عذراء سنجار ... الجمالية الموجعة في الرواية

دراسة فنية قيمة عن "عذراء سنجار" للدكتور جمال العتابي نشرت هذا اليوم في جريدة "الزمان" أضعها بصيغة الوورد تسهيلاً لمن يود القراءة
............

عذراء سنجار ... الجمالية الموجعة في الرواية

جمال العتابي

شكّلت ظروف الحروب والأوجاع مرجعاً مهماً إزدهرت به الكتابة الروائية ، حتى صار الكلام عن روايات عراقية مميزة أمراً ممكناً ، وأضافت ظروف ما بعد إحتلال 2003 مادة لافتةً وموضوعاً جاذباً ، بل وأساسياً لروايات العديد من الكتّاب وصارت الكتابة بمثابة تعبير عن ( الواقع الجديد) بكل مستوياته ، تقوله وتتنفس مناخه وغالباً الجانب المأساوي فيه ليصبح جسدها ونبضها بإمتياز.
الكاتب الروائي وارد بدر السالم تحرك بكتابات عديدة له في هذا المحيط ، وكتب روايات في علاقة واضحة مع هذا المرجع الحي والطاغي على مساحة الرؤية والتفكير وتغلغل في المشاعر والعقل والدم والحياة و( عذراء سنجار ) روايته الأخيرة الصادرة عن دار شنكال للنشر تقدّم نموذجاً متقدماً في هذا الاتجاه، فالرواية التي تجاوزت صفحاتها الـ (500) صفحة شكّل موضوع القتل والسبي والتهجير والاغتصاب الذي تعرض له الأيزيديون في سنجار بعد إجتياح الموصل وما جاورها من قبل عصابات داعش ، شكل الهاجس الأساس لها ، والمضمون العام للرواية ،ويبدو المكان بملامحه المختلفة معنى هاماً في المضمون وعنصراً أولياً في تحديد سمات عالمها، فخلقت الرواية دلالاتها الترميزية في مناخ حافظ على الإيحاء بواقعية عالمه بالتركيز على عنصر المكان ( سنجار )كعنصر مهيمن داخل النص مؤثراً في طبيعة الشخصيات ، وإعتمدت أداءً تقنياً لا يضير تماسك نسيجها وتناسق بنيتها ، بل منحها طابعها المميز وأغنى فضاءها المحيط بعالم ضيق .
...
توزعت الرواية على ثلاثة فصول ، أسماها وارد : فرمانات ضد الأيزيدية ، وهي (ولاية سنجار، ولاية الموصل وتكررت ولاية سنجار في فصلها الأخير كذلك ) ، وتضمنت (74) مقطعاً ،تكمل بعضها الآخر، أجزاء يبدو كل واحد منها مثل لوح أثري أو إعلان عن موت (شهادة غير كافر، أولادي يغنون تحت الأرض، رفسات الجنين ، غناء مخنوق ،لحية المجنون ، ما تبقى من أرض التين ، جثث تمشي ،ميتة لكن أتنفس، أمي لا تتكلم وأبي يبكي) وغيرها الكثير.
...
والرقم 74 إحالة ذكية لعدد الغزوات التي تعرّض لها الشعب الأيزيدي عبر التاريخ ، وظاهرة تكراره في الخطاب السردي شائعة في المتن ، يرمي الكاتب من خلاله الى تعميق الشعور لدى المتلقي بهول المصائب التي ترافق حملات الغزو وحروب الإحتلال ، وسمة التكرار في الرواية ، تأتي ضمن تواتر لغوي متجانس يطفح بالمشاعر الحزينة التي ترافق ( عيدو، نائب الضابط في الشعيبة الذي تعلم العربية ) ، مجنون المدينة الوحيد ، أو عاقلها الأكثر طراوة وخفة وإنفلاتاً ، حينما يريد أن يفلسف الأحداث بطريقته البدائية)
...
ينيط الكاتب مهمة السرد لشهود عيان ومنهم الصقر والغراب والكلب الأبيض، تقوم برواية الأحداث المأساوية ، تشترك بأصوات شخصيات أخرى في خطاب سردي وذاتي مع شخصيات رئيسة في الرواية (سربست - آزاد-، المرأة الحامل ،الفتى ، عيدو، الراهبة نالين، حجي خان الأفغاني ، الشيشاني ،سالار، الشرطي عبد الحافظ ،هفيدار ) ومن شأن هذا التعدد في السرد ، أن يطلعنا على الأحداث والشخصيات من منظورات وزوايا مختلفة تصبح فيها كل شخصية بمثابة مرآة عاكسة للشخصيات الأخرى .
...
تبدأ الرواية بمقطع ( أرامل الرواية ) بحوار بين الصقر والغراب والكلب والمرأة الحامل ، تكتنفه الكآبة والخوف من المجهول .ويبدو هذا المفتتح محاولة من المؤلف للخروج عن الإطار التقليدي فلجأ الى التعددية في السرد ، فأدخل في فصوله الأخيرة حوارات وتعليقات متداولة بين مدوني شبكات التواصل الإجتماعي بأسمائهم وصورهم ، وإستعار من الحوارات حرية المناقشة في قضايا تتعلق بالأديان والتاريخ ، وتدّخل الكاتب في هذا الفضاء عبر مدونته كذلك ، مع تعاطف واضح مع المكان وبعض الشخصيات والأفكار، ولعل هذه التقنية كانت من أنجح حالات الشكل والبناء في الرواية الذي يتغير بدوافع جمالية .وهذا النمط في الكتابة يعتمد موهبة الروائي الفنية في السرد .
