شؤون وشجون أيزيدية (32)

البكاء على الاطلال
عزيز شمو الياس
azizshe1@yahoo.com
كان أمر وصول بطاقة الدعوة من القائمين على الاعداد والتحضير لأنعقاد (الكونفرانس الايزيدي العالمي) لمكتبنا (مكتب شؤون الايزيدية) للمشاركة كافية لأنتهز فرصة الحضور والمساهمة في أعمال ال(كونفرانس الاول) المنعقد في مدنية (أمد -دياربكر في الايام 17-18/10/2012) أعلاه والذي كان برعاية البرلماني الكوردي ورئيس بلدية (ميردين) الراقد حاليا في سجون نظام (أردوغان) العنصري السيد (أحمد ترك) وبأشراف وتمويل من رئيس بلدية المدنية رغم كون المسألة بالنسبة لي أمرا طارئا وغير مخطط له.
الفرصة كانت مواتية لي للتعرف أكثر على جغرافية (باكوور - القسم الشمالي من كوردستان الواقع جنوب شرق تركيا) ومكوناتها هناك حيث لا أنكر حقيقة الشحة في المعلومات عن أبناء جلدتي أيزيديي (باكوور- وه لاتىَ خالتيا) خاصة جاليتهم المستقرة في (المانيا) وعن الكورد هناك عموما (ولا أزال وهذا تقصير مني لابد الاعتراف به) لأسباب عديدة أهمها لم تتح لي الفرصة بعد الاحتكاك بهم عن قرب أو المعاشرة معهم بشكل مباشر ..
على أية حال، كان جدول أعمال الكونفرانس غنيا بالمواضيع المهمة التي تهم الشأن الايزيدي وشجونه خاصة كون (الكونفرانس) الملتقي الايزيدي الاول الذي يحاول جمع شمل الايزيديين بمختلف توجهاتهم وأنتماءاتهم (على الاقل في مسألة الحضور والتمثيل) وكانوا ناجحين جدا بالفعل في مسعاهم هذا حيث شارك ولأول مرة ممثلي الايزيدية عن كل من حمهوريات (جورجستان وأرمنستان وروسيا) الفعالية وتحدثوا عن أحوال بني جلدتهم وعن المعاناة ومصاعب الحياة بعد تعرضهم لحملات أبادة منظمة في موطن الاباء والاجداد (تركيا) وأخرها أثناء أتون الحرب الكونية الاولى أعوام (1914-1918م) حيث أضطروا في نهاية المطاف على الهجرة وترك قراهم وجميع ممتلكاتهم مرغمين لتبدأ لهم مرحلة جديدة حيث العيش والاستقرار في أوطانهم الجديدة ومنذ ما يقرب قرن من الزمان، كما حاولوا توضيح مجموعة من النقاط عن كيفية تعامل حكومات بلدانهم معهم وحقيقة ألاحترام اللامتناهي للخصوصية الذي يتمتع به أبناء الجاليات الايزيدية في تلك الجمهوريات وذلك بأعتبارهم مكون ديني مسالم بحاجة الى أمان ورعاية أفتقدوه على مر الاجيال بسبب المعتقد والعقيدة بالاضافة الى مشاركين من أبناء مختلف الجاليات الايزيدية في دول المهجر (المانيا -السويد -هولندا-فرنسا والولايات المتحدة الامريكية وغيرها من دول العالم).
