الإيزيديون والاستفتاء !!

علي سيدو رشو
المانيا


تعريف ومعنى إستفتاء في معحم المعاني الجامع: سؤال أو أكثر يوجه الى عدد من الناس للإجابة عنه لمعرفة رايهم في أمر معين. أما الأستفتاء الشعبي (السياسي)، فهو لجوء السلطات العامة إلى الشعب ليبدي رايه في موضوع ما عن طريق التصويت عليه، فإما أن يقرّه أو يرفضه، والتصويت مباشر.

وعليه فقد اجتمعت الاحزاب الكردية (عدا الجماعة الاسلامية وحركة التغيير) يوم الاربعاء الموافق 7/6/2017 واتفقت على اجراء استفتاء في المحافظات الكردية الأربعة (دهوك واربيل والسليمانية وحلبجة) والمناطق المتنازع عليها يوم 25/9/2017 لمعرفة بوصلة راي الناس في الانفصال عن العراق من عدمه. النتيجة كما هي متوقعة واضحة ومحسومة كغيرها من المواقف ولا تحتاج تحليل عميق او كثير عناء وهي ان الجميع ستصوت لصالح الاستقلال عن العراق. وبمعادلة بسيطة لقياس الاقدام على هذه الخطوة، نرى بأن:

1. شعبياً فإن العاطفة ستغلب على العقل الجمعي للشعب بتحقيق الحلم الذي يدور في خيال الشعب الكردي الذي تعرض عبر تاريخه إلى الاضطهاد والاقصاء والتهميش ليودع ذلك التراكم من الزمن الذي تعرض فيه الى الاضطهاد ليعيش بشكل مستقل عن الاخرين كما يريده هو وليس كما يفرض عليه من الاخرين ، وهو حق طبيعي ولا جدال في ذلك.

2. سياسياً فإن الخطوة ستكون لصالح بقاء السيد مسعود البرزاني رمزا كردياً ليدخل التاريخ الكردي بأنه أنجز الحلم الكردي بتحقيق دولته المستقلة في الجزء الشمالي من العراق، أملا منه في أن يضم مناطق تركيا وسوريا وإيران الى دولته، وهو أيضا حق طبيعي ومشروع، ولكن قد يكون على حساب الشعب الكردي لعدم إنضاج المشروع بالشكل المطلوب.

3. موقف الاطراف والاحزاب الكردية الاخرى في سوريا وتركيا وايران من هذه الدعوة وهل تم استشارتهم بالموضوع، أم ستتحدد الدولة الكردية فقط بشمال العراق (وعندها....)؟

4. في الدستور العراقي هنالك مصطلح المناطق المتنازع عليها ولكن من وجهة نظر الكرد الرسمية هي مناطق كردستانية خارج الاقليم. بمعنى أن هذه المناطق هي مناطق كردستانية وليست متنازع عليها وبذلك فمن حق الاقليم أن يقيم فيها الاستفتاء على الرغم من أن جميع سكان هذه المناطق مشردون وسيرغمون على الاستفتاء بدون الرجوع إلى الحكومة المركزية. فالمكونات العراقية التي تعيش في المناطق (المتنازع عليها) وهم: الكلدواشوريين والشبك والايزيديين والكاكائيين والجرجرية وغيرهم، مهجرين ومشردين ولم يؤخذ برايهم في هذا الموضوع المصيري وانما يتم فرض الرأي عليهم بمعزل عن المركز. فهل سيقبلون بمثل هذا الاستفتاء وهم سكان الأرض الاصليين ولم تتم استشارتهم في أمر الاستفتاء؟ الجواب: قد يحمل نعم ولكن رغماً عن إرادتهم.

