+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مذكرات الفريق اول الركن نزار عبد الكريم الخزرجي

  1. #1
    أداري
    الحالة: bahzani-3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 6456
    تاريخ التسجيل: Aug 2016
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 5,435
    التقييم: 10

    مذكرات الفريق اول الركن نزار عبد الكريم الخزرجي

    Share on Facebook



    مذكرات الفريق اول الركن نزار عبد الكريم الخزرجي




    الجزء الاول

    الايام الاولى من حياة نزار الخزرجي

    ولدتُ في محلّة النبي شيت في مدينة الموصل في شمال العراق في 17/11/ 1936عندما كان والدي الرئيس (النقيب) عبد الكريم فيصل الخزرجيّ
    (((ولد في عام 1908 في محافظة ديالى، ودخل دورة أبناء العشائر في الكلية العسكرية في عام 1925. تخرّج في عام 1928 ضابطًا برتبة ملازم ثانٍ، فخدم في الوحدات الفاعلة، وشارك في حركات الأمن الداخلي، وحركة مايس [أيار/مايو] ضد القوات البريطانية في عام 1941، وتطوّع للقتال في حرب فلسطين، ولم يحصل على موافقة السلطات آنذاك فأحيل على التقاعد في عام 1959 برتبة عميد في فترة المد الشيوعي في عهد عبد الكريم قاسم، مع قائمة تزيد على 200 ضابط من القوميين العرب. توفي في عام 1994. أما مدرسة العشائر، فهي مدرسة افتتحتها السلطة الملكية لاحتواء تطلعات الشيوخ العشائريين وجذبهم إلى جانب الحكومة، وهو أسلوب عملت عليه السلطات العثمانية في حينه. قدّمت هذه المدرسة نخبة من خيرة الضباط للجيش العراقي))) ضابطًا في إحدى الوحدات العسكرية في معسكر الغزلانيّ الواقع جنوب المدينة على الطريق القديمة التي تربطها ببغداد، والتي تفصله عن المطار العسكري الواقع بين الطريق والضفة اليمنى لنهر دجلة. والدي تخرّج في الكلية العسكرية في عام 1928 الدورة الثانية لأبناء شيوخ العشائر (كانت خطة الحكومة العراقية آنذاك إدخال أبناء شيوخ العشائر العراقية المتعلمين في الكلية العسكرية لضمان ولائها للدولة الفتيّة)، وكان جدي فيصل محمد الجسّام الخزرجيّ أحد رؤساء عشائر قبيلة خزرج ((( عشيرة الخزرج من القبائل القحطانية، موطنها الأصلي سد مأرب في اليمن. بعد انهيار السد نزح أبناؤها وأولاد عمومتهم قبيلة الأوس إلى الجزيرة العربية، واستقروا في مدينة يثرب (المدينة المنورة)، وبايعوا الرسول محمد ودعوه إلى المجيء إلى يثرب بعدما اضطهده مشركو قريش، فهاجر إليها واستقر فيها. نصروا الرسول وشاركوا في حروبه وغزواته كافة، وأُطلق عليهم وعلى أبناء عمومتهم الأوس لقب الأنصار، وفي عهد الخلافة الراشدة شاركوا في حروب الفتح، وانتشروا في أنحاء العالم الإسلامي كافة ومنها العراق، واستقروا في محافظات ديالى وبغداد والموصل والبصرة ))) في لواء ديالى (محافظة ديالى كما أصبحت تدعى في ما بعد).

    وبعد اغتيال الفريق بكر صدقي، رئيس أركان الجيش العراقي، في قاعدة الموصل الجوية في 9 آب/أغسطس 1937 اعتُقل والدي مع ما سُمي الكتلة القومية من ضباط حامية الموصل لتسفيرهم إلى بغداد، ومحاكمتهم بتهمة اغتيال الفريق بكر صدقي





    ((( الفريق بكر صدقي العسكري (1886-1937)، ولد في قرية عسكر قرب كركوك، ومنها اتّخذ لقبه، وهو أحد الضباط الأكراد البارزين في الجيش العراقي، وكان قد تخرّج في المدرسة الحربية العثمانية في اسطنبول، وشارك في الحرب العالمية الأولى، ثم انضمّ إلى الجيش العراقي عند تشكيله في 6 كانون الثاني/يناير 1920، وبرزت شهرته بعد أن قضى بقسوة على تمرد الأشوريين في شمال العراق، وعلى تمرد العشائر العربية جنوبه. تولّى قيادة الفرقة الثانية، ومقرّها في كركوك، وقاد انقلابًا على حكومة ياسين الهاشمي ذي الميول القومية في 29/10/1936. أتى بحكومة رئسها حكمت سليمان ومجموعة من اليساريين لم تكن تنظر بالود إلى تطلعات الضباط القوميين الذين كان ياسين الهاشمي الضابط اللامع في الجيش العثماني سابقًا مثلهم الأعلى. تبوّأ منصب رئيس أركان الجيش بعد الانقلاب، وكان هو الحاكم الفعلي للعراق، اغتيل يوم 18/8/1937 في القاعدة الجوية في الموصل التي وصلها من بغداد جوًا مع قائد القوة الجوية العقيد الطيار محمد علي جواد واغتاله نائب العريف عبد الله العفري. واعترف القاتل بأن الضابط محمود هندي كلفه بتنفيذ عملية الاغتيال، وكان العقيد الركن فهمي سعيد، والضابط محمد خورشيد من مدبريها، فألقت السلطات القبض على مجموعة من الضباط القوميين بتهمة التآمر لاغتيال الفريق بكر صدقي عاقدة العزم على تسفيرهم إلى بغداد، فرفض آمر حامية الموصل اللواء الركن أمين العمري تسليمهم، وهدد بالانفصال عن بغداد، وأيدته بعض قطعات الجيش فاضطر الملك غازي إلى إقالة وزارة حكمت سليمان، وكُلف جميل المدفعي بتشكيلها، وأُعلن العفو عن الضباط المعتقلين
    ((( ولد جميل المدفعي في مدينة الموصل، وأتم دراسته العسكرية في اسطنبول، وتخرج ضابط مدفعية في عام 1911، وانضمّ إلى جمعية العهد. اشترك في حرب البلقان، وفي الحرب العالمية الأولى قاتل في القفقاس وفلسطين، وفي عام 1916 هرب من الجيش العثماني، وانضم إلى جيش الثورة العربية الذي كان يقوده الملك فيصل الأول في الحجاز، وكان قائدًا للمدفعية فيه، وبعد احتلال الشام عين قائدًا لموقع دمشق، وعمل مستشارًا للملك فيصل الأول في سورية، وشارك في ثورة العشرين ضد القوات البريطانية في العراق حيث قاد الحركات في الموصل وتلعفر ودير الزور. بعدها ذهب إلى الأردن حيث عيِّن متصرفًا للكرك ثم مديرًا للأمن، وعاد إلى العراق في عام 1923. عيِّن متصرفًا ثم وزيرًا للداخلية، وتولّى رئاسة الوزارة خمس مرات في الأعوام 1934 و1935 و1938و1941و1953. توفي في بغداد في 26/10/1958 ودفن في مقبرة الإمام الأعظم في بغداد (مقبرة الخيزران التاريخية)، إلى جانب قبر الشاعر الرصافي، وهو خال العقيد رفعت الحاج سري الذي يُعرف بأبي الضباط الأحرار ومؤسس تنظيمهم، أعدمه عبد الكريم قاسم مع ثلة من الضباط القوميين، ودفن بجانب قبر خاله )))



    ، فأصدرت عفوًا عن الضباط القوميين المتّهمين بالاغتيال.

    انتقل والدي إلى بغداد آمر سرية في الفوج الثاني في القوة الآلية، وبعد ترقيته إلى رئيس أول (رائد) عُيِّن في منصب معاون آمر الفوج الثاني في القوة نفسها، وعندما حصل الصدام بين الحكومة الوطنية وبريطانيا العظمى وكانت الحكومة برئاسة رشيد عالي الكيلاني




    ((( ولد رشيد عالي الكيلاني في عام 1892 في قرية السادات في محافظة ديالى، وهو من أحفاد الشيخ عبد القادر الكيلاني، القطب الصوفي المعروف. اشتهر بمناهضته الإنكليز، ودعوته إلى تحرير الدول العربية. تولّى مناصب سياسية عدّة، ورئس ثلاث حكومات في العهد الملكي. يُعدّ رمزًا من الرموز الوطنية العراقية في تلك الحقبة العصيبة من تاريخ العراق والأمة العربية. تحالف مع مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، ووثّق علاقاته بألمانيا وإيطاليا، وشكّل حكومة الإنقاذ الوطني في عام 1941 بمساندة العقداء الأربعة (المربع الذهبي). عارضت حكومته الإنكليز، وحاصرت قاعدتهم الرئيسة في سن الذبان (قاعدة الحبانيّة) في ما دعي بحركة مايس. هرب الكيلاني إلى خارج العراق بعد سيطرة القوات الإنكليزية، ولجأ أول الأمر إلى ألمانيا وشكّل الفيلق العربي ثم التجأ إلى السعودية بعد اندحار ألمانيا. رفض الملك عبد العزيز آل سعود تسليمه للسلطات العراقية على الرغم من الضغط الذي مورس عليه، عاد إلى العراق بعد قيام ثورة 14 تموز/يوليو 1958، وانتقد هيمنة الشيوعيين على زعيم الثورة عبد الكريم قاسم، اتُهم بالتآمر وحكم عليه بالإعدام ثم أُطلق سراحه، وغادر العراق إلى لبنان حيث توفي فيه عام 1965، وجُلب جثمانه إلى بغداد، ودفن بالحضرة الكيلانية مثوى أجداده من الأسرة الكيلانية )))
    ومسندة من العقداء الأربعة أو ما كان يُطلق عليهم المربع الذهبيّ




    ((( العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكامل شبيب أو من اصطُلح على تسميتهم بالمربع الذهبي، كانوا قادة التجمّع العروبي في الجيش العراقي، ساندوا حكومة رشيد عالي الكيلاني في حكومة الإنقاذ الوطني، واصطدموا بالقوات الإنكليزية في حركة مايس 1941. بعد فشلها هرب العقيد صلاح الصباغ إلى تركيا، والعقداء فهمي سعيد ومحمود سلمان ويونس السبعاوي وزير الشباب إلى إيران، ونُفي كامل شبيب إلى جنوب أفريقيا. وفي عام 1942 ألقى الإنكليز القبض على فهمي سعيد ومحمود سلمان ويونس السبعاوي في إيران، وسلموهم إلى العراق حيث نُفذ حكم الإعدام الصادر بحقهم، وأعيد كامل شبيب من معتقله في جنوب أفريقيا، ونفذ فيه حكم الإعدام في عام 1944، وسلّمت تركيا صلاح الصباغ فنُفذ به حكم الإعدام شنقًا صبيحة يوم 26/10/1945، وعُلّقت جثته أمام وزارة الدفاع لساعات عدة، وحضر الوصي عبد الإله لمشاهدته والتشفي به )))
    (العقيد الركن صلاح الصباغ والعقيد الركن فهمي سعيد والعقيد الركن كامل شبيب والعقيد الركن محمود سلمان) وخامسهم وزير الشباب يونس السبعاوي، وعرفت باسم حركة مايس (نشبت الحرب في الثاني من شهر مايس [أيار/مايو] 1941، وانتهت في الثلاثين منه)، قامت القوة الآلية بمحاصرة القاعدة الجوية البريطانية في الحبانيّة، التي تحميها قوات من الليفي


    ((( الليفي هي قوات عسكرية من المتطوعين في الجيش البريطاني أغلبيتهم من الطائفة الأشورية في العراق، وواجبها الرئيس حماية المعسكرات، والقواعد الجوية البريطانية في العراق. تشكلت على يد الرائد أيدي من قوات الهند البريطانية في عام 1915 باسم الكشافة العربية من عرب الأهوار، ثم توسعت لتصل في عام 1918 إلى 5467 فردًا من العرب والأكراد والميليشيات الأشورية التي شكلت أغلبية هذه القوات في ما بعد، وقد دُمجت في الجيش العراقي بعد حل هذه القوات في إثر تسليم البريطانيين قاعدتي الحبانيّة والشعيبة للحكومة العراقية بحضور الملك الراحل فيصل الثاني في الثاني من مايس [مايو/أيار] عام 1955. لمزيد من التفاصيل عن قوات الليفي العراقية انظر: العميد جي كيلبرت براون ( J Gilbert Browne, The Iraqi Levies) ترجمة، وتحقيق الدكتور مؤيد الونداوي نشره دار بنكه زين في السليمانية )))
    ، من التلال المشرفة عليها في سن الذبان، واكتفت بمشاغلتها بالقصف المدفعي والرمي المتبادل من دون صدور الأمر بمهاجمتها واحتلالها. كان آمر الفوج الثاني قد دخل المستشفى العسكري لمرضٍ أصابه فتولّى والدي قيادة الفوج الذي كان أحد آمري فصائله شقيقه الملازم الثاني إبراهيم فيصل الأنصاريّ
    ((( إبراهيم فيصل الأنصاريّ، الأخ الشقيق لوالدي. ولد في عام 1920 في محافظة ديالى، توفي والده وهو في الرابعة عشرة فتكفل والدي تربيته والإشراف على دراسته. دخل الكلية العسكرية في عام 1938 (الدورة 18)، وتخرج في عام 1940، وعيِّن بمنصب آمر فصيل في الفوج الثاني القوة الآلية الذي قاده أخوه الرائد عبد الكريم (والدي). ذهب في دورة إلى إنكلترا في عام 1948، وعاد منها معلمًا في مدرسة الأسلحة الخفيفة في معسكر الوشاش. دخل كلية الأركان وتخرّج فيها عام 1951. شغل عددًا من المناصب منها معاون آمر فوج، ومعلم في كلية الأركان، وشارك مع عبد الجبار شنشل في إنشاء كلية الأركان الأردنية في عمان. بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 عاد من الأردن، واستلم آمرية فوج في اللواء 15 في البصرة، وفي عام 1959 أُحيل على التقاعد مع أكثر من 200 ضابط من القوميين، ثم أعيد إلى الجيش بعد مرور موجة الشيوعيين، وعيِّن في منصب ضابط الركن الأول في قيادة الفرقة الثانية، وتولّى قيادة اللواء الخامس بالوكالة لمرض آمره العميد علي العاملي في معركتي باطوفة وملا عرب ضد المسلحين الأكراد. برزت شهرته منذ ذلك الحين فاضطر عبد الكريم قاسم إلى الموافقة على تثبيته في منصب آمر اللواء الخامس. وبعد ثورة رمضان عام 1963 عيِّن بمنصب قائد الفرقة الثانية التي أدارت عمليات مكافحة الحركات المسلحة الكردية بكفاية واقتدار. وبعد نكسة حزيران/يونيو اضطر عبد الرحمن عارف، رئيس الجمهورية آنذاك، إلى تعيينه رئيسًا لأركان الجيش. وفي ثورة 17 تموز/يوليو 1968 أُحيل على التقاعد عندما كان في زيارة مصر بدعوة من الرئيس عبد الناصر، لكن بعد إزاحة إبراهيم عبد الرحمن ونايف عبد الرزاق من الوزارة في 30 تموز/يوليو 1968 أُعيد إلى منصبه رئيسًا لأركان الجيش، واعتُقل في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، ليُطلق سراحه بعد سنتين ونصف سنة. توفي في بغداد في عام 2011 في إثر عودته من سورية التي أقام بها. أما سبب تلقبه بالأنصاريّ وليس الخزرجيّ فكان بتأثير أحد أبناء عمومته من الخزرج (العميد صفاء الدين الأنصاريّ) الذي زيّن له اللقب الديني بدلًا من اللقب العشائري )))




    وفي الأيام الأخيرة من الحرب اشتدّ القصف الجوي على القوة الآلية في سن الذبان، لثلاثة أيام متتابعة، وعندما هدأ في اليوم الرابع اكتُشف أن قوات بريطانية وقوات أردنية بقيادة الجنرال «أبو حنيك» (غلوب باشا) قائد قوات إمارة الأردن (الفيلق العربي)
    ((( الفيلق العربي (Arab Legion) هو تشكيل من القوات العربية شُكل بإشراف بريطاني من القبائل البدوية في ما كان يدعى بـ «شرق الأردن». نيطت قيادته بجون باغوت غلوب الذي تعارف البدو في العراق والأردن على تكنيته بـ «أبو حنيك» الذي تولّى القيادة منذ عام 1931 خلفًا للجنرال فريدريك بيك الذي أسّسه بصفة قوة كشافة الصحراء في عام 1920، ويعود الفضل إلى الجنرل غلوب باشا في تدريبه وتسليحه. استُخدم هذا الفيلق في تنفيذ سياسات بريطانيا، ومنها قيامه بالقضاء على مؤيدي حكومة فيشي في سورية ولبنان في عام 1940، والقضاء على حركة رشيد عالي الكيلاني في معركة سن الذبان التي يتحدّث عنها المؤلف، وأخيرًا استُخدمت وحدات منه للقتال إلى جانب القوات البريطانية في العلمين تحت قيادة الجنرال مونتغمري. أدى غلوب باشا أدوارًا مؤيدة للسياسة البريطانية في تقسيم فلسطين، وأثار حفيظة الشعب الأردني الذي طالب بإقصائه، فأقصاه الملك حسين مع عدد من الضباط البريطانيين الذين كانوا يؤلفون هيئة أركانه في عام 1956، وتسلّم اللواء راضي عذاب الأردني قيادة هذا الجيش بعد ذلك )))
    وأخرى من الليفي قد طوّقت القوة الآلية، واستولت على عجلاتها في مآويها في المناطق الخلفية، فقام والدي وأفراد فوجه بعملية خروجٍ قسريٍّ، وتمكنوا تحت قصف القوات البريطانية ورميها الشديد من الإفلات من التطويق بعد خسائر كبيرة. واتجهوا راجلين نحو الفلوجة، ووصلوا إلى الضفة الغربية من نهر الفرات، وقد أنهكهم التعب والعطش، فاقترح مساعد الفوج الرئيس سعد الله أخذ قسطٍ من الراحة لاستجماع قواهم قبل العبور إلى الجانب الآخر من النهر، واستلقوا منهكين ليفاجأوا بمدرّعات وناقلات جند العدو تحيط بهم. ووقع في الأسر معظم ضباط الفوج ومراتبه إلّا من تمكَّن من القفز إلى النهر والعبور إلى الجانب الآخر، وقد نُقل الضباط الأسرى إلى قاعدة الحبانيّة.

    أما الوالد فنُقل إلى فلسطين ثم إلى معسكر هاكستيب في القاهرة، وأُخضع لاستنطاقات مطوّلة، وأُعيد إلى العراق بعد أكثر من شهر ليجد أن ابنته الصغرى مكارم توفيت بعد هروبنا مشيًا إلى بيت عمّنا الكبير في إحدى المناطق الزراعية بالقرب من بلدة خان بني سعد شمال مدينة بغداد، في إثر تهدّم قسمٍ من دارنا في محلة الأرضروملي في جانب الكرخ في بغداد بالقصف الجوي البريطاني، وإصرار الوالدة على ترك العاصمة خشيةً منها على سلامة أولادها. أُصيبت أختي الصغرى مكارم، كان عمرها عامين، بالتهاب الأمعاء لشربها مياهًا ملوّثة من الساقية الصغيرة التي كانت المصدر الوحيد للمياه في تلك المنطقة المنعزلة في ريف خان بني سعد، وتوفيت ودفنت هناك. كما وجد أن معظم رفاقه من الضباط القوميين قد زُجّ بهم في السجون أو أُحيلوا على التقاعد، وعُيِّن معظمهم في وظائف مدنية بسيطة مثل مديرين لدوائر الإعاشة ودوائر العجزة. ولمّا كانت موجة الإحالة على التقاعد قد انتهت، نُقل الوالد إلى منصب آمر فوج في مدينة الديوانيّة جنوب العراق. وكان والدي كثيرًا ما يصطحبني معه إلى معسكر الفوج، وكنت أراقب في كل مرة بانبهار العرض الصباحيّ، وتقديم موجود ساحة العرض من الضباط والمراتب (ذوي الرتب دون الضابط) بالتسلسل، وصولًا إلى آمر الفوج الذي يأمر بالبدء في التدريب بعد استلامه الوحدة من معاونه، إذ تبدأ عندئذٍ تدريبات الفوج على السلاح، وتفتيش القاعات بأسرّتها وأغطيتها المرصوفة بانتظام في قاعات نوم الجنود، وحانوت الوحدة الذي يؤمّه الجنود بعد انتهاء التدريب، والعمل اليومي. وكثيرًا ما شدّتني عودته إلى البيت بعد انتهاء الدوام الرسمي ممتطيًا حصانه، ويعقبه بأمتارٍ عديدةٍ مراسله على حصانٍ آخر. ومن تلك الأيام تولَّد في قلبي وعقلي حبُّ الجندية واحترامها، وكنت أستعجل الأيام كي أعيش أنا أيضًا سحرها، ولم يدُر بخلدي أي طموحٍ آخر غير أن أكون كبيرًا بالقدر والأهمية كما كنت أرى والدي، خصوصًا وهو يأمر مئات الضباط والجنود بأن يداوموا على التدريب فيبدأ الجميع بالطاعة والتنفيذ.

