طفولة على تل القصب( الاخيرة)
حقائق لم تعد لها قيمة
اختلفت الآراء والوقائع والاحداث بيننا نحن اطفال المحلة الى درجة التكذيب ومن ثم التشهير حول مصداقية حديث من منا بقصة قطع ذيل القطّ ! ذلك القطّ الابيض المنقط جسمه باللون الاسود جعلَ من وكرٍ ما في بيت عمي مآوى له. حقيقة القصة التي لم تعد لها قيمة، انه في احدى ليالي الصيف وبينما كان الضيوف جالسين على ثيل حديقة بيت عمي (اوصمان) ازعجهم تحركات ذلك القطّ فما كان من العم (صبري) الذي كان ضيفهم في تلك الامسية الا ان وضع قليلاً من العَرق في كوب لبن ليأكل القطّ المقلب ويترنح فيما بعد ويقطع العم صبري ذيله ليكون نكتة يتداولها الكبار ونتخاصم نحن الصغار في زعمِ تلك البطولة، مغالطة اخرى اكتشفناها عن "الكلب الشَّمَّام" لم نكن ندركها، الآ وهي ان "الكلب الشَّمَّام" كما كنا نسميه وفي الحقيقة هي سيارة "اللاندكروز التابعة لحزب البعث" لم تكن تشمُ اماكن وبيوت الهاربين من الخدمة العسكرية، بل ان التقارير التي كانت تصل من المخبرين هي التي تجعل تلك "الكلاب الشمامةَ" سريعة ومخيفة في شوارع المجمع. لا اتذكر تحديداً منَ منِ اصدقائنا غرز فينا تلك الفكرة الغبية التي تقول بأن تلك السيارات التي تشبه مقدمتها راس كلبٍ يشمُ الاشياء، الحقيقة عرفنها وادركناها عندما كبرنا و راينا سيارة الشاب (عمر) المشابهة لتلك السيارات تسير بكل هدوء في شوارعنا دون ان تشم رائحة هاربٍ واحد، بل انها كانت تقل على الاغلب شباباً متخلفين من الخدمة العسكرية الى ساحة لعبة كرة القدم!
في دكانة العم ميرزا الكثير من الامور استقبله عقلنا الصغيرة بشكل خاطئ، منها ما كان يردده العم (سيدو) عندما كان يتمتم وهو يلعب الدومينو ضد العم (حاملي) : "حاملي لا يجيد الحساب ... حاملي لا يجيد العد"، هذه المقولة تضعنا نحن الاطفال في اهب الاستعداد لان نحفظ نقاط المنافسين بعد كل جولة، فما ان يكسب العم سيدو حتى يقول كم نقطة كنت املك؟ يرد العم حاملي : 67 نقطة، نردد نحن الاطفال مباشرا : بل 76 نقطة!
_ ....عافرم ...عافرم ...آلم اخبركم ان عمكم حاملي لا يجيد العد (يقولها العم سيدو).
الحقيقة ان العم حاملي كان يعرف الحساب جيداً لكنه لم يكن من محبي الخسارة ابداً.
شخصٌ اخرى كان يكره الخسارة الا ان طريقته كانت مختلفة نوعاً ما عن العم حاملي، الآ وهو صاحب الدكانة العم (ميرزا) المعروف بضحكته المميزة وروح الفكاهة التي يحملها، ففي محله تعلمنا لعبة الشطرنج من الشيوخ الكبار وعرفنا اساليب اغلبهم، لكن اسلوب العم ميرزا كان غير متوقع تماماً، فما ان يحُاصر (الملك ) او (الوزير) الذي يخصه حتى يقوم بلعبة خاطئة او يضرب اصبعه متعمداً بأحد بيادق الشطرنج ليغير مكانه، وتقوم بعدها المشاكسات والصراخ، ويصيح العم (مراد) ويقسم بعدم اللعب معه مرة اخرى. هذه الحقيقة اكتشفناها عندما اعترف العم ميرزا في اليوم التالي لأحد السائلين عن الرابح ليوم امس اذ قال : كانت تحركات بيادق مراد محكمة ومتقنة وكاد ان يقول لي: "كـش ملك"، لكنني تداركتُ الموقف وقمت ُببعثرت البيادق بحجة ان نيران سيكارتي وقعت على دشداشتي، يكمل العم ميرزا الجملة وهو يضحك بشدة : كم تمنيت انك لم تغادر مبكراً لترى ملامحه وهو يشتمني ويشتم من جعله يجلس خصماً لي.
حقائق كثيرة حدثت في هذا المجمع وغيره من قرى ومناطق سنجار اصبحت تافهة مع مرور الزمن ولم تعد لها قيمة اليوم، حقائق مُره زُهقت بسببها ارواحاً بريئة، وسُبيت بسببها نفوساً عفيفة، اصبحت جميعها الان كبيادق الشطرنج الخاسرة لا قيمة لها تذكر...لا قيمة على الاطلاق .
صلاح حسن رفو