وفاء سلطان الحج إلى حضن الأم أقدس أنواع العبادة…. وعندما تنحني لتقبل يدها تجد فيها يد الله!









عدت لتوي من قطر… أديت مناسك الحج وقبلت يد الله! لم أفعل ذلك منذ ١٢ سنة، وكانت كلها عجافا… عندما تعيش بعيدا عن حضنها الدافئ تخسر الحياة… إنها أمي التي لم تعرفني، ولكنني عرفتها! نمت في سريرها شهرا كاملا… مارست خلاله أمومتي ومارست طفولتها، لعبت بشعرها كما كانت تلعب بشعري… فقتُ مرارا عديدة كل ليلة لأتأكد من سلامة غطائها،
فالطقس كان في قطر باردا على غير العادة…
……
كانت تنقلني من لحظة أغرق خلالها في نوبة ضحك هستريائي إلى لحظة أخرى أبكي بها دما… لقد فقدت وعيها، لكنّ “اللاوعي” عندها طفا على السطح.. فعرفت عنها خلسة مالم أعرفه في حياتي كلها… لقد كشف “اللاوعي” عند أمي سرّ حزنها الدفين، ليس هذا وحسب، بل كشف عن عقل حاد الذكاء وسرعة بديهة أذهلتني..
……
لم تعرف من أنا، لكنها كانت تمسك بيدي كل مساء وترجوني أن أبقى بجانبها… كانت تناديني “لطيفة” اسم أختها الوحيدة، وكانت مقتنعة طيلة وجودي معها أنني أختها.. كنت أسألها عن وفاء وكانت تجيبني “هي في أمريكا” وسأزورها قريبا!
لم يزعجني الأمر، على الأقل كانت تعرف من هي وفاء وكانت تتمنى زيارتها..
….
كل مادرسته في حياتي عن فقدان الذاكرة لدى الكبار لم يشرح لي سرّ هذا الصفاء في الذاكرة عندما يتعلق الأمر بقصص غارقة في بعدها وفي ألمها… لماذا تلتصق الذكريات المؤلمة بالدماغ وتبقى حيّة وبطريقة أكثر صفاءا من ينبوع الماء؟ لا أعرف….
أعرف أن الوعي يتجنب تلك الذكريات ويحاول قمعها، فتلجأ إلى حيز اللاوعي كي تختبئ هناك… لم أكن أدري أنها تطفو على السطح لدى كبار السن الذين فقدوا ذاكرتهم، فيعبرون عنها بلا ضوابط ولا حواجز….
…..
ودّعت أمي البارحة عند الفجر، وقبل أن أغادر بيت أختي في طريقي إلى المطار… كانت تغط في نوم عميق فمسحت شعرها كما اعتدت أن أفعل كل يوم، ويممت وجهها بدموعي، ثم وعدتها أنني سأفعل كل ما بوسعي كي أضمن لها زيارة لابنتها وفاء!
….
الحج إلى حضن الأم أقدس أنواع العبادة…. وعندما تنحني لتقبل يدها تجد فيها يد الله!