    تزوّج والدي في الديوانيّة زوجته الثانية، وهي من مدينة الموصل، وأذكر أن والدتي (الوالدة من أقرباء أبي) استقبلتها والوالد عند وصولهما من دون تذمرٍ أو احتجاجٍ، ودلّتها على الغرفة المخصصة لها، وقبلت الهدايا التي جلبتها لها الزوجة الجديدة بهدوء، إذ كان الوالد حازمًا ومسيطرًا، ولم يسمح لهما بأي مناكفة أو خصام. وبعد مرور بضع سنين تولَّدت بينهما ألفة ومحبة ووئام، ولم تنجب الزوجة الثانية، فاستأذنت الوالدة في الاهتمام بأخي الصغير وتفرَّغت والدتي لي ولشقيقتيَّ. إضافةً إلى الزوجة الثانية، كانت الشيخة جدتي، وعمتي وزوجها وطفلاها يعيشون معنا في البيت نفسه، وكذلك ابنة عمتي اليتيمة، وأقارب آخرون يأتون ليبقوا أيامًا وأسابيع يقضون حاجاتهم ويذهبون، ولمّا عُيِّن أحد رفاق والدي من دورته في الكلية العسكرية من المحالين على وظيفة مدنية في الديوانيّة، ولم يعثر على سكن بقي وزوجته وابنه بضعة أشهر معنا إلى أن عثر على سكنٍ لائقٍ وانتقل إليه. وكان الوالد يعتبر ذلك أمرًا عاديًّا، فهكذا عاش أبوه الشيخ، إذ كان بيت الشّعر الذي عاش فيه شبابه ثم داره، ملجأ للأهل والأقارب والمحتاجين.

    دخلتُ المدرسة الابتدائية في الديوانيّة في عام 1943 تلميذًا في الصف الأول الابتدائي، وفي السنة التالية صار والدي آمرًا لأحد أفواج الفرقة الثانية في كركوك، فداومت هناك في مدرسة الملك غازي الابتدائية، وكانت كركوك آنذاك مدينةً يسكنها التركمان وأقلية من العرب والمسيحيين، وكان معظم تلامذة صفنا من التركمان، وكنت مع تلميذ آخر وتلميذين مسيحيين العرب الوحيدين. وكان التركمان يتحدثون في ما بينهم بلغتهم التركمانية المميّزة، على الرغم من أن الدراسة في المدرسة كانت باللغة العربية. وعندما أصبحتُ في الصف الثالث كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بهزيمة ألمانيا، وكان والدي يحكي لنا عن انتحار هتلر وإيفا براون وغوبلز وزوجته وأولادهما الستة تحاشيًا للوقوع أسرى لدى الجيوش السوفياتية وجيوش الحلفاء. وكانت الدموع تنسكب من عيوني وأنا أسمع والدي يصف تدمير قنابل طائرات الحلفاء مدن ألمانيا بأسرها، وأتذكر كيف هدموا دارنا بقنابلهم وتسببوا بموت أُختي، وكيف حاربهم أبي وعمي. ولمّا كانت قوافل وأرتال قواتهم تمرّ من أمام دارنا كنت أُشير لهم بعلامة (v) مقلوبة التي تعني الهزيمة والخذلان، أو هكذا كنت أفهمها، وأدخل بيتنا راكضًا، وفي الليل كنت أخرج إلى الشارع، وأرسم بالطباشير علامة السواستكا النازية [الصليب المعقوف] كي يروها عندما تمرّ أرتالهم بشارعنا في اليوم التالي.

    في عام 1946 نُقل الوالد إلى مدينة الموصل آمرًا لأحد أفواج حامية الموصل في معسكر الغزلاني، وداومت في المدرسة العراقية الابتدائية الواقعة على الشارع المؤدي من الباب الجديد إلى مركز المدينة مقابل المقبرة التي كنا نجتازها يوميًا إلى المدرسة من بيتنا في محلة السجن بمحاذاة القنصلية البريطانية. ومرة أخرى كان التلامذة في مدرستي يتكلمون العربية باللهجة الموصلية التي تطلّبت مني وقتًا لإجادتها والتحدث بها وفي تلك السنة اجتاحت الموصل أسراب الجراد وأكلت الأخضر واليابس، وتسببت بقحط شديد وندرة في الخبز والمواد الغذائية. وأذكر أن معلم اللغة العربية والدين كان يحثنا على قتل أكبر عدد منه، ويقول إن الله سيحسبها من محاسننا. وأذكر أيضًا الحفلة التي أحياها الفوج لمناسبة مولد الملك، وقد أُقيم مسرح كبير في حدائق الفوج، ومقابله مباشرة جلس الوالد ومن حوله ضباطه على مقاعد في الصف الأمامي، وخلفهم جلس على الأرض جنود وضباط صف الفوج، وكانت عشرات المصابيح الملونة تتلألأ أضواؤها على المسرح الذي كانت تقف عليه المغنية المعروفة سلطانة يوسف، وأمامها ميكروفون وخلفها أفراد الفرقة الموسيقية يعزفون وهم جلوس في مقاعدهم، وهي تهتز يمنة ويسرة، وتشدو بصوتها الجميل بأغانٍ عن حبها للملك والجيش وضباطه. وكان ذلك كله أشبه بالحلم الذي كنت لا أريد أن أصحو منه.

    كان الفوج يقوم بمسيرة تحمّل واحدة شهريًا من ثكنته في معسكر الغزلاني إلى مرقد النبي يونس في الجانب الأيسر من نهر دجلة. وكان والدي والضباط يمتطون خيولهم، والجنود بأسلحتهم يسيرون راجلين في رتلٍ ثلاثيٍّ، وسمح لي الوالد بمصاحبتهم في إحدى هذه المسيرات، وخصص لي حصانًا أحمر أمتطيه وأسير إلى جانبه، وهو على حصانه الأبيض، وكاد صدري ينفجر زهوًا، وأنا أنظر من علٍ إلى أهالي الموصل الذين يتابعون بفضول رتل فوج والدي، وهو يشق شوارع مدينتهم. كان في الدار المجاورة عائلة سليمان فؤاد بك، وهي عائلة معروفة في الموصل، ومن كبار ملّاك الأراضي الزراعية، وكان البيك من أصدقاء والدي. وكم كان منظره مهيبًا وهو يعود بعد انتهاء موسم الحصاد على حصانه محاطًا بعدد من الخيالة المسلحين بملابسهم العربية. وكانت زوجته أم عصام صديقة حميمة لوالدتي، لها طفلان عصام وأخته الصغيرة التي أصبحت بعد سنين زوجتي وأم أولادي. وكانت أم عصام سيدة لطيفة ومرحة تحب القيام بمقالب للأصدقاء، ففي أحد الأيام كانت الشيخة جدتي مستغرقة في قيلولتها في مجاز بيتنا، وعندما فتحت عينيها رأت شخصًا ملثمًا بملابسه العربية يقف عند رأسها يحدق إليها وبندقيته في يده، فهلعت جدتي وكاد قلبها يتوقف فأماط الملثم الغطاء عن وجهه، وكانت أم عصام وهي غارقة في الضحك لهلع جدتي وذعرها.

    في أحد الأيام كان الوالد مع مجموعة من الضباط، والأصدقاء يتسامرون في النادي العسكري، وتطرق الحديث إلى ثورة عام 1941 ومحاكمة أبطالها وإعدامهم، فقال والدي إن اللواء مصطفى راغب، قائد فرقته، كان عضوًا في المحكمة التي أصدرت أحكامها بإعدام قادة الجيش الوطنيين، فوخزه أحد أصدقائه من الجالسين، وهمس في إذنه طالبًا منه السكوت لأن أحد الجالسين هو ابن أخت اللواء مصطفى راغب
    ((( اللواء مصطفى راغب أحد قادة الجيش العراقي البارزين، وهو تركماني من مدينة كركوك، وكان عضو المحكمة العسكرية التي أصدرت أحكام الإعدام بالعقداء الأربعة (المربع الذهبيّ) بعد فشل ثورة مايس 1941. تولّى قيادة القوات العراقية في فلسطين عام 1948، وطلب إحالته على التقاعد بعد تدخل الفريق نوري الدين محمود في صلاحياته، وكانت بغداد قد أرسلته للإشراف والمتابعة )))
    لكن والدي استمرّ وقال بصوت عالٍ: «إني أذكر ما حدث ولا يمنعني وجود ابن أخت اللواء مصطفى راغب معنا من ذكر تلك الحقيقة». وبعد أيام صدر أمر بنقل المقدّم عبد الكريم فيصل الخزرجيّ من آمر فوج في حامية الموصل إلى مدير تجنيد مدينة كربلاء، وكانت تلك ضربة شديدة لوالدي حيث كان مثل هذا المنصب آنذاك للمرضى والعاجزين من الضباط.

    في كربلاء كان الصبية في محلتي يستغربون اللهجة التي أتكلم بها، فبعد أكثر من سنتين عشناها في مدينة الموصل اكتسبتُ لهجتهم في النطق والكلام التي تختلف كثيرًا عن لهجة أهل الجنوب. وغالبًا ما كانوا يتساءلون عن معنى هذه الكلمة أو تلك، ويعيدون لفظها بلهجتهم ويضحكون منها ساخرين. وفي ليلة أول جمعة لنا في مدينة كربلاء ذهبت مع العائلة لزيارة مراقد الأئمة الحسين سبط رسول الله (ﷺ)، وأخيه العباس، وانبهرنا بفخامتها وبهائها وتلألؤ آلاف المصابيح وانعكاسها على سقوف قبابها الذهبية، وجُدُرها المموّهة بالمرايا المزخرفة، وأقفاصها الذهبية المحيطة بمراقدهم، ومئات البشر نساء ورجالًا يدورون حولها يتباكون ويقبّلون قضبانها الذهبية، ويعلّقون شرائط من القماش الأخضر على قضبانها، كما أدهشني حارس الأحذية عند خروجنا، حيث التقط على الفور أحذيتنا من بين آلاف غيرها من دون أن يرفع نظره ليدقق النظر فينا.

    التقى والدي في كربلاء زميلًا له من دورته في الكلية العسكرية، وهو من أبناء شيوخ عشيرة العزة في محافظة ديالى، الرائد إبراهيم العزاويّ الذي كان من جملة الضباط القوميين الذين حاربوا الإنكليز في حركة مايس 1941، وأُحيل على التقاعد وعيِّن مديرًا لدار العجزة في كربلاء. وكان ابنه خليل في مثل عمري وكنا ندرس في المدرسة عينها وفي الصف نفسه، وعلى الفور ربطتنا صداقة استمرّت عشرات السنين.
    نشبت الحرب في فلسطين، وأُرسلت القوات العراقية للقتال فيها، فكتب والدي طلبًا لنقله إلى القوات التي تحرّكت إليها، ولم تأتِ الموافقة على طلبه، وأذكر جيدًا كيف كنا نلصق آذاننا بالمذياع كل مساء أربعاء لنسمع المونولوجيست عزيز علي وهو يهاجم الحكومة والسلطة، ويسخر من تقصيرهما في الحرب والسلم في مونولوغاته التي تذيعها (محطة الحكومة) محطة بغداد للإذاعة اللاسلكية كما كانت تدعى آنذاك. وكنت وأنا في ذلك العمر أجلب كتاب الأطلس المدرسي، وفيه خريطة الوطن العربي فأرسم أسهمًا تمثِّل جيوشًا تنطلق من الدول العربية، وتتجه كلها إلى قلب فلسطين لتحريرها من اليهود الغزاة المغتصبين.

    في العطلة الصيفيـة كان والدي يذهب بنا ليزور أخـاه في بغداد، ويتركني هنـاك لأُمضي فترة الصيف، فكنت أنتهزها لقراءة الكتب العسكرية التي تغص بها مكتبته الصغيرة في غرفة الجلوس. وكنت أعشق قراءة تاريخ الحرب العالمية الأولى، ومنها معارك الجيوش التركية والإنكليزية في العراق وحصار الكوت واستسلام الجنرال طاوزند للجنرال التركي خليل باشا، ومعارك الحرب العالمية الثانية، وكنت أكن إعجابًا لا حدود له للجنرالات الألمان، وأحفظ عن ظهر قلب أسماء وألقاب معظم قادتهم، وتفاصيل المعارك التي خاضوها، وانتصروا فيها على الروس والفرنسيين والإنكليز، حتى تلك التي خسروها كنت أتفهم أو أُحاول تبرير خسارتهم، ولم أنظر قط باحترام إلى أولئك القادة الذين انتصروا من الروس والإنكليز والأميركيين إذ كانت خسارتنا الحرب مع الإنكليز وإعدام قادتنا العسكريين لا يزالان عالقين بذهني. كان عمّي معلمًا في مدرسة الأسلحة الخفيفة في معسكر الوشاش، وأخذني معه مساء أحد الأيام، وكان في ذلك اليوم خفرًا، فتناولنا العشاء في مطعم المدرسة مع ضباط الدورات، وكان العشاء سمكًا، وفي اليوم التالي كان الاختبار الشفوي لضباط دورة الأسلحة، وكنت أجلس إلى جانبه فيُدخل ضابطًا بعد الآخر لأداء الامتحان، وكم كنت أشفق وأشعر بالأسى عندما يتعثر أحدهم في إجابته، وعندما كان والدي يعود لاصطحابي بعد انتهاء العطلة الصيفية كنت أترك جزءًا من عقلي وقلبي مع العمّ في بغداد.

    في عام 1947 كُلِّف أرشد العمري بتشكيل وزارةٍ خلفت وزارة توفيق السويدي
    ((( ولد توفيق السويدي في بغداد عام 1891 وشارك في شبابه بتأسيس جمعية «العربية الفتاة» التي تطالب باستقلال العرب عن الحكم العثماني. كان السويدي سياسيًا عراقيًا في العهد الملكي، تولّى منصب رئاسة الوزراء أربع مرات في الأعوام 1929 و1930 و1946 و1950 وتولّى منصب وزير خارجية حكومة الاتحاد الهاشمي في عام 1958، وسجن بعد إطاحة العهد الملكي ثم أطلق سراحه في عام 1961، فغادر العراق إلى لبنان حيث توفي عام 1968. كتب مذكراته: توفيق السويدي: مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية (بيروت: دار الكاتب العربي، 1969)، وله كتاب مهم آخر هو وجوه عراقية عبر التاريخ (بيروت: دار رياض الريس للنشر، 1987)، وقام فيه بالتعريف بشخصيات العهد الملكي الذين رافقهم وعايشهم )))


    ، وجاءت لقمع الحريات وتصفية الحياة الحزبية واضطهاد الصحافة، فإذ بها تدفع الأمور إلى التدهور والغليان الشعبي، وكان قد أُذيع قرار اللجنة البريطانية - الأميركية التي تؤكد تنفيذ قرار وعد بلفور بتقسيم فلسطين، وإقامة وطن قومي لليهود فيها. خرجت تظاهرات صاخبة اصطدمت بالشرطة في 28 حزيران/يونيو سقط فيها جرحى وقتلى، ثم تلتها حوادث (كاورباغي) التي نفَّذتها حكومة أرشد العمري
    ((( ولد أرشد العمري في الموصل في عام 1888 وأكمل دراسة الهندسة في اسطنبول. أهم أعماله ترميم المسجد الأقصى في زمن السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1908. عاد إلى العراق ليخوض المعترك السياسي، وتولّى رئاسة الوزارة مرتين في عام 1946 وفي عام 1954، وشغل منصب وزير الدفاع في عام 1948. توفي في عام 1978 عن عمر يناهز التسعين عامًا )))




    ضد تظاهرات عمال شركة النفط في كركوك، وكان الموسم الزراعي سيئًا وبرزت أزمة الخبز، الناس يصطفون في طوابير طويلة لاستلام الخبز الأسود، فسقطت حكومة العمري، وألّف صالح جبر
    ((( صالح جبر سياسي عراقي من أسرة فقيرة وغير مشهورة، ولد في الناصرية في عام 1895، واستوزر أول مرة في عام 1933 وزيرًا للمعارف، وعيِّن في مجلس الأعيان. انتُخب في عام 1947 رئيسًا لمجلس الأعيان، ثم اختير رئيسًا للوزراء في السنة نفسها، اضطرّ إلى الاستقالة بعد عقده معاهدة بورتسموث التي رفضها الشعب. توفي في عام 1957 )))


    حكومته قبل أن يسارع مع وفد رسمي كبير إلى إنكلترا لاستبدال معاهدة 1930 مع بريطانيا بمعاهدة جديدة سميت معاهدة بورتسموث (اسم المدينة التي وُقِّعت فيها المعاهدة)
    ((( بورتسموث: مدينة إنكليزية تقع على بحر المانش في جنوب إنكلترا، وقِّعت فيها في عام 1948 المعاهدة العراقية - البريطانية التي رفضها الشارع العراقي، واندلعت بسببها أعمال عنف استخدمت فيها قوات الأمن الرصاص الحي فأدّى هذا إلى استشهاد عدد من الشبان المتظاهرين )))
    ، لكن طلاب كلية الحقوق أضربوا احتجاجًا في 5 كانون الثاني/يناير 1948، فاعتُقل بعضهم، ولما احتجّ أساتذتهم اعتقلوا أيضًا، فخرجت في اليوم التالي تظاهرات صاخبة توجّهت إلى مجلس النواب للاحتجاج على الحكومة. وقِّعت المعاهدة يوم 15 كانون الثاني/يناير، لتنشر الأحزاب الوطنية بياناتها مندِّدة بالحكومة والمعاهدة يوم 18/1/1948، وتصاعدت موجة التظاهرات، فأصدرت الحكومة بيانًا هدَّدت فيه بقمعها بكل الوسائل والسبل، حتى حلّ يوم 20/1 فخرج طلبة كلية الشريعة بجببهم وعمائمهم البيضاء هاتفين بسقوط الحكومة وصالح جبر، فأطلقت الشرطة النار عليهم وسقط 4 قتلى وعددٌ من الجرحى.
    وفي اليوم التالي خرجت الجماهير لاستلام الجثث من المستشفى التعليمي، فعاودت الشرطة إطلاق النار عليهم وقتلت اثنين وجرحت آخرين. دعا الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله




    ((( الأمير عبد الإله بن الملك علي بن الشريف حسين الهاشميّ، ولد في مدينة الطائف بالحجاز في عام 1913، واستقر مع والده الملك علي بن الحسين وعائلته في العراق في كنف عمه الملك فيصل الأول بن الحسين (1883 - 1933) بعد أن تولت العائلة السعودية (آل سعود) مقاليد الأمور في الحجاز والجزيرة العربية. تلقّى علومه في كلية فكتوريا بالإسكندرية بمصر، وتزوج مَلَك حفظي ثم طلقها ليتزوج سيدة مصرية أخرى من عائلة الطرابلسي المعروفة، وبعد طلاقه منها تزوج هيام كريمة أمير ربيعة الشيخ محمد حبيب، وهو زواج لاقى رضى شعبيًا. اختير في عام 1939 ليكون وصيًا على عرش العراق، وخلعه ضباط المربع الذهبيّ وحكومة رشيد عالي الكيلاني في أيار/مايو 1941. عيِّن الشريف شرف بدلًا منه، ثم أعيد تنصيبه في عام 1941، وبقي وصيًا حتى عام 1953 حين تولّى ولاية العهد انتظارًا لزواج الملك وإنجابه ولي عهد من صلبه. لقي حتفه مع عائلته على يد الضباط الأحرار في ثورة 1958))) إلى اجتماع لرؤساء الأحزاب، وأصدر بيانًا بعد انتهائه جاء فيه: «إذا كان الشعب لا يريد هذه المعاهدة فنحن لا نريدها أيضًا». وفي يوم 25 كانون الثاني/يناير عاد رئيس الوزراء صالح جبر من إنكلترا متوعدًا، لكن طائرته لم تستطع النزول في مطار بغداد الذي كان محاطًا بآلاف المتظاهرين، فنزل في القاعدة الجوية البريطانية في الحبانيّة، ومنها استقل والوفد المرافق له العجلات المدرّعة متوجهًا إلى قصر الرحاب لمقابلة الوصي عبد الإله، واتّهم وكيله جمال بابان بالتهاون، وطلب من الوصي تخويله الصلاحيات الكافية ليقمع التظاهرات خلال 24 ساعة، وفي ليلة 26-27 كانون الثاني/يناير أصدر صالح جبر بيانًا حذّر فيه الشعب من الخروج بالتظاهرات، فإذ بعشرات الألوف من الجماهير يخرجون في اليوم التالي بتظاهراتٍ لم تشهد بغداد مثلها، من الأعظمية إلى الكاظمية، من جانب الرصافة ومن جانب الكرخ، والتقوا في جسر الشهداء، ففتح رجال الشرطة الذين اعتلوا سطوح المنازل ومنارات الجوامع نيران رشاشاتهم فقتلوا 40 وجرحوا 130 آخرين، وازداد الهياج فهاجمت الجماهير بعض مراكز الشرطة، وأضرمت النيران فيها فاستقال 20 نائبًا وبعض الوزراء، الأمر الذي اضطر الوصي إلى الذهاب إلى دار الإذاعة ليعلن إقالة وزارة صالح جبر وإلغاء المعاهدة، وتكليف الشيخ محمد الصدر(رجل دين شيعي)




    ((( ولد في سامراء في عام 1887 وأسس حزب الاستقلال. شارك في ثورة العشرين ضد الإنكليز ونفاه برسي كوكس في عام 1922. عاد إلى العراق في عام 1924، وتولّى رئاسة الوزراء بعد إقالة وزارة صالح جبر في إثر عقده معاهدة بورتسموث في عام 1948 ))) بتشكيل وزارة جديدة. كنت آنذاك في دار عمّي في الأعظمية، وجاء ابن عمّ لي وأخرجني معه، وعبرنا إلى جانب الكرخ حيث فاجأتنا التظاهرات الصاخبة وهتافاتها بسقوط صالح جبر ومعاهدة بورتسموث، وحدث إطلاق نار وسقط بعض الجرحى بالقرب منا، فأخذني ابن عمّي من يدي مسرعًا إلى فندق قريب ولم نستطع العودة لانقطاع الطرق والجسور، وكان الفندق مأوى للجرحى الذين يخشون الذهاب إلى المستشفيات لاتقاء أن تلقي الجهات الحكومية القبض عليهم، فأمضينا الليلة فيه بين أنين الجرحى وصراخهم، وفي اليوم التالي عدنا إلى بيت العمّ فألفيناهم وقد أخذ منهم اليأس والخوف


    الجزء الثاني

    وفي اليوم التالي عدنا إلى بيت العمّ فألفيناهم وقد أخذ منهم اليأس والخوف والقلق كل مأخذ. أنّبوا ابن عمّنا على سوء تصرفه وقلة إدراكه، وأُطلق على تلك الحوادث تسمية «وثبة كانون».

    في السنة التالية، نُقل والدي إلى بغداد وسكنا في دار تقع في أحد الشوارع الفرعية التي تربط شارع عمر بن عبد العزيز بشارع عشرين في الأعظمية، والتقيت صديقي خليل إبراهيم العزاويّ الذي استقال والده من دار العجزة في كربلاء وتفرّغ للأعمال الحرة في بغداد. أمضينا أوقاتًا جميلة في اللعب وقراءة القصص والروايات. وكان خليل متعصبًا للألمان مثلي، ويكنُّ البغض للإنكليز الذين قاتلهم أبوه وأحالوه على التقاعد. كنا نتبارى في معلوماتنا عن تاريخ الحرب العالمية الثانية وأهم المعارك التي دارت فيها، وأسماء القادة البارزين من الجانبين.

    كان لجماعة الإخوان المسلمين نشاط بارز في الأعظمية في تلك الأيام، وكانت تركز فيه على جمع الصبية وصغار السن في تنظيمها ليمارسوا الرياضة والسباحة بإشراف مدربين، ويتعلموا الصلاة إضافة إلى تلقينهم المبادئ الأساسية لفكر الجماعة. وانتظم معها معظم صبية المدارس، وكنت وخليل وأصدقاء آخرون من بعض هؤلاء، وأخذتنا الحماسة في أيامنا الأولى وكنا نلعب ونسبح ونصلّي ونتعلم دروس الجماعة ومبادئها، لكن كنا متحمسين أكثر للقيام بفاعليات أكثر وأكبر مما نقوم به داخل تنظيماتها مثل الخروج في تظاهرات والهتاف بسقوط الحكومة والتهاوش مع رجال الشرطة وغير ذلك. ولم يحدث أيٌّ من ذلك، فتركنا الجماعة إلى غير رجعة وعدنا إلى قراءة القصص والروايات والزيارات الأسبوعية لدور السينما في عروضها الصباحية لأفلام المغامرات، وكان يقلنا إليها سائق سيارة عائلة خليل العزاويّ من نوع «الفيات سفن ستارز»، ولم نمكث طويلًا في بغداد حيث نُقل الوالد إلى معسكر سعد في بعقوبة في لواء ديالى.
    في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى كنا على مقربة من أهلنا، وكانت دارنا لا تخلو يومًا من زيارة يقوم بها الأقارب وأبناء العشيرة، وكنا نحن أيضًا نزورهم في بلداتهم وقراهم، فتعرفت عن قرب إلى الحياة الريفية وبساطة الناس فيها وطيبتهم وكرمهم.

    وفي العطلة الصيفيّة جاءت عمتي وأولادها من مدينة البصرة، وكان فؤاد بكرها يكبرني ببضعة أشهر، فدعانا أحد أبناء عمومة والدي إلى قريتهم واسمها «كصيبة» في شرق بعقوبة، على الطريق إلى شهربان وخانقين، فركبنا أنا وفؤاد القطار إلى محطة أم الهوا التي لا تبعد أكثر من عشرين دقيقة عن بعقوبة، ووجدنا فيها أحد الأقارب ينتظرنا مع حصانين، فانطلقنا راكبين إلى القرية، وكان الشيخ «سَبِـعْ» ابن عمّ الوالد يقطن في بيت كبير مبني من الطين، وبجانبه مضيف كبير مفروش بالبسط والمدّات الطويلة الملونة، يؤمّه رجال القرية نهارًا وتُدقّ القهوة، ويوزّعها أحد أبنائه عليهم. كنا نتناول عشاءنا بعد غياب الشمس مباشرة، وفي المساء تقام الجلسات في الخارج على الدكات الطينيّة الممتدة على هيئة مستطيل بعد أن تُفرش بالبسط والمدات، وتدار القهوة على الضيوف، ويجري تبادل الأحاديث التي لا تخرج عن نطاق حوادث ما مروا به في نهارهم وعن الزرع والسقي ومواشيهم وأبقارهم، وأدهشتني بساطة هؤلاء الناس وقلة حاجاتهم وبساطتها. كنا ننام على الدكات خارج المضيف، ونستيقظ مع شروق الشمس على صوت الخراف، وزوجة العمّ سَبِـعْ وبناته يحلبنها، ويُعَد فطورنا من خبز الشعير الحار المغموس بالحليب والدهن، بعدها نركب الخيول مع أحد أولاده، ونذهب لنسقيها في ساقية القرية، ونذهب إلى «المحلة» خارج القرية حيث تتكوّم أكداس محاصيل الحنطة والشعير التي يذروها ويُنقّيها أهالي القرية ومزارعوها.
    وفي السنة التي تلت ذهبنا إلى ابن عمّ آخر لوالدي في قرية زاغنية التي تقع على نهر خريسان، وهي قرية كبيرة فيها مقهى وحيد ومذياع يعمل على بطاريّة قديمة للعجلات، محاطة بالبساتين الغنيّة بالبرتقال والرمان والعنب والإجاص. وكنا نذهب إلى بساتين العمّ ونحن نمتطي الحمير التي تسير بتؤدة وثقة على طريق البساتين الترابية الضيقة، وتتوقف طوعًا عند باب بستانهم. وكانت أثمار الأشجار تتدلّى بمنظر يخلب الألباب من دون أن نحاول قطفها، وصدق المثل الذي يقول: «عندما تمتلئ العين تمتلئ المعدة». أثّرت فيَّ حياة القرية وأحببتها لبساطتها وطيبة أهلها وقناعتهم وكرمهم وصدقهم.

    في تشرين الثاني/نوفمبر 1952 حدثت اضرابات وتظاهرات عارمة في بغداد وبقية مدن العراق في ما دُعي «وثبة تشرين»، حيث أضرب عمال الموانئ في مدينة البصرة مطالبين بحقوقهم، ولجأت الحكومة إلى وقف الإضراب بالقوة، وسقط عدد من الجرحى والقتلى في صفوف المضربين، الأمر الذي حدا الأحزاب الوطنية إلى تقديم المذكرات إلى الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله، وأوردت فيها شرحًا وافيًا لمدى التدهور الحاصل في أوضاع البلد، لكن الوصي تجاهل تلك المطالب، وتطاول على الفريق طه الهاشميّ




    (((الفريق طه الهاشميّ، عسكري وسياسي عراقي ولد في عام 1888 وتخرّج في المدرسة العسكرية في اسطنبول عام 1906، ثم تخرّج في كلية الأركان برتبة رئيس في عام 1909. شارك في حرب البلقان عام 1912، والتحق بـ «جمعية العهد» السريّة برئاسة عزيز المصري في عام 1913، وبالجيش العثماني باليمن في فترة 1914 - 1918، أسره الإنكليز في عام 1919. عيّنه الملك فيصل مديرًا للأمن العام في دمشق. عاد إلى العراق، فعيّنه الملك فيصل آمرًا لحامية الموصل ثم رئيسًا لأركان الجيش في عام 1923، قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع في عام 1938. وفي شباط/فبراير 1941 أصبح رئيسًا للوزراء لمدة شهرين، وشارك في تأسيس الجبهة الشعبية في عام 1951 قبل أن يرئسها. تولّى في عام 1953 منصب نائب رئيس مجلس الإعمار حتى عام 1958. توفي في أحد مستشفيات لندن في عام 1961 ))) في مؤتمر حضره قادة الأحزاب في البلاط الملكي، فأصابت الجماهير حالة من الغليان أنذرت بانفجار عنيف، وجاء قرار عمادة كلية الصيدلة القاضي باعتبار الطالب المعيد لدرس ما معيدًا للدروس كافة ليثير غضب الطلاب الذين سارعوا إلى إعلان الإضراب في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1952، فعجّلت وزارة الصحة في إلغاء قرار عمادة كلية الصيدلة إلّا أن مجهولين اعتدوا في اليوم التالي داخل الحرم الجامعي على ناشطين من الطلاب، الأمر الذي أدّى إلى قيام تظاهرات طالبية، وإعلان طلاب الكليات كافة الإضراب، ثم تبعتهم المدارس الثانوية والمتوسطة في 22/11/1952.

    وتطوّرت التظاهرات إلى مطالب سياسية تطالب بتحقيق مطالب الأحزاب التي قدمتها للوصي على عرش العراق. وكان انطلاق التظاهرات الشعبية من محلة الفضل في جانب الرصافة في بغداد حيث تصدت لهم الشرطة، ووقعت معارك سقط في إثرها قتيل وجرح 14 متظاهرًا فيما أُصيب 38 شرطيًّا. وفي عقب تدهور الوضع سارع مصطفى العمري



    ((( ولد مصطفى محمود العمري في مدينة الموصل عام 1894 في أسرة كبيرة عُرفت بالأدب والعلم واليسر، وهي الأسرة العمرية. أكمل الدراسة الأولية في بلدته ثم دخل مدرسة الحقوق ببغداد، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى قطع دراسته، فالتحق ضابطًا احتياطيًّا في الجيش العثماني، لكنه وقع أسيرًا في يد القوات البريطانية في جبهة الغراف. وبعد انتهاء الحرب أطلق سراحه وعاد إلى وطنه، فنال شهادة الحقوق وفي الوقت نفسه دخل الوظيفة الحكومية، ثم تولّى مناصب إدارية مختلفة، وتدرج في السلك الوظيفي حتى وصل إلى درجة المتصرف، وتولّى متصرفية عدد من الألوية العراقية. في عام 1936 تولّى منصب مدير المحاسبات العامة قبل أن يتوجّه إلى وزارة الداخلية ثم العدلية في السنة التالية، وانتخب نائبًا وعيّن في دورات متتالية حتى أسندت إليه رئاسة الوزراء في 12 تموز/يوليو 1952، وشهدت وزارته قيام الثورة، وسقوط النظام الملكي في مصر، الأمر الذي أثر كثيرًا في دفع الحركة الوطنية العراقية، وقيام انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 1952 وسقوط وزارته، وتشكيل حكومة طوارئ برئاسة الفريق نور الدين محمود. عُرف العمري إداريًا كفيًّا وحازمًا، غير أن عمله السياسي كان عملًا تقليديًا، وهناك من وجّه إليه تهمًا شتى. توفي في عام 1960 ))) ، رئيس الوزراء، إلى تقديم استقالته إلى الوصي. وفي يوم 23 ازدادت التظاهرات وهاجم المتظاهرون مراكز الشرطة، واستولوا على أسلحتهم وحرقوا مركز الاستعلامات الأميركي، فقتل 12 متظاهرًا. وفي المساء أُنزلت الشرطة السيارة واصطدمت بالمتظاهرين فقتل 23 متظاهرًا، و4 من رجال الشرطة. قبِلَ الوصي استقالة مصطفى العمري، وكلّف الفريق نور الدين محمود




    ((( نور الدين محمود، ولد في مدينة الموصل وهو من أصول كردية. درس في الإعدادية العسكرية في بغداد وتخرج برتبة نائب ضابط. ترقى في الحرب العالمية الأولى إلى رتبة ملازم ثانٍ، وشارك في المعارك حول بغداد، ثم انسحب مع فرقته بعد سقوطها في يد الإنكليز. أسره الإنكليز في معركة هيت ثم التحق بالجيش العراقي في عام 1921. دخل كلية الأركان الأولى في عام 1929، وحلّ الأول بين رفاقه، وشارك في حرب فلسطين، وتولّى رئاسة أركان الجيش ثم رئاسة الوزراء بعد «وثبة تشرين» 1952 حتى عام 1953. توفي في بغداد عام 1981 ))) ، رئيس أركان الجيش، بتشكيل الوزارة، وانتشر الجيش في شوارع بغداد وبقية المدن، وسارعت حكومة نور الدين محمود إلى إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العرفية. وأعلنت حلَّ الأحزاب ووقْفَ معظم الصحف، وقام الجيش بالتصدي للتظاهرات، فقُتل 8 متظاهرين وجُرح 84، فأصدر أمرًا بمنع التجول من الساعة السادسة مساء حتى السادسة صباحًا.

    وفي الليلة نفسها قام باعتقال أكثر من 3000 مواطن من بينهم 220 من الوزراء السابقين والنواب والصحافيين ورؤساء الأحزاب وشخصيات سياسية معروفة. وحكمت المحاكم العرفية على اثنين بالإعدام وعلى 958 بالسجن لمدد مختلفة. وأصدرت الحكومة عددًا من المراسيم لتخفيض الرسوم المفروضة على المواد الغذائية وعلى البضائع المستوردة، والمرسوم رقم 6 بتعديل قانون الانتخاب وجعله على مرحلة واحدة، أي ليكون انتخابًا مباشرًا .

    حدثت تظاهرات مشابهة في مدينة بعقوبة، فخرجتُ بها مع عددٍ كبيرٍ من الطلبة والمواطنين. وكان هتافنا الرئيس «ماذا تريدون؟ خبزًا لا رصاصًا». واتّجهت التظاهرة إلى مديرية شرطة بعقوبة، وشاهدت رجال الشرطة ورشاشاتهم من نوع «برن» يقفون في أعلى بناية المديرية، ونحن نهتف ونشير نحوهم بقبضاتنا مهدّدين. فجأة انطلقت نيران الرشاشات (كان الرمي إلى أعلى، ولم تصوّب النيران إلى أي من المتظاهرين)، وأذكر أن أحد الأئمة بجلبابه وطربوشه الأبيض والأحمر صرخ بنا «امتدّوا»، وتمدد هو على حافة الشارع حيث تجري المياه الوسخة السوداء، وتلوّث جلبابه وطربوشه، حيث دفن رأسه ليحتمي بين الشارع والرصيف. ولمحتُ على جانب الشارع دكانًا مفتوحًا فقفزت إليه لأحتمي، وبالكاد وجدت مكانًا إذ سبقني إليه العشرات من المتظاهرين.

    عدت إلى البيت، وقد اختفى صوتي من الهتافات، ولمّا جاء والدي قال: «اتصل بي مدير شرطة البلدة وأخبرني بأنك كنت في التظاهرة ومن الهتافين فيها»، وسألني: «هل أنت شيوعي؟». فقلت: «لا». قال: «لماذا خرجت في تظاهرة يقودها هؤلاء؟». فوعدته ألّا أُكرّرها في المستقبل.

    بعد تجارب غير مشجعة في التظاهر انتهت إحداها بليلة رعب مع صراخ الجرحى والمصابين وأنينهم في فندق متواضع في جانب الكرخ من بغداد، كما ذكرتُ، (وثبة كانون 1948)، وأخرى خُتمت بفقدان صوتي وتأنيب عنيف من والدي وسؤاله إن كنتُ شيوعيًا (وثبة تشرين 1952) اتجهت إلى القراءة بكل جوارحي، وكنت أمضي معظم أوقاتي بعد انتهاء الدوام في مدرستي في قراءة الروايات والقصص التي كنت أضعها وسط الكتب المدرسية التي أتظاهر بقراءتها. ولمّا اكتشفت أختي ذلك توسلتُ إليها بحفظ السر وعدم إخبار الوالد.

