على خُطى الشيخ عدي (عليه السلام).
صائب خدر
الطريق الى مسقط رأس الشيخ عدي (عليه السلام) مجدّد الديانة الأيزيديّة لا يختلف عن الطريق الى (لالش). من لحظة دخولك الى منطقة البقاع الغربيّ اللبنانيّ يأخذك جمال المشهد الطبيعيّ للجبال التي تختضن قرى عدة توصلك إلىقرية (كفريا)،ووصولًا الى قرية (خربة قنافار)،تترامى على جانبيّ الطريقأشجار اليوكالبتوس والحقول الخضراء التيتحدّها من جهة اليمين جبال شاهقة تلامسها الغيوم (سلسلة جبال لبنان الغربيّة) وتحاكي بجمالها جبال لالش بأرتفاعها الشاهق وبالأشجار التي غزتها. هناك علىمفترق طريقتستقبلك بوابة حجريّة كبيرة كتب عليها (خربة قنافار)، وكأنها توحي بأهمّية هذه المنطقة وتاريخها وميزتها عن باقي المناطق التي مررنا بها.

سنديانة المزار العتيقة
ما أن تدخل قرية(خربة قانفار)(1)وتسير لمسافةتُطالعك على يدك اليمنى هضبة مرتفعة بشكل بارز،محاطةببساتين التفاح والعنب والخوخ.تبرز في أعلى تلكالتلّة(شجرةسنديان أو بلوط) ضخمة جدًاتعتبر أسهل طريقة والدليل الأهم الذي يقود السائلإلى مزار أو مقام (الشيخمسافر)والد(الشيخ عدي) (ع) ومسقط رأسه، كما أوضح لي رجل كبير في السن كنا قد سألناه عن مكان المزار.
تُفاجئك تلك الشجرة المهيبة بشكلها وضخامتها، وتُذهل برؤيتها وكبر حجمها،وأعتقد أن أذرع خمسة رجال مجتمعين يمكن أن تحيط بجذعها،كما يتجاوز ارتفاعها 25 مترًا مفروشة بشكل دائريّ رهيب يغطّي المكان والساحة التي خُصّصت لها. وقد وضعت تحتها وعلى أطرافها أماكن للجلوس وأخرىللعب الأطفال. تبعد السنديانة العتيقة عن المقامأكثر من 200 متر، ولها ارتباط وثيق ومؤكّد بالمزاروبشكل لا يقبل اللبس أبدًا.والجدير بالذكر أنّهاتُعدّ واحدة من أكبر أشجار السنديان في الشرق الاوسط بحسب ما ورد في جريدة الحياة اللندنية(2)، حيث قدّر باحثون عمرها بآلاف السنين، وبأنهاتحتفظ بشكلها الطبيعيّ، إذ لم يمر بها منشار او قًصّت مطلقًا، وهذا بالفعل ما شاهدته عند زيارتيلها.
ولا تُخفى مكانة الأشجار وأهميتها في ميثولوجيا المعتقدات والأديان القديمة ومن ضمنها الديانة الأيزيديّة، والجدير بالذكر أنّ شجرة السنديان تحديدًا هي شجرة ذات مكانة لدى المعتقدات القديمة، فهي كانت شجرة الإله زيوس، كما أن جبال لالش حيث مرقد الشيخ عدي (ع) في (قضاء الشيخان)مليئة بهذا النوع من أشجار البلوط. وتولي الأيزيديّة كذلك أهميّةً للأشجار كحاملة للروح انطلاقًا من اعتقادهم بتناسخ الأرواح، لهذاكان تنظيم داعش في سوريا قد أقدمعلى قطع شجرة بلوط كبيرة عمرها 160عامًا في بلدة (أطمة) شمال سورية، حيث كانت تمثّل للإيزيديّة هناك مكانًا رمزيًّا ذا طبيعة دينيّة يسمى (نيشان) ويتبرّكون به(3).ولا بدّ من الإشارة ايضًا إلى أن غالبية المزارات الأيزيديّة توجد بقربهاأشجار تأخذ مباركتها من طبيعة المقام، وجزءًا من طقوسهم حيث يعقد الأيزيديّونفي أحيان كثيرة خيوطًا في أغصانها كنذر أو لطلب حاجة كما هو الحال في الشجرة الموجودة فيإحدى جبال لالش.

