علــي خـلـيـل ... أبــو ماجــد هَـلْ يتجددُ اللقاء؟

صباح كنجي



حَياتنا أقصرُ

من فتيلةِ قنديل ِ المعبد ِ
لنعانقَ جدلية الشمس ِالطويلة
وأحلام الناس ِ الضائعةِ
ونسافر بها إلى الأبديةِ ....
مقطع من قصيدة ٍ سومرية ٍ وجدتْ في مدينة ِ أوْرْ....
في عام 1976 كنتُ أعملُ في مخبز ِ الربيعْ في وادي حجرْ، نبدأ العمل من السابعة صباحا ً لغاية الرابعة عصرا ً ، و طالبَ إعدادية مسائية ، بالقرب من البريد المركزي ، يَبْدأ دوامها من الخامسة عصرا ً ولغاية التاسعة ليلا ً .
وفي ساعة ( الفراغ ) الوحيدة بين عملي ومدرستي ، كنتُ أسرع للوصول إلى الدار، كي أستحم ُ وأستجمع كتبي ، قبل أنْ انطلق لمتابعة تعليمي ، تعودتُ أن أفيق مبكرا ً من النوم عند الخامسة فجرا ً كل يوم ، و أواصل جهدي لغاية العاشرة ليلا ً ، حينما أعود للدار، لأخلد للنوم ، كي أكون جاهزا ً ومستعدا ً لمواصلة عملي ودراستي بنفس الهمة عند حلول يوم جديد .
في تلكَ ، الساعة ، التي تفصل بين عملي ودراستي، إلتقيت لأول مرة ، بذلك الجالس ُ مع أبي ، حيث صافحته على عجل ٍ، وقبل أن أدخل الحمام ، إستفسرتُ من والدتي ، التي كانت منهمكة في مطبخها ، تستعجلُ إعدادَ الطعام .
مَنْ الضيف ؟
قالت :
بصوت ٍ ينم ُعن أهمية الرجل .... إنه من أصدقاء أبيك في الجبل منذ عام 1963 إنه علي خليل .... أبو ماجد...
لم يكن الأسم غريبا ً عليّ ، فقد سمعت عنه الكثير من الأحاديث منذ الطفولة ، وهو إضافة إلى ذلك ، كادر شيوعي مشهور، وعضو لجنة محلية نينوى للحزب الشيوعي العراقي ....
كان أبو ماجد ، حينها نحيفا ً ، يرتدي سروالا ً فلاحيا ً بسيطا ً ، يصغي ويتكلم بطريقة تنم عن ثقته العالية بالنفس .
فهمت من خلال الدقائق التي جلستُ فيها للمجاملة ، بسب ضيق وقتي ، إنه مطاردٌ من قبل السلطة و مطلوب ٌ للقبض عليه ، من جراء ِ تحريك دعوة ضّده ، وهو إسلوب إتبعه البعثيون زمن ِ إنخراطِ قيادة الحزب الشيوعي بمشروع فاشل سمي بالجبهة ، لملاحقة الكثير من كوادر الحزب ومنتسبيه من أبناء الموصل وبقية المدن ، وقد شملت هذه الإجراءات بالإضافة إلى أبو ماجد (جوقي سعدون - ابو فؤاد) ، و( دنخا شمعون البازي - أبو باز ) و(جوقي عيدو - ابو نصر) ، وجميعهم أعضاء في محلية نينوى ، التي كان يقودها توما توماس...
إستنتجتُ من إهتمام والدي به ، واستدعائه للبيت ، وهي حالة تعكس مزاجه معَ مَنْ عمل معه في صفوف الحزب الشيوعي وحركة الأنصار ، وتعتبر تقييما ً لهم ، حيثُ كانَ يُعتبر مِنَ المتشددين في ممارسة ِ النقد ِ ولا يفوتُ الفرصة للخطأ ، لذلك قلّ إختلاطه بأصدقائه ، ممن كانوا يتجنبونه بحكم إشهاره ِ لأرائه وتعليقاته المباشرة على مَنْ يتحمل ُ مسؤولية قيادة الحزب الشيوعي ، التي كان يعتبرها منزلقة ً نحو مشروع ٍ خاطىء ٍ ، سيدمّرُ الحزب ، ويجلبُ الكوارث للشعب والوطن ، ويقوي من شكيمة البعثيين ، ويُعززُ من قوة ِ سلطتهم ويَصِفهُم بلا ترددٍ بالفاشست ، عبرَ مناقشاته اليومية حيثما كان ، ولا يبالي بنتائج وتبعات أرائه وإشهارها علنا ً .
كان متشائما ً من مصير الجبهة والتحالفِ ، وغالبا ً ما يطرحُ أراء ٍ ومواقفٍ مغايرةٍ من نهج قيادة الحزب الشيوعي آنذاك ، لذلك تحَددتْ علاقاته وإنكمشت ْ ولم يبقى من أصحابه المقربين من رفاق مسيرته الطويلة إلا نموذجان :
- إمّا مناهض ٍ للبعث ِوتشكيل الجبهة ، من الذين غير مقتنعين بسياسة التحالف وهم من شيوعيين وأصدقاؤهم من مثقفين وكتاب الموصل ، ممن خبروا ألاعيب البعث وسياساته التي لا يثقون بها .
- وإمّا مستوعب لمبدأ النقد ، ولا يخاف من الرأي الآخر ، وكانوا قلة ، وحالة نادرة في تلك المرحلة .
