اموات في الغربة .. قصة .. ج 1


علي ناسو السنجاري


رنين جرس المنبه المؤقت في هاتفي أيقظني من النوم ..
بقيت أتقلب في فراشي ولم أغادره من شدة الكسل ..
الهاتف ملقى على طاولة تبعد عدة خطوات عن سريري ، ورنين المنبه يعيد نفسه بصورة تلقائية كل خمس دقائق ليذكرني بموعد لي كنت قد نسيته ..
وصرت أراجع نفسي ..
لما قمت بتشغيل المنبه ؟؟
أخذني شرود عميق أيقظني منه جرس المنبه للمرة الثالثة ..
وفجأة تذكرت سبب رنين منبه هاتفي ..
فقد قمت ليلة أمس بتوقيته لكي أذهب الى المدينة لاستلم راتبي فاليوم هو نهاية الشهر .. ثم التفتُّ نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفتي ..
قفزت من على السرير كالملسوع ..
الباص لايمر عبر القرية التي اسكنها الا مرتين في اليوم ..
في الصباح مرة , وأخرى في المساء ..
يا الهي ! سوف يفوتني موعد الباص ..
لم يبقى أمامي الا دقائق قليلة ..
ارتديت ملابسي بسرعة حتى دون أن أغسل وجهي أو آكل لقمة طعام ..
ركبت دراجتي الهوائية وصرت أقودها بكل قوتي لأن الطريق الى موقف الباص يأخذ مني خمس دقائق أو أكثر ..
وصلت في آخر لحظة حيث كان الركاب قد بدأوا بالصعود ..
رميت دراجتي في ( مقبرة الدراجات ) هكذا نسمي موقف الدراجات في تلك القرية لكثرة الدراجات القديمة التي تركها أصحابها لسنوات ورحلوا عنها دون عودة .
صعدت الباص وصرت أبحث عن مقعد فارغ ..
لفت انتباهي الثياب التي يلبسها رجل كبير في السن يجلس في المقاعد الخلفية من الباص وتجلس الى جانبه امرأة في مثل سنه أو قد تصغره بسنوات قليلة ..
وددت لو اني وجدت قربهما مقعداً خالياً لكني للأسف لم أجد..
الرجل في حوالي السبعين من عمره أو أكثر بقليل ، ذو لحية بيضاء كثيفة وشاربه الطويل يتدلى على جانبي فمه ..
يضع قبعة على رأسه تشبه تلك التي يضعها الأتراك ..
بنطاله وسترته يدلان على انه رجل شرقي ..
المرأة أيضا ترتدي زياً يدل على ذلك ، خاصة انها تغطي رأسها بغطرة بيضاء .
بقيت التفت اليهما بين الحين والأخر .. كانت المراة تنظر من خلال زجاج النافذة باستمرار وكل بضعة دقائق تمد يدها الى غطاء رأسها لتغطي شعرها ..
والرجل مشغول بتمشيط لحيته بأصابع يديه .. يرتبه وينصقه تحت ذقنه ..
ثم بدأ بترتيب شاربه وكأنه يتحضر للقاء حبيب ..
بعدها أدخل يده في جيب سترته وأخرج منها مصبحة وراح يغازلها بأنامله ويديرها يمينا ثم يسارا .
المدينة تبعد حوالي ساعة أو أقل بدقائق لأن الباص يقف في عدة قرى يمر بها في طريقه .. وصلت الى المدينة وكان علي أن أنزل من الباص قبلهم .. لأن الدائرة التي أذهب اليها تقع في طرف المدينة بعيدة عن سوق المدينة ..
التقيت ببعض الأصدقاء ,وبقينا نتجول في شوارع المدينة وأسواقها ..
قضينا أوقاتا جميلة على الشاطئ ونحن نتسامر ونضحك ..
وكما هي العادة دائما الاوقات السعيدة تمضي بسرعة ولاتدوم أبدا ..
حل المساء وحان موعد الفراق ..
حملت نفسي وعدت الى موقف الباص في المدينة .
صعدت الباص واذا بي أرى ذلك الرجل مع تلك المرأة يجلسان في المقاعد الخلفية للباص , والى جانبهما يوجد مقعد فارغ ..
جلست بجانبهما وصار بنا الباص وسط الحقول والغابات ..
اتصل بي أحد الاصدقاء , وكانت نغمة الرنين في هاتفي المحمول هي أغنية قديمة من التراث الشنكالي . التفت الي الاثنان مباشرة , وكأن نسمة من عطر الوطن قد ايقضتهما من نوم أزلي عميق .. وحرك فيهما مشاعر الحنين الى الحبيب .
كانا يحدقان بي وأنا أتكلم مع صديقي .. ظننت انهما منزعجان لأنني أتكلم بصوت مرتفع .. طلبت من صديقي بأن يتصل بي في وقت لاحق ..
أخرج الرجل ( مصبحته ) من جيب سترته وراح يقلبها مرة أخرى ..
ويلتفت الي بين الحين والأخر عرفت انه يريد التحدث معي لكنه متردد ..
فبادرته بالكلام (بلغة البلد ) لكي أفتح له المجال لقول مايريد ..
هل أنتما من أكراد تركيا ؟ ..
التفت الي وقال * لا من العراق , وأنت يبدوا من لهجتك انك شنكالي ؟..
نعم ..
قال * من أي المجمعات أنت , ومن أية عشيرة ؟..
ذكرت له محل سكني وأسم العشيرة التي انتمي اليها ..
بدا عليه الارتياح ,واستدار نحوي ..
قال نحن أيضا من شنكال لكننا هاجرنا منذ زمن بعيد .
راح يسألني عن كل شيء في شنكال ..
عن بساتين التين والعنب ,وحقول الحنطة والشعير ..
كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث عن تلك الأيام ..
كانت المرأة تنظر الينا بصمت ..
والرجل مستمر في حديثه وهو ينظر الى حبات الخرو بين يديه ..
وكأنه ساحر ينظر في كرة بلورية وهو يستمتع بغناء الطيور وخرير مياء العيون العذبة .. بساتين البطيخ الديمية .. وحقول العدس والحمص في الجبل .. وقطعان الماشية , وأصوات صغارها في الربيع ..
ثم توقف لبرهة وجر نفسا عميقا ,وكأنه عاد الى تلك الأيام ..
قال * أأأه كم كانت أياما جميلة .. ليس هناك على الأرض وطن أجمل شنكال .. ثم التفت الي وقال * لماذا تتركون شنكال وترحلون فقد سمعت من ابني بأن أعدادا كبيرة من أهل شنكال قد هاجروا الى أوربا في السنوات الأخيرة ؟.
لم أرد أن أعكر عليه تلك اللحظات الجميلة التي يعيشها وهو يستذكر ذكرياته الجميلة عن شنكال ..
لم أرد أن أكسر كرة البلور الصافية بين يديه لتهب في وجهه عاصفة ترابية من تلك العواصف التي تغطي سماء شنكال كل يوم ..
بقيت ساكتا ولم أرد على سؤاله لتبقى أحلامه جميلة ..
توقف الباص ونزل جميع الركاب ..
رأيت ان حملهما ثقيل فعرضت عليهما المساعدة .
وصلنا الى طرف القرية .. قال الرجل * ها قد وصلنا وهذا هو بيتنا ..
بيت صغير يقع في طرف الغابة .. يبدوا انه جميل وأنيق من الداخل أيضا كما هو حاله من الخارج ؟..
أردت المغادرة بعد أن وضعت أغراضهم أمام باب المنزل ..
لكنهما أصرا على أن أبقى معهما على العشاء ..
جلسنا على العشب في حديقة البيت الصغيرة وكاننا في شنكال ..
أحضرت المرأة ابريقا من الشاي وراحت تصب لنا قدحين منه ..
التفت الي الرجل وقال * يابني يبدوا ان الله جمعنا هذا اليوم لكي أكشف لك سرا لطالما بقي جاثما على صدري , أريد منك أن تسمعني جيدا ..
لكن لندع هذه المرأة تحكي لك قصتها أولا لتذهب بعدها وتعد لنا العشاء , وبعدها أنا أيضا سوف أقص عليك قصتي ..ثم التفت الى المرأة وقال * تكلمي يا أختاه لعل الله يفتح لنا باب الفرج بعد ان جمعنا بهذا الشاب .
لاحظ الأثنان علامات التعجب على وجهي عندما قال للمرأة (( يا أختاه )) فقد ظننتهما زوجان وهما يتكلمان عن ابنهما وأحفادهما ..
بقيت المرأة صامتة تنظر الى الرجل نظرة تساءل وكأنها تقول له هل انت متأكد من قرارك ؟.. لاحظ الرجل التردد والخوف عليها فأومأ اليها مؤكدأ وهز رأسه وأشار اليها بيده لبدء الكلام .
التفتت الي المرأة وقالت * اسمع يابني ما سوف أقوله لك , والذي لايعلم به غير الله ونحن الاثنان .. عندما قررت الحكومة العراقية في أواسط السبعينات من القرن الماضي ترحيلنا من القرى الى المجمعات السكنية ..
ازداد فقر الفقراء في شنكال أكثر من ذي قبل .. وأنا كنت ابنة لعائلة فقيرة.
لم نكن نملك ما نأكله .. أختي الصغيرة كانت تعاني من الشلل ..
في يوم من الأيام بكت كثيرا من شدة الجوع ولم يكن في البيت ما تأكله فلم أتحمل بكاء تلك المسكينة .. ذهبت الى بيت أحد أقربائنا فبيته كان قريبا ..
ناديت زوجته فخرج هو وقال بأنها قد ذهبت لتجلب الحطب ..
قلت * أريد قطعة خبز لأختي الصغيرة فهي تبكي من الجوع ..
قال * أدخلي وخذي ما تريدين فيداي متسختان كما ترين , الخبز في خرج معلق في الغرفة الخلفية .. في البداية خفت أن يلحق بي فدائما كان يرمقني بنظرات مريبة .. بعدها تذكرت بكاء أختي المريضة جوعا , وقلت لنفسي .. نحن في وضح النهار ماذا يمكن أن يفعل بي ؟.. كانت غرف البيوت كلها مفتوحة على بعضها البعض .. دخلت وبقي هو في الخارج حتى تأكد انني صرت في الغرفة الأخيرة , ولا يوجد شخص في الجوار ..
دخل كالبرق وصار معي في الغرفة .. سألني * هل وجدت الخبز ؟..
قلت * لا الغرفة مظلمة ولا أجد شيئا .. ذهب الى نهاية الغرفة وقال * هذا هو الخبز تعالي وخذي ماتريدين .. ما أن اقتربت منه حتى أمسك بي بكل قوته وأوقع بعض الفرش على الأرض ثم أوقعني معه ..
حاولت أن أصرخ لكنه وضع يده فوق فمي ومنعني من ذلك ..
لم أستطع مقاومته فقد كان رجلا قويا .. فعل فعلته .. اغتصبني .. وبعد أن أخذ مني ما يريد تركني .. تركني بعد أن أخذ عذريتي .. صرت أبكي ..
خرجت فخرج خلفي ولحق بي .. صار يقسم بكل المقدسات بانه لن يتخلى عني أبدا وبأنه سوف يتزوجني وأنه سوف يطلق زوجته لأنها لاتنجب له أطفالا .. عدت الى البيت خالية اليدين من كل شيء ؟.. اقتربت من خيمتنا ولم أسمع بكاء أختي الصغيرة .. ظننت انها قد نامت .. دخلت الخيمة فرأيت أختي تلفظ أنفاسها الأخيرة .. أزحت عنها الغطاء فكان كل جسمها متورما .. يبدوا ان أفعا أوعقربا كان قد لدغها عندما غبت عنها ..
