منهل التاريخ والميثولوجيا في رواية حب في ظلال طاووس ملك

حمودي عبد محسن(1) ينهل من تاريخ بحزاني وميثولوجيا الايزيدية ليبدع رواية بعنوان حب في ظلال طاووس ملك..
عن دار بيت الكتاب السومري.. صدرت للكاتب والروائي المبدع.. حمودي عبد محسن روايته الجديدة (حب في ظلال طاووس ملك) .. بعشرين فصل في 320 صفحة من القطع المتوسط .. هي صفحات من الحب والجمال والثراء الروحي النقي.. الذي شكل بنية علاقة حب بين هنار وميرزا.. اسفرت عشقاً اسطورياً .. دمجت قلبين خافقين.. ارتبطا بقصة حب نمت وكبرت في محلة البرافية وكلي السنجق وفناء الشيخمند وعين فنجان وهناجين الزيتون.. التي تسور بساتينها بحزاني وبعشيقة من الغرب الى الشرق..
حب يتناغم مع عزف للناي يصدح به قوال نجا من مذابح فرمانات سابقة يفيض بلحنه الشجي عبر مسالك الوادي المقدس في سرد حكايا تعكس تاريخاً ميثولوجياً حياً.. ينبض بالعطاء .. ينشد السلام.. يندمج بالعمل.. يمنح اهل بحزاني قوة واندفاعاً للمرح والتضامن والمشاركة بما تفيض به الارض المزروعة وحقول الزيتون ومراعي الجبل ..
هذا الجمال المشكل لنمط الحياة في بحزاني بتقاليدها الميثولوجية المميزة وعشق اهلها للحب والمرح والغناء والعمل المنتج.. لينهل منها الكاتب أول خيوط نسيجه بشغف وحب مع تعرفه لأول مرة في صفوف الانصار المناهضين لقسوة الدكتاتورية وتعسفها.. وهو يقاتل في ذرى جبال كردستان مِنْ اجل الحرية المستباحة في هذا الوطن المذبوح.. بينهم الكثير من الايزيديين.. وفيهم انصار من بحزاني وبعشيقة.. الذين جمعته بهم علاقة كفاح وصداقة مهدت لسماعه قصصاً وحكايات اسطورية في التحدي والثبات جعلته ينتبه لخصالهم المتميزة بين بقية المجامع الثورية المتواجدة في شعاب الجبال..
شكلت الخميرة الدرامية لفكرة كتابة هذا النص الروائي الهام منتصف عام 2012 حينما بدأ حمودي عبد محسن الشروع بكتابة اولى فصول روايته .. تواصل عبر خمس سنوات من التقصي والبحث والتساؤل..
كصياد يغوص في عمق المياه ليستخرج لؤلؤة مخفية.. كان حمودي يغوص في الكتب يقرأ ويتابع ادق التفاصيل الميثولوجية والاحداث التاريخية ويسعى لمعرفة المزيد منها.. يدقق فيها قبل تسجيلها وتثبيتها في ذاكرته.. لتأخذ محلها بين الاسطر التي نسجها لتشكل رواية حب في ظلال طاووس ملك ..
هو حب مطارد يتمسك به ميرزا و هنار.. يرعاه اهل بحزاني.. يتربص به الاشرار المهاجمين لحبهم في حقب تاريخية متتالية.. بينهم الشرير فريق باشا والامير الاعور وبدر الدين لؤلؤ..
رواية تحاكي التاريخ المتربص بأهل بحزاني ومعاناتهم.. يبدأ من اهداء حمودي لروايته الى.. (الام الايزيدية التي حملتِ عذابك في اكثر من أربعة عشر قرناً) وهي اشارة زمنية توحي بالكثير من المعنى تؤشر لتاريخ من القمع والاضطهاد والدم المراق مناهضة للجمال والموسيقى تجعله يتساءل في ذات الاهداء .. ( أيعقل أن يكون هؤلاء الأشرار بشر ؟!)..
هي رواية تاريخ .. ورواية ميثولوجيا .. رواية حب وتراجيديا تتصاعد فيها الدراما عبر الزمن في محطات متسلسلة ومتلاحقة ينمو فيها الحب ويسطر فيه العشق صوراً للجمال والمحبة بين الناس.. يتجاوز ميرزا و هنار في تحولات تعكس جانباً من المعتقدات البشرية التي ابتدعت فكرة التناسخ والخلود ..
فكانت العاشقة هنار تتحول الى غزالة بيضاء او حمامة تمنح الراعي ميرزا لذة اول قبلة مطعمة بفضاء الحرية في عين فنجان في ظل شجرة بلوط حيث ينساب الماء من بين الصخور تارة.. وشجرة زيتون بين البساتين تشهد ولادة حب اسطوري ينمو ويتفاعل مع خصب الارض يتشبع من ضياء زيت الزيتون المنير.. او نحلة ذهبية او طائر.. فصول عناوينها معبرة تعكس صموداً وثباتاً لا تجرفه معاول الاضطهاد وقسوة السفاحين الاوغاد.. كما في عنوان فصل (لا احد يهلك الشمس) .. أو في المقارنة المبدعة بين هواجس الامير الاعور ونوازعه الاجرامية الفتاكة وصوت الناي المقدس الذي يتواصل سماعه في الافراح والاحزان متحدياً جبروت الامير الاعور.. الذي فتك به لاحقاً في مدينة سيواس التركية بعد استدراجه للقاء السلطان العثماني رغم المذابح التي أحلها بالايزيديين في العديد من القرى والمدن.. بينها بحزاني وبعشيقة وختارة التي انتزع فيها عروسة من حفلة زفافها ليقودها معه مرغمة لراوندوز.. ومن ثم مذبحة القوش وتخريب ديرها الشهير والفتك بمن كانوا يشرفون عليه من كهنة وراهبات قبل ان يتوجه لمعبد لالش ويرتكب فيه ابشع جريمة بحق من تواجد فيه من اطفال ونساء وشيوخ وأسره لأميرهم علي بك الذي اقتيد اسيراً ليقتل فيما بعد وتعلق جثته..