كانت مسألة عودة الاهالي والمواطنين من أبناء الديانة الايزيدية في الجاليات المختلفة (عوائل من الجالية الايزيدية في ألمانيا -تحديدا) الى قراهم وبلداتهم في الوطن الام من أهم المحاور الذي ناقشه المجتمعين على مدى يوم كامل (الجلستين الصباحية والمسائية) دون الاتفاق على ألاليات والصيغ للبدء بهكذا خطوة حيث من الصعب التنفيذ على أرض الواقع كون أختلاف متطلبات الحياة المعاصرة والتغير الجذري بين مستويات وأساليب المعيشة للجيل الحالي الذي ولد وتربى في بلدان الغرب عما كان عليه حياة أجيال الاباء والاجداد من البساطة والسذاجة في الاجتياجات والقناعات في الوطن أضافة الى المعوقات التي تعترض سبيلهم خاصة أن التغيرات الديموغرافية التي تعرضت لها هذه أغلب المناطق والقرى والبلدات ليست هينة وسهلة ليتمكن الايزيدي أسترجاع ما تم أستيلاء عليه، فالبيوت الطينية تهدمت على مر الزمن لتبنى محلها بيوت وفيلات معاصرة وأسواق ومنشأت لأناس من قرى مجاورة أستغلوا هجرة الايزيديين ليستولوا على تلك الاراضي والدور ويستقروا فيها ويزرعونها منذ عقود أضافة الى مسألة غاية في الاهمية كون ألاملاك والاراضي الزراعية للقرى والبلدات الايزيدية تم توزيعها من قبل الدولة وبأوراق ثبوتية ورسمية يصعب على القروي الايزيدي (المالك الحقيقي) أسترجاعها من جديد رغم أمتلاك أغلب الايزيديين على السندات الاصلية (قاقاني) التي تؤيد كونهم أصحاب تلك الاراضي والدور دون فائدة.
ربما لا يعلم الشباب الايزيدي والفتيات من الجيل الحالي انه كان للسنجق الايزيدي المقدس والخاص بأيزيديي (وه لاتى خالتيا - تاوسا خالتا) (365 محطة - قؤناغ) في السنة الواحدة لتبدأ دورتها من جديد في السنة القادمة بين القرى والقصبات الايزيدية هناك، في الصباح اليوم التالي من نهاية الكونفرانس نهضت مبكرا للقيام بجولة تفقدية بين القرى والقصبات الايزيدية الكثيرة واللقاء الاهالي من أبناء جلدتي هناك فربما لا يعلم العديدين وخاصة الشباب والفتيات الايزيديين من الجيل الحالي انه كان للسنجق الايزيدي المقدس والخاص بأيزيديي (وه لاتى خالتيا - تاوسا خالتا) (365 محطة - قؤناغ) في السنة الواحدة لتبدأ دورتها من جديد في السنة القادمة بين القرى والقصبات الايزيدية هناك، الغريب في الامر كانت أكثرية تلك القرى والبلدات مهجورة وفارغة تماما من العوائل الايزيدية ما عدا عدد من القرى كانت تسكنها عائلة أيزيدية أو عائلتان لتصل عدد أعدادها في قرى أخرى الى سبع أو ثمان عوائل أيزيدية لا أكثر ...
تعبت التجوال والاستفسار دون فائدة، التقيت في مدخل بلدة مكتوب على لوحة عند جانب الطريق (ويرانشار) بشاب قال أنه من أهالي القرية وهو أيزيدي الديانة، سألته عن القرى والقصبات المنطقة التي لازالت تحتفظ بالوجود الايزيدي، خذلتني الدمعة وهى تنزل رغما عني وأنا أستمع الى كلمات الفتى وهو يجاوب سؤالي بكل لطف وأحترام، رأيته يتمعن في ملامح وجهي وينظر الى عيوني المحمرة ببقايا الدمع بأستغراب شديد مؤشرا بيده صوب البلدة وهو متعلثم بعض الشيْ في بداية حديثه :
" أنظر الى بلدتنا الجميلة التي تعتبر من أكبر القرى الايزيدية كثافة بالسكان حيث تقطنها الان (22) عائلة .."
ثم أضاف فرحا والضحكة تملاْ محياه قائلا :
" عمي العزيز .. نحن الايزيدية نحبذ الزواج المبكر ونرغب في التناسل والتكاثر اللامحدود، تصور وصل عددنا قبل شهر مائة وأثنان وثلاثين شخص (دون زيادة أو نقصان) ..؟!".