يزدا .. الصوت الايزيدي النقي الذي انبلج من أعماق المأساة ..

فواز فرحان

قبل سنوات ليست طويلة كان الكثيرون منا يناضلون في صفوف الأحزاب العراقية المختلفة لإسقاط الدكتاتورية وإقامة البديل الديمقراطي التعددي , وبحكم موقعنا الجغرافي كأقلية دينية كان أغلب شبابها يناضلون في صفوف الجبهة الكردستانية ( بري كردستان ) وقدموا آلاف التضحيات لرؤية كردستان حرّة تسودها العدالة والديمقراطية وحكم أبناءها لها , فالكثيرون من أبناء الايزيدية خسروا أعز ما يملكون في هذا النضال , أبناءهم وبناتهم ودورهم وممتلكاتهم من أجل الحرية لكردستان وشعبها العظيم ..

وكل مراقب منصف يعلم تمام العلم أن التطور لا يحدث أبداً بالطفرات أو غمضة عين , بل عبر تطور تدريجي في البنية التحتية والعلمية والصناعية والزراعية وحتى الديمقراطية , هذا التطور التدريجي الذي صبرنا عليه طوال السنوات الماضية ( منذ عام 1991 وحتى اليوم ) أخذته العقول التي لا تريد لهذا الشعب التقدم الى جادة التوقف والتراجع الى الخلف أكثر من مرّة , ومع ذلك قلنا أنها هفوات تعيشها التجارب الحية للشعوب التي تطمح الى التقدم في مسيرتها , لكن ما يجب أن نعيه جميعاً أن تراكم الهفوات يقود الى قطيعة حقيقية مع عملية التقدم وينهي دور القائمين على العملية في ظرف سياسي حاسم كالذي نعيشه ..

إغلاق مكاتب منظمة يزدا بلا أدنى شك استفز مشاعرنا وجعلنا نقف مذهولين من إقفال منظمة مجتمع مدني تمثل الأغلبية الساحقة للايزيديين في الداخل والخارج , وهذه المنظمة ليست سياسية أو تعكس وجهة نظر جهة سياسية بل هي منظمة انسانية قبل كل شيء جعلت من أصوات المثقفين تهدأ أمام عظمة الجهد الانساني النبيل الذي تقوم به من مساعدة لمحنة أكثر من نصف مليون مشرّدين نازحين معوّقين مصدومين نفسياً من هول الكارثة والمأساة والإبادة التي تعرّض لها شعب مسالم كشعبنا الأيزيدي أمام أنظار العالم المتمدّن , هذا الاغلاق لا يمكن أن يوقف صوت الايزيدي بل سيعزز من قوته في داخل كردستان وفي خارجها , وكنا نتمنى على الحكومة في الاقليم انتهاج طرق لا تتعارض وحرية الرأي والتعبير التي تقوم على أساسها الدول والحكومات والفيدراليات المتمدنة التي تتوق لحرية شعبها والحفاظ على كرامته ..

فالحراك الايزيدي السلمي الدائمي سيتعاظم وسنقف جميعاً مع هذه المنظمة التي عبّرت عن أصوات أغلبنا في محنتنا العصيبة , واسكات صوتها لا يصب إلاّ في خانة من يريد لكردستان ان تعود الى الخلف وتترك عجلة التقدم بأيادي تجهل مبادئ القيم الانسانية النبيلة في العصر الحديث , فنحن لا نريد لكردستان وشعبها سوى السلام والحرية وسيادة القانون وغياب هذه الأسس سيجعلها فريسة سهلة لقوى الظلام السلفي الوهابي الذي دفع أبناء كردستان دمائهم الزكية لمحاربته في هذا الظرف على أكثر من جبهة , واسكات يزدا لا يمثل سوى إهانة بالفعل لكرامة الانسان الايزيدي واهانة لكل الجهود الانسانية التي تسعى الى انقاذ مئات الآلاف من النازحين في سنجار وسهل نينوى , هذا العمل الذي أدى الى اقفال مكاتب يزدا لن يقود إلاّ للمزيد والمزيد من التعاطف مع مواقفها وكل هذا الشعب في محنة ابادته يقف إجلالاً واحتراماً للجهود الانسانية النبيلة التي بذلوها والتي أوصلت عمق مأساتنا الى المحافل الدولية وجعلت العالم يتعاطف مع قضيتنا كشعب مسالم محب للحياة ..

فلا تجعلونا نفقد الأمل في كردستان متقدمة يحكمها القانون وتخضع لقيم المدنية المتحضرة كباقي شعوب الأرض