اموات في الغربة .. قصة .. ج 2


علي ناسو السنجاري

التفتت الى الرجل وقلت له * ياالهي كم عانت هذه المسكينة في حياتها ؟.. هز رأسه ثم قال * لهذا لم ولن أتركها ماحييت ..لنعد الى موضوعنا فانا أريد أن أحكي لك قصتي أيضا ..عندما كنت شابا في الرابعة عشرة حين تزوج رجل من قريتنا احدى أخواتي , فأصر والدي رحمه الله على ان يخطب لي احدى بنات تلك العائلة .. فقد كان رحمه الله حاد الطباع ولا يتراجع عن قراره بسهولة , وكانت العشائر تحسب له الف حساب وتخشى معاداته او مخالفته .. وكانت لديهم ابنة صغيرة عمرها سنتان او ثلاث أي انها كانت لاتزال طفلة صغيرة في حينها . مرت السنوات وكبرت انا وكبرت خطيبتي .. وكنت أنا ووالدي بين صفوف ( البيشمركة ) في شنكال ,وكانت الثورة الكردية في أوجها حينذاك . جاء أحد أقربائنا من القرية وقال لأبي بأن خطيبة ابنك تواعد ابن عمها وقد تهرب معه , وتشب حرب بين العشيرتين . أرسل والدي شخصا ليخبر والد خطيبتي بأننا نريد أن نحتفل بعرس ابننا في الاسبوع المقبل وحدد يوم الزفاف .نزلنا من الجبل ليلة العرس , ولم نكن نعلم ان ابن عمها كان قد أخبر الشرطة والأمن بأننا قد نزلنا .. في ساعة متأخرة من الليل طوقت سيارات الحكومة القرية , وراحت تداهم البيوت .. سمعنا اطلاق نار فهربنا من القرية .. قتل عدد منا والقي القبض على البعض الأخر , وكان من ضمنهم والدي رحمه الله .. بعد أيام قليلة سمعنا نبأ اعدام والدي لأنه كان مسؤولا كبيرا في صفوف البيشمركة حينها ..لم استطع جضور مراسيم دفنه , واستقبال المعزين مع اخوتي الصغار . مرت ثلاثة سنوات وأنا مطلوب من قبل الحكومة .. خلال هذه المدة كنت أتسلل سرا الى البيت أقضي فيه ساعات الليل وأعود للجبل مع الفجر . صرت ابا لطفل أسميته على اسم والدي ولم أكن أراه الا نائما .. صدر عفو عام , ونزلنا من الجبل بعد الانتكاسة .. هدمت قرانا وهجرنا الى المجمعات السكنية في منتصف السبعيات من القرن الماضي .مرت الأيام وقد رزقت بولد أخر .. بدأت الحرب بين العراق وايران في بداية الثمانينات , وبداءوا يأخذون الرجال الى الحرب .. كل يوم يأتينا خبر استشهاد أحد شباب قريتنا ..أخذوني انا ايضا , وفي أول اجازة عدت فيها الى البيت لم أذهب بعدها الى الحرب ..صرت هاربا ومطلوبا مرة أخرى من قبل الحكومة . لم أكن أعرف بأن زوجتي وابن عمها ( المخبر ) ينتظران هذه الفرصة , وبأنهما يلتقيان سرا كلما صنحت لهما الفرصة .. في يوم من الايام قلت لزوجتي بأنني صرت اخجل من الأختباء في بيوت القرية ..