طفولة على تل القصب
1
(تل قصب) كما لم تسمع به
لا اعرف من اين اتي ببداية تصلح كمفتاحٍ لبقية القصص التي اود ان ارويها عن ايام طفولتي في تلك البقعة التي احتضنتني، هل اسميها قرية ام مجمعاً قسرياً بنيَ بعد تهجير الناس من قراهم القديمة ؟! هل اسميه ( مجمع البعث ) كما كانت الدولة تسميه ام اكتبه ( تل قصب ) كما كان الاهالي يرددونه ؟! الكتب التي قراتها عن المنطقة لا تعطي ذلك الانطباع الغرائبي لتلك الجغرافية ، لذا كان لزامٌ علي ان استعين بالاسطورة والخيال لتظهر الصورة مخملية وجذابة للمتلقي .
عملتُ بشكلِ متقطع لمدة سبعة سنوات في شارع الصناعة في مدينة سنجار وهناك صادفتُ الكثير من الوجوه من سواق السيارات بالاضافة للصناع واصحاب الحرف . اظن ان مميزات " شارع الصناعة " في كل مدن العراق ايام الحصار الاقتصادي لا تختلف عن بعضها البعض ، الجميع بأنتظار سيارة عاطلة تحتاج الى التصليح وفي فترة الانتظار هذه تُـسمع وتُـروى المئات من البطولات والمغامرات الخارقة لدرجة بات المرء يصدق تلك القصص بعد مرور فترة وجيزة بل وتصبح الواقعة مرجعاً لحكايات اخرى مليئة هي الاخرى بالفانتازيا في بيئة وفترة تبحثانِ عن ادنى نصرٍعلى ذلك الواقع المشؤوم ، ولم نكن نحن الصناع الصغار سوى آذاناً صاغية ومستمعين جيدين لكبار " الاسطوات " .
اوهام السيطرة والقوة التي كانت تستخدمها الحكومة العراقية على الشعب انعكست بظلالها على المجتمع بشكل واضح ، فالمعلم يعنف التلاميذ دون ادنى سبب والمدير يعنف المعلم لسببٍ مجهول وهكذا دواليك ليفرض الجميع سلطته على الاضعف ، ومن لم يكن يملك ادنى سلطة كان يعنف عائلته من زوجة واطفال لملىء الجزء المفقود من شخصيته كحل لمساواته مع بقية شرائح المجتمع . الحالة المزرية والمحبطة خلقت ايضا التغني بالماضي التليد لكل شخص لتتحول شخصية كل فرد في المجتمع الى ( سوبرمان ) في سيرته الذاتية التي لم نراها، هذه الحالة شاهدناها في السابق مع العمال المصريين الذي جائوا الى العراق في ثمانينات القرن الماضي ، اذ كانت قصصهم مليئة بالمغامرات التي لا تـُصدق اضافة الى شهاداتهم الاكاديمية العالية التي كانوا يتفاخرون بها امام الزبائن اثناء تجوالهم اليومي وهم يبيعون الملابس الرخيصة لسد رمق العيش ! الشعوب التي تعاني من النكبات تكون متشابهة في الحديث والمغامرة وهذا ما يمكن ملاحظته في افواج القادمين الى المانيا من سوريا، فترى اغلبهم كانوا يعملون اطباء ويجيدون الفرنسية حسب قولهم وهم لا يميزون الاحرف اللاتينية من بعضها البعض ! حال مجتمعنا بالامس واليوم لا يختلف عن العينتين المذكورتين، لذا سأحاول ان استفيد من احدى تلك الحكايات في شارع الصناعة و التي كنا فيه جالسين بالقرب من احدى صفائح المعدنية الفارغة للزيوت النباتية وقد ملئناها بأغصان الاشجار اليابسة وقليل من زيت السيارات المستعمل لنجعلها كمدفئة في ايام شتاء سنجار المزعج . كان يتحدث لنا احد كبار الاسطوات عن قصص التاريخ ليعرج على حياته الشخصية ويخبرنا كيف انه صنع قارباً بطول عدة امتار في اقل من شهر ! بفضول معتاد ومتوقع سألهُ احد الصناع : وماذا استفدتَ من القارب في هذه الرقعة الجافة ؟!
ابتسم الاسطة ابتسامة الواثق : كنت استقله لأتسوق الاسماك من تل قصب .
الجواب جعلت مئات الاسئلة حاضرة وهذا ما كان ينتظره الاسطة الحريف ، بادرتُ انا بالسؤال : كيف كنت تركب قارباً والمياه غير موجودة ؟!
_ ومن قال لك ان المياه لم تكن موجودة ؟! لقد كنت اقطع من مكاننا الحالي هنا ما يقارب العشرة كيلومترات لأصل الى تخوم تل قصب لأشتري الحليب من مالكي الجواميس والاسماك من الصيادين وكنت اشاهد المئات من اللقالق والنوارس والحيوانات البحرية الاخرى في الطريق ... اه كم كانت ساعداي تؤلماني حينها من كثرة الجذف ! (حرك ذراعه لحظتها)
_ عن اي زمان تتحدث يا خال ؟
_ انه ليس بزمانٍ بعيد ...تحديداً في السنوات التي هدمنا دير العاصي في كفن الجبل ...آلم ترى بقايا " ديرعاص " في الجبل ؟!
_ نعم اعرف مكانه ...لكنني لم ارى اثر له ، وما المصلحة والغاية من هدم " ديرعاص " ان كان قد هدم بالفعل ؟! (الاسئلة اصبحت تتكاثر والابتسامة لا تفارق شفاه الراوي العاطل عن العمل).
_ كنت حينذاك يهودياً واختلفنا يوماً مع مسيحي المنطقة فهدمنا اعز ما يملكون وهو الدير ....اوووووف (يحاول ان يظهر اسفا وحزناً مصطنعاً) ، كان هذا قبل اربعمائة سنة تقريبا ! [يؤمن الايزيدية بمبدا تناسخ الارواح وهذا ما كان يلوح له الاسطه بكونه عاش حياة سابقة].
_ لا علينا بالحروب ، حدثنا عن قاربك وتل قصب ، هل كانت فيها احراش وقصب كأسمها ؟!
_ بالتأكيد كان المرء يضيع بين البردي والقصب اللذان يحيطان بها ولا يمكن الاستراحة الا على التلة الموجودة الان في مدخل المجمع، اذ كانت بقية المناطق تتطوف بالمياه الى ان امر احد الحكام في احدى السنوات بتحريم الصيد فهجرها الناس ، ولسبب اجهله الان شحت المياه ونفقت كل الحيوانات، وان كنتم مطلعين مثلي سترون الكثير من مسؤولي النفط يحفرون بالسر مع المخابرات ورفاق الحزب المناطق المحيطة بسنجار لكونها اصبحت بقعة نفطية لتلك الاسباب !
احد الصناع يقاطع حديثه بصوت خافت بما معناه ان الوقود قد نفذ من الاخشاب وان نيران المدفئة المفترضة على وشك الخمود ليرد الاسطة بسرعة : لا عليك الجو اصبح دافئاً ... عن اذنكم ها قد جاء سائق يبحث عني.
_ "روح الله وياك ابن بطوطة " ... قلناها بهمس .
صلاح حسن رفو