5. عراقياً ودوليًا واقليمياً، فإن الخطوة غير مرحب بها لكون أن الدستور العراقي ينص على وحدة العراق أرضاً وشعباً وأن الحكومة العراقية الحالية ماضية في طريق بناء دولة المؤسسات، وأن الوضع الامني لم يستتب بعد وهنالك مساحات شاسعة لازالت تحت احتلال داعش وملايين المهجرين والنازحين ولا زال موضوع المناطق المتنازع عليها لم يحسم دستوريا، وشدة الخلافات بين المركز والاقليم على مسائل النفط والغاز والثروات الطبيعية والخلافات على ترسيم الحدود بين ما تطالب به الكرد وما لم تتفق عليه بغداد وغيرها الكثير من المتعلقات. وفي مقال 15/6/2017 في جريدة لوموند الفرنسية بان الاستفتاء الذي اعلنه رئيس اقليم كردستان يعد بمثابة القنبلة الموقوته اذا ما قام باجراء استفتاء بعيداً عن موافقة بغداد وخاصة فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها.

وعلى عكس حال الكرد في الدول المجاورة للعراق، فإن الكرد في العراق يتمتعون بالكثير من الامتيازات ولهم مساحة واسعة أكثر من أي مكون عراقي في خيرات العراق ووظائفه الحساسة (رئيس الجمهورية، وزير المالية، نائب رئيس البرلمان، رئيس القوة الجوية والسفراء رئيس المحكمة الفيدرالية .... وغيرهم). كما أن الاقليم يتمتع بامتيازات دولة مستقلة من حيث الجيش والمؤسسات وينقصها فقط صك النقد الخاص بها. لذلك فإن الخطوة ليست في صالح القضية الكردية في الوقت الحالي وفي ظرف يعاني الشعب الكردي الانقسام والتخبط السياسي والانقسام الاجتماعي والدستوري وانتشار الفساد المالي والادراي والسياسي وبروز التيارات الاسلامية المتشددة في ظل برلمان معطل ورئيس اقليم منتهية ولايته الشرعية. أي أن جميع هذه الامور وغيرها من العوائق ستقف عاجلا ام اجلا في وجه هذه الطموحات بالاضافة الى الوضع الدولي ودول الجوار على وجه الخصوص.

لنأتي الان إلى تأثير هذا الاستفتاء على الايزيديين وبقية الاقليات كونهم ضحايا المناطق المتنازع عليها منذ 2003 ولحد هذا اليوم. ويبدو بأن موضوع النازحين سيلعب دورا محوريا في ظل عدم وجود احصائية رسمية في العراق تحدد سكان المحافظات ومن المحتمل جداً أن يتم استثمار نازحي الاقليات في هذا الاستفتاء الذي لا ناقة لهم فيه ولا جمل سوى جلب المزيد من الكوارث على مستقبلهم وأمنهم. وعلى هذا الاساس فإنه

1. على الايزيديين أن يعوا بأن وضعهم كنازحين لا يسمح لهم في الدخول في استفتاء لا مصلحة لهم فيه، حيث لم تحسم عائدية مناطقهم بشكل واضح ومناطقهم لازالت مقسمة بين المصالح وهي محتلة (رغم التحرير)، وعليهم أن يتجنبوا تحمّل وزر اخطاء مسئولية تاريخية لأنهم مستهدفين ساسيا. وعليهم التحسب في عدم الانخراط في لعبة كبيرة قد تدفع بهم الى الهاوية.

2. إن حجتهم في ذلك قوية لكونهم نازحين ومشردين، وان وضعهم كلاجئين لا يسمح لهم المشاركة في استفتاء مهما كان نوعه أو مصدره أو عائديته، حتى وإن كانوا مواطنين تابعين اداريا لاقليم كردستان وهم تحت مسمى النازحين.

3. في الاجتماع الذي نوقش فيه امر الاستفتاء لم تتم دعوة ممثل عن الإيزيديين ليدلي براي الإيزيديين حول هذا الاستفتاء وبالتالي لهم كامل الحق في عدم تلبية الدعوة طالما لم يحضر ممثل عنهم ويمثلهم في هذا الاجتماع.

4. الدولة الكردية هي مشروع دولة في الوقت الراهن ومقبلة على الكثير من الاحتمالات والانشقاقات وحتى الفشل، وخاصة أنها غير مرغوب بها في الوسط الاقليمي وغير موحدة داخليا، ونظام الحكم فيها عشائري بتطرف اسلامي وغير مؤسساتي، مما يعكس منذ الان طبيعة احتمالات فشل هذه الدولة (المشروع) على غرار فشل جمهورية مهاباد.

