لم يخلع حزامه الناسف فقتل .


الباحث/ داود مراد ختاري .
دخلنا الى دار كريفنا التركماني (ناجي) في قرية (كرشبك) يوم 3-8-2014 ، طلب من النساء الست مع الأطفال الصعود الى السطح بينما دخل الرجال السبعة الى المضيف، لكنه خان الزاد والعشرة وابلغ عنا الدواعش .
بعد عزل الرجال في مفرق حردان أخذونا الى تلعفر ومنها الى مزرعة كبيرة في سوريا، حينها كان الجو بارداً وينام الناس في العراء بدون غطاء، وقعت ابنتي على الأرض فأصيب خدها ولعدم وجود أبسط وسائل الضماد والجو كان بارداً التهب جرحها كثيراً وتحول الى حبة كبيرة يملؤها الخراج، وفي الرقة انتحرت الفتاةالمختطفة (هدية من قرية صولاغ) بإطلاق رصاصة مسدس على رأسها.
اخذني الداعشي (ابو حيدر التونسي) لمدة تسعة أشهر، في البداية أخذني الى دار كبيرة في قرية نائية في الصحراء، لم استطع أن أتناول الطعام وأصبت بحالة نفسية هستيرية، ولولا أطفالي لانتحرت في الحال، كان يجلب لي إمام الجامع ويقرأ لي الآيات كي تنفتح شهيتي، لكني كنت أقول له أخرجنا من هذه الدار في الصحراء والبرد يأكل في عظامنا وانت لا تستطيع توفير المدافىء .
ذات يوم جاء داعشي تونسي آخر وقال لي :

  • ابو حيدر أبلغني بان أخذك اليه وهو في العراق حالياً .
  • لم يبلغني أنه سيذهب الى العراق، متى وصل الى العراق وتركنا هنا.
  • مثلما أبلغتكِ .
  • انه ذاهب الى الواجب لمدة ثلاثة أيام ويعود، متى وصل الى العراق وأبلغك، وانت جئت من هناك .
  • أنا لا أكذب عليكِ .
  • لكني غير مطمئنة من صحة قولك .
اخذني الى داره في تلعفر، وحينها علمت بأنه سرقني من زميله أبو حيدر، جن جنون زوجته السورية، وأصبحت دارهم جحيماً لا تطاق من الشجار اليومي، فباعني الى ابو حمزة المصري .
وقالت الناجية / منيفة حمو مواليد 1980 حردان :
عندما كنت عند الداعشي (ابو حمزة المصري) طلب مني حفظ كتاب القرآن كاملاً، لكن نتيجة ظروفي الصعبة لم أكن استوعب، فكان يضربني بالعصا يومياً حتى يزرق جسمي وكسر أصبعي، ثم كان يمددني ويربط يداي بالسرير ويجلس على صدري من الثامنة صباحاً الى ساعات متأخرة من الليل، وتقرأ لي زوجته الآيات وتطلب مني بتلاوتها وحفظها، كان نوعاً من التعذيب اليومي .
كنت سأجن من جلوسه على صدري لثقله ولساعات النهار كاملة وفي بعض الاوقات ساعات من الليل أيضاً ولمدة شهر كامل.
ثم أخذني صالح يحيى الكردي (أبو بشرى) من مدينة ميردين التركية، بقيت معه ثلاث سنوات .
وأضافت الناجية منيفة قائلةً : جاء شخصان ذات يوم وطلبا مني تسليمهم ابني لتوديعه في معسكرات القتال .
توسلت بهما بان ابني صغير في العمر ولا يستطيع تحمل عبء المعارك، ثم قلت لهما :

  • ماذا تريدون مني ؟
  • مبلغاً من المال وسنتركه ولا يستطيع أحد التقرب منه ثانية .
  • كما تعلمون لا أمتلك مالاً والشخص الذي يملكني حاليا في المعارك ولا يمتلك المبلغ أيضاً، هل بإمكانكم ان تناولوني الهاتف النقال كي أتصل بالأهل في دهوك كي أوفر لكم المبلغ ؟
  • نعم خذي الهاتف النقال وأطلبي منهم دفترين من الدولار(20000) .
  • هذا المبلغ لا يمكن توفيره لكم .
  • الكفار لديهم المال وبإمكانهم توفيره، وحلال لنا ما نقبضه منهم .
اتفقنا على مبلغ (14000) أربعة عشر الف دولار، فلم أمتلك مبلغاً ولم يكن باستطاعتي توفيره، فأجبرت على التحايل على شقيقتي (غالية) والوالد من أجل فلذة كبدي .
فسألتها: لماذا لم تصارحِي والدك بان المبلغ من أجل شراء الولد ؟ .

  • كنت خائفة من أن لا يتقبل الموضوع، كيف يمكن شراء الابن من الدواعش والبقاء في دولتهم الاسلامية الداعشية، فلم يكن ليصدق .
  • الم يكن باستطاعتك اعطاء المبلغ الى مهرب وينقذه من الدواعش، لان هذا المبلغ لا يستهان به .
  • لم يكن لنا اتصالات مع المهربين .
أما والدها السيد خلف حمو خلف قال : اتصلت بي منيفة مطالبةً (14000) دولاراً كي تنقذ نفسها.
حاولت بشتى الوسائل الممكنة لجمع المبلغ وكنت أمتلك سيارة فبعتها أيضاً، وأرسلت المبلغ اليها وهي في الدولة الإسلامية وبعدها اتصلت بها وتأكدت من وصول المبلغ اليها .

