هجوم رجعي هدفه الديمقراطية ومستقبل العراق


مصطفى محمد غريب

العداء للحريات وللديمقراطية ينطلق دائماً من العقلية الاستبدادية والاستغلالية التي تكمن في الطبقات المُستغلة ويتشعب هذا العداء باتجاهات عديدة وبأشكال مختلفة ويتخذ طابعاً قومياً أو دينياً أو طائفياً أو أي شكلٍ آخر تحت يافطات متنوعة، إلا أن جوهره الحقيقي سيبقى طبقي يهدف الحفاظ على المصالح الأنانية للطبقات المستغلة التي تهيمن على السلطة، وهذا العداء لا يقتصر على القوى التي تسيطر على السلطة فحسب بل يشن من قبل أحزاب أو مليشيات تستخدم للغرض أعلاه، وقد لازم هذا العداء الحياة السياسية منذ نشوء الدولة العراقية وكان تحت رعاية ودعم ومساندة من قبل القوى الاستعمارية وبخاصة بريطانيا التي كانت قد احتلت العراق ثم أصبحت صاحبة القرار طوال فترات الحكم الملكي مما أدى إلى قيام نظام حكم تسلطي معادي لتطلعات الشعب في حياة دستورية ديمقراطية وسن قوانين لا تسمح بمزاولة إرهاب الدولة وقمع الحريات، ولم تكن فترة الحكم الملكي منفردة في هذه السياسة بل اتبعتها جميع الحكومات التي جاءت بعد قيام الجمهورية العراقية وإسقاط النظام الملكي، واستمرت فترات معاداة القوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي وتنوعت أساليب القمع والعداء لتشمل آلاف المواطنين حتى المستقلين الذين يرفضون السياسات القمعية ويتطلعون إلى قيام الحريات ومنع التجاوز على حقوقهم وكان في مقدمة هذه الحكومات ما جاء به انقلاب 17 تموز 1968 الذي عاد فيه حزب البعث العراقي إلى سدة الحكم والتي شهدت فترة تسلطية نتج عنها اكبر المآسي والفواجع من حروب وقمع وتسلط وتنفيذ الاغتيالات السياسية وتعذيب المعتقلين والقيام بإعدامات صورية مخالفة للقوانين القضائية حتى المحلية ، بعد السقوط واحتلال البلاد والاتفاق على خروج قوات الاحتلال وبخاصة الأمريكية وقيام حكومات المحاصصة استبشر المواطنين بالبعض من الحريات والفسحة الديمقراطية التي سادت بما فيها صدور قوانين باتجاه بناء الدولة المدنية وفي مقدمتها قانون الأحزاب لكن هذا لم ينف وجود قوى سياسية إرهابية أو ميليشيات مسلحة معادية للتوجهات الديمقراطية ظلت تسعى لعرقلة البناء الوطني الديمقراطي وتجلت تلك الأعمال الإرهابية المعوقة لبناء دولة مدنية ديمقراطية في العديد من التوجهات بما فيها الهجوم على مقر الحزب الشيوعي العراقي في الديوانية فهو يعيد للأذهان تاريخ العداء للديمقراطية منذ أن ظهر التنظيم الشيوعي فقد شحذت سكاكين القوى الاستعمارية والقوى الرجعية القاعدة الأساسية للنظام الملكي فكانت الإطلالة الفاشية الإرهابية بإعدام سكرتير الحزب سلمان يوسف سلمان وأعضاء المكتب السياسي والهجوم الواسع على القوى الوطنية والديمقراطية التي كانت تطالب بالحريات الشخصية والعامة ، وما سجله التاريخ بعد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي من اعتقالات وإعدامات فاشية كان في مقدمتها إعدام وللمرة الثانية سكرتير الحزب الشيوعي المرحوم سلام عادل وثلة من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية والكادر المتقدم ومئات الأعضاء والأصدقاء ومن مختلف القوى خير دليل على ذلك العداء والحقد على الديمقراطية وفي مقدمتها العداء المسعور ضد القوى الوطنية والديمقراطية.

اليوم تبرز أشكال أخرى من التوجهات العدائية الجديدة بعد استهلاك القديم وفضحه من قبل أكثرية المواطنين ولم تنفع الدعايات المغرضة والاتهامات الرخيصة والتشويهات غير الأخلاقية التي حاولت هذه القوى استخدامها لإيقاف نضال القوى التقدمية فلا " زواج الأمهات والأخوات" ولا الإلحاد والكفر ولا الاتهام بالعمالة ولا طريق القتل والتغييب في السجون ولا آلاف الكتب الرخيصة التحريضية التي تدعو إلى القتال ضد الفكر باعتباره يناهض الأديان وفي مقدمتها الدين الإسلامي، ولا الفتاوى الدينية والخطب من البعض في الجوامع ومحلات العبادة الأخرى ولا موجة من الذين تخلوا عن الأحزاب التقدمية بما فيها الحزب الشيوعي الذي ينشرون تخرصاتهم وتحليلاتهم الرخيصة بانتهاء الحزب الشيوعي والدعوة إلى حله وتأسيس حزب جديد على مقاييسهم المعروفة طولاً وعرضاً، وفي هذا الصدد لا نود أن نذكر الأسماء المُنظرة التي تظهر شكلاً حرصها على الحزب لكنها تخلط السم بالعسل ومن هؤلاء مُنظر جديد لا نريد أن نذكر اسمه ظهر على قناة " المواجهة التلفزيونية" الذي أكد كذباً حرصه على مستقبل الحزب بالتأكيد على ضعفه الحالي بعد أن كان من أقوى الأحزاب أما الآن فيعد بعدد أصابع اليد ودعا إلى إلقاء قادته الحاليين في "مزبلة التاريخ" وهو يعرف جيداً إذا كان ضميره حياً ونشك بذلك أن مزبلة التاريخ هي مكان للقوى الإرهابية والفاشية والدكتاتورية وكل من حمل راية العداء للقوى الوطنية والديمقراطية، وما يثير السخرية وكأنه العارفة بتاريخ الحزب أشار " أنهم عادوا للعراق بعد 2003 مثل اللصوص " وهم الذين دخلوا بغداد قبل أي حزب أو معارضة وراحوا يوزعون جريدته المركزية "طريق الشعب" على أبناء الشعب في شوارع بغداد، هذا المُنظر يحاول أن يطمس التاريخ المعروف بما فيها حركته الأنصارية ضد النظام الدكتاتوري وعقد مؤتمريه الخامس والسادس في كردستان العراق وأثناء وجود النظام الدكتاتوري قبل 2003 ، أو شواهد مقراته الموجودة أيضا على ارض العراق قبل أن يتعلم المُنظر المدعي التحدث بالعربية، إضافة إلى الكثير من الأساليب والطرق وضخ ملايين الدنانير العراقية والدولارات الأمريكية كل ذلك لم يوقف عجلة التقدم وحتمية التاريخ التي تشير إلى انتصار القوى الخيرة التي ترى في الإنسان اثمن رأسمال في الوجود .

