《قصة غزالي المأساوية في حملة فريق باشا》
خيري شنكالي

نبذة عن فرمان حافظ باشا
____________________

بدأت حملة حافظ باشا على ألأيزدية صيف 1837م ، كان الهدف منها قطع جذور ألأيزدية والقضاء عليهم وتأمين المواصلات للخط السلطاني بين موصل ودياربكر ، ومواجهة دينية بين المسلمين وألأيزديين وليست مواجهة المسلمين مع المسلمين، استمرت الحملة ثلاثة اشهر وكانت قوات حافظ باشا قد تقدمت من الجهة الغربية من جبل شنكال واقتحمت قوات الموصل واستقرت في الجهة الشرقية من الجبل بمنطقة صولاغ ، اخيرا تم تطويق الجبل من قبل قوات حافظ باشا بالكامل.
وكان عدد قوات العثمانيين يقدر بسبعة فرق عسكرية والمؤلفة من (18) الف جندي والنفير العام للعشائر وكبدت تلك القوات الخسائر امام المقاتلين الايزديين بالف قتيل ،سبعمائة منهم على ايدي ابناء المهركان والثلاثمائة الباقين قتلوا في المناطق المتفرقة من شنكال.
اما خسائر الايزديين فكان لتسليم الامير ميرزا بك بدون شروط مسبقة والبعض من وجهاء العشائر والقادة الميدانيين خسارة معنوية ، ادت هذه المعارك الى استشهاد الفان من الايزديين واسر وسبي مالا يقل عن ستة الآف من النساء والاطفال ، حيث تم اقتيادهم الى الموصل والبلدات المجاورة وتم بيعهم في سوق النخاسة واغتصابهن بطرق بشعة ، اضافة الى قتل المختبئين في الكهوف بالنار والدخان وتشتيت البعض منهم ونفيهم من المنطقة، اضافة الى نهب الاموال والممتلكات وحرق القرى والبساتين ، غنى الشعراء الشعبيين على هذه الحملة الدموية واشاروا بالدور البطولي لرجالات الايزدية امثال محما عفدو ومحمود اوسي واوسي مجدين واخرين كما كانت للمراة الايزدية الدور الهام في ميدان المعركة عندما قررت زريفا اوسي دوغو بالهجوم على المدفع العثماني برفقة محما عفدو في منطقة (بكرا) والانتصار عليهم ...قصة خطف غزالي المهركاني زوجة حسن الباعدري كانت احدى التراجيديات لأبشع انتهاك لحقوق الانسان وقد غنى بها الشعراء ايضا.

