طفولة على تل القصب 8
الطفل الجميل
كانت مفاجأة سارة عندما رايتُ (اياد) ابن عمي في الصف الاول الابتدائي داخل مدرستنا في تل قصب، فما اعرفه عن بيت عمي انهم يسكنون مدينة الكوت حيث مكان عمي العسكري، وهو المهندس الذي جُندَ ابان الحرب الايرانية كضابطٍ طيار في الجنوب، اياد الذي يلبس السروال والفانيلة في نهاية العام الدراسي كان مميزاً مما جعل كل اطفال المدرسة يلاحقونه في الفرصة المخصصة بين الدروس، ليبكي بعد ذلك وتتدخل ادارة المدرسة في حل المسألة بجلبه الى غرفة المعلمات تجنباً للحشود التي كانت تلاحقه، في هذا الاثناء كنتُ قد نسجتُ عشرات القصص والمغامرات الوهمية مع ابن عمي واحكيها للاطفال المعجبين بملابس وحذاء وتسريحة شعر هذا الطفل المدني المرتب .
عندما رجعتُ من المدرسة ورايتُ الاثاث والاجهزة الكهربائية المرمية في حوش المنزل وضحت الصورة اكثر، وعلمت ان عائلة عمي قادمة بشكل مؤقت لبيتنا لحين السكن في منطقة المعسكر في سنجار[بنيت فيما بعد مكانها بيوت الدوميز] بعدما ان جلب عمي كتاب نقله الى مطار سنجار العسكري.
الايام او الاشهرالقليلة التي مكثت فيها عائلة عمي لدينا كانت مميزة بالنسبة لي، كيف لا وانا الصديق الوحيد لذلك الطفل المدلل، اذ لا يمر يوم دون ان يملئ جيبي بالدراهم لشراء احتياجات اياد او بالاحرى اختياراتي، فمن شرب البيبسي الى شراء الكبة الى شراء "الجرزات" والعصائر، ورغم ان جرزات العم جوقي هي الاشهر في الاسواق العصرية، الا انني كنت افضل الشراء من العم بابير، اذ كان مشغولاً معظم الوقت بتجربة انواع التبوغ التي في محله مع زبائنه الذين يجلسون حوله القرفصاء ويدخنون انواع التبوغ من "كرسي والشرق" بشراهة . انشغال العم بابير هي فرصة ذهبية لملىء اليد مع القدح الذي يقاس به كمية الحمص مقابل درهم واحد، بعد نجاح المهمة اخرجت الخمسين فلـساً لأعطيها للعم بابير الذي سألني لـحظتها :
ابن من هذا الفتى الجميل الذي معك ؟!
فـردَ اياد على الفور : انا ابـن بابا! وقبل ان يضحك العم بابير قلت انه ابن عمي واعطيته الدرهم الذي رفض اخذه وقال : ابلغ سلامي لوالدك ايها الفتى...والدك انسانٌ نبيل، حقيقة لم اكن اعلم ان العم بابير يعرف عمي الذي لا اتذكر انني رايته سوى في الصور، لكنها كانت فرصة جيدة لأشتري قدح حمص اخر ما دام العم رفض اخذ حساب القدح الاول، بالفعل رجعت اليه رغم انني لم اكن قد ابتعدت سوى خطوات قليلة واخرجت الدرهم لنفس الطلب ليعنفني العم بابير هذه المرة بالقول : آتظن انني لا اعرف بانك تأخذ ما يضاهي القدحين كل مرة بخمسين فلس؟! حيلك وحيل صاحبك الاحمراني_ يقصد زياد_ اعرفها جيداً، اذهب بسرعة واعطي لأبن عمك حصته العادلة من الحمص، لكن الحقيقة تقال ان ابن عمي لم يكن يحب الحمص بتاتاً مما اضطررت لأكله كله قبل الوصول الى البيت .
في البيت بات كل شيء مختلف هذه الايام، فـزوجة عمي تعمل لنا الكعك في الفرن نحن اطفال المحلة عصر كل يوم لتضرب بذلك شعبية "الكليجة " عرض الحائط ولو لفترة وجيزة، وماهي الا لحظات حتي نـتقاسم الكعك على ثيل البيت وتحت شجرة التوت الكبيرة لنأكله بالشاي، (ام اياد) تتوسط الدائرة المكونة من مجموعة اطفال وتصب لنا الشاي وتقسم بالتساوي قطع الكعك بين ميرزا ثم زينة، صباح، نجاة، هديل، بياز، دلفين، صلاح، اياد و قاسم .
يفاجئنا ميرزا_وهو اصغرنا سناً_ بالتنازل عن حصتنه من الكعك بقوله انه لا يشتهيه ويكتفي بالشاي، تسأل ام اياد عن السبب؟ يظهر الخجل على خدود ميرزا ويتلعثم بالكلام ويكتفي بتغيير الموضوع، تضع ام اياد قطعة الكعك الوحيدة المتبقية خلف ظهرها لتعطيها لأبنها(ازاد) النائم حينما يستيقظ ، بعدما رفض ميرزا اكلها، يبادر ميرزا بالسؤال عن مميزات الكعكة ومدى الاختلاف بينها وبين الكليجة؟! ورغم انشغالنا بالاكل، الا اننا كنا نحاول ان نعطيه ما لدينا من معلومات دون بخل، يلتفتُ ميرزا يميناً ويساراً ويسال قبل المغادرة : "خاله بالله عليكِ ما محتاجه شي؟!" تشكره ام اياد وتنشغل بأعـداد الشاي لمن تبقى، في حركة مباغتة ينقض ميرزا على قطعة الكعك المتبقية، ويهرب كالفهد من باب الحوش! ضحكة ام اياد وصلت الى سابع جار، لكنها لم تشغل متعتنا بأكل الكعك بالشاي!
صلاح حسن رفو