لذلك إستنتجتُ من هذا الإهتمام بالضيف ، إنّ أبو ماجد هو مِنْ النموذج الذي يُصّنِفهُم أبي ، بالشيوعيين الثوريين الحقيقيين وفق مفهومه لتقييم الكادر وهي قناعة إسْتنتجَها بحكم تجربته الطويلة والمباشرة في العمل الحزبي والسجون وحركة الأنصار ، من خلال عضوية مكتب محلية نينوى لسنوات ٍ طويلة ٍ منذ الستيناتِ .
ومضت ِالأيام وتسارعت ِ الأحداثُ ، ضاقَ صدرُ البعثيينَ بوجود ِالحزب الشيوعي العلني ، حتى لو كان مؤيدا ً لنهجهم ، وداعما ً لأجراءاتهم ، وساكتا ً عن أخطاؤهم وتجاوزاتهم ، فالعراق كما يتصوره ويراهُ البعثيّون ، و"ديمقراطيتهم "التي فصلوها بمقاساتهم ، لا يتسعان ِ حتى لوجود ٍ شكلي لأي طرف سياسي .
فكيف بحزب شيوعي تحوي صفوفه شيوعيين من أمثال أبو ماجد وأقرانه !..
إنفرط َعِقدُ التحالف المزعوم ، وقررت سلطات البعث تصفية الوجود العلني للحزب الشيوعي ، حشّد النظام أجهزته القمعية وسّخرَ كافة إمكانياته ومنظماته في حملة مبرمجة لملاحقة الشيوعيين منذ منتصف عام 1978 ، كانتِ الغاية منها تدمير وتصفية تنظيمات الحزب الشيوعي ، لا بل السعي للقضاء عليه .
فتحت أجهزة الأمن ملفاتها ومورست أساليب إستدعاء واسعة النطاق ، لم تكن قيادة الحزب الشيوعي و منظماته متحسبة ومتهيئة لها ، بسبب عدم وجود إجراءات طوارىء ، أو خطة للتراجع و الإنسحاب المُنظّم أمام حجم وهول الصدمة ، التي أحدثتها إجراءات السلطة في حملة الملاحقات الجماعية.
وتشتت الشمل التنظيمي وأغلقت المقرات العلنية ، في الوقت الذي كانت فيه غالبية قيادة الحزب الشيوعي في الخارج !!.
أمّا لجنة الموصل ، التي كان يقودها توما توماس ورفاقه أبو ماجد وأبوعمشة وأبو سربست وأبو فؤاد وأبو داؤد وخليل سمو ، مع عدد من الكوادر و أعضاء الحزب وأصدقائه ، فقد حسموا قناعاتهم ، و إختاروا الطريق الصعب ، إختاروا طريق المقاومة ومواجهة إجراءات السلطة الدموية ، إختاروا الرد ، وقرروا عدم الرضوخ ، وكان الرد العملي على تلك الإجراءات القمعية وفي تلك الأوضاع العصيبة الكفاح المسلح ، حيث لم يبقى إلا هذا الخيَار ...
كان أبو ماجد من بين الكوادر الذين تركوا عائلاتهم بلا معيل ، غادر أبو ماجد الدار وإختفى ، بعد أنْ ودع وقبّلَ ، ماجد وماجدة و زخاروف وديمتروف وخليل وفيروز وفائزة وفريدة وأيسي وزوجته و والدته في قرية دوغات .
توجه للعمل السري مع مجموعة من رفاقه نحْوَ كندْ ( هضبة) دوغات وختارة التابع لقضاء تلكيف والمحيط لسهل الموصل المترامي الأطراف ، كان همّه الوحيد إيجاد طريق للوصول إلى منطقة آمنة من كردستان ...
في أربيل كان لقائي الثاني به ، حينما إجتمعنا يوم (21) نوروز، لِنُعلنَ في خطوة عِبرَ المجهول ، إنطلاق أول ِ* مفرزة ٍ أنصارية شيوعية لمواجهة ِ الدكتاتورية الفاشية ، تشكلت من :
1- أبوماجد - علي خليل من دوغات **
2- أبو فؤاد - جوقي سعدون من دوغات
3- شمدين علي - عم ناظم من دوغات
4- ناظم ختاري - خليل عبدي - من ختارة ***
5- ياسين - الياس عبدي شقيق ناظم من ختارة
6- هاشم - علي عبدي شقيق ناظم من ختارة
7- أبو ليلى - بيبو رشو من دوغات
8- حسن مختار - عيدو مراد تعلو من ختارة
9- محسن - علي ابراهيم من دوغات
10- فاخر - عيدو ابراهيم من دوغات
11- شاكر - شمو سليمان من دوغات
12- توفيق - خيري درمان من دوغات
13- أبو حربي - درمان سلو جندي من ختارة
14- كامل - شقيق ابو داؤد من ختارة
15- صباح كنجي - من بحزاني
16 - أبو آمال - درويش شيرو من بعشيقة
17- أبو سلام - خديدا طيبان من بعشيقة
18- سلام - حميد دخيل من بعشيقة
19- أبو إيفان - هرمز إسطيفان من القوش
20- صباح - من القوش
21- رحيم - من القوش
22- خدر قرة جولي - الدليل الأول - من ايلنجاغ في اربيل
23- محمود بشدري - الدليل الثاني - من اربيل
24- مام كاويس - من أربيل
25- أبو أسمر - جامي عيسى من زفنكي في زاخو
26- سركوت - من كركوك ..
27- رزكار - سامي المالح من عينكاوة
28- أبو جنان - سعيد من عينكاوة
وبعد أن ودّعنا مام كاويس و أبو جنان ، ليواصلوا البقاء كمحطة إستقبال لبقية المختفين ممن سيواصلون المجيء للإلتحاق بنا بعد أيام ، ليشكلوا أول مجموعة مشتركة مع مسلحي الحركة الإشتراكية الكردستانية ، في سهل أربيل - كويسنجق بقيادة قادر مصطفى ، إذا لم تخني الذاكرة .
