فتيان إيزيديّون اُجبروا على القتال مع “داعش” بحاجة إلى مساعدة نفسيّة





مجدل هو مراهق إيزيديّ في الرابعة عشر من العمر يبدو فتى عاديّاً يرتدي قميصاً وسروال جينز وحذاء رياضيّاً، لكنّه ليس كذلك. فقد دُمّرت طفولته عندما اجتاح تنظيم الدولة الإسلاميّة (“داعش”) قريته كوتشو في آب/أغسطس 2014. وفُصل مجدل، كغيره من الإيزيديّين، عن والدته وأشقّائه، واقتيد إلى معسكر في الرقّة. وقال قائد المعسكر لمجدل: “انسَ ديانتك وعائلتك وماضيك. من الآن فصاعداً، اسمك أبو عثمان وأنت مسلم”.
أرى مجدل “المونيتور” شريطاً مصوّراً عن معكسر تدريبيّ للفتيان تابع لـ “داعش”. وفي هذا الشريط الترويجيّ الذي نُشر على “يوتيوب”، يجلس هو وأولاد آخرون مع مقاتل من “داعش” وهم يرتدون عصابات للرأس وثياباً للتمويه خاصّة بـ “داعش” وينظرون نظرة فارغة. وقال مجدل بحزن: “من الغريب جداً أن أرى نفسي بهذا الشكل”. أُنقذ مجدل قبل شهرين، وهو يقيم حاليّاً مع أقربائه في مخيّم للنازحين الداخليّين بالقرب من مدينة دهوك الكرديّة.
أرسل “داعش” مجدل وأطفالاً آخرين إلى موقع بالقرب من مدينة حلب السوريّة لكي يقاتلوا الجيش السوريّ الحرّ. في البداية، رفض مجدل وغيره من الجنود الأطفال، لكنّ الجهاديّين هدّدوهم قائلين: “إمّا أن تحاربوا وإمّا أن تموتوا من الجوع”. ووضع التنظيم مخدّرات في طعام الأطفال. وقال مجدل: “بعد تناولي الطعام، شعرتُ بأنّني بطل. ولو طلب منّي [داعش] أن أحرق نفسي، لفعلتُ ذلك من دون تردّد”.
كانت “وحدة” مجدل مؤلّفة من أطفال إيزيديّين وعرب. وأشار الفتى أنّ “داعش” كان يضع الأطفال في الصفّ الأماميّ لكي يؤمّن طريقاً للمقاتلين البالغين. ويقدّر مجدل أن يكون نحو 90% من الفتيان في مجموعته قد قُتلوا، بما في ذلك فتى إيزيديّ يدعى باسم ويبلغ من العمر 16 عاماً. وقال: “في أحد الأيّام، رأينا الجيش السوريّ الحرّ من بعيد، فركض باسم بأقصى سرعة وهو يطلق النار عشوائيّاً. لكنّه توقّف فجأة عندما رآه المقاتلون. وضع سلاحه أرضاً وجلس في حقل مفتوح وأصيب بطلقات ناريّة”.
لا يعرف مجدل ما إذا أراد باسم تسليم نفسه أو الانتحار. وقال والدموع وتملأ عينيه: “بأيّ حال، أصدقائي في الجنّة الآن”.
مجدل هو واحد من بين مئة فتى إيزيديّ وقع في قبضة “داعش” عندما هجم التنظيم الإرهابيّ على قضاء سنجار في آب/أغسطس 2014. وقد باع التنظيم النساء والفتيات للمقاتلين، فيما أرسل الفتيان إلى معسكرات تدريبيّة. وعاد نحو نصف الإيزيديّين، البالغ عددهم 6470، بحسب ما قال لـ “المونيتور” مدير مكتب حكومة إقليم كردستان لشؤون المختطفين، حسين القائدي.
وتحدّث “المونيتور” إلى فتيان إزيديّين عدّة أُرسلوا إلى ما يسمّيه “داعش” معسكرات أشبال الخلافة. وأخبر هؤلاء أنّ نهارهم كان يبدأ بتدريبات عسكريّة تليها حصص عن القرآن والفقه العسكريّ الإسلاميّ تنتهي في وقت متأخّر من الليل. وإذا لم يعرف الفتيان آيات معيّنة من القرآن، كان المقاتلون يضربونهم بأسلاك في اليوم التالي، بحسب ما قال فتيان عدّة.
وكان “داعش” يرغم الفتيان أيضاً على مشاهدة مقاطع مصوّرة عن عمليّات إعدام ويشجّعهم على تفجير أنفسهم، بحسب ما قال فتى إيزيديّ يدعى أحمد ويبلغ من العمر 16 عاماً. وأضاف أحمد: “في أحد المقاطع المصوّرة، رأينا رجلاً شيعيّاً يُقطع رأسه. وقال [داعش]: “هذا ما نفعله بالكفّار، وإذا لم يفِ السكّين بالغرض، أطلقوا النار عليهم”. تلقّى أحمد تدريباً عسكريّاً هو وشقيقه أمير البالغ من العمر 15 عاماً.
