واحدة. وكان الموضوع هو اي الطريقتين ستكون اكبر تأثيراً على لروسيا. لكن امبراطور اليابان اضاع عليهم فرص تلك التجارب واعلن استسلام اليابان.
تم تبرير استعمال القنابل الذرية الأمريكية باعتبار انها "سرعت نهاية الحرب" وبذلك "قللت الخسائر" في الأرواح، لذا يمكن اعتبارها انسانية! رغم ان الأمريكان كانوا قد تمكنوا من فك الشفرة اليابانية وعرفوا ان اليابان كانت تسعى لإرسال امير ياباني لمحادثة روسيا على شروط استسلامها.
"ربما علينا ان نأسف اننا لم نبذل اي جهد لتجنب القاء القنبلة الأولى، لكن من المؤكد ان القنبلة الثانية ليست مبررة اطلاقاً" يقول بارتون بيرنشتاين.وزير الحرب هنري ستيمسون قا ل فيما بعد ان "اي من القنبلتين لم يكن ضرورياً, وبالتأكيد القنبلة الثانية على الأقل".وكذلك قال دوايت ايزنهاور:"لم يكن هناك حاجة لضربهم بذلك الشيء الفضيع".
وعلق "سيلدن" ان ترومان كان يبحث عن تبرير لصرف الأموال في مشروع مانهاتن لصنع اول قنبلة ذرية فقرر استعمالها!
المصور الأميركي جو اودونيل الذي لم يمنعه الخوف من الأشعة الناتجة عن القنبلتين، ولا انعكاسها "البؤري" المضاعف للموت، على الجبال المحيطة بهيروشيما، هرع الى المدينتين التيين سقط عليهما "مطر" ترومان " الذي لم تشهد مثله الأرض من قبل"، ووثق الحادث بعدد من الصور. هذه صورة التقطها لطفل من ناغازاكي يحمل على ظهره جثة شقيقه الأصغر متوجهاً بها الى المدفن.

http://cdn-ak.f.st-hatena.com/images...0921001920.jpg

ملاحظة: المقالة جزء (بتصرف) من مقالة كتبتها عام 2007 بنفس المناسبة.