تحركنا، وكنا (25) نصيرا ً للبدء ِ بأعلان ِ إنطلاق أول مفرزة أنصار شيوعية بقيادة أبو ماجد نحو الحدود الإيرانية .
كانت المسيرة شاقة وغالبيتنا لم يتعود السير في الظلام، كنا لا نملك سوى قطعتين من السلاح ، هي بحوزة الأدلاء ، كلاشنكوف خضر قرة جولي ، و بندقية برنو صدئة يتمنطق بها محمود بشدري ، وقد واجهتنا منذ الساعات الأولى مشاكل وصعوبات تتعلق بعدم مقدرة أبو أسمر على مواصلة المسير، بسبب كبر سنه ومعاناته من السمنه فحسم أبو ماجد الأمر وسط إحتجاجنا بتركه لوحده بعد أن عجز من مواصلة المسير (1).
ولولا خبرة ودراية أبو ماجد بحياة الأنصار لما تجاوزنا الصعوبات والمخاطر التي تتابعت ، حيث كنا نسير في منطقة خطرة بين أربيل والسليمانية لا نعرف شيئا ً عن طرقها ، ومواقع تواجد معسكرات الجيش و ربايا الجنود المنتشرة فيها ،وليس هنا من يساعدنا سوى الأدلاء الذين كانوا يهددوننا بالمغادرة وتركنا في حالة عدم مواصلة المسير، أو عند طلبنا وقتا ً للراحة ، أو عجز البعض وعدم مقدرتهم على مواصلة السير بسبب الجوع والتعب والنعاس ، وهكذا كنا نتواصل بتشجيع وحث مستمر من أبو ماجد الذي كان يُعنفُ الدليل مرة ً ، وينتقد ضِعْف مَنْ لا يشدُ عزمه ويرفعُ من همته في مواجهة التعب ، كي نواصل السير ، وقد تكللت جهوده في إيصال المجموعة إلى منطقة قنديل بعد مسيرة عشرة أيام متواصلة ، من دشت أربيل مرورا ً بمناطق وقرى إسماقولي ودار به سر وجيوة وملكان ، مررنا خلالها بسلاسل الجبال التي كانت تتحكم بممراتها ومرتفاعاتها ربايا الجيش .

في قنديل قرّر أبو ماجد إرسال المجموعة الرئيسية ،من دون توقف ، ريثما يتحسن وضع النصير، الذي تعرض لحادث عرضي ، سبب له عدم المقدرة على مواصلة السير وتطوع ليلتها للبقاء معه ستة أنصار ، هم :
( ابو ماجد ، ابو سلام ، سلام ، سركوت، ابو فؤاد ، وكاتب هذه السطور) ، مع بندقية البرنو الصدئة ، التي أسعفتنا بصيد ِ مهرة ٍ صغيرة ٍ، بعد أيام من الجوع بعد أن مررنا في حوض القرى المهدمة والمهجرة الخالي من السكان والطعام .
بتنا ليلتها في العراء وسط ثلوج قنديل الرهيبة وتعرضنا عند الصباح الباكر إلى قصف مدفعي من ربية للجيش في أحد مرتفعات قنديل ، لكننا واصلنا السير وإبتعدنا من مدى خطورة قذائف المدفع التي أخذت تتساقط خلفنا بعد أن أسرعنا الخطى في السير بلا توقف ...
ومن هذه المحطة بدأتُ أتعرف على علي خليل ، وجمعتني به عدة مجالات في العمل إبتدأت من إنطلاقة المفرزة الأولى من دشت أربيل ، ومرورا ً بقاعدة ( توجله) و (ناوْ زَنكْ ) وموقع ( كاني بوق ) على الحدود الإيرانية العراقية.
أيامٌ تواصلنا فيها مع أبا ماجد ، الذي كان يُخطط للحصول على السلاح من إيران ويفكر بالتوجه إلى بهدينان بأسرع ما يمكن ، قبل أن تتساقط الثلوج على معابر الجبال التي تحد من حركة السير، من تشرين الثاني ولغاية نيسان ، حيث تتكاثف الثلوج وتتراكم فتنغلق طرق التنقل الجبلية .
كُنّا حينها ، نقترب من نهاية حزيران من عام (1979 ) ، في موقع ( كاني بوق ) ، نواجه القصف الإيراني والعراقي ، بين الحين والآخر، تأتي طائرات السيخوي ، من جهة العراق ، وبعد أيام تواصل طائرات الفانتوم الإيرانية نفس المهمة ويستمرُ القصف لتتساقط الصواريخ على جهتي الوادي ، تقتلع الأشجار والصخور من أماكنها ، في الوقت ذاته نعاني من العقارب في هذا الموقع نلاحظ أعدادا ً منها حينما نُحرك الصخور أو نشعل ضوء الفانوس ليلا .ً
عند حلول المساء كنا نجتمع في الخيمة الكبيرة ، نستمع إلى أحاديث أبو ماجد وذكرياته عن الأنصار من عام 1963 وإذا به يصرخُ ، ويرفع نفسه فيصدم رأسه عمود الخيمة ، من فوق ، ويُقرْفصُ من جديد ، ويضرب ُ على ساقه بقوة ، إستغربنا التصرف ، ولم نستطع من إدراك وفهم سبب قفزه ونطنطته التي تكررت ، ومن ثم يعود يقرفص كأنه يؤدي حركات ِ رقصة ٍ .