فقد كنت أحس انني أثقلت عليهم , وبأنني في المساء سوف أذهب الى الجبل , وطلبت منها أن تحظر لي بعض الزاد والملابس لأخذها معي . بعد ذلك بساعة طلبت مني زوجتي أن أنتبه للأولاد , وتحججت بأنها ذاهبة الى بيت أخيها لجلب بعض الحاجيات , وسوف تعود فورا . لم أكن أعلم انها تدبر لي مكيدة , وانها سوف تنصب لي فخا مع ابن عمها .. عدما حل الظلام تناولت طعام العشاء الأخير مع عائلتي ثم قبلت ولداي , وحملت ما اعدته لي زوجتي , وخرجت من البيت متوجها نحو الجبل . بينما كنت أعبر الشارع العام أشعلت سيارتان أضويتها , وصاح بي الرجال (( قف )) ورافق صوتهم أصوات بنادقهم وهي تلقن بالرصاص من حولي .. هربت منهم باتجاه الجبل .. فتحوا نيران بنادقهم نحوي .. كنت أسمع أصوات الرصاصات وهي تمر بقربي ..دخلت بين أشجار مزرعة قريبة من الشارع فلحقوا بي .. هربت منهم ودخلت مزرعة أخرى .لم أتوقف حتى تأكدت انهم قد توقفوا عن ملاحقتي ..تعبت وعطشت وكان العرق ينصب من كل نقطة في جسدي ..فتحت باب الكيس الذي أحمله وأخرجت منه الماء ووضعته على الارض لأشرب منه بعد أن أرتاح قليلا . حاولت ان أرفع يدي اليسرى الى الماء لأشرب لكنني لم أستطع ..لم يتحرك يدي عرفت انني مصاب ,وكان علي قطع مسافة طويلة لكي اصل الى الجبل قبل طلوع الشمس . مشيت وبدأ الجرح يؤلمني .. بدأت الدنيا تدور من حولي , ولم أعد قادرا على المشي ..يبدوا أنه أغمي علي , ولم أشعر بنفسي الا بعد يومين .. عندما فتحت عيناي ونظرت من رأيت نفسي ممددا على بعض القش ومغطا بجلود الأغنام , وعلى مقربة مني بعض الجمر .. كان الظلام يغطي المكان من حولي ..وضعت بعضا من القش على ذلك الجمر , ونفخت فيه فوجدت نفسي داخل كهف أو مغارة سقفها مغطى بالدخان .. في الجانب الأخر من الكهف رأيت امرأة نائمة تحتضن طفلا , وهما يلبسان ملابسا بالية ومتسخة .. أضفت قليلا من القش على النار مرة أخرى فاستيقضت المراة , وجائت وجلست قرب راسي وقالت * هل أنت بخير يا أخي ؟.. لم أستطع الكلام .. طلبت منها بعض الماء بالاشارة . مضت الأيام والمرأة تعتني بي ..عندما استرديت عافيتي جلسنا وحكى كل منا قصته للأخر , وتعاهدنا على أن نكون اخوة مدى الحياة .في أحد الأيام عزمت على أن أنزل الى القرية في الليل لأرى ما حل بعائلتي فقد مضت أربعة أشهر على خروجي من البيت . قفزت من فوق الجدار ودخلت البيت فلم أجد أحدا ..كان بيتي مهجورا فبدأ القلق يضيق صدري .. تسللت الى بيت أختي , وطرقت باب غرفتها طرقة خفيفة .. عندما فتحت أختي الباب تفاجئت ..أمسكت يدي وأخذتني الى غرفة أخرى لكي لايستيقظ زوجها واطفالها . قالت * أنت حي لم تمت يا أخي ؟.. تعجبت لسؤالها هذا وقلت * طبعا لم أمت .. لكن لماذا هذا السؤال ؟..بدت على أختي علامات الحزن وقالت * لقد قالوا لنا بأنك قد مت , وأتوا لنا ببعض ملابسك وعليها أثار دماء ..قالوا بأنك هربت من الشرطة فأطلقوا النار عليك وقتلوك , وقد أقمنا العزاء لك .قلت لها * أية ملابس ؟؟.. قالت * ثوب أبيض ممزق وعليه أثار طلقات نارية وكان ملطخا بالدماء .