    وفي تلك السن المبكرة كنت أدخر معظم مصروفي اليومي لشراء الطبعات الشعبية من الكتب التي كانت تزخر بها المكتبات في العهد الملكي، فقرأت لطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وجرجي زيدان وآخرين من الكتاب العرب، ودوستويفسكي وتشارلز ديكنز وسارتر وكافكا الذي أصبتُ بكآبة بعد قراءة روايته الصرصار، ولم تسلم كتب المغامرات والقصص البوليسية من نهمي إلى القراءة، إضافة إلى الكتب العسكرية وكتب الحروب من مكتبة الوالد.
    لم تكن لي اهتمامات سياسية عدا شغفي بكل ما هو عربي، وكنت أميل إلى حركة القوميين السوريين وزعيمهم أنطون سعادة لدعوتهم إلى توحيد سوريا الكبرى، ولنزعتهم إلى الانضباط والتنظيم، ولم أكن قد اطلعت على فكرهم أو فلسفتهم، بل أن دعوتهم إلى التوحيد هي ما جذبني. وفي عام 1953 كتب خليل العاني، أستاذ التاريخ في ثانوية ديالى للبنين، على لوح الصف الأسود بخط كبير (حزب البعث العربي)، وشرح ماهية الحزب وفكره ودعوته إلى الوحدة العربية والتحرّر والعدالة الاجتماعية. وذكر أن قادة الحزب قاتلوا اليهود في فلسطين متطوِّعين في عام 1948، وذكر اسمي ميشيل عفلق وصلاح البيطار مؤسِّسي الحزب. وكانت تلك أول مرة أسمع بها باسم الحزب، فوجدت أنه أشمل وأوسع مما كان القوميون السوريون يدعون إليه، ومع ذلك لم أعر الأمر كثيرًا من الاهتمام، وانصرفت إلى هوايتي المحببة القراءة، وإلى الآفاق التي تفتحها أمامي لمختلف نواحي الحياة، فعدا هواية ركوب الخيل التي كنت أُمارسها في العطلة الصيفية عند أعمامي في قرية «كصيبة»، وكنت أمارس رياضة الجري للمسافات القصيرة والطفر الطويل (الوثب العالي)، وكانت نتائجي طيبة في السباقات المدرسية على الرغم من أنني لم أحصل على المرتبة الأولى، وبقيت غالبًا ضمن المراكز الثلاثة المتقدّمة، وكان لي إسوة بطل العراق والدول العربية في الطفر الطويل، والطفرة الثلاثية جارنا عبد الستار عبد الرزاق العزاوي الذي كان يشجعنا على ذلك.

    كان والدي يعاني عدم ترقيته إلى رتبة عقيد، وكانت جداول الترقية تصدر مرتين في السنة في 6 كانون الثاني/يناير الذي هو يوم الجيش، وفي 12 أيلول/سبتمبر كما أتذكر كانت جداول ترقية الضباط تذاع من إذاعة بغداد، وفي كل مرة لا يرد اسم والدي فيها على الرغم من توافر كل الشروط فيه. واستمرّ ذلك أربع سنين متوالية (ثمانية جداول) حتى عيِّن عمي الذي كان برتبة رائد ركن في إحدى دوائر رئاسة أركان الجيش، فوقعت بين يديه الإضبارة الخاصّة بالوالد فتصفحها، ووجد تقريرًا من اللواء مصطفى راغب قائده السابق عندما كان آمرًا لفوج في حامية الموصل يوصي بعدم ترقيته، فانتزع عمّي التقرير ومزقه وترقى والدي إلى رتبة عقيد في الجدول الذي تلا هذه الحادثة. وعندها أخبرنا عمي بما حدث، وقال: «مزّقتها لأني أعرف مقدرته، وكفاءته، وليس لأنه أخي».

    في السنة الدراسية 1954/1955 أنهيت دراستي الثانوية، وتقدمت إلى كلية القوة الجوية والكلية العسكرية، ولمّا سمعت والدتي بتقدمي إلى الكلية الجوية أصرّت على سحب أوراقي على الرغم من أني اجتزت الفحوص الطبيّة كافة، وأجريت المقابلة مع لجنة القبول للكلية العسكرية في إحدى غرف الطبقة الأولى من وزارة الدفاع. وكانت اللجنة من ثلاثة ضباط، الأقدم منهم برتبة عميد. عندما دخلت كانت إضبارتي على المنضدة، فسألني أقدمهم لماذا أريد دخول الكلية العسكرية، وهل لي أقارب في الجيش؟ فذكرت اسم والدي وعمي ورتبهم ومواقعهم، فاكتفوا بذلك وانصرفت.

    بعد أيام عدة، وجدت اسمي في القائمة المعلّقة في دائرة الإدارة، وفيها موعد التحاقنا بالكلية العسكرية في الرستميّة بمعسكر الرشيد. التحقت ونُسبت إلى الفصيل 14 (آمره الرئيس أحمد علي عثمان) من السريّة الثالثة (آمرها المقدّم بدر الدين علي)، وكان عريف الفصيل التلميذ كنعان توفيق (من الدورة المتقدّمة أي السنة النهائية في الكلية) من بلدة بعقوبة، ووالده العقيد توفيق مع والدي في معسكر سعد ببعقوبة وصديقه. ولم يشفع لي ذلك كله فأخذني مسرعًا إلى أبو جريان، أشهر حلاقي الكلية وأقدمهم فأجلسني هذا على مقعد الحلاقة، والدخان يتطاير من السيكارة المعلقة بين شفتيه، ولف خرقة بيضاء حول رقبتي، وببضع حركات فحسب حلق شعر رأسي «نمرة صفر»، وربّت أبو جريان على كتفي، ونظرت في المرآة فشاهدت شخصًا كدتُ ألّا أعرفه، والعريف كنعان ينظر إلي وابتسامة واسعة تملأ وجهه.

    النظام والانضباط والطاعة هي الشعارات التي تعمل الكلية بكوادرها ومدربيها لتحيل الفتية التي دخلوها إلى رجال يتحملون مسؤولية الدفاع عن الوطن وسلامته، وذلك ما كنت أحلم به وأتمناه، لكن ليس كل ما يطلب المرء يدركه، إذ كنتُ مخالفًا بشكل ما من دون قصد أو تعمّد. ومعظم مخالفاتي كانت إما لارتدائي الملابس المدنية في عطل نهاية الأسبوع، أو حصيلة التفتيش الأسبوعي الذي يسبق ذهابنا إلى الأهل يوم الخميس.

    كان بيت عمّي في نهاية الأربعينيات في محلة رأس الحواش في الأعظمية لا يبعد كثيرًا عن دار فاروق صبري، الطالب في الكلية العسكرية آنذاك، وغالبًا ما كنت أراه في ملابسه الكاكي الجميلة التي كان طلبة الكلية العسكرية يرتدونها يومها وأحلم بارتدائها يومًا ما، وهي تختلف عن بدلاتنا الزرقاء وبناطيلها ذات الخطوط الحمراء التي تختلف تمامًا عن الصورة التي كنت أحملها لفاروق صبري وبدلته، فكرهت ارتداءها، وغالبًا ما كان طلبة الصفوف المتقدّمة «يقنصونني» مرتديًا الملابس المدنية في عطل نهاية الأسبوع وأعاقَب عليها.

    كان سريري في قاعة منامتنا في الكلية يقع بين سرير الطالب أكرم الجراح (كنا نطلق عليه اسم أكرم الجبليّ، وهو تركماني من كركوك) عن يميني، ورياض أحمد الأعظمي (وكنا نطلق عليه اسم رياض الأحمر نسبة إلى لون شعره) عن يساري، وكان هذان الطالبان متميِّزين في ترتيب خزانتيهما وفراشهما، وصبغ أحذيتهما في التفتيش الأسبوعي. ومهما كنت أحاول بقيت خزانتي وفراشي وأحذيتي نشازًا بينهما، وكانت النتيجة دائمًا عقوبة الحرمان من إذن الخروج، وساعتيْ تدريب إضافي.

    وهداني الله إلى حل ساعدني نسبيًّا، بالالتجاء إلى صديقي عبد الرزاق محمود في السرير المقابل لي، الذي لم يكن أقل تميزًا من جاريّ رياض وأكرم، فكنت أقوم في الليلة التي تسبق التفتيش الأسبوعي بنثر محتويات خزانتي على الفراش متظاهرًا بمحاولة ترتيبها، ثم أتركها وعلامات الخيبة على وجهي، وعبد الرزاق محمود يرمقني بين فينة وأخرى ثم يأتي ويسألني عن المشكلة، فأشير إلى كومة الملابس، وأذكّره بأنني للأسبوع الثالث لم أذهب إلى أهلي، فتدب النخوة لدى صديقي العزيز، ويقوم بترتيبها قطعة بعد أخرى وهو يدمدم، ويقول إن هذه آخر مرة يساعدني فيها، فأنهض وأقبّله شاكرًا، وفي الأسبوع الذي يليه يُكرّر المشهد عينه.

    في نهاية السنة الأولى انتقلت الكلية لفترة التدريب الإجمالي لطلبة الدورتين المستجدة والمتوسطة (طلبة الدورة المتقدّمة كانوا قد تخرجوا ضباطًا) إلى معسكر سكرين قرب مصيف سرسنك في المناطق الجبلية من محافظة الموصل. وكان للملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله قصر صغير في سرسنك يمضيان فيه بعض أشهر الصيف بعيدًا عن حر بغداد. كانا يزوران معسكرنا التدريبي في سيارة حمراء صغيرة مكشوفة، ويتابعان تدريب الطلبة من بعيد.





    وفي يوم الجمعة الأولى لوصولنا إلى المعسكر أقاما دعوة غداء لضباط الكلية وطلبتها، وقدّم الطلبة عرضًا للقفز في الماء في حوض سباحة القصر، ووزع الملك والأمير بعد انتهائه ساعات وأقلام حبر بين من شاركوا.



    بعد الغداء تناولنا الشاي في قاعة القصر، وكانت صورة مجسمة من الزجاج الملون المزدوج للمرحومة الملكة عالية والدة الملك موضوعة على منضدة في أحد أركانها، ومن دون تعمد تعثّر أحد الطلبة بالمنضدة فوقعت وانكسرت قطعًا صغيرة، وجاء الأمير عبد الإله، ونظر بحزن إلى قطع الزجاج لصورة أخته فجمعها وغادر القاعة من دون أن يقول شيئًا أو يعلّق على ما حدث.

    كانت خيام معسكرنا منصوبة في منطقة مستوية يسار الطريق الرئيسة المؤدية إلى أربيل، ومحاطة بسلاسل جبلية كنا نتسلّقها وآمرو فصائلنا كل صباح قبل بدء التدريب، وإلى يمين الطريق مقهى صيفي صغير يديره أحد الأكراد مبني من عرائش وفروع الأشجار، ويطل على الوادي السحيق في الجانب الآخر من الطريق. كان مديرو الكلية قد منعوا الطلبة من عبور الشارع أو الجلوس في المقهى، وعصر أحد الأيام قمنا (مجموعة من طلبة دورتنا) بعبور الشارع لشرب الشاي في المقهى، فلمحنا عريف خفر الكلية وكان من طلبة الدورة المتوسطة، فأتى مسرعًا لـيكبسنا في المقهى. ولما شاهدناه جرينا إلى الجبال المحيطة بالمعسكر وهو يجري خلفنا، وبعد دورة جري طويلة عدنا إلى المعسكر، وهنا سمعنا بوق تنزيل العلم في المعسكر عند غروب الشمس فتوقفنا عن الجري، ووقفنا بالاستعداد من دون حراك، لكن عريف الخفر المعروف بمقته طلبة دورتنا لم يقف بل لحق بنا وسجل أسماءنا، وقدمنا مذنبين لآمر سريّتنا المقدّم بدر الدين علي الذي أمر بحلاقة رؤوسنا بالموسى، وحكمنا بأربع ساعات تعليم إضافي كل يوم حتى نهاية فترة التدريب الإجمالي (ساعة بعد نهاية التدريب الصباحي، وأخرى بعد الغداء مباشرة، وثالثة بعد العشاء، والأخيرة في منتصف الليل)، وكلّف أحد ضباط الصف، وكان معروفًا بقسوته، بإنفاذ العقوبة يوميًا، فكان هذا يتعمد تنفيذ ساعتي التعليم الإضافي بعد التدريب الصباحي، وبعد الغداء في مواجهة خيمة آمر السريّة الذي تكرم بالعفو عنا بعد ثلاثة أيام وبعد التماسات عديدة من آمري فصائلنا.

    في السنة الثانية سجلني أحد أصدقائي من الطلبة الرسامين في مرسم الكلية، ووجدتها مناسبة للتخلص من فترة الرياضة المسائية، وكنت أستغلّها للذهاب إلى بيت عمّي الذي كان يسكن في إحدى دور كلية الأركان حيث كان يُدرِّس، وكان يفصل الدار عن كليتنا سياج من شجيرات الياس والكالبتوس. عصر أحد الأيام كنت مضطجعًا في قيلولة ما بعد الظهر في ديوان بيت العمّ فشعرت بضربة سكين حاد يُغرس في صدري فصرخت، وسمعتني زوجة عمّي فركضت نحوي، وقالت: «خير ماذا حدث؟». فأخبرتها فقالت محاولة تهدئتي: «احمد الله أنه كان حلمًا»، وبعد أقل من ربع ساعة جاء أصدقاء ابن عمّي من الصبيان يتراكضون، وقالوا إن إياد ابن عمّي (10 سنوات) غرق في نهر ديالى المحاذي للكلية عندما كانوا يسبحون، فخرجنا راكضين إلى النهر ولم نعثر له على أثر. واستدعى عمّي فريقًا من الغواصين، بقي يبحث عنه طوال يومين من الغوص في مياه ديالى العكرة فلم يعثر عليه، وفي اليوم الثالث طافت جثته في مكان غير بعيد من المكان الذي غرق فيه، وحتى الآن أعلم أني لم أكن نائمًا عندما شعرت بضربة السكين تلك، وأنها قد تكون قد حدثت لحظة غرق ابن عمّي!


    كان لحوادث مصر في عام 1956 تأثير كبير في نفس ومشاعر الشعب العراقي قاطبة، وشبابه بشكلٍ خاصٍّ، فتأميم الرئيس عبد الناصر قناة السويس، والاعتداء الثلاثي على جيش شعب مصر الشقيقة، والمقاومة البطولية لشعب بور سعيد لقوات العدوان الثلاثي، وخطب عبد الناصر، وبرامج أحمد سعيد من إذاعة «صوت العرب» من القاهرة، كلها عوامل عملت على إعادة تأجيج المشاعر القومية في شعبنا بعد محاولات السلطة إخمادها طوال السنين التي أعقبت حربنا ضد الإنكليز في أيار/مايو 1941. وكان معظم طلبتنا في الكلية العسكرية يعبّرون علانية أو سرًا عن إسنادهم مصر عبد الناصر، ولم يخفوا مرارتهم من مواقف السلطة، والحكومة العراقية التي لم تكن بمستوى حوادث مصر المصيرية في تاريخ الأمة والمنطقة.

    كان صبحي محمد الداود أحد طلاب دورتي وفصيلي، وهو من مدينة الموصل ومن أصدقائي المقرّبين، يتميز من الآخرين بهدوئه وثقافته وسعة اطلاعه. عرفتُ أنه كان بعثيًا بعد الحوداث التي مرت بها مصر، وفي المناقشات التي كانت تجري في أثنائها وبعد انتهائها، فأخبرته أني سمعت بالبعث وبشعاراته عن وحدة الأمة والعدالة الاجتماعية من بضع سنين من أحد مدرسينا، ولم أجد حينها دافعًا إلى معرفة المزيد عنه، فبدأ الرجل يعرض بعضًا من أفكار الحزب ومواقفه السياسية وتطابقها مع ما يدعو إليه الرئيس عبد الناصر في صراعه مع القوى الإمبريالية ومن أجل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية لشعب مصر والأمة العربية. ولم أتسرع في اتّخاذ موقفي، حيث كنت أريد التحقق من هذا قبل قراري الذي سيكون نهائيًّا في قضية انتمائي إلى حزب أو حركة.

    وفي عام 1957 كنت قريبًا جدًا من أفكار صديقي صبحي محمد الداود فسألته: «هل أستطيع الانتماء إلى الحزب؟». قال: «نعم بالتأكيد، وإنني لم أُفاتحك بالانتماء بعد كل تلك الأيام التي تكلمنا فيها عن الحزب ومواقفه وأفكاره، على الرغم من الصداقة والثقة اللتين تربطاننا لأنني أردتُ أن تذكرها أنت عندما تكون مقتنعًا وجاهزًا».
    في الأسبوع الذي تلا هذا الحديث جلب لي كتاب في سبيل البعث لميشيل عفلق، وأكد ضرورة السريّة في قراءته، وإعادته إليه بعد الانتهاء منه، ثم أخبرني بأنني كنت صديقًا والآن أصبحت مؤيدًا في الحزب. وبعدها فهمت منه أنني كي أصبح نصيرًا وعضوًا في الحزب يجب أن أمضي وقتًا ليس قليلًا في التثقيف والنضال. وأخبرني بأن هناك طلبة آخرين من المنتمين، فصارحته بالقول: «أُفضل أن يكون اتصالي بك فأنت صديقي ومحل ثقتي».
    وفي 14 شباط/فبراير 1958 أُعلن الاتحاد الهاشميّ بين مملكة العراق والمملكة الأردنية الهاشمية استباقًا لإعلان الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية التي كانت المباحثات لتحقيقها قد وصلت إلى مراحلها النهائية، وأُعلنت في 22 شباط/فبراير 1958، واشترط فيها الرئيس عبد الناصر حل الأحزاب السياسية كافة فوافق حزب البعث في سورية على حلّ نفسه في سبيل تحقيقها. وأُعلن الرئيس عبد الناصر رئيسًا للجمهورية العربية المتحدة التي كان إعلانها عيدًا قوميًا للشعب العربي في كل مكان، أما الاتحاد الهاشميّ بين العراق والأردن فكان اتحادًا غير اندماجي، واحتفظ كل منهما بشخصيته الدولية المستقلة ونظام حكمه. ونُصِّب ملك العراق رئيسًا له وملك الأردن نائبًا لرئيس الاتحاد، أما مقرّ الحكومة فتقرر أن يكون دوريًّا بين بغداد وعمّان، يُبدَّل كل ستة أشهر، ووافق مجلسا الأعيان والنواب العراقيان عليه في 17 شباط/فبراير 1958، وأُلّفت حكومة الاتحاد وأصبح نوري السعيد رئيسًا لها، ونظر شعبنا إلى هذه الخطوة مشككًا في جديتها، واعتبرها عملًا استباقيًّا للوحدة الحقيقية لشعبي سورية العروبة ومصر عبد الناصر
    (((الاتحاد العربي (الهاشميّ) (17 شباط/فبراير- 14تموز/يوليو 1958) صيغة كونفدرالية توصل إليها كلٌّ من العراق والأردن للوقوف بوجه الدعاية الناصرية بعد أن أفلحت كلٌّ من مصر وسورية في إعلان الجمهورية العربية المتحدة يوم 1 شباط/فبراير 1958. ويبدو أن القصد من الاتحاد كان الدفاع عن البلدين في وجه الحركة القومية العربية المتصاعدة، وهو جهد أجهضته حركة الضباط الأحرار في 14 تموز/يوليو 1958 حيث لقي رئيس الاتحاد /ملك العراق مصرعه مع رئيس وزرائه العراقي نوري السعيد، ونائب رئيس الوزراء إبراهيم هاشم وهو أردنيّ. لم يُغيِّر انتقال رئاسة الاتحاد العربي، نظريًا على الأقل، إلى ملك الأردن الحسين بن طلال، في واقع الأمر شيئًا، إذ انتهى هذا الاتحاد بانسحاب أحد طرفيه (العراق) منه. للتفاصيل انظر كتاب مؤيد الونداوي، الاتحاد العربي في الوثائق البريطانية: المجموعة الوثائقية البريطانية الرسمية الكاملة للاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن لعام 1958، تقديم سيّار الجميل (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013) )))


    تخرجت دورتنا في الكلية العسكرية في 30 حزيران/يونيو 1958، ورعى حفلة التخرج الملك فيصل الثاني ملك العراق. أُلحقت بالصنف المدرع، ومُنحنا إجازة لمدة أسبوعين على أن نلتحق بمدرسة الدروع في معسكر أبو غريب الواقع في ضواحي بغداد الغربية يوم 14 تموز/يوليو 1958.

