عن الرحلة الى الوطن
الى صديقي حكمت ..
1
في الثالث من شباط الماضي شددت الرحال من جديد للسفر نحو الوطن .. كنت قبل ان اقطع تذكرة السفر من كوبنهاكن الى اربيل مباشرة افكر بما يمكن أن احققه في هذه الزيارة.. التي فرضت علي فرضاً بحكم استدعاء الكثير من العراقيين لعمل بطاقة ذكية..
هكذا يسميها رسمياً اللصوص المتنفذون.. الذين يتحكمون ليس بالسلطة وحركة رأس المال بل حتى بمفردات اللغة المتداولة.. التي تفسح لهم حرية اختيار واطلاق التسميات الجديدة على الأشياء المتداولة.. واحياناً تتعداها لتسميات ماضوية .. يجري خلالها استخدام مفرادت جديدة لها.. كما هو الحال مع الدفتر ..الشدة ..الطابوكة ..البلوك.. التي اصبحت تحمل مضموناً جديداً يعبر عن قيمة اقتصادية رقمية متداولة في الأوساط المالية والتجارية والشعبية .. ناهيك عمّا تفرزه الثورة العلمية التكنولوجية من مفردات تدخل في قوام لغات الشعوب ..
في كل مرة ازور فيها العراق اشعر بالمزيد من الحرج في الدوائر الرسمية امام مفردات يستفسر عنها الموظفون وهكذا كان الحال معي في هذه المرة ايضاً ..
في بغداد العاصمة التي وصلتها براً بعد فراق دام أربعة عقود بسيارة تكسي ليلاً من دهوك عبر اربيل .. كركوك .. طوزخرماتو ومن ثم ديالى مروراً بتكريت .. وبعد استراحة قصيرة في احد المطاعم مع رتل من شاحنات كبيرة تنقل الاسمنت وهي تتجه لبغداد.. التي دخلناها دون عوائق او منغصات في السادسة صباحاً.. تسير بنا نحو فندق المنصور الذي اختاره شقيقي كفاح بحكم معرفته وخبرته بأجواء العاصمة.. بالإضافة لقربه من محلات الأصدقاء الذين يعملون في بغداد من اصحاب النوادي والمشروبات الذين تكفلوا بتسهيل مهمتنا قدر المستطاع..
ها نحن في بغداد .. بغداد التي وصلناها مع الساعات الأولى من الصباح.. حيث حركة السير السلسة دون زحام او توقف اوسيطرات تفتيش .. ما عدا التي كانت في مدخل ديالى ـ بغداد .. التي نزل منها السائق لدقائق حاملا وثائقنا وبعد اقل من خمس دقائق عاد ليواصل قيادته للمركبة دون توقف نحو الفندق المتفق عليه ويغادرنا فوراً بعد ان استلم اجوره من كفاح ..
بعد الاستحمام قررنا ان نستثمر الساعات المتبقية من نهار ذلك اليوم.. مشينا رغم صعوبة السير بالنسبة لي من جراء آلام الروماتيزم بين المحلات ..دخلنا مطعماً كانت ملامح النظافة تبدو عليه.. في الليل دعانا الصديق حكمت الى جلسة سمر في احدى محلاته في البتاوين .. كانت الصالة السفلية معبأة .. في الطابق الثاني جلسنا معه بمشاركة اصدقاء آخرين.. كان حديثنا الاول عن البارات والمشروبات والصعوبات التي تكترث العاملين فيها ..
حدثنا بحكم معرفته.. بالأرقام ان بغداد فيها الآن اكثر من (250 ) باراً ومحلا للمشروبات .. كان الرقم صاعقاً لي .. كنت اعتقد بحكم ما يترشح من معلومات عن بغداد ان عدد النوادي والبارات لا يتجاوز عدد اصابع اليد .. لكن حكمت ايقظني من الوهم.. وأكد لي انّ مجتمع بغداد لن يتقبل مهما كانت الضغوطات وضعاً لا يفسح للحرية الشخصية فيه مساحة تتناسب مع الكأس وضرورته للناس في اجواء بغداد .. واضاف ان عدد البارات والمحلات والنوادي في ازدياد .. قلت هذا مؤشر ايجابي يعكس اصراراً من البغداديين على التمسك بذيول الحرية .. هذا هو المطلوب وهذا ما يجب ان يكون .. كنا في ليلة الاثنين ..
قال لي حكمت.. سترى يوم الجمعة القادم ما لا تتوقعه سأصحبك الى المتنبي .. بين الاثنين والجمعة كانت لنا ثمة نشاطات تجسدت في مراجعة دوائر الدولة للحصول على وثائق عراقية التي لا املك منها اية وثيقة ..