...
في الرواية محاولات لتساؤلات على مستوى من الأهمية ، بحجم الكارثة التي حلّت بشعب مسالم وأعزل ، تتلخص بالحدود التي يتوقف عندها العذاب ، وهي إشكالية إنسانية كبرى تمتحن على أرض الواقع ، فالروائي يجسد دائماً عجز الإنسان أمام قوى الشر ، ويظل النموذج الإنساني يكافح ببسالة من أجل البقاء ، لكنه يُهزم ويخيب تحت وطأة القوى الظلامية المتوحشة التي تستلب إرادته وتنفي وجوده . ولئلا تبدو المشكلة مسطحة ، هل تكفي الإدانة للجريمة ؟ لتتحول الرواية الى سرد للإصلاح الإجتماعي ، الواقع يقول خلاف ذلك ، إذ تكتسب الرواية واقعيتها الشديدة من خلال الغوص في الشخصيات المأزومة ، وإن تطور الأحداث لا يعني الإجابة النهائية عن تلك الأسئلة بل تظل ترافق تحولاتها . فالرواية عند وارد مجموعة تنويعات على محنة التصادم بين الإنسان والواقع ، بين الذات والكارثة .وهي لا تكتفي بعرض الواقع ، بل تتجاوزه إلى صياغة حوار جدل السؤال والجواب ، تقف ضد العنف وتكشف قصده ، في لغتها إشارات واضحة وصريحة لتعبئة معرفية ضد الإرهاب والموت .فالبطل في النص هو الشعب الأيزيدي ، وإن كان فيه من يخون ، وأبناء شنكال – سنجار يتقاسمون العذاب المشترك ويواجهون ذات المصير، متماهين في الموقف ضد همجية خنازير داعش ، تجمعهم هوية المكان والزمان الموحّد .
...
الرمز يشغل حيزاً مهماً في الرواية ، فالمرأة الحامل تعبير عن مشاعر الوحشة والخوف والقلق والترقب ، فالحمل همّ ، وإنتظار لفرج قريب ، لكن هذا الفرج بعيد المنال ،والولادة تعني الحياة ، فأراد الكاتب أن يضيف ملمحاً فنتازيا للرواية ، فإمتد حملها لثلاثة عشر شهراً ، يدفع بها لحالات لاشعورية لكنها محملة بالاضاءات الرمزية المعبرة عن مشاعر المرأة الدفينة ، ورغبتها في التعويض عن فقدان زوجها بعد ان حزّوا رأسه أمامها ، في حوار دائم مع الجنين( مباركة لحظتك يا امرأة الحمل الطويل ، لا تلدي هذا الجنين الا بعد انحسار طوفان النار في شنكال ص 480) . حمل المرأة إحباط ومشكلة جديدة تقود الى بحث عن متنفس ، يرافقه قلق المرأة وضياع نضارتها ، الحمل يتحول الى رمز للإنتظار، كما تشير المقطوعات الوصفية التي يتابعها الكاتب بشغف .وجود الكلب في بيت المرأة الحامل ، يبدو كأنه تعويض سايكولوجي يدور حول عقدة فقدان الزوج والتعلق برمزه التعويضي أو بديله .
...
الرمز الأساس والمهم الذي يقوم عليه البناء الروائي ،وتستمد الرواية من خلالها مضمونها النهائي ، يتمثل بعذراء سنجار (نشتمان ) التي تعني الوطن باللغة الكردية ، وهي رمز معادل للتعبير عن الوطن المخطوف المستباح ، فلا وطن ولا حرية التي يمثل رمزها آزاد الأب ، الذي يهرب بنفسه ليقع فريسة أفكار اللاجدوى في البحث عن إبنته نشتمان ، وهي اللغز المهيمن على الرواية ، تلاحقه صورة موت أمها في اثناء الولادة في يقظته وأحلامه ، يخوض صراعاً مع نفسه في التخلي عن إسمه الحقيقي (سربست ) وعن ديانته الأيزيدية بفرمان من دولة ( الخرافة ) الإسلامية يؤيد أنه غير كافر ليسمح له بالعبور والتنقل بحثاً عن صبيته نشتمان نسخة امها في الفتنة والجمال، وهي في ربيعها الرابع عشر .
...
ويمثل عنوان الرواية (عذراء سنجار ) عنصراً مهماً من عناصر تشكيل الدلالة ، إذ يحيلنا إلى مضمونها بطبيعته الرمزية الإيحائية الإستعارية، العنوان يشكّل مدخلا أساسياً شاملاً لإيضاح المعاني وراء أحداث الرواية وشخصياتها وإسلوبها ، والعذرية تتحول في أعراف المجتمعات الشرقية إلى رمز للعفّة والطهارة والشرف ،وفي الرواية يحمل مزيجاً من الفرح والحزن معاً فضلا عما يحمله من فضاء لوقوع انواع من المكابدات ، اشارة الى زمن مأزوم.