لكن صراخه إزدادَ ، بعد مساعدته بفك البشتين الملفوف على ظهره ، وفتح شريط ( الدجة ) لنزع سرواله ، وجدنا عقربا ً في ثنايا طياته بالقرب من فتحته العريضة مع آثار ستة لدغات متتالية ، بدأت من الساق متصاعدة إلى الركبة والفخذ ، ست ُ لدغاتٍ مؤلمة في وقت واحد ، ما العمل ؟!
كنا قلقين وحائرين لا ندري ماذا نفعل في هذه المنطقة المعزولة ... وحينما وجَدنا عاجزين قال :
بنبرة الواثق من قناعته ، وهو يسحق العقرب الميت بعقب كأس الماء ....
لا تخافوا أنا مصاب بالقرحة ولن يحدث لي سوء ، والتجربة أكدت إن العقرب يموت في حالة لدغه لمصاب ٍ أو مريض ٍ بالقرحة ، بينما الشخص لا يتأذى سوى من آلام اللدغ ِ فقط .
نجا أبو ماجد من الموت ليواصل مسيرته وعطاؤه كانَ يُحدثنا عن أحلامه وطموحاته وذكرياته ، وسوف أسرد ما يمكن أن تسعفني به ذاكرتي من أحداث مرت بنا ، قدر المستطاع عبرَ هذه الأسطر التي خصصتها لهذا النموذج من الكادر الفلاحي ، الذي إرتبط بالحزب والمسيرة وحركة الأنصار منذ صباه ، وعرفته جبال ووديان كردستان وسهول الموصل ، كما عرفه الناس ، أبو ماجد الكادر والإنسان ، بشجاعته وطيبته ، بإخلاصه وعفويته ، بذكائه وصبره على تحمل الصعوبات و المشاق ، رغم المرض وآثار الجراح البليغة التي ألحقت ضرراً وعجزا ً في جهازه التنفسي ، منذ أن أصابته إطلاقة من بندقية انكليزية متفجرة أثناء معركة جبل القوش الشهيرة عام 1966 .
حيث اخترقت أربع شضايا رئتيه لتستقر فيهما وتسبب له إشكالات وسوء فهم في موسكو ، أثناء دراسته الحزبية ، بعد الفحص الروتيني للصدر عندما شخصت الطبيبة المشرفة على تحليل النتيجة حالته بالسل ، وبعد نقاشاتٍ طويلة وحجزٍ وحجر ٍ صحي ، إقتنعت البروفيسورة الروسية بما قاله لها بعد تدقيق النتائج واعتذروا له .
وعن موسكو كان قد حدثنا عن ورطته ذات يوم مع رفيقه وصديقه أبو باز حينما دخل إلى السينما فوجد أبو باز مع "أم باز" في الصالة فتوجه لمصافحتها والإستفسار منها عن الصحة ، ومتى أتت من العراق ؟ وكيف ؟.
لكنه تفاجأ بأم باز الروسية ، التي لا تجيد العربية ولا الكردية ، ولا تردُ على أسئلته فما كان من أبو باز إلا أن يدعوه بالكردية :
( دي رونه - إجلس ) ، هذه مو أم باز وهي روسية لا تعرف عن ماذا تسألها وماذا تقولُ لها.

حينما سألت أبو باز عن هذا الموقف ودرجة التشابه قال:
بصدق أقول ، التشابه بين أم باز والمرأة الروسيه كان إلى حد التطابق ، وبالصدفة وجدتها ذات يوم تمرُ من أمامي ، فإستوقفتها.
قالت لي ماذا تريد؟
قلت لها :
إنك زوجتي ... وأخرجت لها صورة أم باز، فإندهشت هي أيضا ً .
كان أبو ماجد طيب المعشر وصديقا ً حميما ً للجميع ورغم بساطة تعليمه ، إلا انه كان يمتلك القدرة على نسج أواصر الصداقة مع جميع الناس ، بمن فيهم المثقفين حيث كان يحب الجدل والنقاش ، ويميل للتعلم من الآخرين .
حدثني أبو عبير( عبد فيصل ) الذي شغل موقع المستشار السياسي للفوج الثالث الذي إتخذ من ( كلي هه سبه ) في جبل متين مقرا ً له ، وكان حينها أبو ماجد يشغل عضوية معاون آمر الفوج ويشرف على سراياهُ ومفارزه ِ بين الدوسكي ودهوك .
في أحد الإجتماعات ، التي أدارها المقبور أبوطالب ، بعد الإنتهاء من حديثة الممل والمزعج ، وفي معرض رده وتعليقه عقب َ أبوشاكر - الصحفي إذ قال :
إنّ حديث أبو طالب ، بَزَني بَزَا ً .
مما دفع أبو ماجد لكي يسأل ، أبو عبير شنو معنى ... بزني بزا ً ؟ .
وبالصدفة كان بيد ه ِ دبوسا ً ، فغرزه في فخذ أبو ماجد ، الذي كان ينتظر الجواب على تساؤله .
فاجأته الوخزة مما حدا به أن يصيح آه ..آ ه.. آ آي شنهو هاي أبو عبير لماذا تنغزني ؟.
رفيق ليش شكيتني بالدبوس ؟
فما كان من أبو عبير إلا أن يوضح له معنى سؤاله والجواب علية :
أنت سألتني شنو معنى بزني بزا ً، وأنا أجبتك بشكل عملي ...
تتالت الأيام ، وتشعّبت المهام ، إنطلقنا من ناوزنك بتاريخ 15/10/1979 مع أول مفرزة تتجه نحو بهدينان (2) مررنا بسلسلة الجبال الحدودية المواجهة لكاني بوق والمحاذية لمدينة بيوران ، كانت الطائرات الإيرانية تقصف مواقع قريبة منا بين الحين والآخر ، و بعد مسيرة ثلاث ساعات أو اكثر ، وصلنا مدينة بيوران الإيرانية بتنا ليلتها في بيوت الأهالي الذين تعودوا إستقبال البيشمركة العراقيين وإستضافتهم
بعدها مررنا بعدة مدن إيرانية بإتجاه راجان ، لحين وصولنا إلى مجمع زيوة الحدودي ، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني - القيادة المؤقتة - يعقد مؤتمرة التاسع ، وضعونا في بيت للأستراحة ، وجاءنا على ما أعتقد فاضل مطني ورحب بنا بشكل سريع مبديا ً استعدادهم للتعاون والمساعدة .