    صبيحة يوم الاثنين 14 تموز/يوليو نهضت مبكرًا في دارنا في مدينة بعقوبة وفتحت المذياع، فكان يذيع الأناشيد الحماسية ومنها نشيد «الله أكبر»، ثم أعقبها إذاعة بيان قيام القوات المسلحة الوطنية بالثورة على النظام الملكي، وإعلان جمهورية شعبية عُهدت رئاستها بصورة موقتة إلى مجلس سيادة يتمتع بسلطات رئيس الجمهورية ريثما يتم استفتاء الشعب لانتخاب الرئيس. وكان البيان بتوقيع العقيد الركن عبد السلام محمد عارف





    ((( ولد عبد السلام محمد عارف في 21 أيار/مايو 1920 في بغداد من عائلة تنحدر أصولها من قبيلة جميلة العربية الساكنة قرب مدينة الفلوجة، وكان خاله الشيخ ضاري أحد قادة ثورة العشرين ضد القوات البريطانية. التحق بالكلية العسكرية وتخرج فيها عام 1941 برتبة ملازم ثانٍ. شارك في حركة مايس ضد القوات البريطانية واشترك في حرب 1948 في فلسطين، وفي عام 1951 أُرسل إلى دورة تدريبية مع الجيش البريطاني في دسلدورف في ألمانيا الغربية، وبقي فيها ضابط ارتباط للضباط العراقيين الملتحقين بهذه الدورة لغاية عام 1956. عاد بعدها آمرًا لفوج في اللواء العشرين في معسكر جلولاء قرب خانقين، وانضمّ إلى تنظيم الضباط الأحرار في عام 1957 بترشيح من أخيه عبد الرحمن الذي سبقه في الانتماء إلى هذا التنظيم، وكان عضوًا في هيئته العليا، فطلب إدخال صديقه الزعيم عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر فوافق التنظيم بعد تردد. وأصبح الزعيم قاسم قائدًا للتنظيم بحكم قِدمه العسكري فيما كان عبد السلام محمد عارف المنفذ الرئيس لثورة تموز/يوليو 1958، وتقلد بعدها منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، ولميوله القومية اختلف مع قاسم ذي الميول اليسارية فجُرّد من مناصبه، وأُبعد سفيرًا إلى ألمانيا الغربية، ولما عاد اتُهم بمحاولة اغتيال الزعيم، وحُكم عليه بالإعدام ثم استبدل بالسجن المؤبد ثم الإقامة الإجبارية، وفي ثورة 8 شباط/فبراير 1963 اختاره البعثيون رئيسًا للجمهورية في إثر انقلاب 1963 على حكم قاسم، لكنه ما لبث أن انقلب عليهم وتفرّد بالحكم، وقُتل في حادثة سقوط السمتيّة [طائرة الهليكوبتر] التي كان يستقلها في زيارة تفقدية للمحافظات الجنوبية مساء 13 نيسان/أبريل 1966 ))) عن القائد العام للقوات المسلحة الوطنية. وفي البيانات اللاحقة أُعلن أن الزعيم عبد الكريم قاسم




    ((( ولد عبد الكريم بن جاسم (قاسم) بن بكر بن عثمان في محلة المهدية في بغداد في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1914، وفي السادسة من عمره انتقل مع والده إلى الصويرة حيث دخل المدرسة الابتدائية. عاد مع والده إلى بغداد في عام 1926، وتخرّج في مدرسة الرصافة الابتدائية عام 1927، ثم في الثانوية المركزية في بغداد عام 1931، وعمل معلمًا في مدرسة ابتدائية في قضاء الشامية في محافظة الديوانية جنوب العراق، قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية عام 1932، ويتخرج عام 1934. عُيّن في الكلية العسكرية آمرًا لفصيل في الدورة 17 عام 1938، وكان من طلابها عبد السلام عارف ورفعت الحاج سري وأحمد حسن البكر، وفي 24/1/1940 دخل كلية الأركان وتخرّج في 11/12/1941. سافر إلى إنكلترا لمعالجة الشق في شفته العليا عام 1947، وشارك في حرب فلسطين عام 1948، وكان آمر فوج في منطقة كفر قاسم، وأبلى فيها بلاء حسنًا. سافر في عام 1950 إلى إنكلترا للاشتراك بدورة التعبئة للضباط الأقدمين، وفي عام 1956 عُيّن بمنصب آمر اللواء التاسع عشر في معسكر المنصورية في محافظة ديالى، وانضم إلى تنظيم الضباط الأحرار بتوصية من صديقه العقيد الركن عبد السلام عارف، وأصبح زعيم التنظيم لقدمه العسكري. اتفق مع صديقه عبد السلام عارف على القيام بالثورة من دون إعلام التنظيم، وانفردا بها بعد نجاحها، ثم دبّ الخلاف مع عبد السلام فأراد إبعاده إلى ألمانيا، ثم حكم عليه بالإعدام بحجة محاولة اغتيال الزعيم، وانفرد بعدها بالحكم، وأطلق عليه أنصاره الشيوعيون لقب الزعيم الأوحد، تعرض بعد إعدام رفاقه من قادة الضباط الأحرار لمحاولة اغتيال من جانب البعثيين، ومن ضمنهم صدام حسين، وأُعدم بعد قيام ثورة 8 شباط/فبراير 1963 ))) هو زعيم الثورة والقائد العام، وأن العائلة الملكية قد قُتلت. في اليوم الثاني أُعلن مقتل نوري السعيد


    ((( هو نوري بن سعيد بن صالح ابن الملا طه، ولد في بغداد عام 1888 من عائلة من الطبقة المتوسطة حيث كان والده يعمل مدققًا (مميزًا) في إحدى الدوائر في العهد العثماني. درس وتعلم في المدارس العسكرية في بغداد، وتخرّج في المدرسة الحربية (العسكرية) في اسطنبول عام 1906 ودخل مدرسة الأركان في عام 1911. شارك في حربيّ البلقان والقرم، وتبنّى الفكر القومي العربي وشارك في الجمعيات السرية التي كانت تدعو إلى استقلال العراق والعرب عن الدولة العثمانية، لذا شارك في الثورة العربية على العثمانيين بقيادة الشريف حسين، واختارته الحكومة البريطانية لعضوية المجلس التأسيسي للعراق في عام 1920، وكتبت المس بيل «السكرتيرة الشرقية» لبريطانيا في العراق بعد أول لقاء معه: «إننا نقف، وجهًا لوجه أمام قوة جبارة، ومرنة في آن واحد، ويجب علينا نحن البريطانيين إما أن نعمل معها يدًا بيد وإما أن نشتبك معها في صراع عنيف يصعب إحراز النصر فيه». نوري باشا السعيد هو رجل العراق القوي في العهد الملكي، ورجل السياسة الداهية، تولى رئاسة الوزارة 14 مرة بين عامي 1930 و1958، وكان له الدور الرئيس في تشكيل جامعة الدول العربية في عام 1947، وفي دخول العراق حلف بغداد في عام 1954، وفي إنشاء الاتحاد الهاشميّ في عام 1958. وُصِف بأنه رجل الغرب في العالم العربي. هرب من العراق مرتين، الأولى بعد انقلاب بكر صدقي في عام 1936، وفي ثورة أيار/مايو (مايس) 1941. قتل في 15 تموز/يوليو 1958 بعد قيام الثورة، حيث هرب ثم أطلق على نفسه الرصاص بعد انكشاف تنكره ومحاصرته من جانب بعض الجماهير والعسكريين. مات نوري السعيد ولم يترك لأهله مالًا أو ميراثًا ))) رجل العراق القوي ورئيس حكومة الاتحاد الهاشميّ.


    كان الوالد قد عُيِّن آمرًا لثكنة وزارة الدفاع، وكان يذهب كل يوم صباحًا من بعقوبة إلى دائرته في وزارة الدفاع ويعود إليها بعد انتهاء الدوام، فارتدينا ملابسنا العسكرية على عجل، وغادرنا إلى بغداد في عجلته العسكرية. وفي المسير إلى بغداد كانت الطريق مزدحمة بأرتال اللواء التاسع عشر الذي يقوده الزعيم عبد الكريم قاسم


    الجزء الثالث

    في عام 1959، وفي إثر إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم نخبةً من الضباط القوميين والبعثيين بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قادها العقيد عبد الوهاب الشواف، قرّر أمين سرّ الحزب آنذاك، فؤاد الركابي



    ((( ولد فؤاد الركابي في مدينة الناصرية جنوب العراق في عام 1931. وتخرّج في كلية الهندسة في بغداد، وهو أول أمين سر للقيادة القطرية لحزب البعث في العراق. عيِّن وزيرًا للأشغال والبلديات بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958، لكنه استقال مع بقية الوزراء القوميين لانحراف عبد الكريم قاسم عن مبادئ الثورة، وانفراده بالحكم. هرب إلى سورية في شباط/فبراير 1959 بعد محاولة اغتيال قاسم لدوره في التخطيط له وحكم عليه بالإعدام. اختلف مع قيادة الحزب وفُصل منه، وفي عام 1964 عيِّن وزيرًا في عهد الرئيس عبد السلام عارف، واستقال في عام 1965. ساهم في تشكيل الحركة الاشتراكية العربية، واعتُقل بعد قيام ثورة 17 تموز/يوليو 1968. قُتل قبل انتهاء محكوميته بأسبوعين في السجن طعنًا بالسكين.،))) من دون علم أعضاء قيادة الحزب تكليف مجموعة من كوادر الحزب وأعضائه باغتيال عبد الكريم قاسم زعيم العراق الأوحد، كما كان يُطلَق عليه من جانب أنصاره .

    نُفذت محاولة الاغتيال في قلب شارع الرشيد أكبر شوارع العاصمة وأكثرها ازدحامًا، في أثناء مروره في سيارته ذاهبًا إلى مقرّه في وزارة الدفاع! حيث أوقفت مجموعة الاغتيال السيارة، واندفعت إليه في جرأة نادرة، وزخّته بوابل من الرصاص، إلا أن الزعيم لم يُقتل، وأصيب بجروح في كتفه ويده وقُتل سائقه وأصيب مرافقه الشخصي المقدّم الركن عبد الستار الجنابي بجراح. تمكَّن المنفذون من الهرب، وتركوا جثة أحد رفاقهم عبد الوهاب الغريري الذي قتل برصاص زملائه، وجُرح آخران هما سمير أحمد النجم وصدّام حسين اللذان تمكَّنا من الهرب أيضًا.
    تمكَّنت الجهات الأمنيّة من معرفة الجهة التي نفّذت محاولة الاغتيال بعد تعرّفها إلى القتيل الذي كان أحد كوادر حزب البعث، فقامت باعتقال معظم منفّذيها، إلا أن صدام حسين الجريح بساقه تمكَّن من الهرب إلى تكريت، ومنها تسلّل هاربًا إلى سورية. بعد أن قامت الجهات الأمنيّة باعتقالات جماعية لكوادر الحزب وأعضائه ومؤيديه، نشرت صور مدبري محاولة الاغتيال ومنفّذيها الهاربين، وعلّقتها في الشوارع مع مكافأة لمن يقبض عليهم، ومن ضمنهم صورة شاب وسيم في أوائل العشرينيات حليق الوجه أكثر ما يسترعي النظر فيه عيناه الواسعتان ونظراته النفاذة، وقد كتب تحتها:




    صدام حسين مجيد التكريتي
    من مواليد مدينة تكريت في عام 1937
    طالب في الصف الخامس ثانوي
    ينتمي إلى صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي.
    كانت تلك الصورة هي التعارف الأول بين عامة الشعب ومعظم البعثيين مع صدام حسين.


    مررت بأيام صعبة بعد اعتقال الأنصاريّ، فقد كنت حائرًا بين خيارين هما الحزب والعم، وكل منهما أصعب من الآخر، فالحزب انتميت إليه وأنا تلميذ في الكلية العسكرية واقتنعت بشعاراته وأهدافه وآمنت بها، أي وحدة الأمة وحريتها والحياة الكريمة التي يدعو إليها، والعمّ صديق وقائد عرفته إنسانًا مخلصًا وصادقًا وعسكريًا لامعًا قادرًا على بناء جيشٍ قويٍّ يحتاجه الوطن والأمة في هذه الأوضاع الصعبة التي نمرّ بها. كنت واثقًا من أنه بعيد من أي ادعاءات بقيادته أو مشاركته بمؤامرة أو محاولة انقلاب، لا لخوفه أو تحسّبه بل لأنه لم يكن يعرف التآمر ولا يؤمن به، ويعتبره نكرانًا للجميل وخيانة للأصدقاء، وكان يفضّل ترك الموقع والمنصب الذي لا يرتاح فيه على أن يهادن أو يساوم أو يتآمر للاحتفاظ به.

    عندما انتميت إلى الحزب كما انتمى العديد من الشباب، فعلت ليس لأفكاره الوحدوية فحسب بل لقيم الرجولة والشجاعة والوفاء والشرف التي وجدتُ أنها تميّزه من بقية الحركات والأحزاب، حتى انضمّ إليه خيرة الشباب الذي يتطلع إلى مجد الأمة ومستقبلها. وعندما تخاذل بعضهم ممن تصدّروه بعد ثورة شباط/فبراير 1963، وشاركوا عبد السلام عارف رئيس الجمهورية، كانت القيم نفسها ما دفعنا للعمل ليلًا ونهارًا بلا خوف أو وجل، لإطاحة النظام القائم وإعادة الحزب إلى السلطة في تموز/يوليو 1968، فهل نبدأ عهدنا باعتقال الشخص والقائد الذي حمى الضباط البعثيين الذين أُبعدوا إلى فرقته التي كانت تقاتل الانفصاليين الأكراد في شمال العراق؟ وكان معروفًا طوال فترة حكم الأخوين عارف بأنه من المدافعين عنهم، وحاميهم من الأذى والمتابعة والاعتقال، وكان يقول إن هؤلاء الضباط الشباب من البعثيين من أشجع المقاتلين في المعارك وأكثرهم اندفاعًا فماذا نريد منهم أكثر من ذلك؟

    كان هناك خطأ ما من جهة ما بلا شكّ، شيء لم أدركه أو أعرفه، وعندما تعود بي الذاكرة إلى الأيام التي أعقبت انقلاب عبد السلام عارف على الحزب في عام 1963، استرجع موجة الاعتقالات والتطهير والإبعاد للضباط البعثيين التي تبعته، وكنت أحدهم، حيث كنت مع فوجي المظلي نقاتل المتمردين الأكراد في منطقة سيد صادق - حلبجة في محافظة السليمانية عندما استلمت أمر النقل خارج صنف المظليين، وتنسيبي إلى إحدى وحدات المشاة، وكان الأنصاريّ قائدًا للفرقة الجبلية الثانية في كركوك، المكلفة بالجهد الرئيس في قتال المتمرِّدين المنضوين إلى قيادة الزعيم الكردي الملا مصطفى البرزاني.
    نصحني آمر فوجي الرائد المظلي الركن عدنان محمد نوري، والمنقول أيضًا خارج الفوج والصنف كونه بعثيًا، بأن أذهب إلى الأنصاريّ لطرح موضوع النقل، وأبدى استعداده لمرافقتي. كان في الدار الواسعة المخصّصة لقائد الفرقة الثانية، وكان قد انتهى لتوّه من تناول غدائه فانتقلنا إلى قاعة الجلوس وقلت: «استلمت للتو أمر نقلي إلى إحدى وحدات المشاة التابعة للفرقة الجبلية الرابعة في منطقة أربيل، والأسوأ من ذلك أن آمر تلك الوحدة من أكثر الضباط عداءً للبعثيين، وإنه ذو لسان ذرب وطويل، ولا ينفك يشتمنا وينعتنا بأسوأ النعوت وأقذرها، وسأصطدم به حتمًا، وبناءً على ذلك فقد قرّرت».

    قال مبتسمًا: «ماذا قرّرت؟».
    قلت: «الحزب لا يزال في سورية وسألتحق به هناك».
    بعد فترة صمت، قال: «أنتم البعثيون أضعتم أكبر حلم كادت تحققه الأمة (قاصدًا مشروع وحدة العراق وسورية بعد ثورتي شباط/فبراير وآذار/مارس في كلا البلدين عام 1963) نتيجة خلافاتكم أنتم وحماقاتكم أنتم، ولم تكن قياداتكم على مستوى المسؤولية التي ألقتها الحوادث بين يديها. لا أتهمكم أنتم صغار الضباط من البعثيين، إنني أراكم وطنيين ومخلصين وشجعانًا، لكن العلّة في قياداتكم». كان ينظر إلينا ليرى تأثير كلامه فينا، وتوقف للحظات ثم قال: «إسمع»، موجّهًا كلامه إلي، «أريدك أن تعمل هنا معي آمرًا لسريّة المقرّ والحماية، مرافقًا لي على أن تعدني بأن تترك العمل في هذا المجال (يقصد الحزب)، وأن تتفرغ لمهنتك ومستقبلك في الجيش والقوات المسلحة».

    لم أُجبه وبقيت صامتًا فاعتبر سكوتي قبولًا.

    كنت متحمسًا للعمل معه والتتلمذ على يديه، فقد كان من أبرز قادة الجيش وأبرعهم في قيادة حرب مكافحة العصابات في المنطقة الكردية وإدارتها. وكان يعشق مهنته ويقدِّسها. كان فارسًا في المعارك مع الخصوم، ومبدعًا ومبتكرًا في القتال، حريصًا على جنده وقواته، ولم يحدث أن سمح لقطعاته يومًا أن تعتدي على مواطنٍ بريءٍ لا يحمل السلاح، أو أن تهدم بيتًا أو مسكنًا، فلم يستهدف إلّا المسلحين المتمردين، الأمر الذي جعل قياداتهم تكنُّ له الاحترام والإعجاب. وحينما كان القتال يتوقف وتبدأ المفاوضات، وحدث ذلك مرارًا، كان يبذل كل ما يستطيعه للتوصّل إلى حلول بين السلطة وقيادة التمرّد، كان أكثر ما يكره أن تُسفح دماء العراقيين في ما بينهم. وعلى الرغم من قتاله المتمرِّدين فتراتٍ طويلةٍ إلّا أنه لم يكن يحمل لهم حقدًا أو كراهية على المستوى الشخصي، وكان يعرف أن أغلبية الأكراد غير المسيّسين لا تريد القتال وتنتمي إلى عراق الجميـع.

    على الرغم من صغر رتبتي آنذاك إلّا أن الأنصاريّ كان يحثني على حضور المؤتمرات والمناقشات مع آمري التشكيلات والصنوف وضباط أركان الفرقة التي كان يجريها بين فترة وأخرى، فكان يقول: «احضر واسمع وتعلّم ولا تتهيّب أبدًا أن تبدي رأيًا تؤمن به أو تراه صائبًا»، وكنت أصاحبه دومًا في جولاته وزياراته إلى ميادين القتال، وتعلّمت كثيرًا من ملاحظاته عن الخصم، ونظرته الثاقبة إلى الأرض والعوارض وتأثيرها، وغالبًا ما كان يقول: «إنها (أي الأرض) تكلمني»، ولا يتاح إلّا نادرًا أن يحصل ضابطٌ صغير الرتبة على خبرة كالتي حصلت عليها من اشتغالي معه لسنتين ونصف سنة.

    على الرغم من أنه طُلب مني أن أترك العمل الحزبي، وأن أنصرف لبناء مستقبلي المهني، إلا أنني سرعان ما أعدت اتصالي بالرفاق الضباط البعثيين الذين كانت وحدات وتشكيلات الفرقة تعج بهم. كنا نريد بأي طريقة تتاح لنا أن نطيح عبد السلام عارف الذي جئنا به من بيته بعد انبثاق ثورة رمضان، ومنحناه رتبة المشير وذهبنا به إلى القصر الجمهوري رئيسًا للبلاد فغدر بنا وطعننا في ظهورنا بحقد وخسّة ونذالة، هذا ما كنا نشعر به آنذاك.
    .
    أذكر يومها أنني كنت في زيارة بيت الوالد في مدينة بعقوبة التي لا تبعد أكثر من 50 كلم من بغداد في عطلة نهاية الأسبوع. طوال الأسابيع الخمسة أو الستة الماضية كان الجهاز الحزبي في حالة إنذار، وكل بضعة أيام ترفع درجة الإنذار إلى أقصاها فنتجمّع في أوكار محدّدة باللباس المدني مع حقيبة صغيرة نحمل فيها الملابس العسكرية والسلاح بانتظار إشارة التنفيذ. وفي كل مرة تؤجل إلى إشعار آخر من دون ذكر الأسباب، في هذه العطلة قرّرت الذهاب لليلة واحدة إلى بعقوبة على أن أعود صباح يوم الجمعة 8 شباط/فبراير، وفي طريق العودة إلى بغداد أذيع بيان الثورة رقم 1.

