دين الانسان
لابأس ان يكون عنوان مقالي هذا مستلا من اسم كتاب قيم للاستاذ فراس السواح بعنوان (دين الانسان ) الصادر عام 1994.. وياتي انسياقا مع مقالنا السابق بعنوان (دين الله ) ذكرت ان الخالق لا دين مُعيٌن له . وانه كما قيل : يتجلى الله في كل شئ جميل واوله المحبوب والخالق محوركل شئ بما فيه الدين ، وهو رب العالمين وايضا غني عن العالمين . وطبعا الله موجود وضروري وهو ليس الله الذي وصفته وصورته لنا الاديان .والله كلي القدرة فلاشئ موجود في الوجود إلا ذات الوجود كما تصفه المقولة الصوفية .
واجب المروركيف جاء الانسان قبل الدين لنستطيع ان نعرف كيف اشبع رغباته وحاجاته الغذائية والجنسية والدينية ليقاوم الطبيعة ويثبت وجوده بالتكيف اسوة بالنبات والحيوان الذي خلقه الله قبله ، طبعا الاديان تقول خلق الانسان من تراب فيما العلم وخاصة داروين يقول تطور الانسان من حيوان وقدم نظرية التطور في كتابه (اصل الانواع) المعروفة وداروين في نظريته ( ليس نافيا وجود الله وانما غايه ماذهب اليه ان التطور يفسر تعدد الانواع الحيوانية والنباتية وفي ختام كتابه يقول ان الانواع ترجع في اصولها الى بضعة انواع تفرعت على جرثومة الحياة التي انشأها الخلاق ) . ونرى افلاطون يقول ( إن النفوس البشرية كانت في عالم الكواكب وعجزت عن اللحاق بها وبلوغ قبة السماء وهبطت ونزلت الى الارض بابدان بشرية كعقوبة وجناية من افعالها في السماء ). وترى الطاوية ( اصل الكون قوة غير واعية لاشخصية لها ).
ومن ثم يقفز بنا فراس السواح الى الانسان المنتصب ليقول ( الدين دلائل وجوده في عصر الانسان المنتصب الذي عاش قبل النيدرتال وبدأت اثاره تظهر منذ النصف الاول والثاني ق.م في افريقيا ثم انتشر في اوربا واسيا والصين حيث وجد هيكل عظمي سمي ب انسان بكين وذهب في القول بان المعتقدات الدينية موجودة منذ اكثر من مائة الف عام قبل الميلاد أي من عصر النيدرتال .)من كتابه الله والكون والانسان /نظرات في تاريخ الافكارالدينية طبعة/1 دمشق دار التكوين .ويبدو الدين متأصل في الانسان كاحساس فيما نشرت مجلة تايم الاميركية بحث لعالم وراثي (يؤكد وجود جينات في الخلية عند البشر مسؤولة عن الاحساس الديني ).فيما بن سينا ( يعطي طريقة النظر العقلي وطريقة الحدس دليل وجود النفس في الانسان )
ومعروف ايضا بان الانسان مقسم في مجالين المادي والقدسي ومكون من عنصرين هو المادي والثاني غيرمادي أي الروح والمادي الجسد الذي يفنى ويعود الى اصله من تراب وماء وهواء ، بينما الروح لاتفنى وتتقمص لتنتقل الى اخر رغم ان الزمن يعارض مدته لبقاء الاشياء . وعليه الانسان تطور الى أي شئ ينفعه وليس العكس و نتعرف على سلوكه واخلاقه في ما اكتسبه من اعتقاد وكلنا يعرف بان الانسان مفضل من الله والذي ميزه بالتفكر والروح على جميع مخلوقاته واغوى ملائكته بالسجود له كما (تقول بعض الاديان ) على الرغم ان ادم يستطيع فعل الخير والشر ، بينما الملائكة لا يقدرون وسبقوه عبادة وطاعة لله في كل بقعة ورقعه في الارض والسماء ثم ليعطى للانسان مكانا معرفيا من الله وبه عُرف الله حسب الحديث القدسي رغم تنوع عبادة الانسان لله الذي لايحتاجها ولاتنفعه او تضره ! وايضا يؤكد فراس السواح بالقول بان (الانسان ضروري لوجود الكون بمقدار ضرورة الكون لوجود الانسان لاننا نعيش في عالم تشاركي ) .
