كردستان بين العرض والطلب
د. محمود عباس

بعيداً عن ضمير الشعوب، والقيم الإنسانية، تدير الأنظمة العروبية وبعض الدول الإسلامية وعلى رأسهما تركيا وإيران، المحتلة لكردستان أو الداعمة لها، حركة أسواق النخاسة بين الذين لم تعد تستهويهم ترويج الإرهابيين والمنظمات التكفيرية، مثل داعش وغيرها مقابل كردستان كسعلة لا كوطن، أمام صمت أو تغاضي الدول الكبرى، مستغلين مصالحها في المنطقة، غير معترضين على التحركات السياسية والدبلوماسية المتعارضة مع الأخلاق، والمنطق، والمعادية مع النصوص الإلهية في جوانبها الصوفية، والمبتذلة للمفاهيم والقيم الديمقراطية، منذ جمهورية أفلاطون إلى بنود الرئيس الأمريكي ويلسون.
الأنظمة التي تعمل المستحيل ليعيش الشعب الكردي في رهبة دائمة، وكسل أبدي، ففي الحالة الأولى: سيكونون، وعلى خلفية السكوت الكردي، أصحاب كردستان لا محتليها، وسيدافعون عن شعبها إذا دعت الضرورة وسيستخدمون الكرد كأدوات بدائية. وفي الثانية: سيفكرون عنهم في وضع المفاهيم وترسيخ الثقافة التي تلائمهم، وبالتالي سيحافظون على أمة كردية مسلوبة الإرادة، سيرضخونها للعيش بنهج الموالي والأسياد طوال عمرها.
كردستان، والأمة الكردية، في صراع أبدي مع محتليهم، ما بين القضاء على هيمنتهم، والاستفتاء أحد معاركهم وليست الأخيرة، أو تقبل بأن يعرضوهما كسلعة يتم ترويجهما في الأسواق الإقليمية والدولية، وحيث تسعيرتهما تتصاعد كلما اقتربا من الغاية، والبضائع المعروضة مقابلهما، تصل إلى حد عرض الشرف والقيم والتنازل عن الأخلاق كعملة مقابل عدم دعمهما، وستضطر بعض الأنظمة الإقليمية بالتخلي عن قيمها، إن كانت قد بقيت لديها قيم، وعن أقرب أصدقائها وحلفائها، وستلغي كل عقودها ووعودها لإخراج القضية الكردستانية من أروقة المحافل الدولية بدون نتيجة، والحفاظ على وطن مبني على الرهبة والكسل.
كل الأبواب مشرعة، لدخول البازار، فالقيامة قائمة، وكردستان معروضة، وأنظمة الشرق الأوسط تحوم حولها، وبيدها كل أنواع المقايضات، اقتصادية وسياسية ومذهبية وجغرافية، ولا يوجد متخلف، وهم نفس الذين يئمون مؤتمرات الجامعة العربية، والقمة الإسلامية، أو قادة مؤتمرات هيئة الأمم المتحدة، والتي لا يشارك فيها إلا رؤساء بعدد أصابع اليد، ولكن في القضية الكردستانية، الكل يشاركون أو يتابعون، ويحضرون حركة السوق بتفاصيلها، فعليها تقف مصيرهم كأنظمة، ومصير الخريطة الجيوسياسية الحالية لمنطقة سايكس -بيكو، وقضية السلام التي لا يحبذونها، وهناك رهبة من ظهور الديمقراطية وبداية تشكل اللبنات الأولى لاستقرار المنطقة، وليس تصاعد الصراع كما يدعيه أردوغان وقادة أئمة ولاية الفقيه، فيما إذا التجأ إلى المنطق، وحكما بالعقل.
