(الإنسان)
مراد سليمان علو

في الليلة الماضة، عفرت وجهي بتراب الأرض قبل أن اذهب إلى النوم، وتوسدت حجرا من احجارها، ثم تلحفت بأغصان اشجارها، وفجرا غمرت جسدي في النهر الجاري في وسط الغابة التي اسكنها؛ لأتلو دعائي واترنم كعادتي بأناشيد حبّ الأرض، فوجدت لساني ينطق بعشران اللغات عن الإنسان.
فيما مضى كنت أغنّي للأرض في كلّ موسم تبدّل فيه زينتها، أغنّي لجبالها عندما تكسوها الثلوج، ولهدير السيول في وديانها، وللأشجار عندما تزدان بالأخضر والأصفر في غاباتها، وللطيور في روابيها، وللفراشات في بساتينها.
كنت أغنّي لوقود حروبها من الإنسان، موجات تلو الموجات، ومعارك تعقبها معارك.
ولكن في هذا الفجر، وبعد آخر حرب بدأ لساني يتغنّى بالإنسان دون الأرض.
نطق لساني بأسم الإنسان، وكأن نورا غمر كياني، وتبددت وحدتي، وخمرة ألهية سرت في كبدي، واجنحة ملائكية نمت على كتفيّ، ثم استسلمت إلى قوّة كلمة الإنسان ترافقها البهجة والنشوة، وبدأت الأحلام الجميلة تتمايل مع ذاتي التي ذاقت طعم الحريّة لأول مرّة.
*
فارقت كوخي، وودعّت حيواناتي متجها إلى المدينة لأسأل اهلها: "أيهما أكثر قداسة الإنسان أم الأرض؟" ولأخبرهم عن قصتي مع كليتيهما فرأيت حشدا يخطب فيهم نيتشه قائلا: " ادعوكم لأستقبال الإنسان المتفوق الذي سيحمل آرث الإنسان، وليكن الإنسان الضعيف للأرض التي يحبّها أدما".
وما أن أنهى الفيلسوف خطبته حتى أخذت مكانه وقلت للجمع: "أما أنا فأسألكم عن سرّ تحوّل حبّ الأرض فينا إلى حبّ الإنسان، وبعد أن تجيبوا على السؤال بأنفسكم أريدكم أن تهتموا بالإنسان دون تصنيف له ليكون اهتمامكم هذا سببا وجيها لكل النتائج بما فيها الحبّ الذي سيدفن فيكم للأرض.
كان حبّ الأرض يهدر إنسانية الإنسان فينا وتكرر الأمر أربعا وسبعون مرة والآن حبّ الإنسان فينا سيحافظ على كرامة الأرض.
إنها يقظة الفجر فينا لنستجب لنداء الإنسان ففي كلّ مرّة كنا نخسر الأرض والإنسان معا أما هذه المرّة فأنني ادعوكم لأنقاذ الأنسان لنسترجع الأرض.
اوعدكم بالرجوع إلى بابل ونينوى وأرض داسن كما يعود الأبن الضال إلى حضن والدته في النهاية فيما إذا انقذتم الإنسان في البداية.
أن مزايا الحبّ للإنسان هي التي ستجعل الأرض محبوبة أكثر".
*******