عذراء سنجار .. تراجيديا الواقع والخيال
حمزة مصطفى
..........

تستحق المأساة التي تعرض لها الأيزيديون على يد تنظيم داعش الإرهابي أكثر من عمل روائي أو سينمائي أو مسرحي أو شعري مثلما هي حال الحروب والملاحم والتراجيديات الكبرى عبر التاريخ التي لم نكن نعرف الكثير من تفاصيلها والتي تبدو ثانوية للوهلة الأولى بالقياس الى فظاعات ما تم إرتكابه الإ من خلال ملاحم أدبية مازالت خالدة في أذهان الأجيال.
عراقيا مازلنا نخوض الحرب ضد هذا التنظيم الوحشي الذي خرج من كهوف التاريخ حاملا راياته السوداء ليعيدنا الى عصر الظلمات. ولذلك يبدو من المبكر الحديث عن أعمال أدبية نثرية او شعرية يمكن أن ترتقي الى مستوى الكارثة حتى بإفتراض أن ما بحوزة الإنسان اليوم من وسائل تعريف بحجم الجرائم من خلال "السوشيال ميديا" يمكن أن يغطي جزءاً من المأساة.
لقد أثار بكاء الأيزيدية فيان دخيل داخل قبة البرلمان العراقي إهتمام العالم اجمع. كما أن قدرة الأيزيدية الاخرى الناجية من ظلمات داعس نادية مراد البلاغية من حيث الحس الإنساني أبكت العالم في مجلس الأمن الدولي وهو ما اهلها للترشح لجائزة نوبل للسلام لعام 2016 التي نافست فيها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس لكنها لم تحصل على الجائزة لحسابات تتعلق بلجنة نوبل لكنها حازت على إعجاب العالم حيث وضعت مع أختها الاخرى دخيل قضية شعب صغير في صلب الإهتمام العالمي.
وسط هذا الإهتمام بهذه القضية الإنسانية التي تحولت الى قضية راي عام عالمي ينسج الروائي وارد بدر السالم خيوط روايته "عذراء سنجار" التي نقل فيها مأساة الشعب الأيزيدي الى عالم الإبداع حين إستنطق الحجر والطيور والغيوم والحيوانات عبر عمل روائي سوف يصنف في خانة أهم الأعمال السردية التي نقلت قضية الأيزيديين من خانة السياسة القابلة للنسيان وربما المساومات الى حيز الأبداع الذي يبقى محفورأ في الذاكرة الإنسانية.
لقد بنى وارد عبر روايته "عذراء سنجار "عالما إبداعيا موازيا لعالم التراجيديا الإنسانية التي تعرض لها الايزيديون على يد داعش الذين لم يأتِ غالبيتهم من المريخ بل هم من الجيران العرب المسلمين لهذه الأقلية الدينية التي تقطن قضاء سنجار "شنكال" بالكردية حيث يدور جدل حول الإنتماء العرقي لهم. ومع أن الرواية عبر شخوصها وبخاصة سربست وعيدوالمجنون والحامل التي ولدت في بطنها بعد 13 شهرأ من الحمل ونشتمان وهي بطلة الرواية أو "عذراء سنجار" التي يجري البحث عنها طوال صفحات الرواية كناية عن الفتيات الإيزيديات اللواتي تم خطفهن وإغتصابهن وبيعهن في سوق النخاسة ، حاولت خلق عالم سردي مختلف عن الكثير من الأنساق البنائية في الروايات التي تناولت مرحلة ما بعد عام 2003 بمختلف تقلباتها وصفحاتها فإن هذه الرواية قد تكون مختلفة في الكشف عن الكثير مما هو مسكوت عنه على صعيد التشخيص وربما الإدانة.
وبينما نجح وارد في الإمساك بشخوص الرواية عبر مختلف التحولات التي مروا بها خلال المأساة الأيزيدية عبر لغة صورية متماسكة حاول فيها خلق غرائبية تعبيرية جديدة بالقياس الى النمط الشائع في السرد القصصي والروائي عندنا وهي تقنية جديدة تختلف حتى عن تقنيات وارد في أعماله السابقة لكنه ربما أوغل في الادانة تجاه جيران الايزيديين من العرب المسلمين في المنطقة وهو ما أوقعه في محذور الخلط السياسي بين الواقع والمبالغات المبنية على حسابات سياسية مسبقة كان يتطلب من الروائي عدم الخوض فيها بما يبدو وكانه سجل إنحيازأ لصالح ماهو سياسي على حساب ماهو إبداعي.
فنيا تتحرك الرواية في سياق قدرة سردية تبلغ حد الادهاش احيانا بين مهيمن اجتماعي هو الدين الايزيدي المغلق وما ترتب عليه من تشويش متعمد, ونسق تاريخي من ثقافات ورؤى ومفاهيم الكثير منها مغلوط وبالتالي فان الكاتب لا يملك حيال هذه الازدواجية الحادة سوى اللجوء الى البحث عن تقنية قادرة على الصمود امام آراء ومواقف مسبقة لا يمكنه مقاومتها الا من خلال ايهام فني سردي قائم على غرائبية التصوير الفني "استنطاق الكلاب والاشجار والطيور" وواقعية الحدث "عملية الإغتصاب والابادة الجماعية" التي تجسدت في شخصية البطلة عذراء سنجار التي جسدت هذه المأساة بعمق بوصفها في النهاية جريمة بحق كل العراقيين.







Visa fler reaktio