قراءة في ديوان ( الفرح ليس مهنتي ) لمحمد الماغوط

برز الشاعر الكبير محمد الماغوط في القصيدة النثرية , واعطاءها المكانة المرموقة في الادب والشعر , واحتلت مساحات واسعة من الاعلام الادبي والشعري , واثرات في الاجيال المتعاقبة , في تمردها على الاشكال الشعرية القديمة , باكثر تحرراً من طوق القصيدة التقليدية , وقد وظفها الماغوط , في الدعوة. على التمرد على الواقع الوخيم المخيم , في الدعوة الصريحة الى حلم الثورة والتمرد , في مواقفه السياسية والاجتماعية , بأن يكرسها ضد سلطة القمع والارهاب والبطش , في الواقع العربي المشين في صفاته , في انتهاك الحريات بشراسة تامة , واطلاق العنان لسلطة للجلاد والسجان بشكل مطلق , بأن يجعل المواطن تحت رحمته وقبضته الحديدية , والدوس على كرامته وانسانيته , دون رحمة وشفقة , وشد الخناق والحصار عليه , حتى تتم عملية المسخ والاستلاب للمواطن , في التحطيم النفسي , وبشتى الوسائل والطرق القاهرة , حتى يذوق مرارة الانهزام الداخلي . لذلك كرد فعل على هذا الواقع المحطم , استخدم الماغوط , القصيدة النثرية , كسلاح تعبيري , يكشف مهاترات الحكم القمعي الشرس الذي لا يحسب اي حساب لقيمة المواطن , بخنق صوته واردته وتدجينه بالتطبع الذليل والمهان , لذا تكون فعل القصيدة النثرية ان تعبر عن موقف اخلاقي وادبي صريح , امام هذا ا نتهاك وبكل صلافة وغطرسة في اخماد كرامة الانسان , اي ان القصيدة النثرية في الموقف الذي يعري ويصد هذه الوحشية المتغطرسة , ان الماغوط يحاول في كل وسيلة , ان يدق ناقوس الخطر بأيقاظ الضمير والعقل من نومه , وهو محاط في حالة انكسارية وانهزامية وهو يعيش وسط الذئاب ضارية , تطوقه من كل جانب , حتى يستسلم الى الهزيمة النفسية الداخلية الكاملة , ولا سيما ان الشاعر الكبير الماغوط , عايش وتعايش مع كل انواع الاضطهاد والارهاب والتنكيل , عاش حياة السجون وهو في عمر التاسعة عشرة , واصبح نزيل سراديب السجون بشكل دائم , وتعرض الى حفلات التعذيب المتنوعة في وحشيتها , وتألف مع سوط السجان وهو يطبع اللون الاحمر على ظهره , وينغرس في اعماق جلده دماً وقيحاً . ولكنه تعلم الكثير من سوط السجان , وهو شاب صغير , فلاح قروي معدم وفقير , يصعب ان يجد رغيفه اليومي , وثقافته وعقليته محدودة بأقل من القليل , لا تتجاوز ولا تتعدى حدود قريته الصغيرة , ولا يعرف ما يدور في العالم الخارجي , خارج قريته . لذلك فأن تجربته في السجن , وسوط السجان بأنه ( تعلم الكثير من السوط في يد السجان , الى حفلات التعذيب , وهو مجرد فلاح قروي بسيط , لا يعرف من العالم , إلا حدود قريته فقط ) لذلك تسلح بالكلمة المضادة , التي تلتزم بقضايا الانسان والدفاع عنه , من الارهاب والبطش , لهذا جعل القصيدة النثرية تكتب بالسكين وليس بالقلم , لانه ادى ضريبة المعاناة الباهظة من التنكيل الوحشي , وتكسر وتحطم داخل نفسه , في الخراب الداخلي ( عندما سجنت في المرة الاولى , شعرت ان شيئاً جوهرياً , تحطم في داخلي , كل ماكتبته , وما اكتبه , هو اشبه بعملية ترميم , لتلك التجربة المرة والقاسية , ومازلت ارمم آثار هذه التجربة حتى اليوم , ولا ابالغ إن قلت , ان أمل الحياة , سقط في السجن , وكذلك الجمال والفرح ) هذه القسوة الوحشية في سراديب السجن , جعلته يتعلم ويتثقف , ويخوض غمار الشعر والادب , ليعوض النقص في داخله المنهك , الذي تحطم في زنازين السجن , ووجد في القصيدة النثرية شفيعه الذي يشفي غليله , المقاوم والمتمرد والرافض الظلم والقهر والاستبداد , وكذلك حالة ترويض المواطن بالخنوع والاستسلام , فعل الكلمة هي رد الاعتباره ممن سلبوه حق الحلم الحياتي , ولم يتوقفف في الاجهار واعلان مواقفه , حتى وهو خارج السجن , وهو لم يجد مأوي يلتجئ اليه , سوى المقابر وحالة التشرد والتسكع والمطاردة , لكنه كان يحاول بكل وسيلة ارسال رسالته , بالحلم بالثورة , التي تطلق سراح الحرية المسجونة في زنازين الحكام , رغم خطورة هذا التصريح بالحلم المتمرد , سوف يقوده مجدداً الى سراديب السجن , ولكنه لم يتخلى عن شرارة الكلمة المتمردة والرافضة للواقع المخيم , وظل يكابد ويتكابد على الواقع , لذا فأن تجربته في القصيدة النثرية , هي تمثل تجربته الحياتية , في التطلع الى حلم الثورة , التي ترفض القهر السياسي والاجتماعي , بمثابة السوط الذي يجلد الواقع الوخيم , وفي تناول اعماق هذا الواقع وكشف حقيقته من مخالب وانياب كاسرة , انه يحلم ويحلم مهما زادت المعاناة والاضطهاد البشع , لذلك يقول ( أني احلم اكثر ما اكتب , ولكنها احلام تتطور ليلة بعد ليلة الى كوابيس رائدة ) والقصائد النثرية في ديوان ( الفرح ليس مهنتي ) تكشف الكثير من تجاربه داخل السجن وخارجه , وكما قالت زوجته الشاعرة ( سنية صالح ) في مقدمة الديوان . بأن ( مأساة محمد الماغوط , انه ولد في غرفة مسدلة الستائر , اسمها الشرق الاوسط ) . لذلك يقول ( مامن قوة في العالم / ترغمني على محبة , ما لا احب / وكراهية ما لا اكره / ما دام هناك / تبغ وثقاب وشوارع )
