الى أين وصل الإيزيديون في سورية

سليمان جعفر

قرأتُ مقالاً للأخ فرماز غريبو منشور على موقع بحزاني حول وضع الإيزيديين في سورية من عدة نواحي , وهو جدير بقراءته والتمعن فيه لاسيما وأن الأستاذ فرماز له جهود لايمكن انكارها في عمله الدؤوب لخدمة الديانة الإيزيدية, وهو من مؤسسي جمعية كانيا سبي , وكل ماتفضل به عن وضع الإيزيديين في سورية قبل الأزمة السورية عام 2011 صحيح وأتفق معه ولاغبار عليه, والجميع يعلمون مدى الظلم والتهميش والانكار الذي تعرّض له الإيزيديون على يد الحكومات المتعاقبة في سورية وخاصة بعد استلام حزب البعث, حيث حاولت هذه الحكومات إمحاء الإيزيديين عن الوجود , وهي سياسة استعمارية قديمة منذ انهيار الامبراطورية الميدية, لابل هذا الحقد للديانة الإيزيدية يعود الى أيام البابليين, لأن كل من يطأ أرض كردستان يبادر أول مايبادر الى محاولة إزالة الإيزيديين عن الوجود, لأنهم يعلمون أن إنهاء أو إزالة المكون الإيزيدي من كردستان سيكون بداية لإنهاء أو إزالة المكون الكردي بشكل عام, من خلال الفرمان الأبيض إن صح التعبير, لأن الديانة الإيزيدية هي كنز وخزينة اللغة الكردية, وبإزالة هذه الديانة سيتم فرض اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ولن يكون هناك معترضون, وبشكل روتيني هم مرغمون بالتكلم بالعربية خمسة مرات على الأقل أي عندما يسمعون الأذان في صلواتهم الخمسة يومياً.
وبعد ازدياد الضغط والتهميش اضطر الإيزيديون الى ترك ديارهم والرحيل الى شتى أصقاع الأرض, عسى أن يجدوا أرضاً يمكنهم ممارسة طقوسهم وعباداتهم فيها دون أن يزعجهم أحد, فكانت ألمانيا من أكثر الدول التي تجمّع فيها الإيزيديون.
وعند بداية الأزمة السورية عام 2011 وتحول تلك الأزمة من مجرد تظاهرات سلمية الى ثورة مسلحة بعد أن تدخلت فيها دول خارجية بينها وبين النظام السوري خلافات لسنا بصدد شرحها , وبدأ يتوافد الى الساحة السورية المشردون ومتعاطي المخدرات وقطاع الطرق والمجرمون من شتى بقاع الأرض بعد أن يقوم رجال الدين في تلك الدول بحشو رؤوسهم وباجتهادات شخصية بأفكار متطرفة غير موجودة في القرآن ولا في السنة. وعند اكتمال عقد كل مجموعة يرسلونها أول مايرسلونها الى مناطق سكن الإيزيدية, ويفبركون أكاذيب حول هذه الديانة العريقة لينفذوا المخطط الذي ذكرناه أعلاه وهو ازالة الإيزيديين من الوجود, فقام هؤلاء الجهلة ودون أن يسألوا أو يستفسروا عن صحة أو كذب ما لُقّنوا به, الى مهاجمة القرى الإيزيدية بهدف ترك بيوتهم وممتلكاتهم, ليقين المهاجمين أن لاأحد سيلومهم أو يطالبهم بوقف هجماتهم على الإيزيديين, لأنهم بنظرهم كفرة وملحدون, ويعبدون الشيطان وما الى ذلك من تُرّهات. وخير دليل على ذلك ماجرى لأهلنا في شنكال.
في هكذا أجواء هرب معظم ايزيديي الجزيرة بشكل خاص, وبنسبة أقل ايزيديي حلب وعفرين الى خارج سورية. لينجوا من جز رقابهم وسبي نسائهم.
في هذه الأثناء نأى الكرد في المناطق الكردية في سورية بأنفسهم عن الصراع على السلطة بين النظام والمعارضة, فالكرد لايسعون الى الوصول الى السلطة, فهم فقط ارادوا ان يتم معاملتهم كقومية لها خصوصياتها, لها ما لها من حقوق وعليها ماعليها من واجبات, لذا ومنذ بداية الإزمة تطوع الكرد للدفاع عن أنفسهم وعن كرامتهم وخاصة بعد أن تحولت الأزمة الى ثورة مسلحة.