الباسبورت لم احصل عليه لحد اليوم بالرغم من دخولي العقد السادس من العمر .. الجنسية العراقية الصادرة عام 1974 من الموصل باتت قديمة لا تعترف بها دوائر الدولة.. كنت قد ارسلتها للتجديد لكن الدواعش اخذوها .. فيما اخذوا من ممتلكات ووثائق من بيت ابن عمي في بحزاني و بعشيقة بعد سقوط سهل نينوى في السادس من آب 2014 .. هوية الاحوال المدنية هي الأخرى قديمة تحتاج للتجديد ..
توجهنا صباح الاثنين مبكرين بالتنسيق مع صديق له معرفة بدوائر الدولة.. مصطحبين معنا الصور وبقية المستلزمات المطلوبة.. في المقدمة منها هوية الاحوال المدنية العتيدة.. التي كانت الوحيدة تثبت شخصيتي وتؤكد عراقيتي.. بالتالي تفسح لي الطريق للحصول على بقية الوثائق المطلوبة.. كنت أأمل اخراج الباسبورت والجنسية العراقية وفقاً للاتفاق الذي ضمنه صديقنا مع أحد الضباط العاملين في جوازات الاعظمية من اهالي الموصل .. كانت المفاجـأة الأولى.. استفساراً لم افهم منه شيئاً بحكم المتغيرات اللغوية التي تحدثت لكم عنها في المقدمة ..
سألني الضابط الذي استلمَ الملف .. اين سجلت دخولك الأمني؟ .. لم افهم شيئاً منه.. بقيت كالغبي يضرب اخماساً في اسداس امامه.. وهو يتطلع فيَ كالأبله منتظراً الجواب .. حينما كرر سؤاله قلت له اي دخول أمني تقصد؟ .. أنا لا افهم شيئاً من سؤالك!! .. ما المقصود بالدخول الامني؟.. قال لي متشاطراً بذكاء يحسده عليه انشتاين .. حضور امني .. يعني حضور أمني !! .. هكذا فسر الماء بالماء كما يقول المثل ضاناً منه اني سأفهم المقصود بالحضور الامني!! ..
طلبت من الصديق الذي رافقني التدخل وانهاء معضلة الدخول الأمني واوضحت له.. انا لا افهم المقصود منها .. اوضح لي المقصود منها التدقيق .. تدقيق الوثائق والاسماء بالكمبيوتر قبل الدخول الى بغداد من باب التحوط الأمني بحثاً عن الارهابيين ..
قلت له لم اجد شخصاً في السيطرات ..ولم يستوقفنا احد.. ولم اشاهد كمبيوتراً واحداً في المعابر .. كل ما شاهدته طابوراً من الشاحنات التي تنقل الاسمنت متوقفة.. لا يسمح لها بالدخول وحينما يتجاوز السائق السير كان الشرطي او الحراس يكسرون لمبات الشاحنة ويعيدونها للوراء من جديد ..
لكن تذكرت مستدركاً ان السائق نزل لدقائق بعد ان استلم منا الوثائق وعاد ليواصل سيره .. قال هذا هو التدقيق الامني .. إذن هي سيطرة ديالى ـ بغداد .. تجاوزنا اول مشكلة .. قبل ان نصطدم بمشكلة اكبر غير متوقعة .. الجنسية ستنجز ..لكن الباسبورت لن يمنح .. لأن الأحوال المدنية قديمة لا يعمل بها .. المطلوب العودة الى مركز قضاء الشيخان لتجديدها .. لم ندخل في جدال ..اكتفينا بما قرره الضابط .. بقينا ننتظر وثيقة الجنسية العراقية التي استلم ملفها الضابط المذكور وبدأ يستعجل في اتمامها .. وحال عودته حاملا بين يديه الملف من جديد اوضح انها كملت.. طلب مبلغاً كان متفقاً عليه مع صديقي الوسيط .. لكن تفرسي بها ووجود اخطاء فيها جعله ينكمش ويتردد.. قلت له.. اسم جدي حاجي وليس حاجر.. وثبتم الدين مسلم ولست مسلماً .. تلعثم واستلمها من جديد ليعود بها مصححة بعد دقائق .. وقبل ان نخرج قادنا بعيداً عن الانظار لغرفة خالية من الكامرات.. فيها رفوف كي يستلم المائة دولار المتفق عليها بدلاً من 300 دولار للباسبورت والجنسية ..
غادرنا الاعظمية محملين بأول وثيقة رسمية تعود لي تثبت عراقيتي .. لا اعرف كيف أصف حالي حينها.. لقد اختلط علي الفرح بالحزن.. فرح الحصول على أول وثيقة عراقية مغلفة بحزن رشوة فساد .. فساد لم نتمكن من تجاوزه.. جعلنا مع الوثيقة التي حصلنا عليها.. شئنا ام أبينا جزء من منظومة .. منظومة فساد يعم العراق .. يغلف مدنه من اقصاها لأقصاها .. يتطلب .. الخلاص منه.. زمناً .. صبراً .. خطة .. جهداً .. جيلا غير ملوث.. كما تلوثت ايادينا بهذه الوثيقة الملوثة الممزوجة بالفساد..

صباح كنجي
منتصف آذار 2017