قصة ( الفندق ) محمود الريماوي . هل يمكن اصلاح الزمن العاطل ؟


لاشك لان البراعة الاسلوبية , تضفي بقوة على ثنايا المتن القص , وتدل على المهارة الاحترافية في فن القصة الحديثة , وحبكتها الفنية , التي امتلكت براعة التشويق والتأمل , في الحثيثات الرمزية في دلالاتها البليغة , وكذلك رؤيتها الفكرية والمضمونية , في صراع الواقع والوجود, في تحولاته المتناقضة , التي تخلق التية والازمة الذاتية , ثم تتحول الى محنة حياتية وجودية في مأزقها الجاثم , في محطات الغربة والاغتراب الذاتي والواقعي , في موضوعية الوجود , الذي يخلق من شرارتها الغرائبية في الذات وفي الزمن المعطل , براعة في استثمار توظيف الفضاء النص , لدلالات رمزية من عمق الواقع المتحول , الذي اصبح في مهب الريح في التناقض الوجودي , بأن يكون الواقع يدور في حلقة مفرغة من التيه والاوهام , مما تشكل بوادر الاحباط والانكسار والانهزام , الذي يشكو من تعطل الزمن وساعاته في انقلاب الى الظلام الجاثم , الذي ابتلع ساعات النهار والصباح , وصار الواقع الجديد يعيش في الظلام والغرائبية . لاشك ان القصة تتقمص بشكل دلالات رمزية , التراجيدية الفلسطينية , بكل محطاتها العاصفة , التي دلفت الى اللاوقعية واللامنطقية , بأن اخذتها رياح التيه والضياع , واللعب على التناقضات الوجودية .
× حكاية القصة :
بأن بطل القصة قضى سهرة عامرة حتى منتصف الليل مع اصدقاءه . ورجع الى ( الفندق ) وكله امل وارتياح حياتي , في ضمان حياته في الحاضر والمستقبل , بشكل مبرمج , لا اخلال ولا هفوة فيه , لذلك انطرح على فراشه للنوم , وهو قرير العين في حلم الحياة الكريمة التي يعيشها , وليس فيها ثغرة نقص . وحين استيقظ في الصباح , شعر بغرابة من ان الظلام مازال جاثماً , لذلك اعاد ساعات نومه بذريعة تبدل الوقت والساعة , ولكن حين استيقظ ثانية , كبرت حيرته ودهشته واستغرابه , بأن شياطين الليل مازالت باقية , لم ترحل . وحين نزل الى صالة الفندق , وجد نفسه , في مكان مهجور موحش , كأنه منزل الموتى مهجور , فلا احد موجود فيه , رغم انه بالامس كان الفندق يعج بالرواد والعاملين والحركة والنشاط الصاخب . ربما الزمن جعل الناس نياماً , وتلفت بغرابة حوله , لم يجد سوى كلب رمادي ضخم , يتطلع اليه بتوجس وريبة وحذر , ويراقبه بصرامة بالغة , اعتقد في قرارة نفسه , ربما يكون كلب حراسة , او كلب بوليسي , لذلك اخذ الكلب يتشممه ويتفحصه من الاعلى الى الاسفل , كأنه متهم او متلبس بجريمة , ثم تركه لشأنه , وهو يلوك الحيرة والاستغراب لهذه الحالة الغرائبية , اقترب الوقت الى منتصف النهار , والظلام مازال جاثماً بقوة على المكان , داهمته الاوهام والهواجس والكوابيس بشتى انواعها , ربما المكان داهمة غبار ظلامي منوم , كرد فعل انتقامي من أسرائيل , على اثر انفجار في احد مكتب العال , , وراحت الكوابيس تهرس ذهنه .مرة يجد نفسه بطل احد الافلام , يحمل مصباحاً صغيراً , باحثاً مع بطلة الفيلم , عن طفل ضائع , ويحده الامل ان يجده سالماً لكي يعيده الى امه , ومرة يشعر بأنه مقيد اليدين ومكبل القدمين , ومرة يشعر بأن مشنوق بحبل المشنقة . لذلك يحاول عبثاً , التخلص من المأزق والحيرة والازمة التي وقع فيها , ولم يجد له معين ينتشله من واقع الازمة العاصفة به .
× الدلالة الرمزية لكلب الكوزمو بوليتي :
لاشك ان للكلب دلالة رمزية تعبيرية بليغة , من واقع الحال الموجود , تتعدى فصيلته , فصيلة الكلب , ان له معنى اكثر شمولية , يمثل رمزية القوى المتحكمة والمتسلطة على رقاب الناس , في مراقبتها الصارمة , لكل شاردة وواردة , حتى تكون الامور تحت سيطرتها ونفوذها بشكل محكم صارم , وبمقدورها الاشراف على آلية الوجود , من خلال فرض قوتها وجبروتها , فهذا الاستاذ الكلب , هو الوصي والمتنفذ , وتحت عباءته الوصاية المكانية الكاملة , لذلك لا يمكن ان يكون كلب بلدي , انه اعلى مقاماً ومنزلة , في شمولية النفوذ ( لا اعرف له اسماً , ربما كان له لقب او رتبة اجهلها ) و ( لا اعرف من اي فصيل ينتمي ويحارب ) وربما لا يتذكر مقامه ونفوذه وسلطته , لكنه متحكم في المكان بنفوذ طاغي , في هذا الزمن المعطل , في حياة الظلام .