ومن وجهة اخرى قرأنا وتعرفنا كيف ترك جسد آدم زمنا طويلا لتختمر طبيعيا قبل بث الروح فيها . وياتي اليوناني الكسندر ماندرا 610ق.م ليقول : ( ان نشأ المخلوقات الحية منسوب الى تاثير الشمس في الارض وتمييز العناصر المتجانسة بالحركة الدائمة وان كانت في البدء طينية رطبة اكثر ماهي الان فلما وقع فعل الشمس فارت العناصر الرطبة في جوفها وخرجت منها على شكل فقاقيع تولدت الحياة الاولى وظهر الانسان بعد الحيوانات كلها ) . ويظهراهمية الشمس في توازن و نشأة الانسان والكون وكيف قُدست وعُبدت كالهه عند اغلب شعوب الارض لتجليات الخالق فيها .
ونقترب كثيرا في مفهوم الانسان المتدين مذ خلقه يتدفأ بالمعتقدات والالهة وابن عربي يتحفنا بقوله ( إن الالهة الوثنية كانت مقدمة ضرورية – بل لاغنى عنها – للدين الحق لان الانسان يتوصل من خلال الالهة الوثنية في شكل تدريجي الى معرفة الالهة الحقة ) ويضيف ( يستحيل علينا عبادة شخص لاتتمثل الالوهية فيه ) . من حيث انه لايوجد أي وثنية او دين بلا اخلاق لانها اساس الانسان في تحديد علاقته بخالقه ونفسه ومجتمعه والكون والطبيعة وهذه عناية متضمنه من صلب الطبيعة وقد يكون الخروج منها خطيئة .
وعاش الانسان منذ خلقه يبحث عن شئ يرتبط به او حاجة يحتمي بها وبعد ان اصبح ذات (روح ) وجب عليه ربط ذلك باعتقاد اومذهب ليعمل عليه في حياته ومع اطفاله والاخرين وينتشر ويخدم في الارض فكان له معتقد او فكرة ( الدين ) معتمدا خلاصه من الخوف او طريقا وسبيلا للنجاة من صعوبات مشقة حياة الطبيعة . وقدس كل شئ في الطبيعة ثم ظهرت له فكرة (الوحي ) من شئ عالي القوة فكان الله الخير وابتدأ الوحي من الديانة الزرادشتية ليتطور الدين وتقتبس منه بقية الاديان الى ماوصلت اليه الان ...ويكون الخلاص بظهور شرائع تنطق بافواه الخالق لكنه بعد اليهودية اخذت منحى اخر بعض الاديان التبشيرية او الشمولية ان نصح التعبير ، وعملها الدؤوب بالتوسع والغزو والسبي والتبشير باسم الدين وثم باسم الله وفتكت البشرية بويلات الحروب الدينية ومن هنا استغل الله في الاديان بشرائع شديدة العنف والرفض بالتعامل مع الاخرين من خلال نفي كل ماقبلها ومحاربته وتكفيره ...وبعد أن بحث الانسان عن شئ ينقذه من (خوفه ) ويحميه فكان له دين لكنه تشعب بمذاهب متنافسة فيها انواع الكراهية ودمرنفسه بنفسه وغيبوا الله برحمته ، ودخلوا ماليس في الدين في الدين ، وبهذا خسر الانسان نفسه ودينه وكذلك خالقه واصبح بلا انسانية و دين ليعود اوسيعود حتما بلا معتقد معين مثل ماخلقه ربه في ادم .
ومهما تدين الانسان او بقى بلا عقيدة او طريقة فانه 3 كلمات كما قال اناتول فرانس ( تاريخ الانسان في 3 كلمات – انه يولد ويتعذب ويموت ) .
ونخلص بالقول بان الانسان ليس له دين معين يولد معه حيث لليوم يولد الطفل بلا دين وقومية معينة لكنه يكتسبها ويتربى عليها من العائلة والمجتمع والبيئة الذي يولد ويعيش فيها وكما إن كل اعضاء جسم الانسان واحدة لااختلاف فيها منذ الخلق وقد تتطور لكن بنفس المستوى لكل كائن حي ولانجد مثلا فرد يهودي له ثلاث عيون بل كل انسان باثنين وهذا إستواء جمال الخلق والخالق .
ونختم من مقولة ل غوستاف لوبون ( وقد تضن بان الامم دخلت أفواجا باعتناق اديان اخرى ولو تعمقنا في أمر ذلك لرأينا إن الذي تغيير في ذلك هو - اسم دينها القديم نفسه - ولم تكن غير ادامة لها ) . ويتحفنا فراس السواح في هذا ايضا ليقول ( إن خمر الاديان القديمة يصب في جرار حديثة بما معناه ان الوعاء جديد لكن الخمر قديم ويزداد قدما وتعتقاَ ولذه للشاربين في هذا الوعاء الجديد كل رسالة لديها الجديد الذي جاءت به ) .

خالد علوكة / فبراير 2017