في اليوم التالي شاهدنا تجمع أعضاء المؤتمر في ساحة مدرسة ، وقد التقيت حينها بكريم سنجاري ، كنت أعرفه منذ أن كنا طلاب في ثانوية سنجار ،كان كريم يسبقنا بثلاث مراحل ..
وفي اليوم التالي تهيئنا للتحرك والتوجه نحو مناطق بهدينان ، مع مفرزة من الحزب الديمقراطي الكردستاني ، بعد أن عبرنا المثلث الإيراني - التركي- العراقي توغلنا في الأراضي التركية ، ومررنا بقرى هكاري - جولميرك ، وأذكر منها قرى خنانس و قوجانس وميركة ، كان معنا من كوادر حدك كل من ، سلو خدر و خالد شلي ومصطفى المزوري (3) وحجي صالح إسبنداري وسليم بريفكي ومرزا زاخولي وعريف سلو ومهدي بالطة .
وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه المفرزة فقد توثقت علاقات الصداقة بين خالد شلي وأبو ماجد وهُمْ أصحاب من فترة الستينات ، وكان لهذه العلاقة الشخصية إنعكاس على العمل الأنصاري في كردستان ، حيث واصل خالد شلي مساعدته وتعاونه مع الشيوعيين وساعد أبو ماجد ، وغيره بالعودة إلى مقر كوماته الخلفي ، على الحدود التركية بعد أن تعرضت مفرزته إلى إشكالات أدت إلى تشتتها ، مما حدا بأبو ماجد للتوجه إلى سنجار و الإختفاء هناك لفترة قبل أن يتمكن من الوصول إلى قرى بري كارة ويعود بمساعدة خالد شلي صديقه الحميم الى كوماته من جديد.

وسرعان ما عاد على رأس مفرزة ثانية ، تموز 1980 ، توجهت للعمق ، كلّفت بإيصال عدد من الكوادر لمهمات في الداخل ، كنتُ من بينهم مع أبو خلدون وناظم وأبو داؤد .
بعدها قاد المفرزة الثالثة للداخل ، خلال أقل من ستة اشهر ، من بداية عمل مفارز بهدينان ، للبدء في تنفيذ العمليات العسكرية.
وعندها تشكلت المفارز القتالية ، بشكل نظامي ، على أساس المناطق الجغرافية قاد ابو ماجد سرية دشت الموصل والقوش ، ونفذ عدة عمليات في تللسقف والقوش و أطراف دهوك ، وثبّت مواقع لتحرك المفارز و الأستراحات ، وخطط لجعل التواجد بشكل سري ، قبل التوجه لتنفيذ العمليات ، كي لا ينكشف أمر أي عملية قبل التنفيذ.
وبعد الدشت نُسِّب للعمل أطراف دهوك ، ليشرف ويقود مفارز العمق ، وشغل موقع معاون أمر الفوج الثالث ، وعرف عنه عدم رضوخه للتعب ، وإبتعاده عن مناطق الخطر، وعدم تساهله في التحرك أثناء النهار، في المناطق الخطرة ، لذلك لم يقدم خسائر في المعارك والعمليات التي خطط لها أو اشترك فيها ، وكان حريصا ً على حياة رفاقه وأنصاره .
ومن ثم عاد للعمل في دشت الموصل من جديد ، ولم يُمانع في أية منطقة يكلف بها أو ينسب إليها .
أذكر عن هذه المرحلة عملية بيبان حينما ذهبنا لجلب أدوية مستوصفها بسبب شحة الدواء في كردستان ، عندما اقدم النظام قد إفراغ جميع القرى من الخدمات الطبية ، ما عدا المدن التي تخضع لسيطرة قواته ، التي لا تقدم خدماتها لأهالي القرى المحررة ، وجاءت هذه العملية تحت ضغط وإلحاح الأطباء في المقرات والمفارز وإستمرار شكواهم من انعدام الأدوية والمستلزمات الطبية مما دفعنا للتخطيط للأستيلاء على أدوية بعض القصبات والمدن ، وإختار أبو ماجد الهدف الأول السهل ، المركز الصحي لبيبان .
لكن المشكلة إن أهالي القصبة يعرفونه مما تطلب إتخاذ إجراءات تمويهية بدأت بتغيير إسمه ومناداته بأبو حسين مؤقتا ًبدلا ً من أبو ماجد ، بالإضافة إلى لفه لليشماغ على وجهه ، بشكل يؤدي إلى عدم تبيان ملامحه ، وكان مطمئنا ً من إجراءاته الإحترازية ...
وصلنا الهدف وجلبنا المفتاح ،أفرَغْنا محتوى المركز الصحي من أدوية ولفائف في أكياس وكواني إستعدادا ً للمغادرة ، لكن المفاجأة جاءت من خلال إمرأة وقفت بيني وبين أبو ماجد لتسأله:
( كاكو علي تو جاواني ؟ ... عمو علي كيف حالك؟ ) .
صمت أبو ماجد ، ولم يجبها ، حاول الإبتعاد عنها .