ولكي يكون عمل الكرد منظماً ولقطع الطريق أمام الفوضى شكّلوا لجان ومجالس ومؤسسات وهيئات لخدمة المجتمع في الوقت الذي عمّت الفوضى كل الخارطة السورية وضاع الحابل بالنابل, وأتبعتها الإدارة الذاتية الديمقراطية بإصدار العقد الاجتماعي وتشكيل المجلسين التنفيذي والتشريعي .
الادارة الذاتية الديمقراطية لاحظت التهميش والظلم الذي تعرّض له الإيزيديون على مدى قرون , فسارعت الى منحهم حقوقهم, استناداً الى مادة خاصة بهم في العقد الاجتماعي الذي يعتبر دستوراً لروج آفا وشمال سورية وتقول المادة التي تحمل الرقم 33: الديانة الإيزيدية ديانة مستقلة بذاتها, ولأتباعها وحدهم الحق في اصدار القوانين الخاصة بديانتهم. وسمحت للإيزيديين بافتتاح مقرات يجتمعون فيها ومدارس لتعليم الديانة الإيزيدية في القرى الإيزيدية في مقاطعة عفرين, وخصصت لهم مقاعد في المجلس التشريعي وحقائب وزارية في المجلس التنفيذي ومنها وزارة سيادية هي الخارجية, كما وجهت بأن يتواجد الإيزيديون في كافة مفاصل الادارة الذاتية, وخصصت في مقاطعة عفرين مبلغاً مالياً شهرياً لاتحاد الإيزيديين كمصروف بالاضافة الى مكافآت مادية شهرية لأعضائه, اضافة الى سيارتين ومقر واسع يجتمع فيه الإيزيديون.
وبعد إقرار تطبيق النظام الفدرالي فقد تقدم الإيزيديون وبكل حرية للترشح الى انتخابات الكومينات حيث فاز 15 منهم 8 نساء , وفي انتخابات مجالس البلدات والنواحي والمقاطعة خصصت للإيزيديين نسبة ( كوتا ) وفاز فيها 23 ايزيدي وايزيدية.
عسكرياً نحن لانجد ضرورة لأن يكون للإيزيديين قوات خاصة بهم, فالشباب والشابات الإيزيديين ينخرطون مع اخوتهم الكرد في وحدات حماية الشعب والمرأة وتمتزج دماءهم معاً ويحضنون بعضهم بكل محبة.
أما سياسياً, فأعتقد أن تأسيس حزب على أساس ديني في هذه الظروف سيضر بالإيزيديين أكثر مما ينفعهم, ولو كان قد تأسس مثل هذا الحزب قبل الأزمة السورية , وقبل ظهور داعش وجبهة النصرة , كان سيلعب دوره بشكل أفضل, أما الآن فنحن بحاجة الى رص الصفوف ونبذ التفرقة أكثر من أي وقت آخر. وما تهميش مجلس ايزيديي سورية الائتلاف السوري وحتى من قبل المجلس الوطني الكردي الا دليلاً على ما أشرت اليه أعلاه. وكل ماذكرته عن مقاطعة عفرين ينطبق على وضع ايزيديي اقليم الجزيرة.
عموماً نحن الإيزيديون في روج آفا الآن دستورياً وقانونياً وعسكرياً وسياسياً في أفضل حالاتنا, حيث لم نكن في يوم ما نتمتع بهذه الامتيازات والحقوق, ومع ذلك لم نصل بعد الى مانصبو اليه, لأن الوضع العام في روج آفا وشمال سورية في غاية الحساسية, حيث تتربص جهات عديدة للنيل منها, لذلك نحن بحاجة الى تكاتف كافة مكونات المنطقة المذكورة, والتمسك بالأولويات, ونضع نصب أعيننا بأن هناك أولويات هامة وهناك اولويات هامة جداً, وحسب قراءاتنا لما بين السطور وخطوات نظام فدرالية الشمال السوري لنا كل الثقة بأن هذا النظام سيمنح الإيزيديين كل ما كانوا يحلمون به , أي أكثر مما منحته لهم الادارة الذاتية الديمقراطية.
سليمان جعفر - عفرين