تاريخ الديانة الإيزيدية بدون تحريف : الإيزيدية من أقدم الديانات والعقائد على وجه الأرض

سمير حيدر

إذا قلنا إن الديانة الإيزيدية ديانة قديمة وموغلة في القدم .قد يتهمنا البعض بالمبالغة وعليه فأننا سنعرض بعض ما بحوزتنا وباختصار شديد، بعض ما يدعم قولنا حول عمق الجذور التي تمتدّ إليها الديانة الإيزيدية والتي تصل إلى الأصول السومرية والبابلية
والآشورية, والأخيرتين هما الوريثتين الشرعيتين للحضارة السومرية.. 1-اسم الدين يأتي من اسم الجلالة ” أزدا ” أو ” يزدان” يعني الخالق له ألف اسم و اسم . وفق النصوص الإيزيدية ترتبط بدايته ببداية التكوين . و فق الأدلة التاريخية الاسم يرتبط ببداية عصر السلالات عصر ” إيزيدي سور ” و بداية بناء المستعمرات الاستطانية التي سميت بدايةً بكلمة سور متبوعة باسم موقعها مثل “جييا سور” = جبل حمرين . ” سورا خابور” = إقليم الخابور قرب الحسكة و منها أتى اسم سوريا . أقدم نص سومري مدون فيه كلمة ” إيزيدي” يعود للألف الثالث ق.م. أقدم رمز ديني إيزيدي مكتشف أركولوجيًا حتى الآن هو ” عامود شيمند ” يعود تاريخه لـ9500سنة ق.م اكتشفته حفريات جامعة هايدل بيرج في كوباكلي تبا قرب آمد ديار بكر . و هو عبارة عن عامود مربع من الحجر يلتف حوله أفعتان مجدولتان . العامود المربع هو رمز التوحيد و يشير إلى العناصر الأربعة : الماء، النار، التراب، الهواء . و الأفعى ترمز للخلود و للحكمة. و هذا الرمز مشاع في الحضارة السومرية و البابلية و كل حضارات إجمالا عند السومريين يسمى “كاديكوس” و حتى اليوم الحجر المربع موجود في مكة كأثر من دين إبراهيم. و موجود في مقام شرف الدين في سنجار. و الأفعى موجودة على باب معبد لالش. و على كل صيدليات العالم . ثم يأتي رمز الدائرة للدلالة على الأزلية و الأبدية رمزها عند الإيزيدية ” الكريفان” . و الدائرة ضمنها الصليب المتساوي المتحرك يسمى مننديلا لاهوتيًا هو شائع في كل الحضارات قبل الأنبياء و الرسل .ثم يأتي رمز سنجق رئيس الملائكة رمزًا لنزول الروح أقدم رمز هو رمز معبد سوريا ماري تاريخه 2500ق.م يرتبط بمفهوم نفينا = العدل و نفيسيسا = المساواة على طرفي السنجق وزيران بهذه التسمية. 2 ـ المطلع على تاريخ العراق القديم قد يجد إن أشهر معابد بابل هما معبدي (إيزاجيلا و إيزيدا) (لاحظ كلمة ” إيزا “) وقد كان من النادر أن تخلو مدينة بابلية من هذين المعبدين, وإذا كان إيزاجيلا قد كان مكرسا لعبادة مردوخ عظيم آلهة بابل، فان معبد إيزيدا أصلاّ كان قد تم بناؤه لتكريس عبادة (نابو) وعلى شرفه أيضا، علما إن عبادة نبو قد ظهرت مع نهاية الألف الثالث ق.م وبدأت تنتشر و تتعاظم إلى حين سقوط الدولتين الآشورية و البابلية (612 و539 ق.م ) على التوالي.. 3ـ اكتشف (لوفره نبو Nabo) الأستاذ في جامعة كوتنكن الألمانية الخبير بالاثار واللغات القديمة السومرية والبابلية والاشورية الذي إبتكر الرمز الشهير للديانة الإيزيدية:إن كلمة (إيزيدي) في اللغة السومرية تتكون من ثلاث مقاطع هي (أي ـ زي ـ دي) وترجمتها هي السائرين على الطريق الصحيح، الغير ملوثين، الأنقياء… 4ـ كان يوم الأربعاء هو العطلة الأسبوعية لدى البابليين والآشوريين وكان يوم الإله نابو=نبو)، وعند الإيزيدية فان يوم الأربعاء حاليا هو يوم العطلة الأسبوعية، ويحمل قدسية خاصة، لأنه يوم طاووس ملك.. 5 ـ كانت أعياد رأس السنة البابلية و الآشورية (الاكيتو)، والـ (زاغ موك) السومرية ـ والكلمتين تعني سنة جديدة ـ تبدأ مع بداية فصل الربيع، وكانت الاحتفالات الضخمة تبدأ مع مطلع شهر نيسان حسب التقويم البابلي، وكان الملك يشارك رعاياه في هذه الاحتفالات، وكان يتم في هذه المناسبة إعمار المعابد المقدسة على أنغام الناي و الطبول مع التطواف حول تلك المعابد, وكذلك كان الزواج محرماً طوال فترة الاحتفالات في شهر نيسان، لان البابليين كانوا يعتقدون إن الآلهة تتزاوج في هذا الشهر.. وبالنسبة للإيزيديين فان عيد ألـ (سةرىَ سالىَ) أي رأس السنة