هنا تذكرت قصة يوسف ( ع ) وقميصه الذي قدمه أخوته لوالدهم ليقنعوه بموته ..قلت لها * وعائلتي أين هم ؟.. قالت * بعد ثلاثة أشهر فقط زوجتك تركت البيت وتزوجت ابن عمها , وأولادك عند اخاك الصغير .. أخذهم معه الى منطقة بعيدة ليزرع البساتين .. قلت * وأمي أين هي ؟..قالت * أمك لم تتحمل خبر موتك فمرضت وماتت بعد ايام من سماع ذلك الخبر ..قلت لها * حسنا أريد منك أن تعطي لابنك بعضا من نقودي التي أعطيتها لكليشتري لي قطعة سلاح ..والباقي اشتري به بعض الملابس لأولادي كل فترة ..لكن لا تقولي لأحد بأنني حي ولم أمت .. لا أحد .ودعت أختي بعد أن اتفقنا على أن نلتقي كل أسبوع دون أن يعرف أحد ..وطلبت منها أن تراقب تحركات ذلك (( المخبر )) أين يذهب ؟.. أين ينام ؟..الى حين أن يدبر ابنها سلاحا لي . مرت الأيام وأنا انتظر أن يدبر لي ابن أختي ما احتاجه لكي أخذ بثأري وأشفي غليلي من عدوي ..مضت أربعة أشهر وأنا أنتظر ..في احدى الليالي قلت في نفسي ( لن أعود الا بعد أن أقتله أو يقتلني ) ..هذه المرة استقبلتني أختي بابتسامة وقالت * لك عندي هدية ..أدخلتني احدى الغرف واذا بي أجد ولداي نائمين كالملائكة ..كانا يحتضنان بعضهما وهما نائمان ..جلست قربهما وأشبعت عيناي بالنظر اليهما . هنا لم يستطع ان يواصل الكلام بسبب الدموع ..أخرج من جيبه منديلا وراح يمسح دموعه . ثم واصل كلامه * يا ترى ماذا يفعلان الأن ؟..لا بد انهما تزوجا الأن وأنجبا الكثير من الأطفال ؟..خرجت أختي من الغرفة وغابت لبضعة دقائق ثم عادت وهي تحمل مسدسا وقالت * هذه هي هديتك الاخرى ..قبلت يدها وودعتها وخرجت من الغرفة فلحقت بي , وأعطتني ورقة وقالت * هذه كانت هدية ( المخبر ) لك ..قلت لها * ماهذه الورقة ؟..قالت * انها شهادة وفاتك كان قد بعثها لي ذلك الحقير مع ابني الصغير ..قلت لها * أين هو الأن ؟..قالت * قبل المغيب رأيته يذهب مع زوجته الأخيرة الى المزرعة ..قلت * أية مزرعة .. هل اشترى مزرعة جديدة ؟..قالت * لا لقد رمم مزرعته القديمة قرب مقبرة الأطفال .عرفت بأن أختي كانت تقصد بزوجته الأخيرة تلك الخائنة اللعينة , وعرفت لما أعطتني شهادة وفاتي بعد ان جعلتني أرى ولداي وهما نائمان . وصلت الى مزرعة ذلك الحقير ..لقنت مسدسي بعد أن تفحصته جيدا ..تسللت الى المزرعة حتى صرت على مسافة قريبة من البيت ..كانت كلابه لاتسكت من النباح ..خرج المخبر من الغرفة وكان يحمل رشاشا .. لقن الرشاش الذي يحمله ..راح يتفقد المكان بعينه ..صوبت عليه المسدس , واطلقت عليه ثلاث او أربعة رصاصات ..وقع على الأرض , وأنا ركضت نحوه ..فقد كنت أبعد عنه عدة أمتار ..أخذت الرشاش منه ..كان لا يزال حيا ..أفرغت المسدس في رأسه ..قتلته بعد أن قلت له من أنا ..خرجت تلك الخائنة من الغرفة تصرخ وتولول ..