    أسرعت مع بعض ضباطنا البعثيين في الذهاب لتنفيذ الواجب المكلفين به نحن في الفوج المظلي، واكتشفت بأن أيًا منهم لم يبلّغ هذه المرة، فتبيّن بعدئذ أن أحد الكوادر من العسكريين كان ينقل إلى الزعيم معلومات عن محاولات التنفيذ، لذا قررت القيادة عدم تبليغ القسم الأكبر واكتفت بتبليغ مجموعة صغيرة من الطيارين، وضباط الدروع لبدء التنفيذ، على أن تلتحق البقية للقيام بالواجبات المكلّفة بها حال سماع بيان الثورة.

    كان واجب الضباط المظليين السيطرة على فوجنا، والتحرّك لاقتحام القاعدة الجوية القريبة منا في معسكر الرشيد


    ((( يقع معسكر الرشيد في النهاية الجنوبية لمدينة بغداد، ويعتبر المعسكر الرئيس للقوات المسلحة، وأكبرها، وتوجد فيه قاعدة الرشيد الجوية، ومعظم المؤسسات الإدارية والفنية ومستشفى الرشيد العسكري، وبمحاذاته إلى الشرق معسكر الرستمية الذي تقع فيه الكلية العسكرية وكلية الأركان ))) ، والسيطرة عليها واعتقال آمرها، ومعظم طياريها من الشيوعيين المتعاطفين مع الزعيم عبد الكريم قاسم.


    انطلقتُ وأحد الرفاق من ضباط وحدتي مسرعين في عجلته الخاصّة من بيتنا قرب المقبرة الملكيّة في الأعظمية باتجاه باب المعظم، والباب الشرقي ثم معسكر الرشيد. وشاهدت العديد من تنظيمات الحزب المدنية، والحرس القومي بإشاراتهم الخضراء التي تحيط بأذرعهم، وجميعهم يحملون أسلحة متنوعة يتجولون في سيارات مدنية مكشوفة رافعين أسلحتهم عاليًا، وهم يهتفون ويدعون الجماهير إلى الخروج، والانضمام إلى الثورة، فيما سيطر آخرون على معظم المؤسسات والمقرات الحكومية في الأعظمية.
    عند وصولنا باب المعظم كان شباب من الحزب في لباس الحرس القومي يتبادلون الرمي الكثيف مع حرس وزارة الدفاع، وبدت طلائع دبابات الكتيبة الرابعة التي تحرّكت من معسكر أبو غريب ((( معسكر ابو غريب يقع في النهاية الغربية لبغداد وفيه مدرسة الدروع وبعض الوحدات المدرعة ))) غرب بغداد تقترب من الوزارة، وضباطها واقفون على أبراجها وهم يهتفون للثورة، وطائرات السرب السادس من نوع هوكر هنتر التي أقلعت من قاعدة الحبانيّة الجوية تواجه مقاومة ضارية من المقاومات الأرضية عند انقضاضها لضرب ثكناتها. في هذه الفوضى كان من المتعذر أن نسلك شارع الرشيد فاتجهنا إلى شارع الكفاح الموازي له، ومررنا مسرعين تحت وابل من زخات الرصاص المتبادل بين شبان الحرس القومي، وبعض أنصار الزعيم، تابعنا طريقنا إلى الباب الشرقي، ومنه سلكنا شارع السعدون المؤدي إلى معسكر الرشيد.

    كان مذياع السيارة يذيع بيانات الثورة، ومصرع الزعيم عبد الكريم قاسم، ويعدد برقيات التأييد من وحدات القوات المسلحة وتشكيلاتها.

    وفي بداية شارع السعدون مرت من الاتجاه المعاكس سيارتان مسرعتان باتجاه الباب الشرقي، في الأولى كان عبد الكريم قاسم الذي تعلن بيانات الثورة مصرعه وخلفه مباشرة سيارة حمايته الخاصّة، وكان واضحًا أنه في طريقه إلى وزارة الدفاع التي يحميها اللواء التاسع عشر ويدافع عنها، وهو لواء الزعيم الذي كان بإمرته قبل ثورة 14 تموز وفي أثنائها. كانت مفاجأة سيئة، فالثورة في خطر ما دام الزعيم في قيد الحياة. تابعنا طريقنا إلى معسكر الرشيد، وكانت هناك قبل المعسكر بـ 200 متر أو بـ 250 مترًا محطة وقود للعجلات، وبعدها بأمتار قليلة ساحة استراحة للعجلات تتوسط الطريق المؤدية إلى المعسكر. كانت الساحة تغص بالمئات من مدنيين وجنود وضباط صف ممن يهتفون بحياة الزعيم الأوحد، وبالموت للمتآمرين الخونة أولاد ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث. وكانت نيران تطلق عليهم من بوابتي حرس مدخل معسكر الرشيد، إذ تمكَّنت مجموعات من الحرس القومي من السيطرة عليها في وقت سابق، ومنعت الدخول إلى المعسكر والخروج منه. وشاهدنا عددًا منهم متمدِّدين على الشارع والساحة مضرجين بدمائهم. حاولنا اجتيازهم نحو باب المعسكر على الرغم من الرمي من ذلك الاتجاه، فإذ بأحدهم يصرخ «أمسكوا البعثيين الخونة»، فاندفعت جموعهم نحونا لإغلاق الطريق علينا، وإخراجنا من سيارتنا، فصرخت بصديقي الذي كان يقودها أن يستدير حول الساحة عائدًا من حيث أتينا. كانت الطريق إلى المعسكر مغلقة بحشودهم. أطلقنا بضع طلقات فانكفأوا قليلًا، وضغط صديقي على دواسة الوقود، وانطلقنا بسرعة عبر الساحة عائدين إلى بغداد. ارتطمنا بعددٍ منهم وكانوا يصرخون ويشتمون وابتعدنا بسرعة والعرق يتصبب من وجوهنا، وأفواهنا متيبسةٌ من الجفاف. مفاجأة سيئة أخرى، كدنا نُقتل ونُسحل بيد أنصار الزعيم. عدنا إلى الأعظمية، وانضممنا إلى قيادة الحرس القومي




    ((( الحرس القومي ميليشيا الحزب، له دور فاعل في ثورة 8 شباط، وبعد نجاحها انضمّ إليه كثيرون من الانتهازيين فأساء التصرف تجاه المواطنين، وضباط القوات المسلحة، وفي «الردة التشرينية» تم تجريده من السلاح وزُج بعدد من منتسبيه في السجون، وتولى قيادته في أثناء حكم الحزب النقيب الطيار منذر الونداوي ))) في الأعظمية في بناية النادي الأولمبي في ساحة عنتر.


    ذكرت أن دارنا في الأعظمية كانت قريبة من المقبرة الملكية، وعلى مسافة غير بعيدة يسكن العقيد الركن عبد السلام محمد عارف مع عائلته بعد إطلاق سراحه من السجن. في ضحى يوم الثورة قرّرت قيادة الحزب استدعاءه وتسميته رئيسًا للجمهورية، فقد كان الرجل الثاني في ثورة 14 تموز/يوليو 1958، وكانت أفكاره القومية والوحدوية سببًا في خلافه مع قاسم فأعفاه من مناصبه كافة ثم سجنه، وأصدر حكمًا بإعدامه ثم عفا عنه وحجزه في بيته تحت الإقامة الإجبارية. وكان الحزب في حاجة إلى شخصيّة معروفة تتصدر واجهة الحكم فمعظم قادة الحزب شباب، وأسماؤهم غير معروفة من جماهير الشعب لطبيعة العمل السري الذي انتهجه الحزب في العهد الملكي أو بعد ثورة تموز/يوليو.

    بعد عودتي من معسكر الرشيد شاهدت تجمهرًا أمام بيت عبد السلام، مجموعة من شباب الحرس القومي، وعرفت من بينهم أحد كوادر الحزب الرفيق عدنان القصاب الذي كان يتزعمهم، وكان عبد السلام يقف بينهم، وهو يلوّح للناس المتجمهرين بيده مبتسمًا قبل أن يدلف إلى إحدى السيارات مع عدنان القصاب، وينطلقا مسرعين إلى دار الإذاعة والتلفزيون في منطقة الصالحيّة في جانب الكرخ لينضم إلى قيادة الحزب الموجودة هناك.

    بعد تسعة أشهر من تسلّمه رئاسة الجمهورية اتفق مع بعض قادة الحزب وكوادره من عسكريين ومدنيين في إثر الخلافات والانشقاقات التي حدثت بينهم، فانقضّ على القيادة الشرعية للحزب، ثم انقلب على من تعاون معه منهم وشرّدهم وصفّاهم تباعًا، ومرة أخرى غصت السجون والمعتقلات بالبعثيين عسكريين ومدنيين.

    في قيادة الفرقة الثانية في كركوك زارني الملازم الأول ناظم الزبيديّ أحد قدامى البعثيين، والمسؤول عن التنظيم العسكري للحزب في الفرقة الثانية، وأعلمني بقرار قيادة الحزب ضمي إلى قيادة مكتب كركوك العسكري للحزب مع عبد الكريم الحمداني وسليم شاكر الأماميّ، وكلاهما من دورتي في الكلية العسكرية، والملازم الأول الطيار تحسين محمد علي، فشرعنا على الفور في إعادة من قُطع الارتباط بهم في إثر «ردة تشرين»، وهي التسمية التي أُطلقت على عملية الانقلاب التي قادها عبد السلام وبعض المنشقين عن الحزب في تشرين الثاني/نوفمبر 1963.

    كان عددٌ من الضباط والمراتب البعثيين ممن أُطلق سراحهم من السجون والمعتقلات يُنقل إلى الفرقة الثانية التي تقاتل المتمرِّدين في شمال الوطن، وكنت من خلال موقعي مرافقًا لقائد الفرقة أعمل بالتنسيق مع قيادة التنظيم على تعيينهم في مواقع ومفاصل مهمة في تشكيلات الفرقة، ولم يكن ذلك غائبًا عن عينَي قائد الفرقة الذي لم يكن راضيًا عما قام به عارف من سجنٍ وتشريدٍ لشباب الحزب، وهو المعجب بشجاعتهم ووطنيتهم وأدائهم لواجباتهم دفاعًا عن وحدة الوطن، ولم يتفق مع الرئيس عارف في تحميلهم مسؤولية أخطاء قيادتهم وعواقبها، فكان يوافق على قوائم التنقلات من دون تغيير.

    في خريف 1964 استلمت تعليمات من الرفيق أحمد حسن البكر، أمين سرّ الحزب، يطلب فيها أن أفاتح اللواء الأنصاريّ برغبته هو وقيادة الحزب في ضمه إلى صفوفه، ويكون اتصاله فرديًا ومباشرًا بالرفيق البكر.

    كان من عادات الأنصاريّ التمشي في حديقة داره بعد العشاء، وكنت أخطو معه تلك الليلة،

    فقلت له: «عمّي لقد طلب مني الرفيق أحمد حسن البكر أن أفاتحكم برغبته وقيادة الحزب في انضمامكم إلى الحزب، وسيكون اتصالكم المباشر بالبكر زعيم الحزب فحسب، وذلك تقديرًا لشخصكم وموقعكم وللسريّة المطلقة».
    لا أدري لماذا شعرت بأنه لم يفاجأ بما قلته. كان ينصت صامتًا وهو ينظر في عمق ظلام حديقة الدار الواسعة. بعدها قال: «أنت ابن أخي وخير من يعرفني. أنا رجلٌ حرٌّ، أعشق الحريّة وأكره القيود كيفما كانت، فأنا مثل الطير الذي قد يموت إذا حبسته في قفص، ولو كان من ذهب، قد يكون ذلك بحكم تربيتي وأصولي العشائرية. فقد كنت وأبوك في طفولتنا نعيش مع جدّك في بيت من الشعر، ولم نستقر في دار مبنيّة إلا بعد دخولنا المدارس. وكما تراني أكره أن أكون لفترة طويلة تحت سقف، ولو كان مقرّ قيادتي، لذا أخرج إلى القطعات في الميدان فأشعر بالحياة والانطلاق. أريد دومًا أن أكون حرًّا غير مقيدٍ، قد أحبُّ اليوم شيئًا وأرغب بعده في آخر مختلف. أريد أن أكون حرًّا هكذا مثل الطير في سماء الله الواسعة»، ثم التفت إليّ وقال: «هل أنت معي؟»،

    فأجبته: «نعم»،
    فقال: «أنتم حزب لكم فكر وقيم وأهداف محددة، قد أُعجب ببعضها لكنني قد أنفر من قسمٍ آخر منها، وإذا ما انضممت إلى حزبكم فسيكون عليّ التقيد بها، وأنا كما قلت لا أطيق القيود، كما أنك تعرف أنني أكره الظلم والعنف وتربيتُ على ذلك، وأنتم حزب ثوريّ مناضل كما في شعاراتكم، ومارستم العنف في الفترة القصيرة التي كنتم فيها في الحكم، وقد تمارسونه في المستقبل ضد من يخالفونكم إذا أصبحتم في السلطة، وتبرِّرون ذلك بالمصلحة الوطنية والقومية والمحافظة على الثورة، وأنا لا أؤمن بذلك ولا أرضاه، فلو افترضنا أنني انضممت إليكم، واستلمتم السلطة يومًا، فسوف نصطدم حتمًا، ويتبع ذلك خلافات وتصفيات لا أريدها ولا أرغب فيها. وإنك تعرف أن كلّ ما أطمح فيه هو أن أكون على رأس هذا الجيش يومًا، كي أُقدِّم له ما هو خيرٌ لهذا البلد وهذه الأمة».
    سكت لحظة ثم قال: «أخبر صاحبك بذلك، ولندخل فقد بات الوقت متأخرًا». عدنا صامتين إلا من وقع أقدامنا على إسفلت ممشى الحديقة.
    أبلغت قيادة الحزب أن الأنصاريّ يفضّل أن يكون صديقًا على أن ينتسب إلى صفوفه.
    بعد أن عاد صدام حسين إلى العراق في إثر ثورة 8 شباط كُلّف بالعمل في تنظيمات الجمعيات الفلاحية بدرجة حزبية متواضعة نسبيًّا هي عضو قيادة فرقة
    ((( تبدأ تنظيمات الحزب بالأنصار، ويكون أحد أعضاء الحزب مسؤولًا عن مجموعة من الأنصار، وكل 3 إلى 7 من الأعضاء يؤلفون خلية أو حلقة يكون مسؤولًا عنها أحد أعضاء الفرق، وكل 3 إلى 7 أعضاء فرق يؤلفون فرقة ويكون مسؤولًا عنهم عضو قيادة شعبة، وكل 3 إلى 7 أعضاء شِعب يؤلفون شعبة، ويكون مسؤولًا عنهم عضو قيادة فرع، ومن مجموعة الفروع تؤلَّف القيادة القطرية التي يُنتخب أعضاؤها في المؤتمر القُطريّ للحزب الذي يُعقد كل أربع سنوات )))
    . كان صدام حسين قد هرب إلى سورية بعد فشل محاولة اغتيال قاسم، ومنها انتقل إلى مصر زمن عبد الناصر حيث عمل ومجموعة من البعثيين العراقيين الهاربين تنظيمًا لحزب البعث في مصر، وكشفت الاستخبارات المصرية محاولتهم تلك، ووضعتهم تحت المراقبة الدقيقة. ولما حاولوا ضمّ عناصر مصرية إلى التنظيم زرعت الاستخبارات بعض عناصرها في التنظيم الوليد وكثّفت متابعتها ومراقبتهم، وتولّى صدام مسؤولية التنظيم بعد أن غادر المسؤول الأصلي مصر. ويقول بعض عناصر التنظيم الذين كانوا معه في مصر إنه اختفى عنهم طوال فترة العطلة الصيفية في عام 1962، ولم يعرفوا شيئًا عن مكانه، فراجت إشاعة وشكوك بأن صدام التقى جهة أجنبية ما، أو أنه أمضى فترة تدريبية مع هذه الجهة لتهيئته لتأدية أدوار مهمة في العراق والمنطقة، وبالطبع ما من دليل ملموس على هذا الادعاء، وليس هنالك ما يؤكده.

    حاول صدام حسين أن يؤدي دورًا في الخلافات التي نشبت بين قادة الحزب وكوادره المتقدمة بعد ثورة رمضان بأشهر قليلة، والتي بلغت ذروتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، وانتهت بانقلاب عبد السلام عارف على الجميع، وتفرّده بحكم العراق. وحدّثني المرحوم طالب شبيب، وزير خارجية العراق بعد ثورة شباط/فبراير 1963 وعضو القيادة القطرية للحزب آنذاك، في أحد لقاءاتي معه في عمّان عام 1973، فقال: «كنت والرفيق حامد جواد وزير الداخلية وعضو القيادة القطرية أيضًا قد أُبعدنا عن قيادة الحزب وأُعفينا من مناصبنا الوزارية بعد خلافنا مع الرفيق أمين سرّ الحزب علي صالح السعدي على أسلوب إدارة الحزب والدولة في أيلول/سبتمبر 1963، وكان من المعتاد أن يزورنا بعض كوادر الحزب وأعضائه لمعرفة أسباب الخلافات بين القادة فنقوم بتوضيح وجهات نظرنا ويجري ذلك في جو ديمقراطي وصراحة مطلقة، وبعلم قيادة الحزب وأمين سرّها الذي يلتقيه أيضًا كوادر الحزب وأعضاؤه لمعرفة وجهة نظره، وهذا هو الجو الذي كان يسود الحزب وقادته حينذاك تأثرًا بالديمقراطية التي كنا نمارسها في عملنا الحزبي قبل الثورة».
    تابع طالب شبيب القول: «استرعى نظري شاب نحيف طويل أسمر البشرة وذو عينين واسعتين، كان يحضر الجلسات يوميًا ويجلس في مؤخرة صالون الجلوس متابعًا باهتمام ما يدور من أحاديث وحوارات. وفي أحد تلك الأيام دار كلام عن تهور الرفيق أمين سرّ الحزب علي صالح السعدي واندفاعه وتطرفه، وخشيتنا من أن يؤدي ذلك بالحزب إلى الانقسام والسقوط، وأول مرة تكلم فيها الشاب النحيف ذو العينين الواسعتين، فقال بهدوء ومن دون انفعال: أيها الرفيق إذا كان أمين سرّ الحزب علي صالح السعدي هو المشكلة فإن طلقة واحدة لا تكلّفنا أكثر من درهم واحد كافية لإنهاء الموضوع، وإنقاذ الحزب». فرد عليه الرفيق طالب شبيب: «نحن بالحزب رفاق عقيدة ونضال، وعندما تظهر بيننا خلافات في تحليلاتنا أو وجهات النظر نحلّها بالنقاش وبالمنطق وليس بالرصاص، فإذا كان الرفيق أمين سرّ الحزب علي صالح السعدي يكلّفك اليوم طلقة بدرهم واحد فقط، فكم ستكلّفك الطلقة التي ستوجهها إلى رأسي في ما بعد؟». ويقول الرفيق طالب شبيب (رحمه الله): «كان ذاك الشاب هو صدام حسين».
    قرّرت القيادة القومية للحزب ((( القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي تُنتخب في المؤتمر القومي الذي يحضره ممثلو كافة قيادات الحزب في أرجاء الوطن العربي والعالم. وتُنتخب القيادة القومية وهي أعلى سلطة في الحزب مرة كل أربع سنوات إذا ساعدت الأوضاع الأمنية والسياسية في ذلك ))) إعادة تشكيل قيادة قطر العراق للحزب من الكوادر التي لم تشارك في الخلافات والانقسامات التي حدثت بين قادة الحزب للمرحلة السابقة، وكلّفت الرفيق أحمد حسن البكر رئيس الوزراء في حكومة «ثورة شباط» بأمانة سرّ قيادة الحزب. واختارت عددًا من كوادر الحزب الوسطية لتشكيل القيادة القطرية الجديدة، وكان صدام حسين أحدهم، ويقال إنه نُسب بتوصية من الرفيق ميشيل عفلق، أمين سرّ القيادة القومية ومؤسس الحزب.

