لماذا هذه الحملة على زيارة نادية مراد لإسرائيل؟

علي سيدو رشو

نادية مراد فتاة إيزيدية من قرية كوجو المنكوبة وضحية هجوم همجي على قريتها في 15/8/2014 بمقتل ابيها وجميع اخوتها مع بقية افراد قريتها، وتم اسر جميع النساء والاطفال وعانوا ما عانوا ولا يزالون. فرغم المناشدات من أهالي كوجو على مدى أسبوعين، لم تتحرك جهة عراقية او دولية لنجدتهم مما أصبحوا ضحية سهلة وعلى أوضح من قرص الشمس امام العالم كله.
نادية مراد تحررت من داعش بطريقتها الخاصة كما هو الحال مع بقية اخواتها، وليس لأحد من مسؤولي الدولة العراقية والكردية شرف انقاذ ولو طفل ايزيدي من داعش وإنما هرب الجميع منهم بطرقهم الخاصة، سوى تقديم المساعدة المالية التي وفرها مكتب السيد نيجيرفان برزاني بعد هروبهم وخلاصهم من محنتهم. وكذلك لم تقم جهة حكومية أو كردية بتفعيل برامج تهيئة وتأهيل لهم بعد الخلاص والتحرير وانما اقتصرت معيشتهم استمرارا لمعاناتهم السابقة بفرق واحد فقط هو انهم تخلصوا من العبودية والسبي.
نادية مراد دُعيت إلى مجلس الامن في 18/12/2015 والقت بخطابها الشهير امام العالم، ولكن سفير العراق في الأمم المتحدة لم يقبل مصافحتها كونها إيزيدية. نادية مراد طالبت لقاء رؤساء الدول العربية والاسلامية لشرح معاناتها ومعاناة اخواتها في المحنة وما شاهدته وعايشته من أعتداءات لتطلب منهم في أن يكفروا داعش وفكره المتطرف وهي قابلت الرئيس المصري وشيخ الأزهر وأمير الكويت والقت محاضرتها الشهيرة ايضا في جامعة القاهرة ولكن لم يستجب احد لدعوتها بتكفير الفكر الداعشي من قبل جهة عربية او اسلامية.
نادية مراد حصلت على لقب سفيرة للنوايا الحسنة في 16/9/2016 من قبل السيد امين عام الامم المتحدة، وترشحت لنيل جائزة نوبل للسلام في 6/2/2016، ونالت جائزة سخاروف من البرلمان الاوربي في 16/12/2016 مع شقيقتها في المحنة لمياء بشار. نادية مراد دُعيت إلى العديد من البرلمانات وقابلت الكثير من الرؤساء وحضرت العشرات من المؤتمرات والنقاشات الدولية والندوات العالمية، نعم أقولها عالمية وليست عراقية أو عربية أو كردية. نادية مراد طلبت من الحكومة العراقية قبل غيرهم بفتح ملف ابادة بني جلدتها وحثت العراق على الموافقة على معاهدة روما لكي يتم تقديم ملف ابادة الايزيديين وبقية الاقليات الى المحكمة الجنائية الدولية دون أن يسمعها أحد. نادية مراد طرقت باب بيتها العراقي قبل غيرهم، ولكن للاسف لم تلقَ آذاناً تسمع أنينها ومعاناتها ولم يفتح أحد الباب لها لكي تشعر بعراقيتها قبل أن تجوب العالم و تتوصل ببرلماناتها وحكوماتها لنصرق قضيتها ومظلومية شعبها المجروح.
البرلمان العراقي وكذلك برلمان كردستان لم يصدرا لحد هذا اليوم تصريحاً رسمياً لإدانة داعش على جرائمه، ولا بقبول ماحصل للإيزيديين إبادة جماعية ولم يقيما ندوة أو نشاط رسمي خاص أو احتفالية خاصة بهذا الحدث الكبير ولم يشكلا غرفة عمليات بالبحث عن الضحايا الايزيديات في الأسر، ولم يتصلا بالدول التي تنتشر فيها أو تنحدر منها عناصر داعش أو تطالب الدول بإعادة الأسرى ومحاسبة الذين يحتفظون بالنساء والاطفال الايزيديين في تلك الدول، بل بالعكس يحاولون عرقلة كل خطوة يخطوها الايزيديون لتحقيق فسحة امل في العيش بامان وإحقاق حقوهم المشروعة عالمياً.
نادية مراد لم تعُد ملك نفسها اليوم وهي سفيرة دولية للنوايا الحسنة، ومن الممكن دعوتها في أي مكان في العالم وعليها أن تلبي تلك الدعوات بعيداً عن الاختلافات السياسية بين الدول، وأنه من صلب واجبها الحضور والحديث عن مظلومية شعوب واقوام واثنيات لنشر ثقافة سمحاء بديلاً عن ثقافة الغزو والغدر والاتجار بالبشر. وأن إسرائيل دولة وعضو في الامم المتحدة ولها علاقات دبلوماسية ورسمية مع العديد من الدول العربية والاسلامية. نادية مراد زارت اسرائيل علنا في وضح النهار، ولم تزرها في الليل أو في الخفاء كما هو حال العديد من السياسيين العراقيين والكرد، وأنما زارت بدعوة رسمية من مجموعة من أعضاء الكنيست (البرلمان) الاسرائيلي عندما أحيوا مشكورين، الذكرى السنوية الثالثة للإبادة التي تعرض لها الإيزيديون، بعكس الحكومة الاتحادية والكردية التي تحاول طمس القضية. لم تقتصر زيارة نادية مراد ونشاطاتها على اصحاب الدعوة وإنما شاركت بفعاليات مع النسوة العرب من الفلسطينيين ايضاً. فهي لم تنسَ واجبها الاخلاقي والانساني ولم تمنعها اسرائيل من القيام بذلك عندما طالبت بحضور نشاطات للنسوة الفلسطينيين.
نحن هنا نثمن عاليا هذا الموقف الشجاع من دولة اسرائيل كما نثمن عاليا موقف وشجاعة نادية مراد بتحقيق هذه الزيارة وتلبية الدعوة ومطالبة الحكومة الاسرائيلية بتبنّي قضية جينوسايد الإيزيديين في المحافل الدولية. نتمنى أن يفهم الساسة والمثقفين العراقيين عامة بأنه من حق المظلوم أن يبحث عن وسائل وممكنات تخرجه من محنته بعد فقدان الأمل في أهل الدار. لسنا نحن بمدافعين عن السيدة نادية وهي أعرف بعملها منا ولكن هذا يدعونا أيضا في أن ننصفها من الأعتداء عليها وتشويه ما تحقق على يدها.
نتمنى أن تبتعد الجهات الرسمية والثقافية عن ثقافة التخوين والتشهير والطعن لمجرد القيام بعمل انساني وأن تعود تلك الجهات إلى رشدها وإلقاء العتب واللوم على الحكومتين الأتحادية والكردية لدورهما السلبي في التعامل مع محنة الإيزيديين بدلاً من هذا التهويل على عمل انساني، بحيث أنهم هم مَن أعطوا الحق للإيزيديين بالدفاع عن قضيتهم بعدما لفظهم العراق الرسمي. وخلاصة القول فإن العرب لا يتعاملون مع الأحداث بشكل واقعي إلا من خلال النتائج الظاهرة.
علي سيدو رشو
المانيا