المزار الأثري القديم
على بعد خطوات من السنديانة المعمّرة يقع (مزار أو مقام الشيخ مسافر) على هضبة مرتفة ضمن القرية، ويتميّز ببنائه الأثريّ القديم بشكل واضح وبارز.يُطالعك بابه المبنيّ في اتّجاه شروق الشمس، ويظهر الإهمال الذي يطاله بشكل محزن جدًا، من جدران السورالمربعة المبنيّة من الجير المتأكل الذي يحاكي بناء المعابد الأيزيديّة بارتفاعٍ يتراوح ما بين المتر او المتر ونصف، وقد تهدّمتبعض أجزائه بشكل فتحةسمحت لنا الدخول إليه.
داخل باحة المعبد المربع تنمو أعشاب وأشواك كثيرة وصخور. لكن ما يلفت الانتباههو وجود نبات (العغن/ العرن/ رشك بالكردي) الذي نستخدمه في عيد الميلاد (البيلندا) عند حرق النار. يتّجه بواب المزار إلى مطلع شروق الشمس.وترتفع البوابةأكثر من متر ونصف تعلوها حجارة مبنية بشكل قنطرة صغيرةوفي الأسفل عتبتين صغيرتين.والواضح أنّ باب المعبد قد طلي وصف من الحجارة حولهباللون الأخضر الحديث الصبغ، ولا يحوي البناء كتابات أو نقوش، سوى كلمة الله المكتوبة على اليسار الباب بخطٍ عربيٍمن الواضح أنهيعود إلى السنوات القليلة الماضّية. المؤكد ان الباب لم يُفتح منذ فترة طويلة جدًا،لما تبدو عليه الحشائش النابتة على حافاته،وبالتاليلم نتمكنمن معرفة ما بداخله.وهناك بعض الشموع المتروكة على العتبة.

قلب المزار المقفل ينبض شجرًا وحياة
فوق باب المزار،على الجانب الأيسر من الحائط الذي يرتفع أكثر من (4) أمتار، تبرز شجرة (تين) ضخمة وكبيرة جداً، وقدّ شقت الجدار بأغصانها وأوراقها، بينما يتوارى جذعها وجذرها داخل المزار، تاركًا للأغصان الكبيرة بأوراقها وثمارها الكثيرة فضاءً يظلّل المدخل، حيث تُغطّي أرض فناء المزارثمار التينالكثيرة المتساقطة. لكن اللافت هو تمدّد جذع الشجرة البارز بشكل يهدّد نموه بنيانالحائط. وقد لفتني أنّ شجرة التين هذه هيالوحيدة في المزار وفي محيطه ايضا.
رغم هذا الاهمال، تبقى هضبة المزار مع الشجرة هي الشاخص الوحيد والمميّز لخربة قنافار، وتوحي بأنها كانت مسكنًا ومكانًا لصاحب المقام، الذي يُطلّ على بساتين التفاح والدراق المجاورة، وتحيطه بعض الأبنية الحديثة التي استخدمت لوضع مولّدات كهرباء للمنطقة أو المعهد الفنيّ المجاور.