باللغة الايزيدية ، يقع في أول يوم أربعاء من شهر نيسان الشرقي (الذي يتخلّف عن نيسان الغربي بـ 13 يوما)، وتكون الاحتفالات و (الطوّافات ـ جمع طوّافة) في هذه الأيام، وقد يكون اسم الطوافة مشتق من كلمة التطواف، لان جميع الطوافات الإيزيدية تقام بالقرب من المزارات و المراقد المقدسة في القرى و المناطق الإيزيدية (وقد تكون نوعا من الاحتفال بزواج الآلهة حسب المفهوم البابلي!!) كما إن الإيزيدية يستحرمون الزواج لحد الآن خلال شهر نيسان، و يتم تعمير بعض المزارات التي تستحق التعمير على أنغام الدف و الشبّاب خلال نفس الفترة.. 6 ـ كان البابليون يصنعون في مطلع كل ربيع ما كان يسمونه بـ (الكعك المقدس) والذي كان يتكون من مسحوق الشعير ومستخلص التمر وبذور السمسم مع إضافة ماء الورد، و الإيزيدية اليوم وتيمناً بالنبي (خدر الياس) يصنعون ما يسمونه بالسويق أو (البيخون) المكوّن من الدقيق والدبس وتضاف إليه بذور السمسم المقلية لإضفاء شيء من النكهة، و مما يذكر فان عيد خدر الياس حسب التقويم الإيزيدي يقع في منتصف شباط الحالي تقريبا.. 7ـ كان النهر يعتبر إلهاَ في المفهوم البابلي, وعليه كان التبوّل في النهر محرما و يعدّ من الخطايا, و الإيزيدية مازالت تستحرم التبوّل في أي ماء أو نبع جاري.. 8ـ مهنة(القوّال) في الديانة الإيزيدية تتشابه مع مهنة وتسمية ألـ (كالو) البابلية والتي تعني منشد المراثي.. 9 ـ كان في العصور البابلية المتأخرة يقام احتفالين لرأس السنة، الأول في الربيع، والثاني في مطلع فصل الخريف، ومن المعروف إن جانباَ كبيراَ من الفلسفة البابلية و نظرتهم إلى الحياة كانت قائمة على أساس موت و ميلاد الطبيعة, وكان للشمس (الإله شمش) مكانة هامّة في المعتقد البابلي, المهم، إن التوافق لا يقتصر فقط على ما بين عيد ألـ (سةرىَ سالى رأس السنة الايزيدية َ) والـ (اكيتو) البابلي، بل إن (عيد الجماعية) الذي يقع في مطلع شهر تشرين الأول من كل عام يتوافق مع أعياد الخريف البابلية، التي هي بالأساس تكملة لقصة الخليقة التي تتلى في عيد (الاكيتو) وكيفيّة خضوع الكون للمشيئة الإلهية, وسيطرة الإله (شمش) على مقدرات الطبيعة و تسيير شؤونها… 10- كانت الحضارات العراقية القديمة (ميزوبوتاميا) يعتقدون بالكواكب السبعة المقدسة واستخدامهم لمسميات متداولة في الإيزيدية مثل (شيخ سن،وشيخ شمس وشيخ هادي وغيرهم ) وهناك نحت في المتحف البريطاني (نسخة منه موجودة في المتحف العراقي) يظهر فيه الإله شمش، وبسبب قوته الهائلة يركع تحت أقدامه نحت لثور ضخم في حالة استسلام، كما إننا نجد عقربا ينهش أعضاء الثور التناسلية, ومن دماء الثور النازفة هناك حشائش أو غلال نابتة ويانعة.. والمغزى من هذه اللوحة هو إن برج الثور كان يقابل الشمس في فصل الخريف، قبل أربعة الآف عام، و الثور هو رمز الإخصاب أو الخصوبة، وسيطرة الإله شمش عليه هي سيطرته على الخصوبة وعلى كل ما ينتج عنها في أي جانب كان ـ أي على مقدرات الطبيعة و البشرـ وبموت الثور فان فصول الجفاف والجدب قد ولّت وان مواسم الأمطار والخيرات آتية بلا ريب.. وفي الجانب الإيزيدي , و من ضمن مراسيم عيد الجماعية التي تستمر لمدة سبعة أيام ، وفي اليوم الخامس يتم اقتياد ثوراَ إلى مزار الشيخ شمس في معبد لالش ، حيث يتم ذبحه هناك في احتفالات بهيجة و صاخبة… وهناك جوانب أخرى من التشابه مابين الديانة البابلية والآشورية ذوات الأصول السومرية، وكما قال الكاتب جورج حبيب ” إن الدين هو نفس الدين مع حصول بعض التغييرات، وإذا جاز لقوم أن يدّعو إنهم من أصل آشوري فالإيزيدية أحق الناس بذلك!” ومع اعتزازنا بجهد الأستاذ الراحل، إلاّ إننا نرى إن كلامه كان سيكون أكثر دقة لو لم يقتصر رأيه على “الآشوريين” فحسب, ونحن نعلم جيدا إن الدين الآشوري و البابلي والسومري يكاد أن يكون ديناَ واحداَ, مع بعض الاختلافات التي حتّمتها المصالح والمطامع السياسية, كما لا يفوتنا محاولة الأستاذ جورج حبيب في شدّ الديانة الإيزيدية بحبال آشورية