× قصة ( الفندق ) محمود الريماوي
أمضيتُ تلك الليلة في سهرة طيبة كدت أنسى فيها نفسي· كنت بصحبة صديق عتيق احتفل بالمدينة المتلألئة وبنفسي، وكنا في الأثناء نطمئن معاً: صديقي وأنا، إلى أننا ما نزال نعرف بعضنا معرفة وثيقة حميمة· كنا انتوينا أن نطوف ببعض الأمكنة، على منزل صديق مشترك ثم مقهى فمطعم، إلا أننا ابتدأنا البرنامج من نهايته فأمضينا سحابة الوقت في المطعم، حيث طفنا وعرجنا في أحاديث شتى مسترسلة· زهاء منتصف الليل افترقنا· عاد صديقي إلى بيته وعدت إلى غرفتي في الفندق، ولم تمض دقائق على دخولي الفراش حتى استغرقتُ في النوم بعد أن فكرت سريعاً ببرنامج الأيام القليلة المتبقية (هناك برنامج زيارات ومقابلات وولائم وضعوه هم) : ليس برنامجاً بمعنى الكلمة ذلك الذي فكرت به، بل بعض رغبات، فقد فكرت بالأشخاص الذين أتطلع لرؤيتهم وبعضهم لم أره من قبل أبداً· كما فكرت بالأماكن التي أرغب بزيارتها· فكرت أيضاً في تلك الدقائق التي تسبق الإغفاء وبشيء من الأسى بأني سوف أغادر كالعادة، عندما تتوطد ألفة المدينة في قلبي· هكذا جئتُ بعد غياب وسهرت سهرتي الأولى وعدت إلى الفندق واستغرقت سريعاً في النوم، ربما من فرط الانفعال والشراب لاستيقظ بعدئذ صافي الذهن مستشعراً أني نلت قسطاً مريحاً من النوم ·· اغتبطت لذلك غبطتي اليومية : ها أني أبدأ من أول السطر· ها هي هبة الحياة الكريمة تُعطي لي مرة أخرى بلا ثمـن ودون شــروط ، فلأكن لها كما هي لي· ينام المرء وهو يتجلبب بالثقة والاطمئنان إلى استيقاظه غداً ـ، مع أن احتمال الموت وارد ــ إلا أن المفاجأة تثيره ساعة يستيقظ وتهز أعطاف روحه، إذ يدرك ادراكاً جسدياً باهراً أنه حي تماماً، قابل للحياة ومُقبل عليها لكأنه ولد للتو، ولكن مع كامل الخبرة المتراكمة ونضارة الإحساس الذي يلبث هنيهات ثم ينطفئ ليتجدد في اليوم التالي· ثم إني اغتبطت لسبب آخر فما دمت احتجت إلى قسط قليل من الراحة إذن فأنا اتمتع بقدر طيب من النشاط والحيوية· على أني، وفي غمرة هذه المشاعر البكر البهيجة، فوجئت بأن الوقت ما زال ليلاً ·· فتكدّرت· لم أكن ملهوفاً إلى ذلك الحد على إطلالة النهار، ولكن الصحو في الليل يثير في النفس شيئاً من التطيّر، ليس في الأمر أية خرافة· هناك انكسار أو عطب ما· الآلة لا تعمل جيداً· أو أن شياطين الليل لم تغادر نهائياً· قلت بعد أن تواردت الأفكار فيما أنا مستلقٍ على الفراش أبحلق في عُري الغرفة : ليست هذه المرة الأولى· هكذا تفعل المدن الجديدة بزائريها، ولئن كانت تتحدث لغة زائريها، فقد زرت المدينة في شرخ الشباب قبل زهاء 17 عاماً حين كانت تسعى للتخلص من قرويتها· لقد أصبحتُ قديماً بعض الشيء واستجدّت هذه المدينة تماماً، وتلك هي المدن الجديدة لا تدعك نداءاتها تستغرق بكليتك في النوم· تنام ويظل مستيقظاً فيك فضول الجسد والروح الى التجربة· ثم أدركت بقليل من الانتباه أنها الصحوة الخادعة التي يخرج فيها النائم من نومه من باب خلفي منخفض، ومع ذلك يساوره شعور بدني بأنه نال كفايته من النوم، فيما هو في واقع الحال لم ينم ربما سوى ساعتين أو ثلاث ساعات· هكذا كانت تتقلب بي الأفكار على الفراش الناصع برائحته القماشية النافرة· لم تكن بي رغبة أو حاجة لمزيد من النوم ·· إذن فإن الأمر يقتضي معالجة ما، وقفة ما (مع الذات!) من أجل التهيؤ للعودة إلى النوم مع سائر عباد الله النائمين في ملكوته· نظرتُ إلى ساعتي لأقطع الشك باليقين فإذا هي التاسعة والربع، ولا بد أنها التاسعة والربع صباحاً لا ليلاً، ما دمت نمت بعد منتصف الليل· أليس كذلك يا صديقي؟ كانت سهرة طيبة· سهرة غامرة ذات رواء· كنا نقشر الهموم، نتبادلها كالفواكه الحامضة، وكنا نضع على الموت سكراً· ولم لا ·· ماذا بقي لنا؟ ربما بقي أن نموت وعلى شفاهنا ابتسامة ازدراء كبيرة· تأكدت أن ساعتي اليابانية غير متوقفة· إنها ساعة كوارتز فكيف لها أن تخطئ أو تتعثر أو تتوقف· حاشا لله· إن شعوباً عريقة يمكن أن تخطئ أو تتعثر أو تتوقف عن بكرة أبيها، وتتعرض للملامة والتقريع، أما ساعة الكوارتز فلا· لعل الفجر يتأخر هنا في البزوغ· لا أستطيع أن أجعله يبزغ وفق مشيئتي أو في الوقت الذي استيقظ فيه· لا أستطيع أن أحل رغباتي الذاتية محل حقائق الواقع العنيدة· لقد تعلمت هذا الدرس الذهبي جيداً، ومن يومها وحقائق الواقع العنيدة تحل محل رغباتي، حتى لم تتبق لي رغبات أرغبها· ما علينا· ان الفجر لم يبزغ بعد ·· لماذا يبزغ الآن؟ لو كان هناك فجرٌ حقاً هل كان ديك الحارات والمزابل يتأخر عن الصياح المباح؟ مضى وقت طويل تعاقب فيه فجر تلو فجر دون أن يتناهى إلى مسامعي ذلك الصوت المشرق العذب الممراح· أي والله لم أعد أسمع ذلك النداء ·· فهل يكون تشاؤمي دون سبب؟ التاسعة والربع· والثلث، ما معنى ذلك؟ فارق التوقيت بين البلدين الشقيقين المتباعدين مجرد ساعة واحدة· ليكن· ما الفرق ؟..