بادرت لتدارك الموقف ، قلت لها :
هذا ليس كاكو علي... من هو كاكو علي الذي تقصدينه؟
قالت:
والله إنه علي خليل ، وأردفت بالكردية ... دنك .. دنكي ميرايا ... اْوْ لش لشي ميشايا .. بمعنى الصوت صوت زلمة بطل والحجم حجم ذبابه ... في كنايه لأسمه المشهور وتحديه للسلطة وشجاعته ، مقابل هذا الجسم الصغير والنحيف من وزن الذبابة أو النحلة ...
قالت لي:
كيف لا تريدني أن اعرف علي خليل إنه أبو ماجد ... هذا قالبه منذ أن عرفته ورأيته ؟
في إحدى الليالي الحالكة مررنا بكلي رمان ، كنت أسير قبله ، وإذا به يصرخ من ألم شديد ، إلتفتُ نحوه وسألته خير ماذا حدث ؟
قال لا ادري بماذا إرتطمت رجلي بغصن حاد أمْ بزاوية صخرة فأصابت العظم .. قلت له ليش أنت جسمك بيه غير العظم يا أبو ماجد ؟!... وكان بحق نحيفا ً ورفيعا ً لكنه نشيط ويتحمل السير والصعوبات إلى درجة كان يضرب به المثل في التحمل والصبر ..
نفذ أبو ماجد والمفرزة التي بقيادته العشرات من العمليات البطولية في عمق الدشت حيث كانت مفرزته تجوب سهل الموصل وقراهُ ، تلاحقُ المتعاونين مع النظام من تشكيلات الجحوش والجيش اللاشعبي وعملاء السلطة ، فأقدمت السلطة على إعتقال عائلته ووالدته لأكثر من مرة ، ومن ثم هجرتهم وأبعدتهم إلى مناطق كردستان بغية إشغاله عن نشاطاته العسكرية ، من خلال وضعه أمام مسؤولية العائلة وتدبير مستلزمات معيشتها الصعبة فيها .

حينما فشلت في غايتها قررت أجهزة النظام الدكتاتوري وضع حد لحياة أبو ماجد والمجموعة التي معه بوسيلة جديدة ودنيئة ، من خلال عدد من علب الحليب السائل المسموم ، تمكنت من إيصالها إلى المفرزة عن طريق أحد المعلمين (4) من أهالي الناصرية ، المنسب والأصح المبعد للتدريس في مدرسة ( بينارينكي ) الإبتدائية ، كان من معارف الشهيد أبو رؤوف ( مجيد فيصل ) وقد إلتقينا به سرا ً اكثر من مرة ، أجبر على نقل الحليب المسموم ضمن وجبات التغذية التي كانت توزع لتلاميذ المدارس ، لكنه كشف لنا سر العلب ، مؤكدا انه قد استدعي إلى مديرية أمن الموصل وكلف بنقل علب الحليب إلى أبو ماجد ومفرزته خصيصا ً .
حينها فتحنا إحدى العلب للتأكد من محتواها ، تبين إنها كانت مخلوطة بالثاليوم حيث طفحت بقع سوداء على شكل خيوط على سطح الحليب ، وبعد فحص العلبة وجدنا فيها ثقب صغير من الجانب إستخدم لدّس ِ السم بواسطة إبرة ( إسرنج ) .
كانت نقطة اللّحيم بارزة فوق الثقب ، وبعدها بأيام انتشرت دعاية عن موت مفرزة علي خليل بالتمام والكمال بالتسمم .
كان أبو ماجد مغرما ً بأكل اللحم والذين معه قد تعودوا على إسلوبه في إعداد اللحم المشوي والمطبوخ ، عند إختياره المواقع القريبة من القرى للأستراحة بين الحين والآخر، ويكلف الإداري بشراء خروف أو عدة ِ دجاجات تتناسب مع عدد المتواجدين في قوام المفرزة في ذلك اليوم ...
واذكر إننا كنا في الجبل المطل على سهل الموصل ، بالقرب من قرية طفطيان حينما، دنت ذكرى ميلاد الحزب الشيوعي العراقي ، فقررنا أن نحتفل على طريقتنا، كنا مجموعة صغيرة تتكون من ( أبو ماجد وأبو سربست وعبد الرحمن بيرموس وحسين سيسو وبير كنجي وكسر) ، وزعنا بيننا المهام لتهيئة مستلزمات الإحتفال .
ذهبنا أنا وحسين سيسو لجلب خروف من بيرموس ، وكلف أبو سربست بجلب المشروب والخبز وباقي المستلزمات بينما بقي أبو ماجد وعبد الرحمن لجلب الماء بالمطارات من نبع كلوك...
حينما عدنا محملين بلحم الخروف وجدنا المجموعة تقلبُ قطع من اللحم المشيش على الجمر فاستفسرنا ما هذا من أين حصلتم على اللحم ؟
قال ابو ماجد :
بعد أن غادرتم مرّ من هنا راعي و إشترينا واحدا ًمنه ، تحسبنا لأحتمال أن تفشلوا في الحصول على خروف ...
نظرت الى اللحم المعلق كان عظم الفخذ رفيعا ً لا يشبه عظم خروف ، قلت لهم: هذا ليس خروفا ً .
قالوا:
إنتظر لنأكل بعدها سنقول لك من أين جلبنا هذا اللحم ؟ . إحمّر اللحم واشتوى تناول ابو ماجد السيخ الأول وأخذت منه قطعة كان اللحم غريبا ً وفيه طعم التراب .
أوضح عبد الرحمن:
إقترح ابو ماجد أن نصيد شيئا ً لحين عودتكم ، وعند الغروب وجدت رأسا ً يرتفع من خلف تلك الصخرة ، أطلقت عليه النار فسقط ، وحينما ذهبنا لجلبه إكتشفنا إنه ذئب.. قال أبو ماجد جيد لنجرب اليوم أكل لحم الذئب ..