المزار تاريخيًا
توحي طبيعة المزار والاهمال الذي يعانيه، عدم أهميته لدى المحيط المتواجد فيه (السنّة، المسيحيّون، الدروز)، لكنالظاهر أنّ كرامت المكان وقدمه ساهما في إجبار الأهالي على بقائه.
وتتضارب الروايات حول تاريخ المزار وتاريخ صاحبه الشيخ مسافر، ما أفقده ذلك الاهتمام من الاطراف المتواجدة في المنطقة. وهذا ما نقله (اسكندر خشاشو) في تقرير نُشر في صحيفة النهار اللبنانيّة عن المزار حمل عنوان "مؤسس الإيزيدية لبناني ..؟" (4)
بتاريخ (13/ايلول/2014)-بعد أشهر من كارثة سنجار-، إذ تبيّنله أن "منهممن يعتبره شيخًا درزيًا... وآخرين يعتبرونه رجلًا صالحًا...في حين يؤكد البعض على أنّالمزار أو المقام يعود للشيخ مسافر والد الشيخ عدي ابن مسافر (عليه السلام) كما تذكر بعض المصادر التاريخيّة. وهذا ما أكّده الأب وسام ناصر كاهن رعيّة خربة قنافار وعزى أنّ التقارب بين الدروز والأيزيديّين هو الذي جعل البعض يعتقده مزاراً درزياً، وتشير أغلب الوثائقإلى أنّ المزار هو للشيخ مسافر والد الشيخ عدي مجدّد الديانة الأيزيديّة ومسقط رأسه، التي هاجرها الشيخ عدي مع عائلته إلى الشام والعراق... وكما قال الأب وسام ناصر بأن المقام مبنيّ قبل وصول الفتح الاسلاميّإلى المنطقة مما يُبعده عن الديانة الاسلاميّة..."
المزار لبنانيًا
يقع المزار في لبنان في منطقة البقاع الغربي، في قرية (خربة قنافار) القرية التي يسكنها مسيحيّون وموحدون دروز،في منطقة تُسمّيها بعض المصادر التاريخيّة شوف الاكراد. وتمتازالجغرافيا السكانيّة للمنطقة حاليًا بتنوّع طوائفها (من المسيحيّين (روم كاثوليك وموارنة) ومسلمين سنّة وموحّدين دروز )، المقامرغم إهمالهمسجّل تحتسلطةالوقفالسنيّ،فيقريةكفرياالمجاورة.
ولقرية (خربة قنافار) لها أهميّة كبيرة رغم اختلاف التسميات عنها ما يدلّ على مكانتها المؤثّرة والمهمّة في التاريخ، إذ تُشير بعض المصادرإلى تسميات (خربة قانافار ، خربة انافار ، بيت فار ، كينو فار) فمنهم من يعيد التسمية إلى معنى "بيت الفاكهة" وبعضهم يعتبرها(انافار)أي "المنارة العالية" حيث كانت البلدة منارة لحماية القوافل من قطّاع الطرق في زمن الاسكندر. ولكن مهما يكن فأن الكلمة أو المدينة لها أهميتها في التاريخ القديم اللبنانيّ وهذا مايحتاج لبحث أعمق عن الموضوع .
المزار ايزيدياً
رغم الزيارات الفرديّة التي قام بها عدد لا يتجاوز أصابع اليد من الأيزيديّة للمزار،ولكن هذه الزيارات لم تعكس اهتمامًا جديًّا منهم بهذا المزار، رغم اشارة مصادر كثيرة إلى كونهمسقط رأس الشيخ عدي (عليه السلام)مجدّد ديانتهموالشخصية المحوريّة فيها.والجديربالذكر بأن الاقوال الدينيّة لهذه الديانةتُشير إلى وجود اسم هذه القرية فينصوصها،وتطلق عليها تسمية(بيت فار)،كمكان للشيخ عدي(ع)،ولا يخفى على أحد أن ميثولوجيا الأيزيديّة ترتكز على مرتكزاتمهمّةهي (خودي، طاؤوس ملك والشيخ عدي)، وهذا مايُشير إلى أهميّه مسقط رأسه ومكانتها.
إنّ النصوص الدينيّة لهذه الديانة تُشير في أكثر من مكان إلى كلمة (شام) او (الشام)، والمعروف أن الشام كانت مصطلحًا يُطلق تاريخيًّا على المنطقة التي تضمّحاليًا بلدانًا عدة من بينها (لبنان وسوريا وفلسطين)،وقد تواجد الأيزيديّة بشكل كبير في مناطق متعدّدة في سوريا (كحلب وحماة ودير الزور والحسكة)، وقد يكونوا تواجدوا في لبنان ايضاً.
رغم كلّماذكرناه من مقاربات دينيّة لا يوجد لحدّ الآن تحرّك جديّ للمطالبة على الأقل بالاهتمام بهذا المكان، باعتباره إرثًا دينيًّا وتاريخيًّا للأيزيديّة، وقد تكون عقدة الاضطهاد والإبادات التي حلّت على هذه الديانة وثقافة الانغلاق التي تميزوا بها بفعل ثقافة الإرهاب الدينيةالتي مورست ضدّهم، هي مامنعهم من الوصول إلى هذا المقام وتكريمه وأعادة الاعتبار له كمسقط رأسٍ لأهم شخصيّة دينيّة مقدّسة لديهم، ومحورٍ مهمٍ من تاريخهم الدينيّ والتاريخيّ.


الهوامش :-
  1. يمكن الاطلاع على معلومات عن القرية عبر رابط (بلدية خربة قانفار):
http://kanafar.epg-lebanon.com/

  1. مالك القعقور،"سنديانة "خربةقنافار" الأكبرفيالشرقالأوسط . أنارهاقرارإنتخابي ... فاصفرّتأوراقها"، صحيفة الحياة اللندنية، 29/1/1998م، العدد 12751العدد، الصفحة 22.
  2. جيهان اليعقوبي ( شجرة قطعها جهاديون في سوريا مزار مقدس للديانة الايزيدية) موقع الحرة 23 / نوفمبر/ 2013 تحت الرابط
http://www.alhurra.com/a/syria-jihad...i-/237640.html

  1. اسكندر خشاشو،"مؤسس الأيزيدية لبناني؟"، صحيفة النهار اللبنانيّة،31/9/2014م، على الرابط:
http://www.annahar.com/article/170625-