نهضت وألقيت نظرة عجلى من النافذة· عتمة تشمل كل شيء : المباني والسيارات وأشباح الأشجار القليلة، فيما تنتصب أعمدة النور بأضوائها الذابلة في هدأة الليل التي أحبها لكني لا أفهمها الآن، سعيتُ إلى الفراش سعي المصدوم إلى ملجأ لكي استخدم خبرتي الخاصة، ولكل واحد لا ريب خبرته الخاصة في الانزلاق إلى النوم· نوماً ثقيلاً نمت، أشبه بالسَّري الليلي في أرض طينية أشبه باختناق بطيء خرجت منه منهكاً مشوشاً، فإذا الساعة تجاوزت العاشرة وعتمة الليل على حالها بدرجة التعتيم السابق نفسها، فما معنى ذلك؟ لم أعرف معناه، فأصابني اضطراب سارعت إلى كبحه قبل أن يستفحل؛ اضطراب مشوب بالخجل فكيف أكون وحدي متورطاً بالليل بهذه الطريقة· أضأت النور ودخلت الحمام· جلست هناك وفكرت ملياً بالأمر : لقد وقعت في مصيدة، وفي كيدٍ ليلي· لم يشفع لي الشوق الذي حملته، ولا الاندفاع العاطفي الذي باشرته منذ الساعات الأولى· كان يجب أن أدرك من قبل أن ذلك لا يكفي وحده· نهضت واغتسلت بماء دافئ وفير وأنا أتملى جسدي العاري· كم كنت عارياً في تلك اللحظات· أغمضت عيني ثم نسيت نفسي بعض الوقت فيما كانت هواجسي وأفكاري تتوامض وتتطاير تحت رشيش الماء· خرجت منتعشاً وقد استكانت خواطري وهدأت في الدوار الخفيف لما بعد الحمام· اضطجعت على السرير الجاف وانصرفت للقراءة في كتاب حملته معي عن أنظمة الحكم، أخذت أقلّب الكتاب مبتدئاً من نهايته لعلي أقع على تصنيف أو توصيف يجيب على أسئلتي الغريبة، لقد مضت أربع أو خمس ساعات من عمر الزمن ولم يبزغ الفجر هل لي أن أتساءل : لماذا ولمصلحة من؟ لا أدري من على وجه التعيين مسؤولٌ عن هذا التعطيل ولا أعرف ماذا يجب علي أن أفعل، خاصة أن أحداً لم ينبهني للأمر بما في ذلك الصديق العتيق، المناضل الذي خبر تطور مرافق السجون وإنجازاتها النبيلة· لا، لم ينبهني للأمر قبل وقت كاف لأتخذ احتياطاتي اللازمة· لا أستطيع بصراحة أن أقف أمام كل هذا الليل وسيولته الرتيبة الجبارة·، لا أستطيع أن أرى وأتنفس في هذا الغبار الليلي السري الخبيث· لقد نمتُ مرتين في ليلة واحدة فماذا عساني أفعل أكثر من هذا؟ نهضت· جمعت أجزائي المبعثرة وارتديت ملابسي ببطء ــ ففيم العجلة ــ وقررت أن أتوجه إلى ردهة الفندق للتداول مع موظف الاستقبال في الأمر، حتى لو ظن بي أسوأ الظنون· ليظن بي ما يشاء من الظنون· هل يظنني أسكت عن هذه الخدمة الرديئة ؟ لي الحق في السؤال ومن واجبهم أن يجيبوا· هؤلاء الموظفون يجيبون أحياناً على أسئلة لم تطرحها، ومن واجبهم الآن أن يجيبوا على أسئلتي الجدية· صفقت الباب ورائي ونزلت· الحذاء يابس في قدمي ووقع أقدامي زاعق، ومع ذلك واصلت نزولي علي الدرج لأجد المكان عندما وصلت شاسعاً فارغاً بعد أن كان يضج بالحركة والأصوات والوجوه عندما دخلته ظهيرة أمس· انمحت صورة الوجوه وبقيت بعض نظراتها الزائغة الطائشة· وصلتُ وأنا أتلفت حولي أبحث عن أحد لأراه، ولأتأكد أن أحداً لا يراقبني بخفاء من ركن ما، ولكني لم أجد أياً من الموظفين في مكتب الاستقبال، فما معنى ذلك في فندق محترم؟ لا أحد· وفي أوّج دهشتي وجدتُ كلباً رمادياً ضخماً هبّ نحوي وأخذ يدور حولي ويتمعن في قامتي وملامحي بعينين نصف مفتوحتين، ثم انسحب بعد أن أكمل المهمة وجلس في الممر تحت لوحة المفاتيح وراء كراسي الموظفين· لم يفاجَأ بي كما فوجئت به· قام فقط بحركة تفقدية روتينية وانسحب إلى موقعه· لعله يعرف أني من نزلاء الفندق· لعله لاحظني من قبل دون أن أراه، أخذ يتملاني بنظرات غائمة، ولما لم يكن لدي سابق خبرة أو معرفة بلغة الكلاب فقد أشحت ببصري عنه غير آسف، متوقعاً حسب الأصول أن يخرج موظف المناوبة من حجرة جانبية ويصحح الموقف· لم يخرج أحد، بقيت في مواجهة الكلب أنقّل النظر بينه وبين أنحاء الردهة· إنه كلب حراسة وربما كلب بوليسي فما شأني أنا به· ليتشمم أينما وكيفما شاء· ليبحث عن ضالته في رائحة غير رائحتي· لكأنه مغلق ومهجور هذا المكان· الأماكن تنام كما تنام الكائنات فتغادرها الحياة، وتنكفئ إلى كتلتها الحسية المحايدة المغلقة· لكأنه منزل الموتى· ومع ذلك منعت نفسي من الاستسلام للتصورات السوداء باعتبار أن الوقت ما زال