لذا نستشف بعض قصائد الديوان , لنتوقف على بعض ملامح تجربته الحياتية والواقعية , وكذلك تجربته الشعرية في قصيدة النثر
× في الحلم ان يتحول الى رغيف الخبز , سلاح للانقضاض على الواقع الجائر
اعرف أن حد الرغيف
سيغدو بصلابة الخنجر
وأن قهر الجائعين , سوف يهدر ذات يوم
بأشرعته الدامية
وفرائضه الغبراء
فأنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء
ولكنني سأظل شاكي السلاح
----------------------------------------------
ثم يصرخ باعلى حنجرته :
أنا بطل ......... أين شعبي ؟
أنا خائن ............. اين مشنقتي ؟
أنا حذاء ........... اين طريقي ؟
------------------------------------------------------
× ويرفض التناقض الاجتماعي الصارخ الذي يرسم خارطة الناس بلا عدالة , ويوزعهم بين الجنة والجحيم , داخل المدينة الظلم , وهو يكشف مرارته الى حبيبته .
حبيبتي
هم يسافرون ونحن ننتظر
هم يملكون المشانق
ونحن نملك الاعناق
هم يملكون اللآئي
ونحن نملك النمش والتواليل
هم يملكون الليل والفجر والعصر والنهار
ونحن نملك الجلد والعظام
نزرع في الهجير ويأكلون في الظل
أسنانهم بيضاء كالارز
وأسناننا موحشة كالغابات
صدورهم ناعمة كالحرير
وصدورنا غبراء كساحات الاعدام
-------------------------
× الخوف من كلمة الحرية , بانها جريمة تقود الى الاعدام , وتتحول ارصفة الوطن الى وحل وساحات اعدام
مادامت الحرية في لغتي
على هيئة كرسي صغير للاعدام
قولوا لهذا التابوت الممدد حتى شواطئ الاطلسي
أنني لا املك ثمن المنديل لارثيه
من ساحات الرجم في مكة
الى قاعات الرقص في غرناطة
جراح مكسورة بشعر الصدر
وأوسمة لم يبق منها سوى الخطافات
الصحارئ خالية من الغربان
البساتين خالية من الزهور
السجون خالية من الاستغاثات
الازقة خالية من المارة
لا شيء غير الغبار
-------------------------------------
× وهو ينتظر على قارعة الطريق لتأتي اليه الثورة , كالعاشق الذي ينتظر موعد حبيبته , برائحة الخبز وشهية الورود , لكن هذا الحلم لا يجيء , حتى لو تيبست قدميه
مذ كانت رائحة الخبز
شهية كالورد
برائحة الاوطان على ثياب المسافرين
وأنا اسرح شعري كل صباح
وارتدي اجمل ثيابي
واهرع كالعاشق في موعده الاول
لانتظار ها
انتظار الثورة التي يبست
قدماي بأنتظارها
من اجلها
احصي أسناني كالصيرفي
--------------------------------
× حالة اليتيم المحروم من كل شيء , سوى الحلم الذي يحلم به , في خيمته تحت شمس الله
آه
الحلم
الحلم
عربتي الذهبية الصلبة
تحطمت وتفرق شمل عجلاتها كالغجر
في كل مكان
حلمت ذات ليلة بالربيع
وعندما استيقظت
كانت الزهور تغطي وسادتي
وحلمت مرة بالبحر
وفي الصباح
كان فراشي مليئاً بالاصداف وزعانف السمك
--------------------------------
× الرعب من السجان كأنه عزائيل يخطف الارواح , وهي حالة واقعية من عذابات السجن .
اضحك في الظلام
ابكي في الظلام
اكتب في الظلام
حتى لم أعد اميز قلمي من أصابعي
كلما قرع باب او تحركت ستارة
سمرت اوراقي بيدي
كبغي ساعة المداهمة
من اورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبلي
-----------------------------------
× مرثية الى صديقه بدر شاكر السياب , حين كان يتسكع معه في شوارع بيروت
يا زميل الحرمان والتسكع
حزني طويل كشجر الحور
لاني لست ممدداً الى جوارك
ولكنني قد أحل ضيفاً عليك
موشحاً بكفني الابيض كالنساء المغربيات
لا تضع سراجاً على قبرك
سأهتدي اليه
كما يهتدي السكير الى زجاجته
-----------------------------------------
× كل شيء زائل في الوجود , ولا يملك الخلود في الدنيا , إلا الحب فهو باقٍ كعشبة الخلود
كنا ننبت في كل مكان
نحب المطر
ونعبد الخريف
حتى فكرنا ذات يوم
أن نبعث برسالة شكر الى السماء
ونلصق عليها
بدل الطابع ... ورقة خريف
كنا نؤمن بأن الجبال زائلة
والبحار زائلة
والحضارات زائلة
اما الحب فباقٍ ......
جمعة عبدالله