علي بك ليس إلا رقماً في عداد اكثر من مائة الف إيزيدي تم قتلهم على يد الامير الاعور وزبانيته بتوجيه من الإستانة.. التي فتك وغدرت به هو الآخر كما جرى الفتك بزميله بدر الدين لؤلؤ الذي.. ( دبر مكيدة بمكر ودهاء تمكن بها أن يستدرج شيخ الأيزيديين، ثم حبسه في القلعة، وقتله خنقاً بوتر عام 1246 . هكذا كان الأمر . هكذا أمر بقرع طبول الحرب على الأيزيديين ليتفاعل معها، ويرتعش جسمه، وتبعث في نفسه الإثارة والهمة، وتأتيه قوة خارقة جبارة في قطع الرؤوس لأن في ذلك شيئاً جديداً مفزعاً. آنذاك بطش بالأيزيدين، واستكشف مواهبه المتوحشة في المجازر، والسلب، وحرق القرى، وسبي الأطفال والنساء، ثم أمر بنبش قبر الشيخ آدي وإخراج عظامه وحرقها، وتدمير المرقد. هو ذا بدر الدين لؤلؤ العدو المقهور لذاته، المنهمك في التدمير، وسفك الدماء ، التواقة روحه لإشاعة الفزع والرعب في أرض الأيزيدين، فصارت الناس تلقبه بسفاح وسفاك الدماء..
إن كل ما ارتكبه من مجازر بعدئذ تعجز المشاهدة من وصفها، فهنا ، فوق الأرض الأيزيدية أجساد بريئة تنتفض من ضرب السيوف . أجساد تصطرع بين الحياة والموت في أنينها الذي صار صدى يقترب سريعا من الموت، وهناك أصوات الأنين المفزع بينما السيوف تضرب الأجساد، وتتواصل في ضربها دون أن تميز بين وليدة أو امرأة، بين رجل عجوز أو طفل. أجساد تهمد في بركة دماء دون ذنب أما قلب بدر الدين لؤلؤ لم تكن فيه ذرة رحمة، فقد شغف بلذة قطع الرؤوس وكان وجهه المغبر قد أصبح صارماً قاسياً عنيفاً لا يتحمل أحد أن يراه. ذلك قد زين لنفسه الكاذبة أنه صاحب السلطان الأعلى في شق شمس السماء، وإنه القادر أن يحجب ضوأها الساطع، ويذهب بسناه لكن السماء طلعت منها شمس حمراء متوردة على الاجساد البريئة، وإن بدر الدين لؤلؤ لم يدرك أن لا احد يستطيع أن يصد ضياءها. هذه الشمس قد أطلقت لحنها في أعجوبة من النور البراق، والكل قد وجه نظره إليه، ليستمع إلى اللحن السماوي المقدس ) 2 وسبقه في الاجرام ومهاجمة الايزيديين المسالمين..
والسفاح بدر الدين لؤلؤ كان مملوكاً ارمنياً نشأ في ذات البيئة التي انحدر منها الامير الاعور من اسلاف الدواعش الذين يمارسون ذات القبح في هذا العصر.. والرواية تنبه بشكل من الاشكال لمن يتهاون مع جرائمهم ويمد علاقاته ليتواصل مع ذات المنشأ والعنوان الذي خلق المبررات الفكرية والغطاء الديني للأمير الاعور والسفاح بدر الدين وشرعن جرائمهم ..
كما انها بحكم تواصلها وانتاجها في هذا العصر الذي شكل وانتج داعش تدين الاعمال الاجرامية البشعة للدواعش وتجسد جانباً من مأساة بشرية حلت بـ بحزاني وسنجار وبقية مدن سهل نينوى التي استباحها القتلة المعاصرون قد تفضي لجزء ثاني من حب في ظلال طاووس ملك بحكم بقاء نهاية الرواية مشرعاً لأحداث مقبلة يجري استكمالها من قبل الروائي المبدع حمودي عبد محسن ..
رواية تنتصر للضحايا وتدين الظلم والقمع والاستبداد جديرة بأن تأخذ مكانها المرموق في اروقة الأدب والابداع تستحق الالتفاتة والترجمة ..

ــــــــــ
صباح كنجي
ـ رابط مقال سابق عن فصول الرواية المنشورة في موقع الحوار المتمدن قبل أن تكتمل..
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=538280
1ـ حمودي عبد محسن .. النصير ابو كاظم .. كاتب وروائي عراقي من النجف.. له عدة مؤلفات في مجال الرواية والشعر والقصة ..
2ـ ص314-315 من الرواية