سوف أموت ولن أنسى منظرها حين مدت يدها وسألتني * هل جلبتي لي الخبز ؟.. وحين رأت يداي فارغتين .. أغمضت عينيها ووقع يدها لأبد ..
لم تفتح عينيها بعدها .. لم تنبض بكلمة بعد ذلك .. ماتت جائعة .
هنا أجهشت المرأة بالبكاء وراحت تمسح دموعها .. ثم واصلت حديثها وقالت * مرت الأيام وصار بطني يكبر شيئا فشيئا .. لم يكن لي أحد أفشي له بسري .. والدتي كانت قد توفيت قبل سنتين أو ثلاث .. خفت أن يكتشف أبي وأخوتي أمري فيقتلوني .. ذهبت الى ذلك الرجل وأخبرته بأمر حملي منه , وبأنه يجب أن يتصرف بسرعة قبل أن يكتشف أهلي ذلك .. الجبان أنكر فعلته تلك وأنكر وعده بل انه هددني بأنه سوف يخبر أهلي بالأمر اذا لم أغادر بيته فورا .. عدت الى البيت وأخبرت أخي الصغير بأنني ذاهبة لأجلب بعض الحطب .. مشيت ومشيت حتى عبرت الجبل الى الجهة الأخرى .. كنا في فصل الشتاء حينها .. تعبت وعطشت وجعت ..
جمعت بعضا من ثمار شجر البلوط واكلتها .. عثرت على كهف دافئ فقضيت فيه تلك الليلة .. في الصباح رحت أبحث عن مكان أخر أسكن فيه لأن أصحاب المواشي سوف يأتون ليسكنوا هذه الكهوف في الربيع ..
عثرت على مغارة لها باب صغير ومن الداخل تبدوا كغرفة كبيرة , وفي مكان بعيد .. جمعت الكثير من البلوك والتين والعنب الذي تركه أصحاب الحقول معلقا بالأشجار .. اقترب موعد ولادتي .. فكرت بالانتحار كثيرا لكني لم أرد أن أحمل ذنب ذلك المخلوق الذي أحمله في أحشائي .
ولد ابني في تلك المغارة ,وعشنا فيها ستة سنوات قبل ان يأتي هذا الرجل ويدخل حياتنا .. ويشاركنا العيش في تلك المغارة ..
في كل ليلة بعد ينام ابني كنت أغلق باب المغارة بحجر كبير وأخرج للبحث عن شيء نأكله .. وفي احدى الليالي تلك كنت عائدة الى المغارة ..
سمعت صوتا غريبا قريبا من المغارة .. صوت كالأنين .. في البداية ظننته ذئبا أو ضبعا قد اشتم رائحة ابني ويحاول أن يزيح الحجر عن طريقه ليأكله .. رميت ما كنت أحمله ,وهرعت كالمجنونة الى مصدر الصوت ..
تحت ضوء القمر رأيت هذا الرجل غارقا في الدماء .. كان على مقربة من المغارة .. كان مغميا عليه .. ترددت في البداية كيف أتصرف ؟..
هل أعالجه فقد أنقذ حياته ؟.. أم أتركه يموت ؟.. أم أقتله وأدفنه لكي لا يعرف أحد بقصتي ؟.. لم يطاوعني قلبي على تركه يموت .. أخذته الى المغارة وحاولت قدر استطاعتي تضميد جروحه .. الحمدلله ها هو أمامك الأن .. بعد ان شفي أخبرته بقصتي ..وتعاهدنا على أن نعيش كالأخوة ماحيينا لأننا من طبقتين دينيتين مختلفتين .. ولا يجوز الزواج بيننا .. والأن سوف أذهب لأعد العشاء وأدعكما ليكمل هو لك باقي القصة .
للقصة بقية ..
.......
ابو شذى