قصة حب تنتهي بالمآساة
____________________

حسن باعدري يحمل امتعته وينطلق من باعدري صوب جبل شنكال للبحث عن عمل ويتجول في قرى المنطقة واخيرا يذهب الى منزل عائلة غزالي وهو يبحث عن عمل ويصبح راعيا لديهم كاحد افراد العائلة ويشاركهم في السراء والضراء والاعمال اليومية وتعمق علاقاته الرومانسية مع غزالي مهركاني ويلتقي بها في بساتين التين وعلى بئر القرية واثناء حلب المواشي. ويذهبان معا الى جني حب الخضراء والعفص ، اضافة الى ذلك كان صيادا ماهرا.
كشفت حقيقة العلاقة الغرامية الطاهرة بين حسن وغزالي ولكن انكرت تلك العلاقة.
كالمعتاد.حسن باعدري ينهض كل صباح من النوم ويغسل وجهه ويسجد امام شروق الشمس ومن ثم يحمل امتعته وبندقيته ويقوم باخراج المواشي للرعي.
عند الظهيرة يقوم بحلب احدى المواشي ويخرج الخبز والتمر ويتناول الغداء ، وفي المساء يعود الى المنزل .وغزال تستقبله امام باحة الدار وبيدها سطل لغرض حلب المواشي . وبحجة ايجاد فرصة للتكلم مع حسن وتلتفت يمينا وشمالا ومن ثم تقول اهلي شعروا بعلاقاتنا وحذرتني امي بذلك وهددتني بالقتل فيما اذا شعر بعلاقاتنا ، وانا بدوري انكرت علاقتي بك.
انزعج حسن كثيرا ...امسك بقرون ماشية وقربها الى غزالي كي تحلب ...واثناء حلب المواشي اتفقا على الزواج عن طريق الخطف وجهزت نفسها ومع صياح ديك الفجر اتفقا ان يخرجا من القرية والتوجه نحو الجبل.
غزالي جهزت نفسها سرا واحضرت ملابسها كي تكون حاضرة متى ما صاح ديك الفجر حسب اتفاقها مع حسن.
حل الظلام في القرية .... فقط يسمع صوت ازيز الحشرات ونقيق الضفادع ،اطفئت القناديل وخلد الجميع الى النوم ... ولكن لن ينام (حسن وغزالي ) ابدا بسبب موعدهم ، وهما ينتظران صياح الديك.
مع صياح ديك الفجر رفع حسن رأسه ونهض من النوم (يزداد نبضات قلبه ) ، حمل بندقيته ال(نصراني) ونظر حواليه للتاكد بأن الجميع نائمين وتوجه خلسة الى فراش غزالي ، همس في اذنها انهضي يا حبيبتي لنسافر الى المجهول.
بالرغم من مخاوفها ، نهضت غزالي وفركت عينيها في الحال وحملت امتعتها وخرجا معا من القرية،بدء كلاب القرية بالعواء لشعورهم بالحركة في القرية ... وامسك حسن يدها واسرعا نحو الجبل .
وصلا مع شروق الشمس الى اعالي الجبل وهما في صباح ربيعي يتخلل بالاشجار والاعشاب والورود الملبدة بالندى مع تغريد الطيور وزقزقتهن ، وهما سعداء ببدء حياة جديدة في ارض جديدة بعيدا عن القرية والاعمال الشاقة والتكيف للعيش في الجبل والعيش على ثمار الاشجار والاعشاب والصيد.
تم البحث عنهما في القرى القريبة فلم يجدهما.
تزوجا وعاشوا حياة الجبل وسكنوا كهفا لخمس سنوات ورزقهما الله ببنت وولد.
في احدى الايام نهض حسن في الصباح وكالمعتاد بعد غسل وجهه والايدي ..سجد خاشعا امام قرص الشمس والتفت على الطفلين النائمين وقبلهما ومن ثم حمل بندقيته (نصراني) وقليلا من الطعام وذهب الى الصيد على قمة (ملي حسين)في جبل شنكال. ويصطاد ارنب بري ويعود الى البيت فاستقبلتهه ابنته بالركض والفرح كونه قد اصطاد لهم ارنبا. بينما غزالي منشغلة بطفلها الصغير .
تجمعت العائلة الصغيرة وبكل فرح وسرور حول الطعام لتناول العشاء وقضاء امسية جميلة ومن ثم اطفىء النور ورقدوا في النوم... مع سماع صوت الثعالب والحيوانات البرية الاخرى من خارج الكهف.
نهضت غزالي من النوم مفزعة، فسألها حسن هل رأيت كابوسا او حلما مزعجا ؟
فهزت رأسها....نعم رايت في المنام كان لديك( غزالة ) وقد جاؤا لصوص ملثمين ويرتدون ملابس سوداء وسرقوها.
اطمئنها حسن.وحمل امتعته.وذهب الى الصيد .
بدء الفرمان العثماني بقيادة حافظ باشا واحرق الاخضر واليابس والقتل والنهب والسبي واحتاحوا الجبل، وغزالي منهمكة في جمع الحطب لكي تقوم باشعال النار للطبخ وعندما اشعلت النار وصعد الدخان .
اشارة احد الجندرمة الى الدخان المتصاعد لجماعته في الجبل .
توجهت مفرزة من الجندرمة يقودهم ضابط نحو موقع الدخان ...تم تطويقه من جميع الجهات ومن ثم اقتحموا الكهف والقوا القبض على غزالي وامسكوها من شعرها وضربوها وبكي الاطفال فضربوهم ايضا واقتادوها كسبية مقيدة اليدين الى المصير المجهول.. حيث معسكر القوات العثمانية في صولاغ.
امسك بشعرها وادخلها الى خيمة القائد العثماني حافظ باشا ...اخذ تحية وقال (باشا ) هذه سبية جميلة نهديلك خصيصا .
امره القائدالعثماني....(اوغلم)ابني ...اتركها وانصرف الى واجبك .
بعد برهة من الزمن ...(سمع صوت الاذان )...نهض حافظ باشا من مكانه وصلى ثلاث ركعات ومن ثم التفت الى غزالي وصرخ بوجهها ... ياكافرة...؟.. انك ملكي واعمل بك ما اشاء... وهاجمها داخل الخيمة ومزق ملابسها وبعد اشباع غريزته الحيوانية ، عاد وصلى ثلاث ركعات اخرى وطلب من الله الغفران.
بينما اصبحت غزالي كالجثة الهامدة نفسيا وجسدا وروحيا. لكونها فقدت اغلى ما لديها وهو الشرف.
بعد ان سمع صوت المدافع والعيارات النارية عاد من الصيد مسرعا فارغ اليدين، عند وصوله الى الكهف لم يرى غزالي ولاحظ ابنه الصغير يعاني من الجوع وكذلك ابنته التي تنوح بكاءا على امها وقد وقعت عليها الصدمة والخوف بسبب الجندرمة. تقرب الى الاطفال وهدئهم وسألهم عن ماحدث؟ قالت الطفلة جاؤا (رومي) الجندرمة ودخلوا الكهف والقوا القبض على امي وامسكوها من شعرها وضربوها وبكينا ولكن ضربونا ايضا واقتادوها مقيدة اليدين الى المصير المجهول.
غضب حسن كثير ونهض اقسم بطاؤوس الملائكة اما ان يموت او ينقذ غزالي من ايدي المجرمين.
حمل بندقيته وتمنطق بالخنجر وقال لابنته لاتخافين سوف اعود اليكم ثم توجه نحو المعسكر في صولاغ.
الطفلان يبكيان على والديهما وخوفا من الظلام والعزلة .بينما يظهر لهما شخص نوراني ذو شعر ولحية بيضاء طويلة يدعي انه النبي (خدلياس) .يمنحهما رغيفين من الخبز الحار ويقول لاتخافا سيعود والديكما بسلام.......من ثم يختفي.
يصل المعسكر العثماني في قرية صولاغ و يتسلل بين الحراس من بين نباتات القصب والبردي ليصل الى خيمة القائد العثماني حافظ باشا الذي يحتجز غزالي.... رفع طرف الخيمة بهدوء وفي يده خنجر، شاهد القائد العثماني نائم ورأسه على فخذ غزالي ، وهي جالسة وتبكي على حالها وعائلتها الصغيرة ومصيرها.
شعرت غزالي بحركة غير طبيعية من طرف الخيمة .... التفتت اليه، واذا بحسن فاشار اليها بيده بالعودة... تعالي ....تعالي ...تعالي ....
اشارت غزالي بيدها على الرفض بالعودة خوفا .ولكن اصر واقترب اليها وسحب من يدها .
فوضعت رأسه بهدوء على ألأرض وخرجت من الخيمة.ثم همس حسن في اذنها....عندما نهرب امسكي بيدي، فاشارت برأسها بنعم.
اراد حسن ان يقتل الحرس الشخصي للقائد ومن ثم العودة الى الخيمة لقتله هو الاخر . قتل حسن الحرس بالخنجر واسرع باتجاه الخيمة.
ولكن امسكت غزالي بساقه بدلا من ان تمسك بيده ...فوقع على الارض مما شعر الحراس الباقين بحركة غير طبيعية.
ايتهمها حسن بالخائنة....امسك بيدها بالقوة ، وهرب بها بين نباتات القصب والبردي وانقذها ويهربان نحو الجبل تحت ظلام الليل مرورا بالمناطق المنخفظة والوديان ، عند اشراقة الصباح يتقربان من الكهف ويرون الطفلين وهما يأكلان الخبز الحار.
بعد ثلاثة اشهر من المعارك الطاحنة وانتهائها ... بحث ألأحياء عن اقربائهم وكانت عائلة غزالي قد قررت البحث عنها وزوجها ليطمئنوا عليهم. ويلتقي الجميع .. ويفرحون ببعضهم ، ويقررون العودة الى قريتهم الصغيرة .
(انتهت)
***
الهوامش والملاحظات :
_________________