مبكراً على ذلك·· هذا إذا كان لابد من التصورات السوداء ويبدو أنه لا بد مما ليس منه بد· قلت لأهّون على نفسي وأنا أتمشى في صالون الاستقبال كزبون ينتظر سيارة أجرة تأهبا للمغادرة : إن الأمر لا يتعدى أن الناس بما في ذلك موظفو الفندق والعاملون الآسيويون نيام، وليس ذنبهم أني المستيقظ الوحيد بينهم· ليس ذنبهم، ربما ذنبي أنا، ما أكثر ذنوبي· ذهبوا قبلي جميعاً وناموا· ناموا ونامت عيون الرحمة والرضا والعناية، وكل عين بصيرة ترى في الزحام وفي الظلام، نظرت مرة أخرى إلى الكلب فماذا تراني فاعل·· ما زال كلباً· لم يتحول بعد إلى موظف يبتسم· كان جامداً ورأسه يهتز ببطء وكأنه في حالة دروشة صامتة· لم أره يغمض عينيه· إنه يسهر على حراسة النزلاء وأنا أحدهم، وربما ينتظر مني الشكر على حسن أدائه لواجبه· لك الشكر والعرفان يا حامي الحمى· أدرت ظهري بعد أن طال انتظاري وكأنما تبلغت رسالة ما مع أني لم أتبلغ شيئاً· غادرت الردهة وتوجهت إلى غرفتي ــ غرفة فندقهم ــ وأنا أتحسس قطعة المفتاح المعدنية الثقيلة وسط هدوء وسكون شاملين وضاغطين· إن قطعة المفتاح الصلدة الثقيلة تصلح سلاحاً عند اللزوم شرط أن تكون منازلة العدو أو الخصم ممكنة بسلاح مثل هذا، ولكن ماذا لو كان غريمي هو الليل المدلهم المقيم؟· فتحتُ باب الغرفة وأنا أخشى أن لا يطاوعني المفتاح ثم أغلقته بإحكام وسارعت إلى إشعال اللمبة، فأن تضيء لمبة واحدة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة· استلقيت على السرير بملابسي فلماذا أخلعهما وأبدلها· رويداً رويداً وكالمأخوذ استسلمت للتصورات والشكوك والتقديرات وتقليب الاحتمالات، مدركاً في دخيلتي أنها طريقة معقولة لتهدئة الاحتقان وتصريف الوقت، وربما هي الطريقة الوحيدة المتاحة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، أو يخرج الناس صوب المشرق يستنهضون الشمس من خلف حجاب:
تصورتُ نفسي بطلاً لفيلم كابوسي أقوم فيه بدوري باندماج كلي حتى أكاد أنسى شخصيتي الأصلية، حيث أعبر نفقاً حلزونياً حاملاً مصباحاً صغيراً باحثاً عن طفل ضائع، مستجيباً لاستغاثات أمّ وتوجيهات مخرج محترف ينتظرني بفارغ الصبر مع البطلة أم الطفل عند الطرف الآخر من النفق، ولك أن تتخيل مقدار ما ينزّ مني من عرق وما يصدر عني من لهاث يحدوني الأمل ــ الأمل يبصر طريقه في العتمة دون مصباح ــ بأن أجد الطفل على قيد الحياة متأكداً في الوقت ذاته لو أني وجدت الطفل فسيتهلل الجميع لرؤيته سالماً وتنتزعه أمه مني، ولن يعيرني أحد حينئذ التفاتاً بما في ذلك المخرج المحترف الملحاح·
ورأيت بعدئذ أني بِتّ واحداً من طائفة السائرين نياماً وأن عليّ الانتباه والحذر من حركاتي وسكناتي، حتى لا أرتطم بجدار أو يختل توازني وأسقط من ارتفاع شاهق، وتذكرت لحظتها اني طالما تطلعت من قبل لأن أعيش هذه التجربة المثيرة لمرة واحدة، برغم أنها محفوفة بمخاطر محدقة· لا أحد في الأثناء في الباب· الباب واقف في الباب المغلق· النافذة مفتوحة على السديم والعتمة ولم يعبرها حجر أو طير أو برق أو فراشة· كل شيء على حاله لم تمسسه يد ولم تقع عليه مشيئة· أنا فقط أضطرب وأضطرم وأكظم غيظاً·
ثم حسبت فيما أنا في حالي هذا بأني النزيل الوحيد في الفندق، بعد أن هجره النزلاء والعاملون وتركوني استعداداً لهدم الفندق وإزالته بمن فيه، برغم الاعتراضات الشديدة من هنا وهناك·
وفكرت بعدئذ أنه على إثر إنفجار وقع في أحد مكاتب العال، فقد نشر العدو غباراً ذرياً غطى سماء المدينة وحجب شمسها وحوّل نهارها الى ليل بهيم، ولم ألبث أن استبعدت المسألة لأن العدو لو صح أنه فعل ذلك فإنه سينقرض بدوره، وهو ليس في هذا الوارد لشدة انهماكه في البحث عن عظام جنوده· حتى فكرت في لحظة صفاء أن المسألة هي لا هذه ولا تلك ولا هاتيك· وإنها لا تعدو كونها خداع توقيت تقوم به ساعتي الكوارتز ·· فهل تكون هذه الآلة الصغيرة الملساء المتحشرجة أصدق من أمّنا الطبيعة التي تتسربل بالسواد؟