كامارغ *
قصة ايفان بونين**
ترجمها عن النص الروسي
جودت هوشيار
صعدت الى عربة القطار في محطة صغيرة تقع بين مارسيليا وأرل . وسارت في ممشى العربة وهي تتلوى في مشيتها , فيرتج جسدها الغجري – الأسباني كله . جلست بجوار النافذة على مقعد منفرد ، وكأنها لا ترى أحدا ، ثم أخذت تكرّز الفستق المحمص .وبين حين وآخر ترفع طرف تنورتها السوداء العليا لتدس يدها في جيب التنورة الداخلية البيضاء البالية.
العربة ملأى بالناس البسطاء ولا توجد فيها قمرات منفصلة بل صفوف متراصة من المصاطب , وكان عدد من الجالسين قبالتها يحدقون فيها من وقت لأخر بنظرات نافذة.
كانت شفتاها تنفرجان فتكشفان عن صفين متناسقين من الاسنان البيضاء النضيدة . وفوق شفتيها زغب خفيف ضارب الى الزرقة يتكثف عند زاويتى فيها , كان وجهها الاسمر الغامق , الدقيق التقاطيع ،الذي يضيئه الق اسنانها بدائياً ووحشياً ، وعيناها اللتان تميلان الى الأستطالة كانتا في لون اللوز المشوب بالصفرة الذهبية ونصف مفتوحتين ، تحت جفون بنية غامقة , تنظران بطريقة ما الى داخل ذاتها بعين فاترة ذابلة في استرخاء بدائي لذيذ .
شعرها الفاحم السواد الذي كان مفصولا بمفرق يتدلى بجدائل مجعدة على جبهتها الواطئة وبمحاذاة جيدها كانت الاقراط الفضية الطويلة تلمع ، وشالها الباهت الأزرق ، مسدلا على كتفيها المستديرتين بعقدة جميلة على صدرها . كانت يداها اليابستان الهنديتان ذات أنامل موميائية وأضافر فاتحة اللون , وظلت تقشر حبات الفستق بسرعة وحذق القرود بحيت أتت عليها كلها. نفضت القشور عن ركبتيها ، ثمّ أغمضت عينيها ،ووضعت ساقا على ساق ، واستلقت على ظهر المقعد , ومن تحت تنورتها المطوية بدا قدها الاهيف المشدود بالغ الروعة ، وردفاها بارزتين كنتؤين صلبين بخطوط منسابة , كانت تنتعل خفا مصنوعا من قماش أسود ومشدودا بشرائط ملونة ، زرقاء وحمراء ، وتبدو من خلالها ، قدمها النحيفة العارية المدبوغة بالسمرة .
غادرت العربة قرب محطة ارل , قال جاري بحزن - لسبب ما - وهو يودعها بنظراته :
- أنها كامارغية
كان جاري رجلاً من بروفانس ، ضخم الجسم ،ً وقويا كالثور ، وقد احتقنت خداه بالد م .
..............................................
* كامارغ : منطقة رائعة في دلتا الرون ، فيها العديد من البحيرات المالحة والمراعي الخلابة، وبعض من أروع الشواطيء في جنوب فرنسا .
** إيفان بونين ( 1870 – 1953 ) روائي وقصصي كلاسيكي عالمي ، وأول كاتب روسي يحصل على جائزة نوبل في الآداب سنة 1933