مَن الذي ينفخ في لهيب الشرق الاوسط؟

منذ أن أحتل داعش مدينة الموصل في 10/6/2014 ومن بعدها باقي أجزاء محافظة نينوى (تلعفر وسنجار وسهل نينوى) وكذلك محافظة صلاح الدين وأجزاء من بعقوبة، لم تهدأ للمنطقة بال ولم يحصل استقرار ولو ليوم واحد. وعلى اثر ذلك سادت الفوضى السياسية في عموم العراق من عمليات القتل والتخريب والسبي والتهجير والتدخلات والمساومات والتخوين وخلط الاوراق بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. لذلك لا يمكن أن يفهم منه الا وأن الموضوع مخطط له بعناية ودراسة ومراحل في التنفيذ. وبما أنه مخطط، لذا فإنه لا بد من أن تكون له نهاية مرسومة مؤقتة مرئية واخرى مخفية تطبخ على نار هادئة يمكن أن تنتهي بنهاية كارثية على شعوب المنطقة لأن الممثلين على ارض الواقع عليهم تنفيذ الخطوات حسب مقتضيات ومراحل المخطط.
بعد عودة السيد مسعود البرزاني خالي الوفاض من بروكسل في العاشر من تموز/2017 وادلائه بتصريحات خارجة عن السياق الدبلوماسي، بدأت تداعيات هذه التصريحات تتفاعل في كردستان وكشفت عن الكثير مما كان تحت الرماد، منها ما هو متعلق بنتائج تلك الزيارة الغير ناجحة بسبب القاء اللوم على بقية الاحزاب الكردية، واخرى متعلقة بالوضع الدولي والاقليمي والمحلي. فقبل ذلك كانت هنالك زيارة مام جلال الى طهران وهو في هذا الوضع الصحي، تصريحات القيادة الايرانية بشأن الاستفتاء في شمال العراق، الاسرار التي كشفتها تركيا للرأي العام عن القواعد الامريكية في شمال سوريا، الرفض التركي للاستفتاء الا بموجب شروطها الخاصة والكشف عن القواعد التركية التي لم تسمع بها غالبية الشعب العراقي والكردستاني(1)، التصريحات المضادة من ساسة الحكومة المركزية بشأن الاستفتاء، التحليلات النارية من قبل الفريق الركن وفيق السامرائي، المؤتمرات المحلية السنية والشيعية والكردية والايزيدية وتأثير التفاهمات الاقليمية، أزمة الخليج الملتهبة، تفاهمات فرانكفورت في 7/7/2017 بين روسيا وامريكا بشأن تقسيم المصالح، أرتفاع وتيرة التوتر بين تركيا واوربا عامة والمانيا على وجه الدقة.والكثير الكثير.... الخ.
هذه التحركات والتفاهمات والهواجس لم تأتِ من فراغ وانما لابد من أن هنالك من ينفخ فيما تحت الرماد من نار. فالكرد (السيد البرزاني)، مستعجلون في إعلان الاستقلال مستخدمين الاستفتاء ذريعة لذلك، وفي الوقت نفسه فهم على خلاف مع بعض الاحزاب المهمة في كردستان وهو ليس بالامر السهل تداركه. فالبيت الكردي غير مستعجل، على طريقة البرزاني، في إعلان الاستقلال بسبب تخوفها من تفرد الديمقراطي الكردستاني بالسلطة بتوريث عائلي في ظل الوضع الاقتصادي المتهالك والفساد الاداري والمالي المستشري وتدخل تركيا الرهيب في جميع مفاصل الاقليم. هاجس الخوف المخيم على الاحزاب الكردية من لعبة من الديمقراطي الكردستاني بتمديد ولاية البرزاني المنتهية ولايته الشرعية بتعطيل البرلمان مرة أخرى وطرد الوزراء على هواه، مما يعكس مخاوف الشركاء السياسيين من مستقبل التعامل مع هذا الواقع، وهم شهود عيان على ما يحصل على مرآهم. إضافة الى وضع المناطق العالقة بين الاقليم والحكومة الاتحادية وخلافات استراتيجية متعلقة بالثروات والكمارك ورواتب الموظفين وغير ذلك.
