طفولة على تل القصب 5
مكرمات "ابو جاني"
مِسطبةٌ مستطيلةٌ من الحجر والاسمنت مغسولةٌ بعناية هي النقطة الدالة لبيت "جلعان ابو جاني"، هذه العلامة مهمة للغاية لكثرة الضيوف القاصدين لمنزله والذين يكونون على الاغلب وجهاء وشيوخ عشائر والمزارعين الاغنياء. "ابو جاني" يملكُ مشروع دواجن و حافلة مارسيدس مميزة "استيشن" و قلباً سخياً، بالأضافة لجهاز فيديو(وهو جهاز الفيديو الوحيد في القرية)، لهذا الجهاز مفعولٌ سحريٌ على اطفال المحلة، فهو يعرض ما يشتهيه الجمهور دون مقاطعة من قبل "ناطق عسكري او اجتماع للقائد العام للقوات المسلحة"، ورغم معرفتنا المسبقة لمعظم الافلام المعروضة لتكرارها، الا ان الفضول يقتلنا في الجلوس في غرفة الضيوف لبيت ابو جاني بعدما ان صممَ سقف الغرفة بمادة الفلين الابيض لتكون عازلة اكثر ومحافظة على هواء المبردة في الصيف. نساء المحلة لم يكنَ اقل فضولاً منا، اذ عندما يخلوا المنزل من الضيوف تقوم الابنة "جاني" بعرض احدى تلك الافلام للنساء، وما ان يبدء الفنان (ابراهيم تاتلس) بالغناء في مقدمة الفلم حتى تولول معظم النساء وتنعت حظ ذلك الشاب (بطل الفلم) الذي ينتحر بواسطة الطائرة! وهي اشارة واضحة على ان معظمهنَ قد حفظنَ سيناريو الفلم، لكن صديقنا (بابير فاروق) اكد لي ذات مرة بأن امهاتنا لا يبكينَ بسبب الفلم الحزين، اذ انه شاهد جاني في الاسبوع الفائت وهي تشغل فلم لـ( بروسلي ) ومع عرض الاكشن والحركة كانت النساء يبكين غير مبالينَ بأحداث الفلم!
ادعم نظرية صديقي بابير بشدة لمعرفتي التامة بأن امي لا تستسغي مشاهدة التلفاز، الا انها تبكي حال جلوسها في بيت ام جاني، فألاخيرة هي ام لسبعة بنات دون ولد، وامي فاقـدة لأخوينِ شابين في غضون سنة في هذه الحرب الطاحنة، والحالة مشابهة لمعظم نساء المحلة والمحلات القريبة، فأم كاميران مازالت مصرة على ان التابوت الملفوف بعلم العراق والذي وصل لمخفر المجمع لم يكن لزوجها حيدر،وام رفو فقدت ايضاً اخاها ابان هذه الحرب الطويلة وام خلف تبكي دوماً وتتحسر على ساق ابنها الذي بقي في "ارض الحرام" في المواجهات شرق البصرة، وما هذه الجلسات الا تنفيسٌ لهذا الحزن المكبوت.
ام جاني هي "امي بالرضاعة" اذ كانت امي تتركني لديها عندما تذهب لتحضر دروس "محو الامية" التي لم تُـعلمها سوى كتابة احرف اسماء اطفالها بشكلٍ معكوس! لذا تجدني اكثر حرية من غيري في منزلها، لكن هذا لا يمنع بأن احسد (حسين مطو) عندما يطلب منه ابو جاني ان يذهب لشراء "باكيت روثمن" من السوق العصري للمجمع ويحتفظ بباقي النقود كـبقشيش له. اُقر بأن حسين اسرعُ مني في الركض لكنه بعيدٌ نسبياً عن محلتنا لذا اجهل تواجده وبتوقيته السليم في الحضور لتلبية جميع احتياجات ابو جاني!
حاول (غالب بركات) ذات مرة ان يدخل معنا في خط المنافسة كعامل خدمة ناجح، الا انني ومع جاري (حسن) هددناه بكشف سره للجميع فأنسحب بهدوه، رغم اننا كشفنا سر صديقنا غالب عشرات المرات في ساعات الغضب والتحدي، الا انه ينزعج عندما نخبره بقصة سماعه لصوت القران من التلفاز قبل بدء "فترة برامج الاطفال" في الساعة العاشرة والربع صباحاً ولم يصل سيء الحظ في الوقت المناسب لأخفاض صوت الجهاز... وقرأ الخطيب ما قرأ...! هذه الحيلة لا تنطوي على حسين مطو لكوننا لا نملك ادنى معلومات عن نقاط ضعفه، فأضافة الى سرعته فهو بارع في رمي الاحجار ويصيب الهدف بسهولة، لذا قررنا وفي اجتماع سريع في بيت حسن ان نرضى بنصيبنا من الاكل والحلويات التي تعطيها لنا ام جاني وان نترك حسين مطو وشأنه بعدما اقنعنا جميع الاصدقاء بأن ابو جاني يسخره ويكرمه لكونه من عائلة فقيرة!

صلاح حسن رفو