· ولم يكف ذلك لبعث الطمأنينة في نفسي، بل إني سمعت دقات قلبي كضرب بطيء صغير· تلفت حولي في خشية وقلق· رأيت الراديو وسارعت إلى فتحه فسمعت صوت الصافرات الطويلة للإذاعات المتوقفة عن البث· أغلقت مفتاح الصوت متيقناً هذه المرة أن الوقت ما زال ليلاً، وأني أشكو أرقاً بعد نوم سطحي متقطع ·· أما ساعتي المنتظمة فإنها تشير إلى الحادية عشرة·· ظهراً· ظهراً؟·· هيا نرى نجوم الظهر إذن في سماء صافية ·· لقد أمعن الساخطون المتخاصمون بتبادل التهديد والوعيد بأن يرى الواحد منهم غريمه لا محالة نجوم الظهر رؤية العين المجردة،· لكن أحداً منهم لم يفلح في تنفيذ تهديداته، ولكن العدو جعلهم جميعاً يعيشون ليالي بلا نجوم ونهارات لا ينعمون بدفء وضياء شموسها· الحادية عشرة ظهراً ·· أي ظهيرة في هذا الليل المطبق على هذه المدينة المكتظة، في هذا الفندق الذي يحتل فيه كلب ضخم مكتب الاستقبال، وإذ يراني يتفرسني بنظرات شاردة غير ودودة، والأسوأ أنها تنبئ بعدم اهتمام ·· ربما ذلك أفضل فلو اهتم بي حقاً وكما يجب لافترسني بدم بارد، ولن يلومه أحد حينئذ فهو لم يقم سوى بواجبه· بحثت عن شيء أتناوله فلم أجد غير سجائري، ولو تركت التدخين كما كنت عازماً على ذلك لما وجدت شيئاً أتناوله· دخنت لفافتين كانتا كافيتين لإصابتي بالغثيان مما مكّنني من الإغفاء· لم تكن غيبوبة، ولا حتى اختناقاً بطيئاً· كانت نزهة رصاصية في بحيرة من الظلمات : مرة معصوب العينين ومرة موثوق اليدين، ومرة مكبل القدمين، ومرة مشنوقاً بربطة عنق، ومرة تلميذاً فقد حقيبته المدرسية، ومرة أتشبث بفراش تتقاذفه الأمواج، ومرة أسقط على طاولة ملأى بالطعام· كنت أنام وأصحو فتختلط الهواجس بالأحلام بأشباه الكوابيس· لم أستطع النهوض بعدئذ فقد كبّل الشلل قواي حتى غالبت ضعفي ونهضت مترنحاً وقد جف حلقي وزاغت نظراتي، كانت الغرفة مضاءة بدرجة الإضاءة السابقة نفسها، لكأن أحداً كان يشغلها أثناء نومي وغادر قبل أن استيقظ، وفي الخارج ليل ينفث غاز الظلام· فتحتُ الباب، لا أحد في الباب ولا في الممر· ونزلت متثاقلاً إلى الردهة وأين لي أن أذهب· هز الكلب رأسه لما رآني فهززت رأسي متجاوباً مع تهذيبه الرفيع وأدبه الجم· فكرت أن أقدم له سيجارة على سبيل رد التحية بأحسن منها· لقد بِتّ بعضاً من نظامه وبرنامجه فهنيئاً لي، ألقيت بجسدي المهدود على كنبة عريضة قبالته وسرعان ما أدركت أني أخطأت الأختيار فعدلت وانتقلت للجلوس في الاتجاه المعاكس تاركاً الكلب (لا أعرف له اسماً وربما كان له لقب ورتبة أجهلها) وراء ظهري، برغم أن الأمر لا يخلو من مجازفة، فما يدريني ماذا سيفعل بي من موقعه، وشرعت انتظر من جديد أن يظهر أحد ·· أن يدخل أحد إلى الفندق أو يخرج منه أو ينتقل داخله وسط هذه الإنارة الشاحبة والهدوء الكابي· كنت أنتظر في حقيقة الأمر طعنة نجلاء تتبعها صرخة ربما تصدر عني أنا، وتحطم القيود غير المرئية التي تكبلني، وتمزق هذا الصمت الأجوف الثقيل صمت معابد وثنية مهجورة يستخدمها لصوص وأشرار أوكاراً لهم· صرخة أو صوت اهتزاز أو ارتطام أو سقوط أو صوت انفجار قريب يطوح هذا السكون الآثم حتى لو طوّحني معه، فذلك أكرم من هذا الارتهان· إن هذا الصمت الحانق الفاسد أكثر هولاً من زمجرة الجلادين وقرقعة الرعد، وقصف الطائرات المعادية· وقد انشق الصمت عن صوت خافت رشيق ورائي أحببت من فرط سذاجتي أن أطمئن إليه، وأستبشر به أيا كان صاحبه ومصدره، فما أضيق الليل لولا ·· فإذا الصوت بالطبع لأقدام الكلب الشاب الذي ربما ازداد ضخامة عن أول مرة رأيته فيها من فرط اعتداده بنفسه· يا لحظّ هذا الكلب السعيد· هذا الكلب رابعهم فأين ثلاثتهم؟ لماذا اختفوا عن الأنظار وبقي كلبهم؟ أم يُغني الحاضر عن الغائب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله· الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، فلماذا ادخلوا هذا الكلب الحيوان إلى عقر المكان ·· ألا يقتضي العرف والتقليد أن يبقوه في الخارج، في صحن الفندق؟ أجل إنه ضخم بكل المقاييس، لم أر كلباً بضخامته ربما لقلة مشاهدتي للكلاب ودرايتي بها· كأنه تم "صنعه" خصيصاً لهم وحسب مواصفاتهم· جعل يتهادى إلى جواري في مشية صاحب البيت الذي يألف المكان ويمتلكه لدرجة السأم منه· ثم قفز قفزة يسيره خاطفة مكنته من اعتلاء المقعد المقابل فاقتعد عليه بطمأنيته· أهلاً وسهلاً، طابت أوقاتك أيها المبجل الجزيل الاحترام· صحتك جيدة وعلى ما يرام· عيني عليك باردة· انك لا تشكو من شيء سوى حُمرة الخدين· أخذ يحدجني بنظراته الضيقة الثابتة الخليعة، وأنا أنكمش داخل ثيابي الرقيقة، أسأل عوناً من مخزون طاقتي الروحية الذي ادخرته لمثل هذه المناسبات· ماذا نفعل بحق السماء :