أدرت اليها فوهة الرشاش ..أطلقت عليها عدة رصاصات .. وقعت هي الأخرى قرب الباب ..ذهبت اليها ووقفت فوق رأسها ..قلت لها * أنا لم امت أيتها الخائنة ..ها قد عدت لأخذ بثأري ..ها قد جئت لأغسل عاري ..ها قد جئت لأطفئ ناري . كان يتحدث وهو يرتجف والعرق يتصبب من وجهه ..بل ان قميصه ظهرت عليه بقع مبللة ..نزع قميصه ثم نزع ثوبا أبيضا قصيرا كان يلبسه تحت ملابسه وقال * تعال وانظر يابني الجرح الذي بكتفي ..كان الأثر لايزال واضحا والجرح يبدوا عميقا ..نزلت قطرة عرق من رقبته الى مكان الجرح فعض بأسنانه شفته السفلى من شدة الألم وكأن الرصاصة قد أصابته للتو ..بقينا صامين للحظات ..كان يبكي بحرقة ومرارة ..كانت الدموع تنهمر من عينيه كأمطار الربيع .مسح دموعه ثم قال * لم أغادر الا بعد أن تأكدت من انهما قد ماتا ..بعد عدة أيام عبرنا نحن الثلاثة الحدود , ودخلنا الأراضي السورية ..حيث كانت توجد هناك مخيمات للاجئين ..بقينا في سوريا أكثر من عشرة سنوات , وبعدها جئنا عن طريق الأمم المتحدة الى المانيا .كنا مجبرين على ان نقول نحن زوجان ..لكن يشهد ألله اننا عشنا معا كل هذه السنوات كأخ وأخته ..الأن نحن كبرنا وأمنيتنا أن نموت في شنكال وندفن هناك ..أمنيتي أن أدفن في مزار (( شيبل قاسم )) بجانب أبي وأمي . في هذه الأثناء توقفت سيارة أمام باب المنزل ونزل منها رجل شاب وفتاة مع صبي صغير في حوالي الرابعة من عمره , وفتاة في حوالي الثامنة …قام الرجل واحتضن الطفلين وراح يقبلهما والمراة العجوز أيضا فعلت مثله ..صافحني الشاب فقال له الرجل المسن * هذا ضيفنا من شنكال , وقد جاء الى المانيا منذ عدة أشهر فقط ..احتضن يدي بكلتا يديه وضغط على يدي بقوة حين عرف انني شنكالي . جلس الشاب الى جانبي والطفلان لم ينزلا من حضن جدهما ..دخلت زوجة الشاب لتساعد المرأة في تحضير العشاء ..قالت الطفلة تخاطب جدها * لقد حلمت ليلة أمس انك تتزوج أمراة اخرى ..انفجر الجد ضاحكا وقال لها * هل كانت جميلة أم لا ؟.. وراح يضحك من كل قلبه وكأنه لم يحمل هما في حياته أبدا ..انفرج فمه كاشفا عن اسنان غير منتظمة صفراء من أثر الدخان ..ومال الى الخلف مع ضحكته حتى وقعت قبعته وتدحرجت بعيدا ..وانكشف رأسه عن عدة شعرات بيضاء متباعدة في مقدمته ,وشعر ابيض كثيف في الخلف وعلى الجانبين . التفت الي الشاب وقال * كيف هي شنكال ؟..هل لازالت جميلة ؟..توقف وأرخى جفنيه محاولا أن يتذكر صورة لشنكال لا تزال عالقة في ذهنه لكنه لم يجد شيئا ..ثم واصل كلامه قائلا * كما يتحدثان عنها والداي ؟.طفل المغارة المسكين ماذا يمكن يتذكر عن شنكال ؟..فقد خلق في الظلام ..وولد في الظلام ..وعاش في الظلام ..ورحل عنها في الظلام ..قلت له * نعم شنكال جميلة دائما في عيون أهلها …….أبو شذى