طفولة على تل القصب 9
الانتقال
كانت من بين خطط والدي الكثيرة حال تسرحه من الخدمة العسكرية هو تحويلي من مدرسة البعث الاولى المختلطة الى مدرسة البعث الثانية للبنين، واسم البعث هو للمجمع القسري الذي نسكنه والذي يسميه الاهالي بأسم المنطقة القديم والمتوارث " تل قصب "_ وهذا ما وضحناه في الحلقة الاولى _ .
حتى لا انسى الخطة سأحاول ان اخبركم بأن بُعد المدرستين عن بعضهم البعض لا يتجاوز المئة متر، علماً بان المدرسة الاولى كانت تملك حائطاً يحيدُ من هروب الطلبة عكس مدرستي الجديدة التي يكون فضاءها واسعاً يستطيع الطالب من خلال شبابيك الصف تحديد زبائن الاسواق العصرية ومعرفة الشيوخ الجالسين والمنبطحين على فيء حيطانها.
كان والدي كغيره مقتنعاً بان المدارس المختلطة والتي تكون اغلب كوادرها من المعلمات يدلـلون التلاميذ، لذا وجب نقلي لمدرسة تكون فيها القسوة والقوة حاضرة، رغم عدم اكتشافي لأي فارق بين المدرستين سوى ان "الست معزز" معلمة الرياضة كانت تلبس تنورة على "التراكسوت الرياضي"، بينما في مدرستي الجديدة يلبس الاستاذ محمد طاهر معلم الرياضة " التراكسوت الرياضي" بالكامل!
المدرسة الجديدة عرفتني على وجوه جديدة وابعدتني عن اخرى، ولو بشكل مؤقت، ابعدتني عن الاصدقاء (زياد وسمير وداود وسعدون ومراد) واخرين ،وقربتني في يومي الاول وعلى نفس الرحلة الدراسية من (حجي) و(خلف شرف).
سأحاول ان اتكلم عن خلف شرف الذي غيرَ نظرتي على فريد الاطرش، رغم عدم معرفته بهذا الفنان اصلاً، لكنني ارى شبهاً بينهما،فخدوده وفمه وتسريحة شعره شبيهه لدرجة كبيرة بالفنان المقصود، الا ان خلف مرحٌ وسعيد، عكس الكأبة التي كان يزرعها الاطرش ايام الجمعة عندما كانت تظهر اغانيه ونتفاجئ بحب الكبار لصوته واداءه، ليس هذا هو السبب الوحيد الذي جعلني اجد هذا الشبه بينهما، بل كنت اُلاحظ ان خلف شديد الاعتناء بمظهره رغم كسله في الدروس، اضافة لذلك كنت اجد جميع تلاميذ الصف تلبس احذية رياضية وقماصل ولادية ملونة، عكس خلف الوحيد الذي يلبس "الجاكيت" والحذاء الجلدي كالكبار، اما حجي الذي هو اطول تلميذٍ في الصف، كان هادئ الطباع يحمرُ وجهه خوفاً وخجلاً كلما سأله المعلم، وان كان يعرف الاجابة كان يحضر يديه لعصا المعلم، لشكه الكبير في اجابته.
عكس خلف كانت كل نكات حجي "بايخة" وغير مفهومة، حيث لا نعرف ان كانت هي نكات ام حكم ام جزء من قصة ما؟! لذا نضطر لمقاطعته على الاغلب لعدم الجدوى لمعرفة فحوى الكلام، الى ان جاءنا ذات صباح واخبرنا بأن سيسردُ علينا نكتة ستضحكنا طوال الدرس. حجي ينتمي لعشائر (الهبابات) الذين يمتازون بـلكنتهم البطيئة اثناء الحديث، الا اننا صبرنا على حجي عندما قال : كان هناك ثلاث اشخاص احدهم عاري والاخر اعرج والاخر اعمى، مرت بالقرب منهم سيارة، ولسرعتها قذفت اطاراتها بعض رذاذ الماء على الاشخاص الثلاثة نتيجة الدعس على الحفرالمائية المتراكمة على الشارع الاسفلتي، فصاح العاري : لقد اوسخت السيارة ثيابي ليسعفه الاعرج بالقول : هل الآحق السائق لأمسكه واضربه؟! فتدخل في الاثناء الاعمى ليخبرهما : لا عليكم...لقد اخذت رقم السيارة! ما ان انهى حجي النكتة حتى كاد ان يغمى علينا من شدة الضحك، رغم انه اعادها في كل الفرص المتاحة في ذلك النهار، الا اننا كنا نضحك وبصدق على تلك الطرفة، كذلك لا اتذكر اننا جلسنا بعد ذلك اليوم، الا ان اعاد حجي تلك النكتة على الجميع، حتى اننا كنا نعزمه على الصفوف الاخرى ليخبرهم بتلك النكتة، ونضحك مرة اخرى مع الضاحكين.
مع نهاية العام الدراسي لم اعرف شيئا عن حجي، حتى انني نسيت اسمه الثلاثي ولكنني سمعت هذه النكتة مئات المرات بعدها، واتذكر معها كل مرة سذاجتنا وبرائتنا. الحظ حالفني ذات مرة مع خلف شرف، فبالرغم من عدم رؤيتي لشخصه بعد تلك السنة الدراسية، صادف وانا اودعُ احد الاصدقاء في مطار (دوسلدوف) سنة 2010 لأرى شخصاً جالساً في صالة المغادرة الى اربيل، بأنشغالي بحقيبة صديقي واجتيازي للكرسي الجالس عليه تفاجئتُ بعيون تسالُ عن هيئتي، رغم اللحية الكثة التي كانت تخفي كل ملامحه _ لكونه من عشائر الفقراء_ الا ان انني اكتشفت صديقي خلفها، بدء هو ببساطته المفرطة : "اشلونك اخوي صلاح؟!" لأرد بفرح : "اهلـين خلف شرف".
استغرب صديقي لكوني عرفته بعد مرور اكثر من عشرين سنة على لقاءنا الاخير، رغم تغيير ملامحه كما كان يدعي ، لقاءٌ قصيرٌ للغاية سافر بعدها للوطن بعدما ان اخبرني بشكل مختصر رفض الحكومة الالمانية اعطاءه "حق اللجوء الانساني" لعدم وجود تهديد مباشرعلى شخصه، كان قنوعاً مبتسماً كما عهدته، اخذ بكامرته صورة معي ورحل مرة اخرى ذلك الطفل الذي يشبه فريد الاطرش .

صلاح حسن رفو