ايزيديون أم " كرداً "


كثر الحديث في الآونة الأخيرة وخاصة بعد مجزرة شنكال, عن أصل الإيزيديين, هل هم كرد أم لا.
عندما عقدنا الكونفرانس الرابع للجمعية الإيزيدية في مقاطعة عفرين, التي تحولت الى اتحاد الإيزيديين في عفرين, ولكي لاينسى أحد أصوله , رفعنا شعار الكونفرانس وهو: الكردية قوميتي, والإيزيدية ديانتي, فانهالت علينا الشتائم من معظم الشنكاليين, أكرر الشنكاليين حصراً.
لن أخوض كثيراً في هذا المجال تجنباً لمزيد من ردات الفعل أو تشنجات تصدر عن أناس قد يصلون الى مرحلة الشتيمة, ومع ذلك فأنا شخصياً لاألومهم, لماذا؟ , سأذكر للقراء الأكارم مشاهداتي الشخصية حول هذا الموضوع, ولامانع أن تشاركوني لتحكموا وتعرفوا لماذا صار الشنكاليون يقولون: نحن لسنا كرداً !!!.
في عام 2011 أراد الله وأنعم علينا بزيارة لالشنا المقدس, وأداء واجب ديني, كان هناك العديد من اخوتنا قدموا من شنكال, وكنا نتسامر حتى ساعات متأخرة ليلاً, وكان معظمهم يقولون: نحن إيزيديون ولسنا كرداً, وكنت أقول لهم أننا كرد القومية , وايزيديوا المعتقد, فكان البعض منهم يقولون لي: تفضل وعش شهراً واحداً في شنكال وبعدها ستتبرأ من كرديتك, وقال أحدهم كان اسمه الشيخ ناصر واعذروني نسيت اسم قريته, وقال لي: شيخ سليمان قبل أن أتجه الى هذا المكان المقدس, اخذت ثلاثة سطول لبن طازج الى سنون, فأتى ضابط برتبة مقدم وقال لصاحب الدكان الذي كنت اعرض بضاعتي عنده: هل عندك لبناً حلالاً؟ , وكان هناك سطل لبن تفوح منه رائحة الحموضة , رد عليه الدلال وقال له : بقي هذا السطل, واشترى الضابط اللبن الحامض و" البايت " لأن صاحبه مسلم, وابتعد عن بضاعتي الطازجة لأنني إيزيدي, وعندما سألته: ومن يشتري بضاعتكم إذاً؟ , فقال: المسيحيون والعقلاء من الكرد الذين يعرفون أن تلك وسيلة من وسائل الحرب الخاصة التي تقوم بها الأنظمة للتفريق بين الشعوب.
أما الوضع الذي يعيش فيه الإيزيديون بعد كارثة شنكال 2014 فهو وضع أقل مايقال عنه انه مزرٍ, فكانت لنا زيارات لشنكال قبل الكارثة, وزرناها بعد حصول الكارثة, ولمسنا في العديد من سكانها الموجودين والذين تمسكوا بترابهم وحملوا السلاح للدفاع عما تبقى لهم, ( واستطاعوا بفضل تضحيات الكريلا ووحدات مقاومة شنكال والبيشمركة من استعادة أغلب اراضي شنكال) الاصرار في تحمل مسؤولياتهم, وبالمقابل هناك الآلاف من الشبان تركوا شنكال, وكأنهم كانوا ينتظرون الفرصة للوصول الى أوربا.
وإذا كنا لانلوم أولئك الشبان عند حدوث الكارثة, وابتعدوا لفترة عن أجواء شنكال ونجوا بأنفسهم, والآن وقد استقرت الأوضاع نوعاً ما, بفضل تضحيات الشهداء من مختلف القوات التي تدافع عن شنكال, فكان عليهم العودة وحمل السلاح لمن يستطيع, أو العمل على اعادة بناء شنكال, ولكن ومع شديد الأسف فقد رأينا البعض منهم في مخيمات اللجوء وخاصة في مخيمات فيدان قرب آمد, كانوا يحرّضون الشبان لعدم العودة الى شنكال , وعندما وصل هؤلاء الى أوربا, بدأ البعض منهم يروّج لمقولة : نحن لسنا كرداً , ولغتنا هي اللغة الايزيدية, فأنا شخصياً لم أسمع بلغة إسمها اللغة الإيزيدية, وإنما توجد اللغة الكردية.