على الجانب الثاني هنالك زهو واحتفال بنصر للحكومة المركزية في تحرير الموصل من داعش والتحسب لما بعد التحرير وكيفية التعامل مع ملف إعادة الامور الى نصابها وامكانية اصلاح هذا الخلل الهائل في جميع مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والامنية. فالحكومة المركزية تتحسب على أن دعوة السيد البرزاني الى الاستفتاء في 25/9/2017 ومن ثم الانتخابات في 1/11/2017، هي كالعادة لتصدير مشاكله للغير وتلهية الحكومة عن اهم واجباتها في تطهير البلد مما تبقى من داعش. هذا بالاضافة إلى الوضع الدولي والاقليمي الملتهب بسبب تقاطع المصالح الاستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط. والشيء الاكثر خطورة على سياسة الاقليم (الحزب الديمقراطي الكردستاني) هو فقدان الثقة معه من قبل الشركاء السياسيين والحكومة المركزية وبخاصة ابناء الاقليات والتحاق الالاف منهم مع الحشد الشعبي وقوات البككا بعد أن يأسوا من سياسية هذا الحزب، بما سيترتب بالتالي على خسارة هذا الحزب بالذات لأهم دعائم نصره في الانتخابات المحلية والاتحادية اضافة الى الطعون التي لحقت بسمعتها الدولية والمحلية جراء إبعاد العوائل الايزيدية التي لحقت ابناؤها بالحشد والبككا (2).
على هذا الاساس فإن الخاسر الاكبر والوحيد في جميع هذه اللعبة والتوازنات والتفاهمات هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بسبب ممارسة سياسات فاشلة على أيدي سياسيين فاشلين في المفاصل المهمة، مما قادت إلى إحداث شروخ قوية بفقدان الثقة به وبقواته من البيشمركة وهو مالم تتوقعه تلك القيادة التي ستعض الاصابع ندما بسبب كل ذلك. فهنالك ثلاث تشكيلات ايزيدية تتشكل بهدوء عدا عن مخاطبات خفية تدور هنا وهناك وجميعها تقف على نفس المسافة من ذلك الحزب لوحده وبالتالي سحب البساط من تحت اقدام الحزب الديمقراكي الكردستاني بعدما تحولت سنجار إلى ثلاث جهات مختلفة فيما بينها وخسارته انذاك لا تعوض بمال الاقليم كله، وهو ما نصحنا به قادة الكرد منذ عشرة سنوات ولكنهم لم يتحسبوا ولم يحسنوا التصرف للاسف. وحسب قناعتي الشخصية فإن الذين ينفخون في هذا النار الهادي تحت الرماد هم:
1. الصراع الدائر بين الذين يودون الكشف عن المسببن عن سقوط محافظة نينوى بايدي داعش (ومَن لايودون الكشف عنهم) ودفع الاحداث بقوة للتعجيل بكشف تلك الحقائق أو تغطيتها، ولمن ستكون غَلَبة الكشف تلك.
2. الغطاء الذي كشفه الحشد الشعبي بعد تحرير المجمعات الايزيدية جنوب جبل سنجار، حيث قال السيد البرزاني في خطابه في 21/12/2014 بأن إعادة وتحرير بلدة سنجار لم تكن في خطتنا (3)، مما يعني إيزيدياً بأنه هنالك لعبة تطبخ في الخفاء حول مستقبل تلك المناطق ووضعها في بازار لصالح القضية الكردية على حساب أهل الدار من الإيزيديين.
3. تركيا التي تحذِّر من تحرير تلعفر (الجانب السّني) على أيدي قوات الحشد الشعبي، حيث أصبحت من العواقب الكبيرة أمام الحكومة العراقية وخلافها مع قيادات الحشد بسبب التهديدات التركية بالتدخل العسكري في حال مهاجمتها من قبل الحشد الشعبي.
4. تقاطع مصالح أمريكا وروسيا في شمال سوريا، وتقاطع أهداف الاثنين مع طموحات تركيا وعدم السماح بتشكيل قنديل ثانية في كل من سنجار والشريط الحدودي في شمال سوريا المرابط لحدود تركيا.

علي سيدو رشو
المانيا في 22/7/2017
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1): http://www.bahzani.net/services/forum/showthread.php?131610
(2): http://www.bahzani.net/services/forum/showthread.php?131356
(3): https://www.youtube.com/watch?v=HC96ajnlEgI