بين زمنين في بعشيقة وبحزاني!!

كفاح جمعة كنجي

الزمن الأول.. يمتد خزين ذاكرتي له من العام 1965 .. حينها كانت الاوضاع السياسية متقلبة بفعل الانقلابات. التي تتالت واستمرت .. لا اتعجب ابداً حين اعود بذاكرتي لتلك الفترة وانا أرى سكان البلدتين ومدى تعلقهم ودفاعهم عن قضية الشعب الكُردي.. وكيف أن بعضِ الناس في البلدتين كانوا يدفعون حتى حياتهم ثمنا للدفاع عن حق الكُرد المشروع في الحياة والمشاركة في الوطن وحق تقرير المصير.. ففي السبعينيات حكم على أربعة رجال اشداء من المنطقة بالإعدام .. بتهمة انتمائهم لحركة التحرر الكوردية التي كان يقودها الزعيم الراحل ملا مصطفى البارزاني.
وحين اشتدت قبضة النظام البعثي على عموم الشعب العراقي راحت الشبيبة في المنطقة تتحدى النظام وجبروته بأشكال مختلفة .. ففي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كان التحدي واضحاً حين اختار سكان المنطقة الاسماء الكوردية الصريحة الواضحة الدلالات لمواليدهم الجديدة فكانت الاسماء شيرين وبفرين وبختيار ونشتمان و جوتيار وبختيار وهفال هي المحببة لدى الناس.
التحدي الاكبر والاقوى يتمثل حين كانت الشبيبة هذه تتحدى النظام بإشعال النيران فوق الجبل بعيد نوروز في حين لم يكن للحزبين الرئيسين للكورد سوى قاعدة بسيطة في المنطقة مقتصرة على اشخاص محدودين ومعروفين لا يتجاوزون اصابع اليد الواحدة..
تحدي آخر كان حين كانت اعدادا من الشبيبة ترتدي الملابس الكوردية وتقلد البيشمركة في ذلك الوقت ،وقدمت شابين في سوح الشهادة في هذا الجانب هما وليد خدر علو وزهير سالم عمر في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات.
دفعت المنطقة لوحدها ما يقارب اربعين شهيداً في عمليات الانفال السيئة الصيت عام 1988 بين شاب ورجل وامرأة وطفل . ونادرا ماكنت تجد شاباً لا يحمل كاسيتاً للمغني الكردي الثائر شفان برور . الفضل في هذا يعود لسببين الاول مظلومية الشعب الكوردي والتربية الاممية التي غرسها الشيوعين في المنطقة في عقول وافكار شبابها وجماهيرها عموماً..
في التسعينات تعمقت صلات الشباب بالأحزاب الكوردية فظهرت لأول مرة تنظيمات للاتحاد الوطني الكوردستاني الى جنب تنظيمات البارتي طبعا لكن الغلبة في المنطقة كانت دائماً للشيوعيين لحد اليوم.
المرحلة الثانية.. تلت سقوط النظام المقبور بعد 2003. وحلت الاحزاب الكوردية بثقلها في المنطقة وفرضت سلطتها بحكم نفوذها المستمد من اربيل ودهوك .وقد شكلت مجلس بلدي اعضائه غير منتخبين قائم لحد الآن وتم تعين مدير ناحية ..وتقاسم البارتي والاتحاد النفوذ في المنطقة اداريا وحزبياً وعسكريا .
ومن السطور السابقة سيعتقد القارئ بديهياً ان الحزبين حين يحلان في المنطقة كسلطة فانهما سيعمقان بشدة قوة الرابطة والعلاقة بين اهل المنطقة وعموم المجتمع الكوردستاني بأحزابه ومنظماته وان مهمتهم ستكون سهلة في ذلك بحكم تعاطف غالبية السكان مع قضية الشعب الكوردي رغم ان اغلبهم لا يجيد التحدث بالكوردية..
للأسف الشديد حدث العكس فلم تتعمق العلاقة بل ضعفت كثيرا مع الاحزاب الكوردية لأسباب كثيرة. اهمها عدم الاهتمام بالمنطقة خدميا والركض لكسب العناصر البعثية الانتهازية وادخالها في صفوف الحزبين واختيار عناصر كلفوا بقيادة منظمتي الحزبين طيلة 14 عاما كان همهم الاول والاخير المصلحة الذاتية ومصلحة الحزب الضيقة .
فلا المجلس البلدي قدم شيء يذكر ولا مدير الناحية كان كفوءا. وتركوا انطباعا سلبيا في ذاكرة الناس ليس من السهل محوه. بالإضافة لتقليد اجهزة النظام السابق في التعامل مع الناس بالإكراه والترغيب والتهديد والقمع وهناك عشرات الحالات يخزنها اهل المنطقة في ذاكرتهم عن تصرفات ومآل الكوادر المحسوبين على الحزبين..
السؤال المهم والأهم الذي اريد ان اصل اليه..
هل ما جرى كان خافيا عن قيادة الحزبين بالأخص الحزب الديمقراطي الكوردستاني ؟
وان افترضنا أن الامور لم تكن خافية عليهم .. لما لم تلجأ لمعالجة الخلل ؟!!..
وان كانت تعلم وابقت الامور على حالها !!
فالسؤال الذي أبحث عن إجابة له..
فلماذا وما الغاية منه؟؟
المهم بقصد او بغير قصد .. الحزبين بالذات البارتي يتحملان مسؤولية ما وصلت اليه العلاقة بينها وبين سكان بعشيقة وبحزاني. الامر المفرح ان سكان المنطقة يُفرقون بين الشعب والاحزاب الكردية واكد لي الكثيرون.. ان التعاطف والتضامن الذي لقيناه من الشعب الكوردي في النزوح ابقى على قوة تلك العلاقة دون الحاجة لوسيط حزبي أياً كان لونه رغم ما تفرضه قوات الحكومة في اربيل من حصار (غير مبرر سياسياً وعسكرياً ) على حركة التنقل من المنطقة الى المدن الكوردستانية المجاورة حصارضاعف هموم سكان المنطقة اليومية .
كانون الاول 2017