وأيضاً لاأضع اللوم على أولئك الشبان, و يبدو أن هناك سياسة ممنهجة لوضع اسفين بين الشعب الكردي, وخاصة في نقاط ضعفه, وأضعف نقطة هي الإيزيدية التي تعرضت ولاتزال, للتهميش والمضايقات, ولكن يبدو أن العقل الكردي بدأ يدرك انهم قد أضرّوا بمعتنقي هذه الديانة العريقة بما فيه الكفاية, وبدأ العقلاء بمراجعة الذات, وأذكر هنا مثالين, ففي عام 2011 عندما كنا فيه نؤدي طقوس الجماهية كما ذكرت أعلاه, جاء وفد من عدة أشخاص قالوا أنهم من أحفاد الأمير محمد الراوندوزي ( الأمير الأعور) وقالوا بأنهم يخجلون من الأفعال التي قام بها جدهم ضدكم, بحضور سمو الأمير تحسين بك وبابا شيخ, وطلبوا الصفح والمعذرة, وبأنهم يدركون حجم المأساة التي سببها جدهم للإيزيديين.
وفي المؤتمر العالمي الأول للإيزيدية الذي عُقِد في مدينة آمد عام 2012 بحضور الإيزيديين من مختلف بقاع الأرض, يتقدمهم سمو الأمير تحسين بك, والمجلس الروحاني برئاسة بابا شيخ, وعندما أعطينا كديوان المؤتمر الفرصة للسيد أحمد ترك السياسي الكردي المعروف, وقبل أن يتكلم بقي لدقائق ينظر الى المؤتمرين, وقال والأسى يبدو في كلامه : اعذرونا لأننا نحن الكرد المسلمون ظلمناكم أكثر من الأعداء.
إن المستعمر يعمل دون كلل, فقد جزّأ كردستان الى جزأين عبر اتفاق قصر شيرين سنة 1639 بين الدولة الصفوية والسلطنة العثمانية, ومن ثم جزّؤوها مرة أخرى الى أربعة أجزاء في اتفاقية سايكس بيكو 1916, وعملت السلطنة العثمانية ما استطاعت للتفريق بين الشعوب, وبدأت بالدخول الى عمق الديانة الإيزيدية لتحرّف فيها كيفما تشاء, وحوّلت معبد لالش الى معاهد لتعليم القرآن, وبدأت باختراع قصص وهمية عن الإيزيديين, حتى وصل البعض لدرجة الإمتناع عن تناول طعام الإيزيديين, ولا مخالطتهم, والمتدينون في اقليم كردستان لازالوا يسيرون على نفس المنوال, ومع الأسف فقد تأثّر بهم يعض المسؤولين الذين كانوا السبب فيما وصل اليه الإيزيديين من جهل وتخلّف, وكان آخرهم من أعطى الأوامر للبيشمركة بالإنسحاب من شنكال, ولما رأى الشنكاليون ذلك, وأن حكومة الإقليم لم تحاسبهم, وعندما تراكمت أخطاء هذه الحكومة بحق الكرد الإيزيديين, قال هؤلاء: نحن لسنا كرداً, أي كما يقال خروجوا من جلدهم, علماً بأن الشيخ ناصر الذي ذكرته أعلاه قال لي: بدون شكّ نحن الكرد الأصلاء, ولكن البعض من إخوتنا المتحكمين في مصيرنا, أرغمونا لنقول ذلك, وقلوبنا تُمدمي حين نقول أننا لسنا كرداً.
وها قد وقع المحظور الذي كنا نحذّر منه, وهو دفع قوات من خارج الإقليم لمحاربة القوات التي تصدت لداعش في آب 2014, وقدمت حتى الآن أكثر من 240 شهيدأ, علماً أن القوات التي يتم الهجوم عليها, وأقصد وحدات حماية شنكال, يوجد بين صفوفها العديد من النساء اللواتي تحررن من يد داعش, يدافعن عن شنكال.
نأمل أن يراجع السادة المسؤولين في اقليم كردستان ذاتهم, ويعتذروا لإيزيديي شنكال بشكل خاص عما الحقوا بهم من أضرار مادية ونفسية, ليعتزوا بأصلهم الكردي , وهم وبكل فخر استطاعوا حماية اللغة الكردية رغم كل عاديات الزمن.
عفرين 5/3/2017
سليمان جعفر