  • هل وصل المبلغ كاملاً اليكِ ؟
  • نعم يا والدي ... شكراً .
  • لا تقولي ذلك يا ابنتي ... سأبيع كل أمتلك وأسلف المبالغ من الناس من أجلكِ، فأنتِ فلذة كبدي .
  • أعلم ذلك، ماذا نفعل هذا قدرنا .
  • متى ستعودين ؟
  • في أقرب وقت إن شاء الله .
  • هل ارسلت المبلغ الى المهرب ؟
  • نعم ارسلت المبلغ كاملاً .
  • الم يبين لك موعداً للهروب ؟
  • لا تستعجل يا والدي .... سأعود اليكم .
  • والله نذرف عليك الدموع يومياً .
  • من أين لك هكذا مبلغ .
  • ما كنت أمتلكه سيارتي ولقد بعتها، وطلبت من شقيقتك ما تمتلك من المصوغات الذهبية ومشكوراً منها ومن زوجها، أعطتني ما تمتلك من ذهب بالرغم من انها عروسٌ في الشهر الرابع من زفافها، جمعت هذه المبالغ وأرسلتها اليكِ .
  • اتصلت بشقيقتي وأعلمت انها قد باعت مصوغاتها من اجلي .... لن أنسى فضلكم .
  • ما نتمناه هو عودتكِ الينا .
وفي الأونة الأخيرة في ناحية العياضية شمال تلعفر، كانت الطائرات تحوم فوقنا وتقصفنا ليلاً نهاراً، ارتدن جميع النساء الحزام الناسف، لتفجير انفسهن عند دخول الجيش العراقي أو الحشد الشعبي.
ذات يوم قصفتنا الطائرات وأصيب ابني في ظهره وذراعه، ونزف دماً غزيراً، علماً انه كانت هناك اصابات عديدة وقتلى نتيجة القصف، جميع الرجال كانوا في المعارك والمتواجدون هم النساء والاطفال، فلم نكن نمتلك التداوي للإصابات الخفيفة، فأصبحت طبيبة أبني وأداويه بالمعقم والف الجروح بقطع الاقمشة .
حينما عاد ابو بشرى من الواجب فقلت له :

  • الى متى نبقى في هذه الحال ؟
  • سندافع عن ارض العياضية الى آخر يوم في حياتنا .
  • تم تحرير الموصل وتلعفر والبعاج من قبل الجيش العراقي والتحالف الدولي ولم تبق لكم الا رقعة صغيرة .
  • بامكاننا تحرير تلعفر بعد أيام .
  • أنكم تعيشون في أوهام، كيف تستطيعون تحرير تلعفر ثانيةً ؟ أنا لا أتحمل أكثر وسأهرب من هنا هذه الليلة نحو نقاط البيشمركة .
  • سنقتلك في حالة الهرب لانك ستكشفين مواقعنا .
  • مواقعكم مكشوفة للطائرات .
  • ستصبحين دليلاً الى نقاط الحراسة واعطاء المعلومات عنا .
  • سأتصل بالأهل كي يجدون لنا وسيلة لإنقاذنا .
  • بشرط ان تأخذين معكِ زوجتي وأطفالي وشقيقتاي وتوصليهم الى تركيا .
  • نعم سآخذهن معي الى أهلي ومن هناك بإمكانهن الذهاب الى تركيا لأنهن يحملن الجنسيات التركية.
  • والشرط الثاني، أن يوصلوني من دهوك الى مناطق خاضعة الى الدولة الاسلامية في سوريا .
  • كيف يستطيع أهلي ايصالك الى منطقة خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية وانت الان ضمن ما تبقى لدولتكم الوهمية .
  • أدرك جيداً ان العياضية لن تدوم طويلاً لاننا انقطعنا عن الدولة الاسلامية فبإمكاننا الالتحاق الى سوريا لمواصلة الجهاد والشهادة في سبيل الاسلام .
  • قاتل هنا في العياضية وسيأتي الجيش العراقي ويقتلكم جميعاً وحينها ستنال الشهادة وتدخل الجنة وتحصل على (72) حورية التي تحلم بها ليلاً نهاراً .
  • من الافضل ان نواصل الجهاد في منطقة أخرى .
وأضافت منيفة : اتصلت بالوالد، الأقرباء، أخوة زوجي وخالي، من أجل ايجاد وسيلة نتمكن الخلاص بها .
وهم بدورهم اتصلوا بالجهات ذات العلاقة في اقليم كوردستان والبيشمركة في منطقة زمار، فتوجهنا من العياضية الى نقاط البيشمركة ومعي أطفالي والداعشي ابو بشرى وزوجته وشقيقتاه .
حمل الداعشي معه سلاحه وعتاده وارتدى الحزام الناسف .