وبعد 10 أشهر، تمكّن أحمد وأمير من الهرب بالاختباء في أحد المساجد. وأمضيا تسعة أيّام في الاختباء والمشي قبل أن يجتمعا مجدّداً بأفراد عائلتهما. وعانى أحمد، منذ عودته، من كوابيس ونوبات ذعر. وهو يتلقّى المساعدة من متخصّصين في علم نفس الأطفال لكي يتخطّى صدمته.
لكنّ الفتيان الآخرين الذين تمكّنوا من الهرب من معسكرات التدريب التابعة لـ “داعش” لا يتلقّون أيّ مساعدة نفسيّة. أكرم صبيّ في العاشرة من العمر يقيم حاليّاً مع عمّه في مخيّم للنازحين الداخليّين، وقد وجد صعوبة في التأقلم منذ عودته بعد سنتين ونصف السنة. وقال مدير مخيّم كبرتو، سعود مصطو نجيم: “كان أكرم، بعد عودته، يدعو الجميع كفّاراً ويعتبر كلّ ما يراه في المخيّم حراماً”.
ومن أجل الاندماج مجدّداً، يعمل أكرم أحياناً في متجر الخضار الخاصّ بعمّه، لكنّه لا يحرز تقدّماً ملحوظاً. وقال نجيم الذي يهتمّ بأكرم وكأنّه أبوه: “أحمد عدائيّ جداً أحياناً ويرى كوابيس كثيرة. أحياناً، يبدأ برمي أغراض على الأطفال الآخرين. نحن قلقون، فأحمد بحاجة ملحّة إلى المساعدة”. وقد أخبره أكرم بأنّ “داعش” علّم الأطفال كيف يقطعون رؤوس الدببة المحشوّة.
وتقرّ حكومة إقليم كردستان بأنّ الفتيان الإيزيديّين لا يتلّقون استشارة نفسيّة كافية. وتشعر الحكومة بالقلق، لا على العائدين فحسب، بل أيضاً على الذين لا يزالون في قبضة “داعش”. وقال القائدي: “ما زال هناك مئات الصبيان. يوماً بعد يوم، يتعرّضون لغسل الدماغ ويتلقّون تدريبات على القتال. وقد يكون لذلك تداعيات مأساويّة في المستقبل. طلبتُ المساعدة من منظّمات وحكومات عدّة من دون جدوى حتّى الآن”.
في شباط/فبراير، نشر التنظيم الإرهابيّ شريطاً مصوّراً ترويجيّاً يظهر فيه شقيقان إيزيديّان شابّان يتمّ إرسالهما لتنفيذ مهمّة انتحاريّة. وفي الشريط، يتنكّر المراهقان أمجد وأسعد لهويّتهما الإيزيديّة ويتحدّثان عن “اعتناقهما الإسلام”. ثمّ تتبع الكاميرات الصبيّين بينما يقلعان على متن سيّارتين، ويلي ذلك مشاهد تفجيرات.
ويشدّد شقيقهما اسماعيل، الذي يبلغ من العمر 28 عاماً والذين كان في السابق مترجماً للقوّات الأميركيّة، على أنّ شقيقيه كانا يعيشان حياة عاديّة. فقد كان أمجد وأسعد يذهبان إلى المدرسة ويتشاجران مع الجيران ويحبّان مشاهدة مباريات كرة القدم، خصوصاً “نادي برشلونة” و”ريال مدريد”.
وقال اسماعيل وهو يعرض صوراً قديمة في خيمته في معسكر للنازحين الداخليّين: “كان أمجد ذكيّاً جداً ووسيماً. وكنّا نسمّي أسعد “الأميركيّ” بسبب لون شعره الأشقر. وكان هو أيضاً جيّداً في المدرسة”. وأشار إلى أنّ “داعش” اختطف 35 فرداً من عائلته، بما في ذلك والداه وشقيقاته وأشقّاؤه.
ويرى اسماعيل، الذي لطالما شكّ في أنّ “داعش” يستخدم الفتيان الإيزيديّين لأمور “وحشيّة ومذلّة للغاية”، أنّ التنظيم الإرهابيّ أراد بعث رسالة إلى الإيزيديّين: انسوا أولادكم. فهم لنا الآن، وسوف نستخدمهم ضدّكم.
ويأمل اسماعيل أن يكون الشريط المصوّر مركّباً وأن يكون شقيقاه لا يزالان على قيد الحياة، لكنّه لا يستبعد أن تكون السنوات التي أمضاها شقيقاه وهما يتشرّبان العقيدة الداعشيّة قد أوصلتهما إلى هذا المصير. وقال: “كان أمجد وأسعد ذكيّين جداً – لقد قاوما “داعش” على الأرجح بكلّ ما أوتيا من قوّة. لكنّ “داعش” يغسل أدمغة الفتيان طوال اليوم. أعتقد أنّ أيّ شخص يتغيّر في نهاية المطاف، حتّى أصحاب الشخصيّة القويّة”.
وقال مجدل بصوت راشد: “يمكنني صنع قنابل، ويمكنني فعل الكثير من الأمور السيّئة هنا في كردستان. لكنّني لن أفعل ذلك لأنّني أعرف أنّه خطأ. لكن ماذا عن الأطفال الذين يعتقدون أنّهم يفعلون عين الصواب؟ فهذا ما يعلّمهم إيّاه “داعش” منذ سنوات – أنّه عليهم تدمير الكفّار لكي يصعدوا إلى الجنّة”.