في تلك الليلة تسامرنا على قصص وحكايات وأخبار العلم والكون حيث كانت الأخبار تنقل الجديد عن مذنب هالي ...
وفي مقارنة لِمَا مرّ به من زمن في كردستان وطول المسافة التي قطعها طيلة تلك السنين قال أبو سربست :
لو تمكنتُ من إحتسابها لتجاوزت المسافة التي قطتعها حركة إبن بطوطة في جولته حول العالم ، ولربما تجاوزت طول محيط الكرة الأرضية ..
فعقب أبو ماجد وأنا ماذا أقول ؟
قلت له :
أنت لايكفيك محيط الكرة الأرضية لقياس المسافة التي قطعتها ، وتحتاج إلى مساحات النجوم للمقارنة ، ونشرات الأخبار اليوم عليها أن تصحح التسمية من مذنب هالي إلى مذنب عالي ... وضحك الجميع وكانت من أجمل الليالي.
انتقل أبو ماجد للعمل في ميدان التنظيم وتفرغ لمهمة العمل الحزبي في منطقة تلكيف وأطرافها ، كنت حينها مكلفا ً بمهام في الموصل وتوابعها من خلال هيئة مصغرة بصيغة مكتب مع أبو ناتاشا .
نسّقنا تحركنا سوية ً أنا وأبو ماجد ، وتوجهنا لقرى الكند ،التي كنتُ انطلق منها للوصول للموصل وبعشيقة وبحزاني بين الحين والآخر .
إقترح أبو ماجد تهيئة مكان جديد لتواجدنا ، تمكنا من حفر مخبأ خاص بنا على شكل غرفة صغيرة تحت الأرض ، بعد أن شخص هو المكان .
كان في الأساس وكر لثعلب تمكنا من توسيعه وتعميقه ، ومن ثم وضعنا فيه الخشب من كافة الأطراف ، بقياسات 180سم طول و160سم عرض ، بما فيه السقف والأرض ، أي جعلناها غرفة خشبية من جهاتها السته ووضعنا فوقها مشمع مطري ومن ثم أعدنا التراب بعد أن تركنا فيها فتحة صغيرة للخروج والدخول كنا نضع عليها حَجرة خفيفة كغطاء .
بقينا نستخدم الملجأ لمهامنا ولم ينكشف لحد اليوم و فاتني أن أذكر ، ان الخشب الذي إستخدمناهُ ، والذي كنا ننقله ليلا ً بمعدل قطعتين أو ثلاثة في اليوم ، من وادي بالقرب من دوغات ، طيلة فترة العمل التي تجاوزت أكثر من شهر ونصف، لم نكن نعرف مصدره ، بعد أن كلف احد الأصدقاء بتهيئته ووضعه في ذلك المكان تمهيدا ً لنقله من قبلنا في الليل ، هكذا كنا نستلم الخشب مقطع وفق القياس المطلوب من دون عناء.
بعد أن أنجزنا إعداد الوكر ، ذهبت لزيارة أبو وحيد ( كيندل) وهو شيوعي قديم من جيل والدي ، كان حينها يملك قالبا ً لخشب الصبّات الذي يستخدم في البناء وبعد أن رحب بي إشتكى من حالةٍ غريبة يمّرُ بها هذه الأيام ، حيثُ ينقص ُ خشبه كل يوم خشبتين أو أكثر ، وأردف ما أعرف منو إبن الحرام الذي تعّود سرقة خشبي ؟! ماذا أفعل كل يوم ينقص منه خشبتين ؟!!..
عدت وأخبرت أبو ماجد بالموضوع ، علق .. الملعون الذي كلفته بتهيئة الخشب قد إختار المسكين أبو وحيد ليسرقه ... لقد فات الاوان... سوف نعوضه في المستقبل إن بقينا أحياء .
كان أبو ماجد دمث الأخلاق وطيب المعشر لا يحقد على أحد ، وحينما يشاكسه البعض من الأنصار يتحملهم ويسامحهم ، لكنه في ذات الوقت يخوض الصراع ويدافع عن قناعاته ويتمسك بآرائه وقليلة هي الحالات التي تراجع فيها أمام الآخرين رغم الضغوطات التي مورست ضده ، حيث كان ينتقد قيادة الحزب والكوادر الذين معه على أخطائهم ونواقصهم ، وقد عبر أكثر من مرة عن خيبة أمله من قيادة الحزب وسياساته الخاطئة ، وكان لا يجد تفسيرا ً لسلوكيات البعض من الكوادر ممن يعرقل أية محاولة لتطوير العمل ويجهض المبادرات ، ويضعه في خانة الشك من التعاطي مع أجهزة النظام .
لقد صدق حدسه حيث إنتهت تلك الأسماء إلى مزبلة التاريخ مع انهيار الدكتاتورية التي كانت توثق فيما توثق حالات الإندساس والخيانة في صفوف المعارضة ، وقدمت وثائقها المتروكة الدليل على صحة إستنتاجات أبو ماجد وتشخيصاته الدقيقة لقد علمته التجربة الطويلة في العمل الكثير من الأشياء أولها القدرة على تشخيص الناس وفرزنتها ، ومنحته الخبرة ، وشحذته بالحذر، لذلك نجا من محاولات الأغتيال والقتل المتكررة ، وبقي يكافح رغم مرضه إلى أن وافته المنية وهو يؤدي مهامه في الداخل حيث كان على موعد مع النصير نبيل للعودة من بغداد ، رغم مرضه وإلحاحي عليه لمغادرة الموقع قبل يوم ، لكنه أصر على البقاء ، وقد استشهد بعد ساعات من وصول نبيل ، الذي شاركني مع ناظم ختاري في تلك الليلة الصعبة في وداع أبو ماجد ، وهو يؤدي واجبه والتزامه الحزبي مرفوع الرأس والهامة شامخا ً كالجبل...
