استفتاء اقليم كردستان العراق بين الدوغما والبراغما !


احسان جواد كاظم


عُرف عن الساسة الكرد بأنهم براغماتيون في تعاملهم السياسي, لكن الدوغما التي انتابتهم بشأن اجراء الاستفتاء, عجزت عن اقناع اقرب شركائهم وحلفائهم في المحاصصة ودول المحيط الاقليمي ودول العالم بحججهم وتبريراتهم وشرعية قرارهم, رغم ما يسوقوه من حديث عن حقوق مشروعة للشعب الكردي مع رغبتهم في انهاء العلاقة مع بغداد. فهكذا روابط شعبية ورسمية, تحكمها شروط الجغرافيا والتاريخ, اكثر تعقيداً من ان يقررقطعها طرف سياسي واحد بشكل انفرادي وهي لاتشبه العلاقات الفردية بين الاشخاص.. يمكن حسم امرها ببساطة, نتيجة زعل وخصام.
بلا شك بأن للسياسة احكامها وشروطها البراغماتية الخاصة, لا تتوافق مع الانماط الدوغماتية الشخصية للقائد السياسي, بسبب التعقيدات التي تحكم علاقاتها والتي يوجهها مبدأ الأخذ والرد.
الدوغما التي تتشبث بخناق الخطاب الديماغوغي التكراري الاجتراري, تنطلق من نظرة تبسيطية للامور, تثير الغرائز, عنوانها الجمود الفكري, والتي تعمى عن رؤية العوامل والشروط الموضوعية المحيطة وتتصور بأنها الوحيدة التي تملك الحق والجدارة دون غيرها.
وهي في جوهرها, حسب التحليل السايكولوجي للسلوك الفردي, مجرد ردود افعال نابعة من ضعف في التكوين النفسي لفرد يعاني من صراعات داخلية, يحاول صاحبها مداراة ذلك, بسلوك متهور مغرور يتسم بالتعنت والعناد والاصرار العدمي.
اما البراغما فهي تعبرعن استعداد لخوض النقاش والتفاوض المثمر مع الاطراف الاخرى والأنفتاح على ايجاد حلول مشتركة.
ان التجييش الحاصل للقوى واثارة نزعات التعصب القومي لدى الجماهير في الاقليم ضد شركائهم في الوطن واخضاع مناطق غير محسومة تابعيتها القانونية لأقليم كردستان والاصرار الذي رافق عملية التحضير لأجراء استفتاء الانفصال عن العراق, رغم تواتر المناشدات الوطنية للأحتكام للحوار والمساعي الدولية لأصلاح ذات البين والضغط الاقليمي, سيؤدي الى صراعات وتداعيات دراماتيكية, الجميع في غنى عنها, خصوصاً عندما يكون الخاسر الأول فيها, المواطن البسيط من كل الاطراف.
كما لن يفض الهاب المشاعر هذا, في النهاية, الى تغيير الخارطة الجيو سياسية في المنطقة لدواعي عاطفية, ويبقى ذلك في اطار العبث السياسي ليس الا, وذلك بسبب عدم وجود ارادة سياسية دولية توازي او بمستوى المطامع الاستعمارية التي فرضت معاهدتي سايكس بيكو وسان ريمو لتقسيم تركة الدولة العثمانية قبل قرن والتي كانت من نتائجها مشاكلنا الحالية. اضافة الى سياسة العولمة السائدة واستحقاقاتها, وتوازنات صراع الاقطاب, تكبح حدوث تغيير.
ان عناد الدوغما السياسية لأصحاب القرار اكثر ضرراً من الدوغما الشعبية المتحمسة لها, لأن فشل التهييج في بلوغ اهدافه, سيشكل صدمة ويخلف يأساً وجزعاً لا نتمناه لأهلنا ومواطنينا الكرد واللذين قد يؤديا الى نتائج لايحمد عقباها, أقلها الكفر بكل قياداتهم السياسية.
بين دوغما الذات الاستعلائية للقادة النرجسيين المدمرة وبراغما التعقل لحظة شعور بالمسؤولية... غيابها, نهر متدفق من دماء الفقراء, يتحمل تبعات اراقتها اصحاب القرار الذين يمكن ان يتوافقوا بعد حين بعد ان تقع الفاس برأس المواطن البسيط.
تؤشر الازمة البنيوية التي سببتها المحاصصة الطائفية - العرقية, والتي فقعت دملتها عملية الاستفتاء, الى ضرورة صياغة علاقة فيدرالية قويمة مع الاقليم تضمن لمواطنيه حقوقهم وتمنع تغول وتضخم اللاشرعية في البلاد.