١) حسن باعدري: من مواليد باعدري التابعة لقضاء الشيخان ، يبلغ من العمر 25 سنة الي من مواليد 1812 يرتدي الزي الفلكلوري لمنطقة شيخان (يشماغ/ صدرية/دشداشة قصيرة بيضاء /بشتك اصفر /شروال ابيض).(طويل القامة / نحيف/ حنطي الوجه ، نرجس العينين /ذو شوارب خفيفة).
٢) غزالي مهركاني:
من مواليد قضاء شنكال ، تبلغ من العمر 23 سنة اي من مواليد 1814م ترتدي الزي الفلكلوري لمنطقة شنكال (شعرك اسود وابيض/ يلك نسائي / زبون ابيض مع وجك ، لوندي اي اردان طويلة /دشداشة/ قلادة من الخرز في رقبتها.(متوسطة القامة/ممتلئة نوعا ما/ الوجه ابيض وبيضوية الشكل /العينان نرجسيتان / اشقر الشعر/ ذوجدائلتين طويلتين تتدلان في الخلف).
٣) هناك مصدران شفهيان يؤكدان قتل غزالي .
أ) عندما امسكت بساق حسن اثناء الهرب من المعسكر واعتبرها خائنة فقتلها في الطريق .
ب) بعد لقائهم ب (شقيق غزالي ) بعد انتهاء الحرب قص حسن ما جرى ل(غزالي ) مع القائد العثماني وباعتبارها جريمة دينية وجوب قتلها (غسلا للعار) فتم قتلها بالخنجر من قبل شقيقها.
٤) باعدري : باعذرة كان ومازال مركزا دينيا للديانة الايزدية وكان في حينها مقر الامير والباباشيخ تابعة لقضاء شيخان
٥) ميهركا: قرية صغيرة في سفح جبل شنكال تسكنها عشيرة الجوانا الايزدية المتمرسة على القتال والمعروفة بالشجاعة والمتشددة بالحفاظ على التقاليد الدينية .تقع القرية غرب قرية خانا شهوانيا وشرق قرية صولاغ ضمن عقار قضاء شنكال التي تبعد عن مركز محافظة نينوى 120 كلم غربا.
٦) سترانا غزالي ..... خلو شنكالي.


المصادر:
1- انظر كتاب (ل جيايي شنكالي قةبقةبا كةوي نيرة ، شةري حافد باشا و مةحةماي عةفدو)- خيري شنكالي
2- مآساة الايزديين ... حملة حافظ باشا على الايزديين سنة 1837 م- للدكتور عدنان زيان.
3- يةزيديةكان وئاييني يةزيدي ... شاكر فتاح.
4- سرد من القصص المتوارثة عن الحادث.
5 مجلة كاروان التي تصدر في اربيل العدد (10)