    كان للعلاقة الوثيقة التي تربط أحمد حسن البكر بقريبه وابن قريته صدام حسين الفضل في اختياره نائبًا لأمانة سرّ الحزب. ومن المؤكد أن البكر حصل على موافقة القيادة القومية أو عيّنه بعلمها على الأقل، وأوكل إليه إدارة تنظيم فرع بغداد العسكري للحزب، وكان هذا أول اتصال مباشر لصدام حسين بعسكريي الحزب، وكلّفه أيضًا بتأليف التنظيم الطليعيّ الضارب من شباب الحزب وأطلق عليه اسم «تنظيم حُنين» الذي تحول بعد قيام ثورة 17 تموز/يوليو 1968 إلى «هيئة العلاقات العامة» التي تحوّلت بعد ذلك إلى الاستخبارات العامة.

    شرعت القيادة الجديدة في العمل على إعادة بناء الحزب بعد الضربات الموجعة التي عاناها عقب انقلاب الرئيس عبد السلام عارف في تشرين الثاني/نوفمبر 1963، وركّزت على إعادة بناء التنظيم العسكري وتعزيز تنظيمها الطليعيّ «حُنين» وتقويته بأسبقيات متقدّمة للعودة إلى السلطة بانقلاب عسكري حال سنوح الفرصة لذلك. وفي حُمى عملها الحثيث والسريع لهذه الغاية استطاع النظام اختراق بعض تنظيمات الحزب، ومنها فرع بغداد العسكري الذي يديره صدام حسين، واستطاع إجهاض المحاولة الانقلابية المتعجلة التي خطّطوا لها قبيل تنفيذها في 5/9/1964. وأجرى النظام اعتقالات واسعة في صفوف العسكريين البعثيين ممن كانوا في الخدمة أو التقاعد، وأغلبهم من تنظيمات فرع بغداد العسكري. واستطاع صدام حسين الهروب والاختفاء في أحد أوكار الحزب، واعتُقل في ما بعد لأن أحد أعضاء الحزب وشى للجهات الأمنية بالوكر الذي كان فيه مختبئًا.

    كان التجمّع الأكبر للبعثيين العسكريين الموجودين بالخدمة في تنظيمات الفرقة الثانية، وكان يرتبط بأمين سرّ الحزب وأمين سرّ المكتب العسكري الرفيق أحمد البكر مباشرة، فلم يؤثِّر كشف تنظيمات فرع بغداد العسكري فيه كثيرًا.
    بعد بضعة أسابيع اعتُقل أحد أعضاء قيادة مكتب كركوك العسكري للحزب ((( المكتب العسكري أعلى تنظيم للعسكريين في قواطع القيادات العسكرية في أثناء العمل السري للحزب، ويعيَّن أعضاء المكتب من جانب قيادة الحزب، ولا يشاركون في الانتخابات في مؤتمرات الحزب على الرغم من حضور ممثلين عنهم ))) فجعلني الأمر في وضع حرج، إذا ما اعترف الرفيق المعتقل فكيف سيفهم العمّ الأنصاريّ ذلك؟ فهو يعتقد أنني قد توقفت عن العمل الحزبي بحسب طلبه، وذاك ما شكل عبئًا نفسيًّا وأخلاقيًّا كان من الصعب عليّ تحمّله! فطلبت من أحد أصدقائنا من رؤساء العشائر البعثيين بالمنطقة تدبير خروجي إلى سورية حال طلبي منه ذلك، وأبدى استعداده لذلك، لكنه اعتقل هو الآخر بعد بضعة أيام، فأُسقط في يدي.


    تنفسنا الصعداء عندما عرفنا أن صدام اعتقل، وأنه تحمل المسؤولية كاملة عن محاولة الانقلاب، فتوقفت الاعتقالات، ولم يتحمل تنظيمنا خسائر تُذكر.
    أدّى تكليف الرئيس عارف العميد الطيار عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية




    ((( العميد الطيار عارف عبد الرزاق رئيس التكتل القومي للضباط، ومنهم صبحي عبد الحميد ويونس عطارباشي وهادي خماس وعرفان وجدي، ومجموعة أخرى من الضباط، ومعظمهم من العناصر الكفيّة والبارزة في القوات المسلحة ))) تشكيل حكومة جديدة يتولّى رئاستها مع توليه وزارة الدفاع، إضافة إلى منصبه قائدًا للقوة الجوية، إلى امتعاض قادة الجيش وكبار ضباطه، ومنهم اللواء الأنصاريّ، إذ كان إجراؤه هذا خطوة أخرى في تسييس الجيش والقوات المسلحة.

    كان العميد عارف عبد الرزاق يتزعّم كتلة الضباط الوحدويين الناصريين في القوات المسلحة التي تضمّ نخبة من الضباط المعروفين بكفاءتهم وسمعتهم الجيدة، مثل العميد الركن يونس عطارباشي، قائد الفرقة الرابعة في الموصل، والعقيد الركن هادي خماس، مدير الاستخبارات العسكرية، والعقيد الركن صبحي عبد الحميد، مدير الحركات العسكرية، والعقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي، آمر الكلية العسكرية، وآخرين من المراتب المتوسطة والصغيرة. عرف عارف عبد الرزاق من خلال عمله رئيسًا للوزراء بأن الرئيس عبد السلام لم يكن جادًا في دعواه إلى الوحدة مع مصر، ولم يُرِد أن يكون الرجل الثاني بعد عبد الناصر في دولة الوحدة، فاتفق مع ضباط كتلته على إطاحته عند سنوح الفرصة لذلك، وإعلان دولة الوحدة. وكان سفر الرئيس عبد السلام لحضور قمة الرؤساء العرب في الرباط في خريف عام 1965 موعدًا لتنفيذ انقلابه،

    فتحرّكت عناصره واحتلت الإذاعة والتلفزيون ومؤسّسات حيوية أخرى. وبدأت الإذاعة والتلفزيون بإذاعة الأناشيد الوحدوية وبيانات الانقلابيين، وكان حزبنا قد أصدر تعليمات سابقة باستغلال أي حادث مفاجئ أو تحرك ضد السلطة من أي جهة أخرى للعمل بسرعة وحزم للاستيلاء عليها، وضرب التحرّك والنظام في آنٍ واحد من دون انتظار تعليمات إضافية.
    .
    اعتبرنا محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية ساعة الصفر للتحرك لتنفيذ توجيهات الحزب. دخلت على اللواء الأنصاريّ في غرفته بقيادة الفرقة، وكان غاضبًا وثائرًا على ما حدث، وأكد تصميمه على وأد الحركة الطائشة كما سمّاها فاستدعى العقيد إسماعيل تايه النعيمي، آمر اللواء الرابع وهو بعثي، والعقيد حماد شهاب، آمر اللواء المدرع العاشر البعثي أيضًا، وهو من أقارب الرئيس البكر، والمقدّم سعدون غيدان، آمر كتيبة الدبابات الرابعة، وآخرين فأوجز لهم الموقف، وقراره بسحق الحركة الانقلابية، وأصدر أوامره بحركة اللواء الرابع مشاة، ويُعقب باللواء العاشر المدرع، ومغاوير الفرقة إلى بغداد، لسحق حركة العميد عارف عبد الرزاق والسيطرة على المؤسّسات الحكومية فيها.

    التقيت بهم عند خروجهم من مؤتمر القائد، وأبلغتهم تعليمات قيادة الحزب للسيطرة على السلطة فأبدوا استعدادهم لتنفيذها من دون اعتراض.
    لم يستطع الانقلابيون في بغداد إحكام السيطرة عليها، إذ قاد اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش والأخ الأكبر للرئيس عبد السلام لواء الحرس الجمهوري، وأعلن ولاءه للرئيس، وكانت قطعات الفرقة الثانية تتقدّم إلى بغداد لسحق الحركة فانهارت معنويات الانقلابيين فركب العميد عارف عبد الرزاق وكبار أعوانه طائرة كانت جاهزة في المطار وتوجهوا بها إلى القاهرة.

    عصرًا كانت قطعات الفرقة قد قطعت مرحلة طويلة في طريقها إلى العاصمة بغداد عندما اتصل اللواء عبد الرحمن عارف باللواء الأنصاريّ مهنئًا بفشل المحاولة الانقلابية، وهروب قادتها خارج الوطن، وطلب إعادة قطعات الفرقة إلى ثكناتها لانتفاء الحاجة إليها. وعلى الرغم من إلحاحي على الأنصاريّ لتستمر القطعات في طريقها إلى العاصمة وإنهاء الوضع القائم، أمر القطعات بالعودة لتعود الأمور إلى نصابها.

    أوفد اللواء عارف، رئيس أركان الجيش، الوزير شامل السامرائيّ إلى الرباط لإخبار أخيه بتفاصيل ما حدث، فسأل الرئيس عبد السلام الوزير: «لماذا قام العميد عارف عبد الرزاق بمحاولته هذه؟». فأجابه السامرائيّ: «لأنه يريد الوحدة»، فرد عليه عبد السلام ساخرًا: «أليس هذا ما نعمل عليه هنا بالرباط؟».

    التمرّد الكردي
    ـــــــــــــــــــــــــــ


    حاولت الحكومة في عهد عبد السلام عارف التفاوض والأكراد، وتعتبر الحركات الكردية المسلحة في كردستان العراق من أهمّ عوامل عدم الاستقرار منذ بدايات الحكم الوطني في العشرينيات من القرن الماضي، وزاد في تعقيدها استخدامها من قوى دولية وأخرى إقليمية ورقة ضغط على الحكومات العراقية في عهودها المختلفة، لمصالحهم وفرض أجندتهم وهيمنتهم على العراق.
    بعودة الملا مصطفى البرزاني





    ((( ولد الملا مصطفى البرزاني في قضاء الزيبار في شمال العراق عام 1903، ويُعتبر الأب الروحي للحركة الانفصالية الكردية في العراق. قاد مع أخيه الأكبر الشيخ أحمد حركة مسلحة في عام 1935، وبعد فشلها نُفي إلى مدينة السليمانية، فهرب منها في عام 1942. قاد في عام 1944 حركة مسلحة أخرى، وهرب بعد فشلها إلى إيران، حيث ساهم في تأسيس جمهورية مهاباد الكردية في المناطق الكردية من إيران. بعد القضاء على جمهوريته هرب إلى الاتحاد السوفياتي مع 500 من أعوانه، ومُنح فيه رتبة جنرال. عاد إلى العراق بعد ثورة تموز 1958، وفي عام 1961 قاد حركة مسلحة ضد عبد الكريم قاسم، لكنه في عام 1964 عقد اتفاقًا مع الحكومة العراقية في عهد الرئيس عبد السلام عارف، حصل به على الحقوق الثقافية للأكراد وساهم في الحكومة، حتى قاتلها مرة أخرى. بعد مجيء البعثيين تم الاتفاق على منح الأكراد الحكم الذاتي، ولم يدم هذا الاتفاق طويلًا، فنشب صراع مسلّح انتهى بهروبه بعد اتفاق الشاه والعراق في الجزائر في عام 1975، ففرّ إلى خارج العراق، وتوفي في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1979 ))) ، زعيم الحركة الكردية، من الاتحاد السوفياتي بعد ثورة تموز 1958، تصاعد مد التحرك الكردي المطالب بحقوق وامتيازات إضافية إلى الحد الذي أدّى إلى اندلاع النزاع المسلّح بين حكومة عبد الكريم قاسم وحزب البارتي الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه الملا مصطفى البرزاني .....


    يتبع........

    الجزء الرابع

    والذي امتدّ إلى مناطق واسعة من شمال الوطن. ولم تكن إيران وإنكلترا والولايات المتحدة وأخيرًا إسرائيل بعيدة عن تأجيجه وإدامته لإضعاف العراق وإبعاده عن دوره الوطني والقومي. ومرت العلاقات بين الحركة الكردية المسلحة بفترات مد وجزر وتفاوض واقتتال، وكانت أصابع إيران الشاه وحلفائه وراء تأجيجها كلما أوشكت على الخمود.

    أتيحت لي فرصة حضور أحد لقاءات القيادة السياسية وبعض القادة العسكريين بالملا مصطفى البرزاني وقيادة حزبه في ناحية بليكان القريبة من قضاء رانية، معقل قيادة الحركة في عام 1965. كان الوفد العراقي المفاوض برئاسة الفريق طاهر يحيى، رئيس الوزراء، ومعه وزير الداخلية ومحافظ السليمانية ومجموعة من الشخصيات المدنية والعسكريين، منهم اللواء الأنصاريّ، قائد الفرقة الثانية، والعقيد هادي خماس، مدير الاستخبارات العسكرية، وآخرون.


    تحرّكنا من السليمانية بالعجلات إلى ناحية بليكان، وكان الملا مصطفى وقادة حزبه ينتظروننا خارج بليكان في مكان مسقوف بمجموعة من فروع الأشجار لتظلله من الشمس، وكان يتوسطهم جالسًا على كرسي خشبي فيما أعضاء القيادة حوله جالسون على بُسُط ممتدّة على الأرض. جلسنا بمواجهتم، فرحب البرزاني بالوفد بكلمة قصيرة ثم قال مخاطبًا الفريق طاهر يحيى: «أنا ابن الحكومة وتابع لها، وليس لدي شيء معين أطلبه من سيادتكم، هؤلاء هم قيادة الحزب وأعضاء مكتبه السياسي فتفضلوا بالكلام معهم وأنا سأنفذ ما تتفقون عليه»، وسكت.




    شكره الفريق يحيى، وطلب من أعضاء القيادة الكردية أن يعرضوا مطالبهم.

    قالوا: «نريد أن يكون الرؤساء الإداريون وموظفو المنطقة الكردية من الأكراد»،
    فأجابهم: «ونحن لا نفضل أن نبعث برؤساء وموظفين عرب لأنهم لا يستطيعون القيام بواجباتهم بصورة كفيّة بسبب اللغة والجهل بعادات المنطقة وتقاليدها فرشّحوا لنا من تريدون وسنعيّنهم فورًا».
    قالوا: «نريد أن يكون تعليم اللغة الكردية في مدارسنا للصف السادس ابتدائي»،
    فأجابهم: «ولماذا للصف السادس ابتدائي فحسب؟ نحن نرى أن يكون تعليمها لغاية الصف السادس ثانوي، لكن يجب أن يتعلموا العربية أيضًا حتى يكون العراق كله مجالًا لتوظيفهم إذا لم تستوعبهم المنطقة الكردية».
    قالوا: «نريد الكهرباء والماء».
    فأجابهم: «في طريقي إلى هنا شاهدت أعمدة الكهرباء محطمة ومرمية على الأرض، فلا تحطموها حتى نتمكَّن من تأمين الكهرباء والماء».
    وطلبوا أشياء صغيرة أخرى مشابهة، وكان الفريق يحيى يضيف إليها أكثر مما طلبوه. هكذا انتهى اللقاء بعدما وافق رئيس الوزراء على مطالبهم كافة، وزاد عليها. أخيرًا دعانا الملا مصطفى إلى مرافقته إلى رانية لنحلّ ضيوفًا عليه هذه الليلة، فأراد الفريق طاهر أن يعتذر لوجود ما يستوجب عودته، فانحنى عليه الفريق الأنصاريّ وهمس في أذنه «أبو زهير لنبقَ تقديرًا لهم ما دامت المشكلة قد حُلت والحمد لله». فوافق وانتقلنا إلى رانية، وأنا غير مصدق ما حدث: هل قاتل هؤلاء كل هذه السنين من أجل هذه المطالب التي كان أيٌّ من المسؤولين في كل العهود سيوافق على ضعفيها من دون أن يرمش له جفن؟

    في رانية أقاموا لنا حفلة عشاء في جو ساده التفاؤل. وفي اليوم التالي جاءوا بمطالب جديدة منها تشكيل وحدات عسكرية من مسلحيهم ترتبط بهم مباشرة، وأن لا يُسمح للجيش العراقي بدخول المنطقة الكردية إلا بموافقتهم، ومطالب تعجيزية أخرى لا أذكر تفاصيلها. وكان واضحًا أن القوى الخارجية التي تستخدمهم رفضت ما تم الاتفاق عليه مع الوفد الحكومي نهار أمس، وأملَت عليهم الشروط التعجيزية التي كانت تعرف أننا سنرفضها، فغضب الفريق رئيس الوزراء، وعدنا بخُفّي حُنين ليندلع القتال مجددًا في عام 1965.

    في قيادة الفرقة الثانية في كركوك زارنا اللواء الركن عبد العزيز العقيلي




    ((( ولد اللواء الركن عبد العزيز العقيلي في مدينة الموصل في عام 1919، وكان من الضباط الأكفياء والمتميِّزين، وكانت توجهاته قومية. اعتُقل بعد فشل ثورة الشواف في الموصل في عام 1959، وعُرف بصلابته وعناده. تولّى وزارة الدفاع في عهد الرئيس عبد السلام عارف، وبعد وفاة الرئيس عُقد اجتماع مجلس الدفاع الأعلى لانتخاب رئيس للجمهورية ورشّح العقيلي نفسه، فلم يحصل إلا على صوته في الانتخابات التي جرت بين أعضاء المجلس. واعتقل في عهد الحكم البعثي وتعرّض للتعذيب. توفي في عام 1981 ))) ، وزير الدفاع، مع عدد من ضباط الأركان العامة. وعقد فور وصوله اجتماعًا بقائد الفرقة اللواء الأنصاريّ في غرفته في مقر القيادة، وفيها بيّن الاستراتيجيا التي سيعمل عليها للمرحلة المقبلة في مقاتلة مسلحي البرزاني، والتي ستجبر الزعيم الكردي على التخلي عن الخيار المسلّح في خلافه مع السلطة، وذلك بتحويل الجهد الرئيس للعمليات من جبهة الفرقة الثانية - السليمانية إلى جبهة الفرقة الرابعة - أربيل، على أن تعزز بألوية ووحدات من قطعات الفرقة الثانية. والغاية من ذلك هو عزل مسلّحي الملا مصطفى البرزاني عن الدعم الإيراني، وذلك بالسيطرة على المحور الرئيس الذي يربطهم بإيران أي راوندوز - برسري - حاج عمران. وقال على القطعات أن تبدأ فورًا في سهل راوندوز، وتشرع بالعمليات بعد عطلة العيد المقبلة، بعد أكثر من شهر، وأن اللواء الركن زكي حسين حلمي، قائد الفرقة الرابعة، سيقود العملية.

