(الأوقات)
مراد سليمان علو

لا توجد سنة جديدة، ولايوجد عام قادم، إنما هي فصول تتوالد، وأوقات تتعاقب.
الإنسان بطبيعته يحبّ التكرار، ويميل إلى الرتابة.
الإنسان يحبّ الأختصار، ويحنّ إلى الذكرى.
فأنت ترى اليوم: نهار وليل، أو صباح ومساء.
أنت ترى الصباح بداية يوم جديد، وهو لديك الجزء الأول من اليوم، والمساء نهاية يوم مضى.
وأنا أراه صباحا كاملا لا يمت بصلة لوقت ما قبل الظهيره الذي يليه، فهو وقت لوحده أغوص فيه لوحدي.
الشروق عندك هو لحظة ظهور الشمس من مخبأها. شروقك ظاهري.
وشروقي حقيقي؛ لأن ذاتي تشرق مع الشمس، ونفسي توّاقة للخروج من مخابها.
أنت ترى الظهيرة وقت غداء وقيلوله، وأنا اراها لجّة من الذهب عند فوران الشمس.
المساء عندك وقت وداع لنهار آخر قد مضى، وبداية تحضير لليل مكرر.
والمساء عندي حلم حافل بالقصائد يبحث عن شاعر في مرفأ بعيد؛ ليقرأها على العشاق في الشرفات على ضوء القمر، وعلى أنغام دقات القلوب لمآتي السهر.
الغروب لديك هو الوقت الذي تختفي فيه الشمس تحت خط الأفق وتتجه غربا على مرمى النظر.
والغروب لديّ هو آوان ظهور القمر ورقص النجوم في كل مكان، وتزداد لغط الهلوسة، ويشتدّ الهذيان، ويصل ارتباكي اوجه أمام هدوءه.
ليلك لا أول له ولا آخر تحيله نهارا بالأضواء، وتطلب الرقاد عند التعب.
وليلي هو: مساء احلم معه، وأعزف له. وغسق ألاطفه وألاعبه. وشفق أراقبه واتأمله. وغروب أراقصه. وليل اناجيه.
ومن هذه الأوقات الساحرة يولد الربيع ومن الربيع ينبثق الصيف ومن الصيف يخرج الخريف ليترك وراءه الشتاء بفرح.
ففي الربيع كلّ شيء يغني.
فأراني أغني مع الأشجار وهي تلبس حللها الخضراء.
ومع الأزهار وهي تتراقص مع النسائم.
ومع الطيور وهي تشدو.
ومع الفراشات وهي ترفرف.
ومع الزنابق وهي تعانق الندى.
ومع الغدران وهي ترجع صدى نقيق الضفادع.
ومع الحقول وهي تستقبل خرير الجداول بلهفة.
ومع المراعي وهي تبتسم للرعاة.
أغني مع رقص البجع في البحيرات تحت المطر.
ومع ثغاء الأنعام وهي تغادر المراعي في المساء.
في مهرجان الوان الربيع احيي عيد اكيتو فالربيع في قلبي نابض.
ربيعي يجنّ بطوفان الاخضر.
أغني مع جنونه في كل مكان من اجل كل المخلوقات التي تعج بالحياة في الربيع.
وعندما اشعر بتعب الغناء أحلم فأعلم بقدوم الصيف.
احلم بالسنابل الممتلئة بالزاد.
احلم بالمعاصر وهي تعجّ بالأعناب.
احلم بعيون الماء المتفجرة.
احلم بظلال التين الوارفة.
واستيقظ من حلمي عند هجر أول سرب من الطير فقد أتى الخريف.
وفي الخريف اهاجر مثل الطيور، ومثل الدلافين والأسماك.
اهاجر انا الإنسان حتى تشعر عظامي بالبرد وأعلم بمجيء الشتاء.
عند الشتاء اسكن كهوف الحبّ المضيئة.
عند الشتاء لا أنشد الدفء مثل الدببة.
عند الشتاء لا أنشد الوحدة مثل الثعالب.
عند الشتاء أنشد الحكمة مثل البوم، فالقوة التي تأتيني لازيح الاغطية والدثار صباحا هي قوة الحبّ.
عند الشتاء كما في الخريف والصيف وكذلك الربيع اكرر تجربة الحبّ ولا أملّ من التجارب.
يا صديقي فلماذا عندما يقبل الربيع لاتغني فيه؟
واذا جاء الصيف لماذا لاتحلم؟
وفي الخريف لماذا لاتهاجر؟
ولماذا تستسلم للدفء في الشتاء؟
يبدو انك لا تعلم ما يفوتك أيها الإنسان!