عندما يبكي الكبار!!!

قد يذرف الانسان الدموع في خلوته لأمر ما أثر في حياته أو على سلوكه أو بسبب موقف انساني مؤلم، وهو يعد من الأمور الطبيعية، لا بل أحياناً يعد من الضرورات. ولكن أن يبكي الانسان بهستيريا ومن النوع الذي لا يتمكن من السيطرة على شعوره، فهو الأمر الخارج عن الإرادة بحيث أن الموقف لم يبقَ تحت السيطرة عاطفياً وأنه نابع عن عمق مشاعر والآم مكبوتة لسنوات وجاء الوقت لتفريغ تلك الشحنة على بقايا عظام وممتلكات واشلاء المتبقيات من الذكريات التي لم تعد مفيدة بالنسبة للمجرمين، ولكنها نوادر ونفائس وجواهر بالنسبة لمن يشتاق اليها حتى ولو كانت ذكريات أو فردة حذاء أو بقايا خزانة ملابس.
هكذا هي اللحظة التي عاشتها السفيرة نادية مراد عندما التقت في غرف بيتها بتلك البقايا، ودقت ساعة الزمن لتذكّرها بمأساتها التي رجعت بذكريات 17 سنة إلى الوراء مضافاً اليها ذكريات ثلاث سنوات تعادل ثلاثة قرون عجاف بثقلها والمها وجروحها ومآسيها التي لا تمسحها دهور من الأزمنة. هكذا كانت نادية مراد، الطفلة البريئة عندما وصفت معاناتها أمام قادة العالم في مجلس الامن ووصفت تلك التراجيديا على شكل لوحة بريشة رسام بارع ونحتت على صفحات التاريخ الانساني حروفا لتهز الضمير العالمي ببراعتها بكلمات وحكاياتها تخرج بعفوية على شكل هدير كاسح وكأنه رسمها الله والقاها في فمها لتشد ذلك الحشد العالمي ومن خلالهم البشرية جمعاء إلى خطابها. كلماتها رسمت لوحة للاسلام المعتدل لكي يغفوا ويستفيق مما هو فيه من سبات وتخلف. كلماتها ايقضت الضمير العالمي المعتدل دون الضمير السياسي لتضع حداً فاصلا بينهما.
اللعبة التي تجري على ارض سنجار ستنقلب وبالا على اللاعبين فيها لأن الله سيسمع أنين الأمهات والثكالي والايتام وأن الجبروت سينتهي الى مربلة التاريخ وسيخرج الايزيديون من اللعبة معافين وانقياء. وهنا نسجل الشكر والعرفان للاصوات التي تنادي بالحق وتقوم باسكات الاصوات النشاز التي تتكلم عن استشهاد البيشمركة في سنجار بدون وجه حق ويتحدثون عن نادية مراد بالسوء وحتى يرون بأن الكلام عن المعاناة اصبحت من المحرمات. فعندما حضنت تلك البقايا ورأت بقايا أحذية اخوتها أو عندما وقفت تتأمل خزانة الملابس لأخواتها، فإنها استحضرت دهرا بكامل تجلياته ومآسيه ومخلفاته.
أملنا كبير في أن يعي الشعب الكردي قيمة ومقدار الالم الذي يغلي في نفس كل ايزيدي. وأن يحترموا مشاعر الذين فقدوا احبتهم وأن لا يقيسوا الأمور بتلك القياسات المادية ومقارنة محنة مليون انسان مقابل رغيف خبز أو تقديم مساعدة مادية يمكن لأي انسان أن يقدمها وهو في وضع يمكنه القيام به. كما أن أملنا كبير في أن تعي القيادات الايزيدية خطورة الموقف هناك وأن يتحسبوا لما يحصل ويبتعدوا عن خلق الحساسيات والتعامل مع جميع الجهات حسب ما تقتضيه مصلحة شعبهم البائس والمتشرد والمهاجر. كما نتمنى أن لا يرد الشباب الايزيدي على بعض المهاترات باسلوب رخيص أو قذف الناس بشتائم لا تليق وانما الردود تكون موزونة وبعيدة عن التشنج واحترام الراي العام.

علي سيدو رشو
المانيا في 2/6/2017