  • كيف يستقبلنا البيشمركة وانت مسلح وتتحزم بالحزام الناسف .
  • أي خطوة منهم أو من أقربائك سأفجر نفسي بكِ وبأطفالك، فبلغيهم جميعاً .
  • مادام الأمر هكذا لنموت هنا تحت قصف الطائرات، ولا تقلتنا بالحزام الناسف في منتصف الطريق .
  • لو علموا باني ارتدي الحزام الناسف، سيخافون مني ولا يقتربون ابدا ولا يؤذونني وينفذون جميع مطاليبي .
  • فعليه لا نخطو خطوة واحدة .
هنا تدخلت زوجته وقالت :

  • منيفة على حق، نحن ذاهبين الى نقاط البيشمركة من المفروض ان نجرد انفسنا من كل الأسلحة، فأنا وشقيقاتك كن محزمات بالحزام الناسف أيضاً، لكن نزعناها ورميناها .
  • ابو بشرى: سأحمل سلاحي ومسدسي معي، وسأنزع الحزام الناسف .
وأكملت منيفة حديثها : كنت في اتصال مستمر مع الاهل وجاء الوالد وخالي ليلاً الى النقاط المتقدمة للبيشمركة لاستقبالنا .
لكن في منتصف الطريق، رأى (ابو بشرى) حزاماً ناسفاً، قد رماه أحد الهاربين من الدواعش، فتحزم به، بالرغم من معارضتنا له، وهنا اتصلت بالوالد مجدداً وأبلغته بان الداعشي قد تحزم نفسه بالحزام الناسف، دون ان يعلم به.
كانت زوجته تتحدث معي في الطريق :
زوجته : عندما نصل الى نقاط البيشمركة أرجو منكِ أن لا تكوني خائنة .
منيفة : أهلي والبيشمركة عند وعدهم ولم يصيبك أحداً بسوء .
زوجته : أنا خائفة من تعرض أهلكِ لي او لشرفي، لأخذ ثأركِ لان زوجي قد أغتصبكِ .
منيفة : الايزيدية لا يتعرضون الى شرف أبناء الأديان الأخرى، كما كان يفعلون أزلام الدولة الاسلامية .
زوجته : لو قتلوا زوجي ومن ثم قتلوني، طفلاي أمانة في رقبتكِ .
منيفة : لا تخافي على شرفك، أهلي لا يلوثون أنفسهم بمجنونة مثلك تركت مدينة (ميردين) وجاءت الى الجحيم والعيش تحت التراب والقصف والإهانة .
زوجته : زوجي شخص متدين، وطموحه الدخول الى جنة الخلد اوصلنا الى ما ترين .
منيفة : طموحه وطموح جميع مقاتلي الدولة الإسلامية التمتع بالسبايا في الدنيا وقتل الابرياء ومن ثم الحصول على حوريات الجنة، عقولهم لا تتحرك إلا بكيفية الحصول على الجنس .
زوجته : نعم فعلاً كنت في جحيم لا تطاق .
منيفة : حين وصولنا الى دهوك، هل تودين العودة الى ماردين .؟
زوجته : يقول زوجي سنذهب الى بقعة أخرى ضمن الدولة الاسلامية في سوريا لحين نيل الشهادة ودخول الجنة .
منيفة: مهما طال الزمن، انتِ ستصبحين أرملة ، لأنه يود الموت من أجل الجنة والحوريات .
زوجته : أنا متأكدة من مقتله وسيفجر نفسه لا محال، وبعدها سيتزوجني مقاتل آخر عنوة عني، وأكثر المقاتلين في سوريا هم سعوديين ومن الدول الافريقية .
منيفة : عجيب قوانين دولتكم الإسلامية التعرض الى شرف الاخرين أمر مباح.
زوجته : هذا ما أمرنا الله بالكتاب ، أما انتم كفرة لا تؤمنون بما أمرنا الله، فيحلل شرف نساء الكفار لمقاتلي الاسلام .
وعند التقرب من نقاط البيشمركة استقبلنا الوالد وابن عمي، وطلب منه خلع الحزام وتسليم نفسه دون سلاح .
خلف : لقد عاهدناك بالامانة وتسليمك الى الجهات الامنية في الاقليم .
ابو بشرى: لا أامن بالبيشمركة، يجب ايصالي الى الدولة الاسلامية في سوريا .
خلف : لنأخذ صور معك ... لتطمئن على نفسك .
ابو بشرى : لا يمكنني نزع الحزام الا بإيصالي الى مبتغاي .
خلف : والله أمرك عجيب ....
ابو بشرى : كما قلت لكم اريد ان اواصل مسيرتي الجهادية في سوريا لحين الاستشهاد .
خلف : سابلغ البيشمركة بمطاليبك.
وتحدث معه احد المسؤولين مطالباً بنزع الحزام ، لكنه كان مصراً بعدم نزعه، فرماه احد القناصين وارداه قتيلاً في الحال .
كانت اصابته في الرأس ووقع على الأرض دون أن يستطيع تحريك حزام الأمان، ويقتلنا جميعاً معه .
صرخت زوجته صرخة واحدة ثم سكتت وأمسكت بطفليها .