ستبقى أسباب صعود وهبوط سعر كردستان في المحافل الدولية لغزاً، تحير الكرد قبل العالم، وستظل جميع التحليلات والتأويلات مجرد أراء لن تؤدي إلى فك هذا الطلسم، وستظل الأسئلة تتراكم، والأجوبة ستعرض، والقضية ستظل حاضرة في كل لحظة يرفع الكرد فيها رأسهم، أو محاولين فك أسرارها لتحقيق مطالبهم، وبلوغ غايتهم في تقرير مصيرهم أسوة بجميع الشعوب، والتي عندها سيضعون العديد من الدول على محك المحاكمة عن أسباب هذا الدمار الذي خلفوه بأمة كانت بإمكانها أن تقود المنطقة إلى السلام، قبل قرن وأكثر.
قد يكون غريبا لهذه الأنظمة زوال الأحقاد المذهبية والتي تعود جذورها إلى قرون، ونسيان الدماء الغزيرة التي هدرت، بمجرد بروز القضية الكردستانية على الساحة، القضية التي تجمعهم مثلما لا تقرب بينهم أية قضية في التاريخ القديم ولا داعش في السنوات الماضية، ولا المصالح الاقتصادية المشتركة، ولا الصفقات الجارية المستمرة بينهم.
في أقل من شهرين عقدت مؤتمرات بين معظم قادتهم السياسيين والعسكريين، وكان نواة الحوار ليس داعش، ولا العقود التجارية كما طبل لها في الإعلام، بل كانت القضية الكردية، وصعود كردستان، واحتماليات ظهور خريطة جيوسياسية جديدة مبنية على الانتماء الحقيقي للوطن، ووحدة الأمة الكردية المجزأة.
أي حقد هذا أم أي رهبة هذه، تدفع بهم إلى تجميد كل الخلافات، وفتح المعابر الحدودية بين بعضهم والتهديد بإغلاقها مع إقليم كردستان! والقيام بمناورات عسكرية على حدودها بالاشتراك مع قوات وهمية لحكومة العراق الشيعية، والاتفاق على بنود سياسية تجارية والتي تحتاج إلى شهور أن لم تكن سنين للتوقيع عليها في الحالات العادية؟! ترافقها تصريحات أردوغانية نارية بين فينة وأخرى، تعكس ثقافة سلاطين القبائل الطورانية، مع تحركات إيرانية سرية غامضة أكثر من خبيثة.
ومع كل ذلك، فمستقبلا، الورقة الكردستانية ستكون مثارة في المحافل الدولية، ليس فقط من حيث مبدأ الحقوق التي تطالب بها الشعوب المغلوبة على أمرها، كالشعب الكردي الصامد، بل لأن كردستان هي الغاية، والمكتسبات الحالية لن يكون البديل عن كردستان الوطن التي مزقتها الدبلوماسية البريطانية مس (بيل) والتي رسمت خريطة العراق بالمسطرة وهي جالسة في مكتبتها، مستشارة القنصل السامي في العشرينات من القرن الماضي، السير (بيرسي كوكس) المماطل في قرار وزير المستعمرات حينها السيد ونستون تشرشل بفصل كردستان عن العراق، وهي الولاية التي كانت تتضمن مدينة الموصل وكل محافظة كركوك، وتمتد نحو الجنوب بمسافات عن المسماة حاليا بالمتنازعة عليها.
والأهم ما يؤمل منه بالظهور في المنظور القريب، ومنها أن الدول الكبرى وعلى خلفية مصالحها العسكرية والاقتصادية والسياسية مع كردستان القادمة، سترجح كفة تشكيلها، وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وبالمقابل فالدول الإقليمية ولربما بضغط من بعض مثقفيها وشريحة من شعبها سيفرضون عليها إعادة النظر في مواقفها والبدء بالحوار على بنود أكثر دبلوماسية وقابلة للنقاش، وهذه الجدلية تدرج ضمن منطق الزمن كفيل بتطبيع الواقع، ولربما تغيير الصور النمطية المترسخة عن الكرد وكردستان. وليس هذا من باب تطمين الذات، فالظروف القادمة في معظم الحالات ستميل لصالح كردستان، ولا تعني هذا بأنه لا مخاطر، إذا لم نكن جديرين بالمواجهات، داخليا وخارجيا.
في المقالة القادمة(كردستان في الأروقة المظلمة) سيتم البحث في المقايضات الجارية أو المتوقعة عرضها مقابل كردستان.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية