إيزيدي عفرين، بين الإنتماء الديني الرصين والإنفتاح المجتمعي المحافظ


علي عيسو / جريدة صوت لالش العدد 444


يمتاز الإيزيديون في عفرين شمال غرب سوريا بثقافة دينية عالية وإنتماء ديني أصيل غالبًا ما أساءت الأوساط الإجتماعية لإيزيدي المناطق الجغرافية الأخرى فهمها، مما دفع بالبعض من المثقفين إلى تحوير الحقيقة ونشر المفاهيم المغلوطة عن إيزيدي عفرين للعوام، فـسادت بين هذه الأوساط صورة نمطية سيئة تتلخص بأن الدين الإيزيدي بات يغيب عن سماء مدينة عفرين، حيث الحقيقة يمكن الوصول إليها بعد التعرف على تاريخ ونشاط الإيزيديين في هذه المدينة طيلة القرنين الأخيرين.

الشغف الدائم للحفاظ على الهوية الدينية عبر الأجيال

عُرف عن إيزيدي عفرين بتعطشهم الدائم للمعرفة المتعمقة بالديانة الإيزيدية، وعلى الرغم من عدم الإعتراف الدستوري بهم من قبل الأنظمة المتعاقبة على الحكم في سوريا إلا أنهم تمسكوا بسلاح المعرفة الدينية رغم إبتعادهم جغرافيًا عن المركز الديني الأهم لإيزيدي العالم والذي يقع في لالش حيث الوجهة الإيزيدية الأبرز والأكثر تقديسًا.

في عام 1927 عندما كانت سوريا في حالة أمنية غير مستقرة نتيجة الثورة العربية الكبرى ضد الإستعمار الفرنسي، إستغل الإيزيديون الأمر ليعلنوا عن إفتتاح أول مدرسة دينية لتعليم أصول الديانة الإيزيدية في قرية قيبار برعاية درويش آغا بن شمو وذلك بتمويل من العوائل الإيزيدية ذاتها وإستمرت المدرسة لسنوات عديدة سرعان ما أغلقت لاحقًا.

الحالة ذاتها تكررت عام 2011 عندما أطلق مجموعة من المثقفين الإيزيديين في مدينة حلب مدرسة لتعليم الديانة الإيزيدية بإسم (دارا هرهرى) والمدّرس كان بير عبد الرحمن شامو الذي يشغل اليوم منصب رئيس إتحاد الإيزيديين في مقاطعة عفرين، فضلَا عن مدارس أخرى لتعليم الدين الإيزيدي أقيمت في مدينة عفرين وقراها تحت إدارة السيد سليمان جعفر، حيث تخرج من هذه المدارس العشرات من الطلبة الإيزيديين.

دور علماء الدين في تعزيز الثقافة الدينية

تميزت عفرين بالأعداد الكبيرة لعلماء الدين الإيزيديين والذين أبهروا المجتمعات المجاورة بكراماتهم التي يصفها الكثيرون بأنها معجزة إلهية، ومنهم الشيخ جنيد من قرية فقيرا في مطلع القرن العشرين، حيث كان يضع سلة من الجمر على رأسه وذات الأمر كان يفعله تلاميذه، مما دفع بالإيزيديين إلى تكريم روحه عبر بناء مزار له في القرية في السنوات الأخيرة.

كما أن الشيخ حسين من قريبة قيبار كان من أصحاب الكرامات وتشهد له المنطقة في ذلك، فبعد وفاته في الخمسينيات قاموا بحمل كفنه من القرية إلى الجبل وقبل الوصول إلى المكان المراد دفنه تم وضع كفنه على الأرض بغية الإستراحة، واثناء محاولتهم رفعه ونقله لم يستطع أحد تحريكه حتى جاءت بنات الشيخ المرحوم وقمنّ برفعه ونقله، ومن ثم قام أبناء القرية ببناء قبة للشيخ حسين تكريمًا لروحه.

وأيضًا الشيخ حس خل من قرية غزاوية كان يملك الكثير من العلم الديني حافظًا للعديد من الاقوال والنصوص الدينية الإيزيدية، وغيره الكثير من الشيوخ الذين تصدروا المشهد الديني في المجتمع الإيزيدي بعفرين ومنه الشيخ حس من قرية ترندة حيث كان منزله بمثابة مزار وحتى بعد وفاته ظل منزله برعاية إبنه الشيخ حيدر مقصدًأ للعديد من الزوار العرب والكرد، وغيره العديد من الشيوخ الأفاضل أصحاب الكرامات والشأن أمثال الشيخ أحمد كنك من قرية ترندة، الشيخ علي من قرية قسطل، الشيخ علي شمو بركات من قرية قيبار حيث كان المرحوم من علماء الدين الإيزيدي لنصف قرن من الزمن وكان قد تتلمذ على يد رئيس القوالين في لالش بالأربعينيات من القرن الماضي.

جميع من ذكرتهم من الشيوخ الأفاضل كانوا حافظين للأقوال الدينية الإيزيدية ويملكون علمًا دينيًا يشاركونه مع عامة الإيزيديين فضلًا عن طيبة أخلاقهم.

مفهوم العشائرية لدى إيزيديي عفرين

يمتاز المجتمع الإيزيدي في عفرين بتمدنه المبكر عن أكراد بقية المناطق الجغرافية، حيث القوانين المدنية سادت على القوانين العشائرية، ليصبح الإنتماء العشائري مرتبطًا بالهوية التي يمكن من خلالها معرفة أصول العائلة دون أن تؤثر على نمط حياة الفرد. فبينما كانت بعض المناطق الكردية تتقاتل بعض العشائر فيها بسبب سرقة بيضة واحدة، كانت عفرين تتخذ من العدالة القضائية والمدنية مرجعًا لها دون الرجوع للعشيرة.
كما أن إيزيدي عفرين كانوا الأقرب للمدن الكبيرة بالنسبة لإيزيدي بقية المناطق، مما سبب ذلك إنفتاحهم على المجتمعات الأخرى ولجوء الآلاف من العائلات للعيش داخل هذه المدن والدراسة ومزاولة المهنة فيها، فكان الإندماج في هذه المجتمعات يتم وفقًا لقواعد رصينة يأتي في مقدمتها الحفاظ على اللغة الكردية والحفاظ على الهوية الدينية الإيزيدية.

أما المخترة في القرى الإيزيدية فكانت تتسم بالعدل والشجاعة وغالبهم كانوا مثقفين، حيث أن أطول فترة للمخترة في سوريا كانت من نصيب الايزيدي مراد عمر جنيد، حيث كان مختارًا لقرية قسطل جندو الإيزيدية لمدة سبعين عامًا متواصلًا، وكان يتقن اللغة العربية والفرنسية إلى جانب لغته الأم الكردية، وكان من الرموز الإيزيدية الإجتماعية الهامة آنذاك.

الزواج... بين الإشكالية والحقيقة

تكونت لدى الأوساط الإيزيدية في شمال العراق وفي الجزيرة بالشمال الشرقي لسوريا، صورة نمطية سيئة تجاه إيزيدي عفرين بأنهم لا يلتزمون بقوانين الزواج الدينية التي تفرض على الإيزيدي الزواج من دينه ومن طبقته الدينية حصرًا، مما تراكم الأمر عبر السنين الطويلة مسببًا شرخًأ إجتماعيًا لا يمكن تجاهله ليصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أبناء تلك المناطق من الزواج بإيزيدي عفرين.

أما عن الزواج فتبقى له أسبابًا عديدة دفعت ببعض العائلات لكسر هذه القوانين الدينية (هنا أؤكد على كلمة البعض)، فالأعداد القليلة لإيزيدي عفرين دفعت ببعضهم إلى التساهل في مسألة الزواج بين الطبقات الدينية وذلك للحفاظ على إستمرارية الهوية الدينية إلى الأجيال القادمة، وأيضًا لنهي الأبناء عن الزواج من خارج الدين، وكل هذا لا يعني أبدًا بأن القاعدة عامة بل هي حالات فردية يرفضها علماء الدين الإيزيديين في المدينة.

ثبات على الهوية رغم المصاعب

في المجتمعات التي تعاني من إضطهاد مزدوج من الحكومة (إضطهاد ديني وقومي)، يبقى الحفاظ على هويتها بمثابة ثورة ضد السلطان الجائر، حيث حرمان الإيزيديين من التحدث بلغتهم الأم وتعلم دينهم وممارسة شعائرهم الدينية زاد الأمر من صعوبة حفاظهم على الهوية الدينية، إلا أن ايزيدي عفرين تحدوا الأمر وظلوا متمسكين بروح الهوية الدينية الإيزيدية رغم بعدهم عن المركز الديني في لالش.



[IMG][/IMG]

[IMG][/IMG]