إن الهجوم بالقنابل على مقر الشيوعيين في الديوانية لن يكون الأول ولن يكون الأخير لان تآمر القوى الرجعية مازال يتحين الفرص ويجدد الأساليب والوسائل للتخريب ومحاولة إعادة عجلة التاريخ إلى الخلف بالعودة إلى نظام دكتاتوري قد يكون لتنفيذ مشروع الدولة الدينية الطائفية، بعدما جرب العديد من الأشكال بالادعاء الديني أو الوطني أو القومي، وهذا الاعتداء الغاشم هو حلقة من حلقات مهيأة ستظهر في الوقت المحدد بالضد من كل الكيانات السياسية التي تؤمن بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وقد أشار الحزب الشيوعي عن طريق مكتبه السياسي بالقول أن هذا الاعتداء جاء بعد اتساع نضال الشيوعيين والقوى التقدمية والكيانات السياسية التي تدعو لبناء الدولة المدنية كما نه جاء بعد منح الإجازة القانونية لهذا الحزب والعديد من القوانين التي تساعد على تطوير العملية السياسية باتجاه دولة المواطنة والتخلص من المحاصصة التي أصبحت كابحاً أمام حياة برلمانية دستورية ديمقراطية، وأكد المكتب السياسي بصراحة " ويا للمفارقة! – إجازته الرسمية من مفوضية الانتخابات، بل وعلى كل الكيانات الأخرى، وعلى قانون الأحزاب السياسية، وعلى الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية، وعلى حقوق الإنسان والمجتمع الأساسية. وان من شأنه أن يزيد القلق على مآل الأمور بعد الانتصار على داعش ودحره، ويمكن أن تستغله قوى تستهدف التخريب وإثارة الفتنة وإعاقة رجوع الحياة الطبيعية إلى ربوع بلدنا وإرساء أمنه واستقراره" هذه الرؤيا الحريصة والعلمية التي تبين مدى خطورة هذا الهجوم ليس على المقر في الديوانية فحسب بل على مجمل العملية السياسية ومستقبل العراق"

لقد أظهرت الإدانة الواسعة من قوى شعبنا الوطنية والديمقراطية ومئات الالاف من المواطنين العراقيين ومن القوى التقدمية في العالم العربي والعالمي مكانة الحزب الشيوعي العراقي وحرصه على قيام الدولة الدستورية الديمقراطية، واثبت التضامن الواسع المنقطع النظير بان التوجه المعادي مهما كان هدفه هو معادي للقيم الإنسانية ويخدم المخططات الإرهابية بما فيها الميليشيات الطائفية المسلحة التي تريد خلق المشاكل وزرع الفتنة بين مكونات الشعب العراقي، وطالبت هذه القوى الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية بضرورة الكشف وعدم التستر على مرتكبي هذه الجريمة ومن يقف خلفها وتقديمه إلى القضاء لينال حسابه القانوني، لان هذا التوجه لن يقف عند حدود بلدة أو محافظة دون أخرى وسوف يمتد ليشمل العديد من المناطق بهدف ضرب كل القوى الساعية لدولة المواطنة التي يتساوى فيه جميع المواطنين في الحقوق الطبيعية، لن يقف أعداء الديمقراطية عند حدود معينة وليس الهدف فقط ضرب حزب تقدمي دون سواه بل الهدف الأساسي جر البلاد إلى حالة من التمزق والاحتراب وهؤلاء يهيؤون لما بعد داعش الإرهاب وقد ظهرت معالم هذه التوجهات مما يزيد مخاطر الانقسام والاحتراب على الرغم من إنهاء داعش عسكرياً وهو عمل جبار لكن سيبقى هذا التنظيم له فاعليته السرية وبخاصة أننا أدركنا أنهم ليسوا بالأغبياء وسوف يستغلون أية سانحة ممكنة وها هي الخلايا النائمة لهذا التنظيم تخطط وتنفذ وهو ما نشهده في التفجيرات والمفخخات وقد تكون أساليب أخرى تنظر المواطنين الأبرياء، فالحذر كل الحذر من ذلك وفي مقدمته التخلص من المحاصصة والتوجه للمواطنة والاعتماد على الشعب بجميع مكوناته والتخلص من الميليشيات أو أي تنظيم مسلح خارج أطار الدولة.