لقد رحلوا.....
وبقي أبو ماجد خالدا ً في ضمير و وجدان محبيه..
يا أبا ماجد الذكرى العشرين لإفتراقك قد دَنت .. آنَ الآوان أنْ نجَد ِدَ اللقاء في دوغات حيث ترفرف فيها الرايات الحمراء ...
سيكون ماجد وماجدة وفريدة وفيروز وفائزة وايسي وزخاروف وديمتروف وخليل ووالدتك وزوجتك وشقيقك جمال وشقيقاتك وصديقك أبو فؤاد ، والعشرات من أصدقاؤك ومحبيك في الطابور ينتظرون ، أنْ يُطل موكبك ، وسيتسابق الناس لأستقبالك ، وحينما يستفسر البعض عن الحدث ؟
سيقول رفيقك أبو عمشة لهم :
علي خليل قدْ عاد ...
أبو ماجد قدْ عاد ...
وسَتحْكي لحفيدك ( روني ) و حفيدتك ( هيلين ) قصة غيابك ورحلتك الطويلة .
آه .... يا أبا ماجد كم كنتَ تحبُ الأطفال ...
يا صاحب الروح المتمردة
أيّها المطارد
من وكر ٍ لآخر ٍ
بين الجبال ِ والسهول ِ
في الليالي المقمرة ِ
والدروب المظلمة ِ
تسير لساعات ٍ
طويلة في المطر ِ
يا أيّها الحاملُ
للقدمين المتعبتين ِ
والآهاتِ المكبوتة ِ
والأحزان ِالمستمرة ِ
يا صاحبَ الروح المؤجلة أفراحها
توقف ْ .... ترجلْ من صهوةِ جوادك
لندعوك للقاء ٍ آخر ٍ
في دوغات ٍ
توقفْ .... ترْجلْ
نحن بأنتظار عودتك من جديد
أيّها الحالم بالعالم السعيد
توقفْ ..... ترجلْ
هاهي دايْ بهارْ (5)
فوق التل تنتظرُ
بلهفةٍ ترنيمة منكَ
هايْ دايْ... داي ْ
دايْ بهار داي ْ
آيْ ...يْ ... دايْ بهار داييْ ....
صباح كنجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتبتُ عن هذه المفرزة بعض التفاصيل بعنوان المسيرة ونشرتها في ريكاي كردستان .. وسوف أعيد نشرها من خلال مشروع كتاب عن الأنصار وكردستان .
** علي خليل عيسى - أبو ماجد من قرية مكنان المهدمة ، من مواليد 1934 كادر فلاحي إلتحق في صفوف الأنصار عم 1963 بعد إنقلاب شباط ، تعرف على الشيوعيين لأول مرة أثناء تواجده في الجيش ، في فترة الحكم الملكي من خلال جندي شيوعي ، تركماني، من تلعفر، وتعمقت معرفته بهم وبدأت علاقاته المنظمة بالشيوعيين في دربندخان في فترة عمله في محل للنجارة ، ومن وحينها ربط مصيره بالحزب الشيوعي وتعرض للملاحقات في فترات مختلفة ،جرح في معركة رأس القوش وتعرضت عائلتة ،( زوجته وأولاده ووالدته واشقاؤه وعدد آخر من اقربائه للأعتقال و للتغييب في حملة الأنفال ) ، مع البقية من سكان ، دوغات وختارة وخورزان وخانكي وسنجار وخورزان وكرساف وبعشيقة وبحزاني وعين بقري والشيخان وملا جبرا ، من عوائل أنصار الفوج الأول / مراني للحزب الشيوعي العراقي ، في محافظة الموصل وتوابعها..
تواجد في العمق لحين إستشهاده ، وهو في مهمة إستقبال النصير نبيل اثناء عودته من بغداد ، في تشرين الأول 1987 ، وبقي مكان دفنه سرا ً لليوم ، حيث سيتم نقل رفاته إلى قصبة دوغات ، بحضور إبنه الوحيد المتبقي ماجد مع شقيقاته وأقربائه ومحبيه ومن المؤمل تشييعه في موكب كبير يتناسب مع حجم تضحياته ودوره الكبير على امتداد أكثر من ثلاث عقود في حركة الأنصار.
* * *في ألأصل هم من قرية ديرستون ...التي تم تهجير سكانها الأصليين في الستينات و إسكان قبائل عربية فيها لحد اليوم .
1- تمكن أبو اسمر من الرجوع إلى أربيل ومن هناك عاد إلينا في طريق ثانية .
2- تشكلت المفرزة حسبما تسعفني ذاكرتي من الأنصار:
(1 - ابو ماجد 2 - ابو داؤد3- ابونصير4- عادل المزوري- رمضان ايمنكي5- حميد دوسكي 6- نبيل- مصطو فرمان7- رحيم القوشي-8- صباح كنجي9- ابوسلام 10 - درويش عبدي11- ياسين12- ابو خدر خليل سنجاري 13- حيدر رزاق 14- صباح القوشي15- أبو إيفان ) .
3- كان مع مصطفى مزوري شقيقة رضوان أيضا ً .
4- في فترة لاحقة علمت من الشهيد أبو رؤوف ، إن السلطة قد أقدمت على تصفية هذا المعلم ، أثناء تواجده في الجيش ، بعد أن تمّ استدعاء عدد من المعلمين للجبهة ، في فترة الحرب العراقية الإيرانية.
5- داي بهار والدة أبو ماجد كان يترنم بهذه الأغنية لها .