رجل وكلب جمعتهما الظروف معاً فجأة على انفراد وجهاً لوجه ·· ماذا أفعل أنا الغريب الطارئ أمام هذا الكلب الموظف المقيم؟ وبالمناسبة لماذا لا يخرج مسرعاً ويعُضّ الليل من إليته، أو يمزق له عباءته الفضفاضة وسرواله الطويل إن كان بطلاً حقاً؟ ماذا أفعل، هل أقول له إن وجهه ليس غريباً عني وإن كنت لا أتذكر متى وأين رأيته؟ هل أحقق سبقاً اعلامياً وارتجل حديثاً شيقاً معه حول ما أصاب العلاقات البشرية الكلبية من نمو مطرد في سائر الميادين خلال الحقبة الأخيرة ؟ هل أسأله عن برجه وطفولته ومغامراته العاطفية وكيف يتدبر أموره في مواجهة الغلاء العالمي؟ قد احتاج في هذا الموقف إلى شرطي ــ احتاج بالتأكيد رغم أن الشرطي قد يلقي القبض علي ويفسح الطريق لمرور الكلب· وقد أحتاج إلى طفل ·· طفل شقي نابه يعرف طريق بيته ويضيع في النفق لتنتظره أمه في الخارج، وهي تذرف دموعاً ميلودرامية بدل أن تدخل هي وتبحث عنه بنفسها إن كانت صادقة حقاً في عواطفها، وإن كانت حريصة فعلاً على سلامة ابنها· وقد احتاج في هذا الموقف إلى عجوز زاهد في الموت لتنير حكمته ظلمة طريقي، أو إلى امرأة فارعة شيطانية ــ هذه احتاجها أيضاً على الأقل لأعرف عن قرب وعن كثب الفرق بينها وبين النساء غير الشيطانيات· وربما احتاج إلى شاب أخرس أنيق أتبادل معه حسن النوايا وسوء الفهم حتى يبعث الله لي بديلاً عنه· قد أحتاج لهؤلاء وأضرابهم لكني لا أحتاج بالتأكيد لكلب سمين مدرب كهذا تبدو عليه سيماء النعمى والطموح، فيما تنهبني مشاعر الخوف والانكماش·
في هذه الأثناء تقترب الساعة من الثالثة، طبعاً· لم لا ؟ هل تتوقف عن الدوران كُرمى لي؟ إنها تدور بانتظام بعيداً عني وعما أنا فيه من أوهام وحقائق، وبمعزل عن حسابات الربح والخسارة· تدور وكما تدور الخزعبلات والأحابيل في رأس هذا الكلب الكوزومبوليتي، وكما يتردد النباح والأنين في جوفة المطلم· تدور بانتظام ومع دورانها حرمت حتى الآن من وجبتي الفطور والغذاء ــ لماذا اتناساهما ·· قد لا أستطيع تناول الطعام الآن ولكن أين مستحقاتي منه أولاً لأقبلها أو أرفضها؟ والعالِم بكل شيء في الخفاء والعلن يعلم ان كنت سأتناول طعام العشاء أم أن الليل الزنيم ومعه الجوع الكافر سيظل رابضاً على معدتي· الثالثة، اللعنة على الساعة حتى قيام الساعة ·· من يعترض ليتقدم مني· اللعنة على هذه الآلة الحمقاء التي لا تورث إلا النكد والبلبلة· أما كان الوضع أسلم وأقل ارباكاً لو لم أكن أحمل هذه الملساء اللعينة ·· لو أني أكتفي بالرجوع إلى ساعتي الداخلية· ولكن هل للمرء حقاً ساعته الداخلية كما له وساوسه وتوقعاته وملابسه الداخلية؟ وإذا تعطلت هذه الساعة يوماً من يصلحها هذا إن أدرك صاحبها أنها تعطلت، ولم يأخذه الغرور بأن ساعته هي الأكثر بين الساعات دقة في الوقت؟ كيف يدرك أنها تؤخر أو تقدّم ·· له شيئاً؟ هذا كله والكلب أمامي في كامل كلبيته· لأي فصيلة تنتمي أيها الكلب الترابي؟ لا أظنه بولدوغ سليل عائلة أرستقراطية، وإلا أين خداه المكتنزان؟ ولا أخاله سلوقيا يتقدم الصياد في الأدغال والأحراش والبراري، وإلا أين لسانه الطويل الذي يتدلى ويتأرجح خارج فمه كالنعل؟ وأين لهاثه الأكثر لفحاً وصخباً من لهاث الأرض في دورانها المحموم حول مستقرٍّ لها؟ لأي فصيلة ينتمي هذا الكلب الأستاذ· لا أحسبه كلباً بلدياً ·· وإلا أين تواضعه وانزواؤه واحتكاكه بالجدران؟ ولا أراه من فصيلة الكلب الوولف وإلا أين هدوءه وجماله ورطانته المتميزة؟ لأي فصيلة ينتمي وعلى أي جبهة يحارب· يجب أن نعرف أصول العائلة وسجل الخدمة حتى تكتمل أسباب المعرفة والصداقة، فليس من صداقة تقوم على جهل الأصحاب بعضهم ببعض· قمتُ بعد أن عجزت عن العثور على أجوبة وتوجهت إلى باب الفندق فخفّ ورائي ·· انسلّ ورائي دون جلبة وبرد فعل وظيفي موقوت محتفظاً بمسافة بضعة أمتار كما يفعل المتعقبون في الأفلام· كان الباب مغلقاً بإحكام كما توقعت، وكما أبواب الفنادق القديمة في مثل هذا الوقت المتأخر· لم أهز الباب مثل الهاربين الملتاعين والعشاق الملهوفين· بدت لي المدينة وراء الباب فندقاً كبيراً شاسعاً واسعاً متعدد الوحدات، وتوقعت للحظات أن يهرع أحدهم في الخارج من وراء الباب ويقف قبالتي· يُفاجَأ في أول الأمر ثم يهتف طالباً الخروج· فأجيبه هازئاً رغم أن صوته لا يصلني : لا، آسف· لا يمكنك الخروج· يمكنك الدخول فقط· كيف تخرج وأنت في الخارج· هل جننت· أنا الذي يجب أن أخرج· ابتعد عن الباب·
يبتعد ويهرب من هول ما رأى، وانكفئ عائداً فإذا حضرة الكلب ما زال واقفاً يرقبني ويراقبني· يا للدأب والإخلاص· أحدٌ غيره كان يمكن أن ينصرف إلى سبيله ويتركني· ألقيت على أول مقعد بحطامي، فيما أخذ يتمشى بكبرياء وضجر إذ لم يعد في الأمر ما يثيره كما يبدو، مثلما يفعل المدراء العامون ساعة لا يجدون عملاً يعملونه، أو حين يكتشفون أن الصفقة لا تستحق اهتماماً استثنائياً· صعدتُ إلى غرفتي بقلبين من أمل وضياع، بخُفّين من وجل وحنين، وهو يتبعني على مبعدة، ولما وصلت باب غرفي توقف محتفظاً بالمسافة نفسها التي بلغها دون أن يتقدم خطوة أخرى· تفضل ·· لا لم أقل له ذلك· ما يدريني فقد يدخل ويأخذ مكاني على السرير الذي لم يبق لي ملجأ سواه· إذا كان كل الفندق له، فلماذا لا يكون سريري له أيضاً؟ ها هو يحدجني بنظراته الساهمة المائلة فأتشكك أنه قد نشأت بيننا علاقة ما· أشيّعه بنظراتي قبل أن أدخل وهو واقف لا يريم : طابت أوقاتك يا وافر البركات· عد إلى مكانك المحفوظ وانتظرني في حلقة تالية من مسلسل الليل الذي لا ينتهي· لا أعرف إن كان عاد أم بقي واقفاً في مكانه لا يعرف فيم وقوفه· اغلقت الباب ودخلت· كان يجب أن أرى غرفتي مرة أخرى برؤية أخرى· التلفون، رأيت التلفون ·· هذه الكتلة الجياشة وخلية الأصوات· تذكرت أني لم استخدمه· لا، لم استخدمه· لُمت نفسي وندمت ثم اكتشف سبباً لأفرح· فربما تجاهلت التلفون من قبل لأدخر ورقة رابحة لمصلحتي· اسرعت ورفعت السماعة· إنه يعمل جيداً والحرارة موصولة· يعمل وكأن شيئاً لم يحدث، شأنه شأن الساعة· أي فأل طيب اذن، أية بشرى ·· أية نعمة هبطت من السماء· هيّا يا حراس الليل هيا اغلقوا أبواب الليل افتحوا باباً صغيراً للنهار· وأنتم أيها القابعون في الظلام أين أنتم ·· أين حشودكم الحاشدة؟ أليس من حقي أن أسأل؟ أين وضعتم رقمكم السري لأتصل بكم؟ لا بد أنكم نسيتم أين وضعتموه· إذن أنتم مخطئون أيضاً، تتحملون قسطاً من المسؤولية عما يحدث· اتصلت بالصديق العتيق ولحسن الحظ اني احتفظ برقمه· اخرج من هذه اللعبة· يالصديقي الفكه الذرب· ماذا لو قادك الظلم الجديد إلى سجن جديد هل كنت تحتفظ بأسلحة الشهوة والسخرية الصلبة؟ قال إنني يجب أن ألبي الدعوة وأحضر، وإنها فرصة سانحة ــ طالما أنه يحضر هو ــ لنلتقي وأرى بنفسي وعلى الطبيعة كم أن الوضع تغير· حضرت· أنا هنا ولكن أين بالضبط في هذا الوطن المترامي الأطراف المتمادي في الانغلاق؟ قال إن الحياة برغم أي شيء لا تموت· قلت بلى لا تموت· الناس فقط تموت بلا سبب، أما العليق والبطم والزرازير فلا تموت· وقال إن ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم· قلت بل يجمعهم الأخوة الأعداء في ساحة مكشوفة أو مسجد وحيد أو مدرسة مهدومة أو مخيم فقير تمهيداً لنصرة قضيتهم وإنقاذه، أي ابادتهم خطوة خطوة· وقال إننا عرب وليس في الأمر خدعة أو تدليس أو مثلبة، كان واضحاً أنه جَهرَ بالعبارة للتاريخ ــ رغم أنه لم يكن حاضراً معنا ــ ولم يقلها لي· فالعرب عرب طبعاً والهنود هنود واليهود يهود والأكراد أكراد والإيرلنديون ايرلنديون كاثوليك وبروتستانت· وقال· هو الذي قال، إن الرجل لا يكون رجلاً إلا بامرأة فوافقته على مضض· مثل سبأ لا تكون سبأ إلا بهمزة· وأن سرّ المرأة مبثوث في النساء كافة فكم يحمل ضميرك منهن؟ سأتصل بك الآن وأنا أستعيد ما قلته بأننا ننفق من رصيد أيامنا المقبلات ما يعيننا على العيش يوماً بيوم في العواصم الزاهرات المتشابهات إلى حد التوأمة· قلت ذلك ولم تقل إن ليل العواصم طويل وأن ليل هذه العاصمة هذه الليلة لا ينتهي· اتصلتُ وانتظرت الجواب حتى أتاني فجأة صوت امرأة نصف نائمة تقول إنه نائم· قالت ذلك بفتور حقيقي لا لبس فيه، ومع ذلك فقد ادخل الصوت النسائي طمأنينة غامضة إلى قلبي· أما زلتَ نائماً حقاً· ألم تكن سهرة طيبة· أنت نفسك قلت إنها سهرة طيبة، وأنت الذي شجعتني في الأصل على المجيء· ولكن ما هذه السهرة التي تنتهي بمتاهة· ها أنا أدخل في ليل، لأخرج منه إلى ليل· قل لي إن كنت تعرف أو تتذكر : متى يطلع الفجر يا رفيق؟ حاولت الاتصال ببلدي الذي قدمت منه فلم أفلح، إذ أن الجهاز مبرمج كما يبدو بطريقة لا تسمح بالاتصال الخارجي، معهم حق· سأحاول الاتصال بك ثانية· حاولت وما أن هتفتُ : ألو حتى أغلق الطرف الآخر الخط، فعاودت الاتصال برغبة تشي بالانتقام فإذا الخط مشغول· ما الذي أشغل الخط بهذه السرعة؟ رفعوا السماعة حتى لا أفكر بإعادة الإتصال، من يمنعهم، منعوا عني الاتصال وتركوني في شرك وكيد عظيمين، علي أن أردهما وحدي أو أقضي دونهما· يأتي وقت يدرك فيه المرء فداحة أن يكون وحيداً فلا يربح نفسه ولا يكسب العالمين، ويبدو أن هذا الوقت قد أتى علي ، أتت النازلات والرزايا، فتجمَّل يا قلبي· هذا والساعة المثابرة تشير إلى الرابعة بالتوقيت المحلي· أي رابعة هي ·· رابعة النهار؟ أين النهار يا صاح! وأي دورة هي لليل والنهار؟ أين هذه الدورة، لماذا لا تدور··· من أوقفها؟ إن شمساً صغيرة تكفي لهتك هذا الليل· من حجبها، من سرق نار جذوتها ·· من؟ ومن يجيب على أسئلتي؟ لا أستطيع وحدي أن أجيب على أسئلتي· لا أستطيع· أما الغيظ ·· أما الغيظ فيملك أن يطبق على فإذا أنا عاجز عن الصراخ عجزي عن الصمت· وبودّي لو أبكي قليلاً، بودي لو تأذن لي الآلهة ·· لم لا؟ كل الدواعي الرومانسية والواقعية تقتضي ذلك وتدفع كما يقول الحزبيون بهذا الاتجاه· لكني فقدت هذه الموهبة من زمان، وأنّى لي أن استعيدها بعد أن فات الفوت· إني أفكر حقاً بالموت والموتى· بالقتل والقبور· بجريمة في فندق· بكلام الناس وخبث الجرائد· بدم ساخن مسفوح وجنازة مسائية وحسرة مُعلّقة، فكرت حتى ضاقت علي الغرفة الضيقة· لا شيء يتحرك في الغرفة وفي الفندق الأوتيل· كل ما أراه يحتفظ بصورته وهيئته ويتقادم، إلا ذاكرتي المحمومة التي تحترق وتمحي· ولم أجد ما ألجأ إليه غير سخرية متعمدة مكشوفة الأغراض ، سخرية تمد لسانها وتقول : إن هذا الليل المستديم القديم يكسر الرتابة· يكسر بيضة فاسدة ويقذفها في الشارع الرئيس· ليشبع الشعراء واللصوص سواء بسواء من تورم هذا الليل واستطالته، لقد بلغ الاضطراب مبلغه حتى أدركت جرثومته دورة الليل والنهار فلماذا يصيبني الاضطراب وحدي، ويظل الكون هادئاً سلساً يهنأ بالسعادة الزوجية وينعم بعاداته الموروثة الأليفة؟ كان ينقصني ليكتمل المشهد وتعِمّ الفائدة أن اشهد معي شاهد صدق على رداءة هذا الليل وبذاءته· تذكرتُ الكلب، وكأني انتشلته من ذاكرة سحيقة متهاوية· وصممتُ أن أراه : أهرع إليه واحتضنه وأشدّه إلى صدري، بكل ما يعتمل في الفؤاد من أخوة وضغينة· أشُدّ بحرارة وقوة بكل ما أملك من لهف وعزيمة حتى يختنق بين يدي إن شاء الله ··· يذبل ويلفظ سره الأخير مرة وإلى الأبد·
قمتُ· لم تعد المسألة تحتمل الانتظار والتأجيل، ونزلتُ مهرولاً إلى الردهة إلى موعدي الذي عقدته، فيما أنا أغالب سورة غضبي· أليس من حقي أن أغضب بعد كل ما جرى؟ بل من واجبي· لم أجد الكلب· لم أر أثراً له · الكلاب ليست هينة، كأن اللعين عرف ما انتويت له فانسحب في اللحظة المناسبة ليتركني أتخبط في حلقة غضبي· بحثت عنه فلم أجد من تطلبه روحي· وجدت فقط موظفاً مصقولاً يغتصب ابتسامة في صباح باكر· أجل صباح باكر لا أدري من أين طلع خلسة، كيف استخرجوه فجأة واستحضروه للتداول، فإذا هو نهار أبيض راعف فتى تغشى من ضيائه الأبصار· قلت : نهارٌ·· فليكن نهار ولتكن شموس· سيكون نهاري أيضاً كما هو نهارهم· سيكون حقلي وملعبي وفرصتي· وقبل أن أرد تحية موظف الاستقبال، إذ بشابين خجولين أحاطا والتصقا بي، وطلبا مني بنبرة مرتبكة لكن حاسمة أن أهيء حقائبي استعداداً للمغادرة الفورية إلى المطار·
الكويت 1985
* أديب وإعلامي من الأردن.

جمعة عبدالله