...
عيدو الشخصية الإشكالية في الرواية ، بطل ( الحقيقة ) يؤكد المتن الحكائي جنونه على مستوى بنية الشخصية في تراكماتها النفسية المعقدة ، إلا ان قوتها تكمن في امتلاكها الحقيقة ،يتعانق في طريقة قتله ما هو حقيقي وما متخيل ، بعد أن هوى بعصاه على رأس الافغاني وقطع أنفاسه ، موته عناق مع البطولة ، من النادر أن نجد له مثيلا في كتابات السرد ، لم يقف أمام مصيره بتخاذل وإستسلام ، لا يمكن تصور المدينة من دونه ، المجانين يضفون نكهة غريبة على المدن وعلى أيامها الكئيبة (ص241) كان عيدو يلوّح بعصاه مبتسماً وهو يواجه الحرق والنار التي تكافح المطر المنهمر، إلا ان قوة صقر مهيب تخطف عيدو الى السماء وتخترق طبقات الغيوم .
...
تعيش شخصيات الرواية صراعات مع الذات ، دلشاد المشطور الى ديانتين (عبد الحافظ الشرطي ) حفاظا على زوجته وأطفاله ، سالار الحانوتي ينادونه عبد الله ،لم يستطع الهرب ،فيخفي أولاده تحت الأرض ليموتوا بالجذام ، آزاد يعاني من جدل السؤال والتأمل ، أو جدل الجهل بمصير نشتمان .الفتى المسلم رفيق آزاد الذي ذبحوا عائلته ، هو المنتصر على مستوى تأدية وظيفته كبطل روائي، ينقل أخبار قرارات خطب الجمعة التي تقضي بالقتل والجلد والحرق ، يحرض الأيزيديات على الإفلات أو الصمود الضمني بعد أن يترك فينا قراءة مأساته ، وفي وعينا ظلامته .(ابو يقين) السائق ، الذي أهمل وارد دوره في سرد الأحداث والتعبير عن صوته الخاص ، مع ان صفاء سريرته يكفيه لكي يتحول الى شخصية غير مهمشة في الرواية ، وبذلك إشارة الى انحياز الكاتب فنياً لبعض الشخصيات .
الراهبة نالين لم تكن ذهناً عادياً خلواً من المكابدة والمعاناة بل انها تفكر بعبء تنوء به في حياتها، مكتظة بالإيمان والزهو ، أسيرة ومهانة وذليلة بين وحوش.
...
الإسترجاعات في الرواية تعتمد العودة الى ماضي الشخصيات والاستمرار في سرد الاحداث في الزمن الحاضر ، ويقدم الروائي زمنين ، زمن الحاضر السردي بتعاقب وتتالي ، وزمن ماضي سردي يمتد في عمق التاريخ ، فأعطى الروائي صورة بانورامية عن الجذور الاولى لشخصيات الرواية ، وما جرى ، وما تحكيه الرواية هوية لتاريخ يتجاوز حدود مدينة أو وطن ، ويذهب أبعد من زمان ومكان ، في محاكمة التاريخ والأديان والأحزاب والسياسيين والأنظمة في عالم مسكون بالموت .
...
في الرواية محاولات جميلة لخلق علاقات خاصة بين الطبيعة والإنسان للوصول الى حالة من التوحد والفيض ، وهي علاقة تكشف في عمومها عن أفعال ووقائع ذات مغزى رمزي موحٍ ، عبر الربط بين بين تلك الأصوات والنداءات الخفية الصادرة عن أوراق الشجر والأغصان والطين والصخر والماء ، إذ كشف لنا وارد عناية خاصة في تتبع أسماء النباتات البرية والزهور بأوصاف لا تخفي طاقتها الخاصة على الإيحاء.
ما تبقى هو الحلم في الرواية ، في المتخيل ، أو السؤال : من أين جاء هذا الموت ؟ ليظل صداه يتكرر في الذاكرة ،نشتمان هي الضحية ، إنها أمل ، والفكرة أمل لكنها تحتاج الى إيمان كبير(ص506 ) ، سربست لم يعد يملك سوى عصا عيدو، وكأن المؤلف يدفع بهذه العصا نحونا لكن بعنوان يحمل لنا الأمل فالدماء التي ستتحول الى مزارات هي الدماء الأكثر نقاء.
...
تستوقفنا رواية وارد السالم الذي يجيد (لعبة) السرد بذكاء ومهارة وإحتراف ، بجماليتها الموجعة ، وبنائها الروائي اللافت، وسلامة لغتها وندرة أخطائها الطباعية ،وثمة من قول أخير، هو أن قراءة نقدية لرواية تجاوزت صفحاتها الخمسمائة صفحة ، هي بتقديري عملية إنتاج جديد ، تختلف عن قراءات سابقة أو ما سيلحق بها بتعدد القراءات النقدية وتباين وجهات النظر والرؤى في كشف قوانين النص .