5. بالمقابل فإن العراق كدولة عضو مؤسس للامم المتحدة ومقبلة على دولة مؤسسات فيها الكثير الذي يجب التفكير به قبل اتخاذ قرار عاطفي أو غير مبني على المرتكزات التي تؤسس لاستقرار الشعب الايزيدي بعد كل هذا الخراب الذي لحق بهم، بدون ضمانات واضحة ببنود دستورية تقر بحقوقهم الأساسية كشعب إيزيدي.

6. لم يعد للايزيديين بعد الثالث من اب المشئوم اية ثقة بالقيادة الكردية التي تخلت عنهم في احلك الظروف مقابل حفنة من الامتيازات السياسية وهي الجهة التي عولت عليها الايزيديون بانها الضمانة الاكيدة لمستقبلهم. فكيف اذا جاءت حكومة اخرى غيرها لتحكم (دولة كردستان)؟ وكذلك الحال مع الحكومة المركزية التي لم تقدم ولو خطوة ايجابية تجاههم وبالتالي فعلى الايزيديين أن يفرضوا شروطهم على الجهة التي سيقررون البقاء معها.

7. لحساسية مناطق سنجار وسهل نينوى، لكونها الخط الساخن الفاصل بين جهتي الصراع، لذا على شعوب هذه المناطق ان لا يهملوا التشاور الجدي مع بعضهم البعض للاتفاق على صيغة مشتركة واصدار بيان مشترك لتحديد موقفهم بشكل واضح من الجهة التي سينضمون اليها وبضمانات دولية مكتوبة وموقعة من الجهة التي سيختارون الانضمام اليها والاعلان عن ذلك علنا في الصحف والجريدة الرسيمة لتلك الجهة التي سيختارونها بارادتهم.

8. إن البيان الذي أصدره مكتب رئيس الوزراء في 17/6/2017 جاء بخطوات واضحة وان الذي لا يحسن التصرف ولا يتحسب لما قد يحصل سيدفع الثمن غالياً. http://www.bahzani.net/services/foru...ead.php?130879

9. كما أن البيان الذي اصدره التحالف الوطني لاقليم الرافدين في19/6/2017 واضح هو الاخر وجاء بعبارات واضحة لتحديد المواقف وعلى شعوب هذه المناطق أن تختار مستقبلهم بدقة وبخطوات محسوبة ومتفق عليها بعيدة عن العاطفة. http://www.bahzani.net/services/foru...ead.php?130999

„في هذا الأمر الإقليمي قرر السيد رئيس الإقليم إجراء الإستفتاء في إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، ويتضمَّن هذا الإستفتاء الجواب على سؤال واحد هو: هل توافق على إستقلال إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم وإنشاء دولة مستقلة. وقد تم تكليف المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات والإستفتاء في إقليم كوردستان بالعمل من أجل تهيئة الظروف لمشاركة الجاليات الكوردستانية المقيمة خارج الإقليم في عملية الإستفتاء“.

http://www.bahzani.net/services/foru...ead.php?130687

رأيي الشخصي أن الساسة الكرد هم الذين لا يودون (لا يقدرون) على الاستقلال ليس لانهم لا يريدون ذلك وانما بناء على تحقيق مصالح خارجية لبقاء (العراق موحدا) شكلياً ولكي تبقى ساحة عمليات خلفية بدون حدود وحواجز وعراقيل تعوق حركة تلك الجهات. وأن الادعاءات بالاستقلال ماهي الا ذر الرماد في عيون مواطنيها لأن وجود الكرد الحالي ضمن العراق (الموحد) افضل لهم من جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية. كما أن إجراء الاستفتاء في محافظات الاقليم والمناطق المتنازع عليها سوية وفي نفس الوقت يعد أمراً خطيرا وقد تجلب الكثير من العواقب الوخيمة على سكان هذه المناطق في حال حدوث حرب (لا سامح الله) بين بغداد واربيل.