    كانت النظرة الاستراتيجية للواء الأنصاريّ مختلفة تمامًا، إذ قال: «إن هذه العملية وأي عملية مشابهة أخرى لن تحقق الغاية التي استهدفها السيد وزير الدفاع، وأوضحُ أن العمليات المسلحة الحالية تختلف عن تلك التي شارك فيها الوزير في منتصف الأربعينيات. آنذاك كانت حركات عشائر متمرِّدة ومحدّدة في مناطق نفوذ الملا البرزاني والعشائر المؤيدة له، وكان وصول الأرتال العسكرية إلى مناطق تواجد ونفوذ تلك العشائر كافيًا لإخمادها،

    أما الآن فالوضع مختلف تمامًا! إذ تحوّل قتال المسلحين الأكراد إلى عمليات أنصار وحرب عصابات مشابهة لتلك التي حدثت في يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي، وتدرّب عليها البرزاني ومن معه في أثناء لجوئهم إلى الاتحاد السوفياتي، فالقتال الآن ليست له جبهة محدّدة وواضحة بل يجري تقريبًا في كل مكان من المنطقة الكردية في الشمال. ففيما نحن نقاتل المتمرِّدين في المناطق الحدودية لمنع تعاونهم مع إيران أو تركيا، هناك قتال في مناطقنا الخلفية وعلى طرق المواصلات. إن إمساك الشريان الذي يربطهم بإيران وقطعه شيء جيد، ويمكن أن يكون بإمساك العوارض المسيطرة فيه بعدد محدود من القطعات، وإبقاء القسم الأكبر منها لضربهم وإيقاع الخسائر الموجعة فيهم، ومطاردتهم أينما كانوا. ذلك ما يردعهم ويجبرهم على التخلي عن استمرارهم بالقتال، ولا تنسَ سيادة الوزير أن هناك محاور أخرى عديدة تربطهم بإيران»، واختتم اللواء الأنصاريّ قوله: «أخشى يا سيادة الوزير أن يؤدي إصراركم على هذا النهج وتنفيذه بالصيغة التي عرضتها إلى نتائج وخيمة للقطعات التي ستقوم به ولبقية القوات المسلحة!!».
    لكن الوزير المعروف بعناده أصر على رأيه مدعومًا بتأييد الرئيس عبد السلام عارف.
    جرى حشد القطعات في سهل أربيل طوال الشهر الذي سبق تنفيذ العمليات، الأمر الذي أتاح للبرزاني الوقت لجلب وحدات مدفعية إيرانية مع أطقمها إلى القاطع. وبدأت قصفها القوات المتحشدة فتكبَّدت خسائر كبيرة أثّرت سلبًا في معنوياتها. كانت عارضتا هندرين وزوزك تسيطران على مدخل محور راوندوز - حاجي عمران من الشرق. اللواء الرابع يمسك عارضة هندرين التي تسيطر على الطريق من اليمين، واللواء الثالث يمسك عارضة زوزك عن يسار الطريق، وقد كثف المسلحون الأكراد القصف عليهما فكبدوهما خسائر كثيرة. وفي ليلة دامسة الظلام بوغتت قطعات اللواء الرابع على جبل هندرين بهجوم صاعق أجبرها على ترك العارضة في حالة من الفوضى الشاملة، واحتمى العسكر في السفوح والأودية القريبة، كما ترك بعض وحدات اللواء الثالث معظم مواضعه على عارضة زوزك. لم يسبق لقواتنا أن تعرضت لمثل هذه النكسة المؤلمة والمهينة مطلقًا. وكنا نخشى انعكاسها على بقية قطعات الجيش.

    كان اللواء الأنصاريّ يغلي غضبًا، والأخبار السيئة عن قاطع راوندوز ترده تباعًا، فقد توقع أن يحدث ما لا تُحمَد عُقباه عندما حشدوا القطعات في رمضان قبل أكثر من شهر من موعد تنفيذ عملياتها. كان يقطع غرفته ذهابًا وإيابًا عندما دخل عليه اللواء فاضل واللواء حسن سكراب من هيئة أركان قيادة قوة الميدان، وكان اسُتحدث مقرّ باسم قيادة قوة الميدان لإدارة العمليات في الشمال برئاسة عبد الرحمن عارف الذي أصر عزيز العقيلي، وزير الدفاع على إبعاده من الوزارة، لأنه لم يكن ضابط ركن، ولا يحق له أن يكون رئيسًا لأركان الجيش، كما تنص بذلك اللوائح والنظم العسكرية، فكان ذلك حلًا لتلافي أزمة بينه والرئيس عبد السلام عارف. دخلوا يسألونه ويرجونه أن يتدخل لإنقاذ الموقف بالذهاب إلى راوندوز لمعالجة الحالة المتدهورة هناك، فردّهم اللواء الأنصاريّ بجفاء وذكّرهم بتحذيره الوزير من النتائج الوخيمة لإجراءاته تلك.
    رد اللواء حسن، والعبرات تخنق صوته: «لواء إبراهيم أستحلفك بالله أن تذهب، إنه شرف الجيش والوطن». فوافق الأنصاريّ وأصدر أوامره لقوات مغاوير الفرقة للتحرّك فورًا إلى راوندوز، واصطحب معه آمر مدفعيته العميد أحمد سعيد وبعض ضباط ركنه في طائرة سمتيّة [هليكوبتر] إلى هناك، وكنت معهم.


    في المقرّ المتقدّم لقيادة الفرقة الرابعة كان اللواء الركن زكي حسين حلمي، قائد الفرقة، الذي كان قبل أشهر آمرًا لأحد ألوية فرقتنا، يبدو تحت تأثير الصدمة التي فاجأته.
    «لواء زكي، قال له الأنصاريّ، أوجز لي آخر موقف». فأوجزه.
    تسلّق اللواء الأنصاريّ تلة مرتفعة قريبة تشرف على الجبهة، مصطحبًا معه اللواء زكي والعميد أحمد آمر المدفعية، وعددًا من ضباط الركن والمُخبرين. وامتدّ الجميع على الأرض، وأصدر أول أوامره بأن تربط كافة وحدات المدفعية في الجبهة بشبكة آمر مدفعيتنا، ثم اتصل مباشرة بأحد آمري الأفواج الأمامية المقدّم الركن زاهد إسماعيل (كان مدرّسنا عندما كنت تلميذًا في كلية الأركان) للتعرف إلى الموقف من الأفواج المشتبكة بالقتال مباشرة.

    فقال: «أنا اللواء الركن إبراهيم فيصل الأنصاريّ، جئت لإدارة المعركة؛ أعطني موقفك والعدو بدقة، وسأسندك بمدفعية الفرقة كلها. أعطنا التصحيحات لصب نيراننا على العدو».
    وبعد نصف ساعة أو أقل اتصل المقدّم زاهد إسماعيل وتكلم مع اللواء الأنصاريّ وقال: «سيدي القائد إنني أرى جثثهم تتطاير بفعل نيراننا، وشرعوا بالفرار».

    تركنا اللواء زكي لمتابعة الموقف، وذهبنا لاستقبال قوات مغاويرنا التي بدأت طلائعها بالوصول والتجمّع قرب المدخل الشرقي لمضيق كلي علي بك، وحال تكاملها وقف اللواء الأنصاريّ بينهم وحيّاهم بحرارة، وجال ببصره في وجوههم التي يعرفها ويعتزّ بها، حيث كانوا من وحدات مغاوير الفرقة الثانية المعروفين بشجاعتهم وشراستهم في القتال. وخاطبهم قائلًا: «إن وحدات اللواء الرابع قد انسحبت من جبل هندرين ذاك الذي ترونه على اليمين (وأشار إليه)، وكذلك بعض وحدات اللواء الثالث من جبل زوزك على اليسار. وإن المتمرِّدين الخونة احتلوا المرتفعات المسيطرة. أريدكم أن تسترجعوها من أيديهم سيموت بعضكم ويُجرح آخرون، لكنّ شرف الجيش والوطن أكبر وأعظم. أريد أن أرى أعلامكم ترفرف على قمم هذه الجبال. لقد ادُّخرتكم لمثل هذا اليوم. اذهبوا والله معكم». كان زئيرهم يشق عنان السماء وهم يحيّون قائدهم، وانطلقوا. وبعد ساعات كانت أعلامهم ترفرف على قمم الجبال، والمرتفعات بعد أن سقط العديد منهم.

    في صيف 1966 قُتل الرئيس عبد السلام عارف في تحطم طائرته السمتيّة في أوضاع غامضة، وكان قبل مقتله بفترة قصيرة زار قيادة الفرقة الثانية، وخطب في مراسيم توديع أحد تشكيلات الفرقة المغادرة إلى المنطقة الكردية للمشاركة في قتال المتمرِّدين، بعد فترة إعادة تنظيم أجرتها في ثكناتها النظامية في كركوك. وفي خطبته هذه انبرى بالسباب للبعثيين، وكلما يرد ذكرهم في خطابه يقول «تكرمون البعثيين»، أي إنهم قذرون إلى درجة يستسمح فيها المستمعين ذِكر اسمهم، فانفعل اللواء إبراهيم الذي كان يقف جانبًا على المنصة التي يخطب منها الرئيس، وردد بصوت غاضب سمعه من كان يقف بجانبه: «لا، لا، هذا كلام غير مقبول. معظم ضباط هذا اللواء من البعثيين وسيذهبون للمحافظة على وحدة البلد، وقد يستشهد بعضهم. لا، لا، هذا كلام غير مقبول».
    لا أعتقد أن الرئيس عارف قد سمعه، لكن من كان يقف إلى جانبه سمع، ومنهم بعض مرافقي الرئيس.

    بعد إعلان نبأ وفاة الرئيس أسرعنا بالذهاب إلى بغداد لحضور اجتماع مجلس الدفاع الأعلى للبحث في تداعيات مقتل الرئيس. كنا عادة ننزل في فندق الخيام الكائن في الباب الشرقي في بغداد عند مجيئنا إلى العاصمة لحضور اجتماعات وزارة الدفاع. كان مجلس الدفاع الأعلى يتألف من رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والمالية ورئيس أركان الجيش، وقادة الفرق وقادة القوتين الجوية والبحرية، ومدير الاستخبارات العسكرية. وفي هذا الاجتماع طُرحت آراء ومقترحات متباينة للخروج بقرار يلائم الحالة الطارئة التي يمرّ بها الوطن. وكان رأي اللواء الأنصاريّ تأليف مجلس لتولّي المسؤولية لقيادة البلاد فترة محددة، يجري بعدها انتخاب رئيس جديد للبلاد، على أن يضمّ هذا المجلس عددًا من الشخصيات السياسية والعسكرية المعروفة، إذ لم يكن اللواء الأنصاريّ يعتقد بأن الشخصيات الحكومية أو العسكرية التي تتربع على المواقع المتقدّمة في السلطة تصلح لإشغال منصب الرئيس الشاغر. فهو لم يكن يثق برئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز لغموض ميوله وأهوائه، ولعدم ثقة قادة الجيش به. أما اللواء عبد العزيز العقيلي، وزير الدفاع، فعلى الرغم من ميوله القومية كان انفراديًا متسلطًا، ويمكن أن يصبح شبيهًا بعبد الكريم قاسم. يبقى اللواء عبد الرحمن عارف





    ((( ولد الرئيس عبد الرحمن عارف ببغداد في عام 1916، ودخل الكلية العسكرية في عام 1936. شارك في حركة مايس 1941 ثم انخرط في صفوف الضباط الأحرار في أيامها الأولى، وشارك في ثورة تموز 1958. أحيل على التقاعد في عام 1962، وفي عام 1963 أصبح رئيسًا لأركان الجيش، وانتخبه مجلس الدفاع الأعلى رئيسًا للجمهورية بعد وفاة أخيه عبد السلام عارف في حادث طائرة سمتية. تميز عهده بالانفتاح وأطاحه البعثيون في 17 تموز/يوليو 1968 فغادر إلى تركيا ثم عاد، واستقر بالعراق، وغادره ثانية إلى عمان بالأردن بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003. توفي في عمان عام 2007، ودفن في «مقبرة شهداء الجيش العراقي في فلسطين» الواقعة في المفرق ))) ، رئيس أركان الجيش وشقيق الرئيس عبد السلام، الذي كان شخصًا طيبًا، لكنه ضعيف لتولّي منصب الرئاسة في تلك الأوضاع الحرجة، على الرغم من أنه كان أحد قادة الضباط الأحرار الذين حققوا ثورة 14 تموز، والحقيقة أنه انتمى إلى حركة الضباط الأحرار قبل أخيه عبد السلام.

    كان القوميون والبعثيون يؤلفون الأغلبية النشطة في الشارع العراقي آنذاك، كما كان للجيش وقادته مكانة رفيعة في قلوب العراقيين للتضحيات التي تقدّمها قواتهم المسلحة حفاظًا على وحدة البلد وأمنه.

    أصبح مقرّ الأنصاريّ في فندق الخيام قبلة لقادة الجيش وكبار الضباط الذين توافدوا للتباحث وتبادل الآراء لاختيار الشخصيات المقترحة للمجلس الذي سيتولى المسؤولية الموقتة لإدارة البلاد. وفي عصر ذلك اليوم توصلوا إلى قائمة الأسماء المقترحة للمجلس، وكانت تضمّ ممثِّلين عن القوى القومية والوطنية التي لها سمعة وقبولٌ من مجموع فئات الشعب، فمن البعثيين كان أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي، ومن القوميين طاهر يحيى وعبد الرحمن البزاز وشخصيات عروبية أخرى، وضمت ممثِّلين عن الأكراد وشخصيات وطنية أخرى، ورُشّح البكر لرئاسة المجلس، وطلبوا من الأنصاريّ أن يقوم بمفاتحته بهذا الشأن.

    كان منزل أحمد حسن البكر يقع في منطقة علي الصالح في جانب الكرخ من مدينة بغداد، وكان البكر مجتمعًا بأعضاء قيادة الحزب، لكن عند وصولنا إلى منزله لم نشاهد أحدًا منهم، فاجتمعنا به في غرفة الجلوس، وطرح عليه الأنصاريّ الفكرة المقترحة للمجلس الموقت، والأسباب التي دعتهم إلى ذلك، والأسماء المقترحة لأعضائه، وكان البكر يصغي بتركيز شديد وعندما أنهى الأنصاريّ كلامه قال البكر: «أبا عماد كيف تريدني ورفاقي أن نكون في مجلس يضمّ شخصًا مثل الفريق طاهر يحيى الذي يدعو جهارًا إلى إلغاء قانون رقم 80 الذي انتزع به عبد الكريم قاسم الأرض العراقية غير المستغلّة من أيدي شركات النفط؟ هل تريدنا أن نفعل ذلك كي يترحم الناس على كريم قاسم ويلعنوننا علنًا في الشوارع؟». لم أستطع إلا التدخّل. فقلت: «سيدي أرجوك أن توافق، وبعدها لكل حادث حديث»، واستمرّت المناقشة ساعة أخرى ختمها البكر بقوله: «تعلمون يا أبا عماد أننا حزب، ولنا قيادة هي المخوّلة بالقرار. سأستشير رفاقي وسيصلكم ردنا لاحقًا. وأشكركم باسم القيادة على حسن ظنكم بنا».

    جلسنا في غرفة العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري في ثكنة وزارة الدفاع، حيث كان الأنصاريّ وسعيد صليبي وآخرون يضعون اللمسات الأخيرة لقائمة المرشحين للمجلس، عندما دخل المقدّم الركن إبراهيم الداود، آمر لواء الحرس الجمهوري، والنقيب ماجد عبد الرزاق من أقرباء الرئيس عارف، واطلعا على القائمة المقترحة لأعضاء المجلس، فاعترض المقدّم إبراهيم الداود وقال: «ما هذا؟ إن معظمهم من البعثيين». فوقفت قبالته على الفور وقلت له زاجرًا: «ماذا تعني بذلك؟ أليس البعثيون جزءًا من هذا البلد؟». فتراجع الداود توًا وقال: «أنا لا أقصد سوءًا بأحد، ولا مانع لدينا من ذلك»، وكان يقصد الحرس الجمهوري، فيما النقيب ماجد عبد الرزاق قريب الرئيس يقف إلى جانبه ووجهه مصفر، ونظرات لئيمة تكاد تطفر من عينيه، فهمست في أذن العمّ: «لنعتقلهما الآن، فإنهما سيكونان خطرين، إن عادا إلى وحداتهما بالحرس الجمهوري»، لكنه رفض، إذ لم يكن يريد اعتقال أحد.

    في مساء ذلك اليوم هبطت طائرة خاصّة في مطار بغداد آتية من القاهرة، تقلّ المشير عبد الحكيم عامر، نائب الرئيس جمال عبد الناصر، وأجرى على الفور مقابلات مع عبد الرحمن البزاز




    ((( ولد عبد الرحمن عبد اللطيف البزاز في بغداد عام 1913، وأكمل فيها دراسته الإعدادية. دخل كلية الحقوق، وأكمل دراساته العليا في لندن. تولّى عمادة كلية الحقوق، وفي ثورة 14 تموز عُين سفيرًا للعراق في الجمهورية العربية المتحدة، واستقال وبقي في القاهرة بعد انحراف عبد الكريم قاسم وتفرده بالحكم. عاد إلى العراق بعد ثورة شباط 1963، وتولّى عددًا من المناصب الوزارية ورئاسة الوزراء لمرتين في عامي 1965 و1966. اعتُقل في عهد البعثيين، وعُذب في سجنه وتوفي نتيجة تدهور صحته بسبب السجن والتعذيب في بغداد في حزيران/يونيو عام 1973.
    ويُعد الدكتور البزاز من القوميين الملتزمين ومن المؤمنين بالديمقراطية، وكان عهد استيزاره مثلًا لهذا ))) وعبد العزيز العقيلي واللواء عبد الرحمن عارف، كلٌّ على انفراد. وفي المساء نفسه وصلنا موفد البكر، وهو يحمل موافقته وقيادة الحزب على التشكيلة المقترحة للمجلس.

    صباح اليوم التالي غيّر قادة الجيش مواقفهم، واحدًا في إثر الآخر فاقترحوا اجتماع مجلس الدفاع الأعلى لانتخاب رئيسٍ للجمهورية، وكان واضحًا أن اجتماعات المشير عامر لم تكن بعيدة عن ذلك.

    عُقد اجتماع وترشّحت للرئاسة أسماءٌ ثلاثة، البزاز والعقيلي وعبد الرحمن عارف، واعتمدوا التصويت عندما لم يُجمعوا على اختيار واحد منهم، فانسحب العقيلي غاضبًا عندما لم يحصل إلا على صوته فقط في الجولة الأولى من التصويت. وفي الجولة الثانية تساوت الأصوات بين عارف والبزاز، فآثر الأخير الانسحاب قائلًا: «إنني لا أريد إحداث انقسام أو مشكلات، وسأتنازل على الرغم من أنني الأكفأ لتولّي هذا المنصب». وكوفئ بإعادة تعيينه رئيسًا للوزراء في عهد جديد تميز بالانفتاح والليبرالية، واستمرار القتال في شمال الوطن، وبهزيمة الأمة في حرب الأيام الستة في عام 1967.
    في خريف عام 1966 دخلتُ كلية الأركان، وفي خريف عام 1967 تسلّم اللواء الأنصاريّ منصب رئاسة الأركان بعد هزيمة القوات العربية في حرب الأيام الستة، في محاولة لامتصاص فورة الغضب والمرارة عند أبناء القوات المسلحة وضمائرهم، كما تضاعف نشاط وفاعليات الحزب الذي رفض وجماهيره هزيمة حزيران/يونيو، وارتفع سقف مطاليبه وشعاراته لاستلام السلطة وقيادة البلاد في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة، وبدأت قيادته بالتخطيط الجادّ لتحقيق ذلك.

    في بداية عام 1968 طرحت قيادة الحزب على كوادرها العسكرية اقتراحًا طلبت رأيها فيه، ومفاده تأييد تنفيذ انقلاب عسكري أو رفضه، بتنسيق مع جهات عسكرية مستقلّة تشغل مفاصل حساسة في القوات المسلحة من دون التطرق إلى اسمها، لضمان ما دعته انقلابًا أبيض. وكان صدام حسين نائب أمين سرّ الحزب، وراء هذه الفكرة كما عرفنا لاحقًا.
    قُبيل التخرّج في كلية الأركان في حزيران/يونيو 1968 أرسل الرفيق البكر أحد الرفاق ليبلغني أن الحزب يريدني أن أعود إلى وحدتي القديمة، أي الفوج المظلي الموجود في معسكر الرشيد بعد تخرجي، أو إلى اللواء المدرع العاشر الموجود في معسكر تكريت ويقوده العقيد حماد شهاب، في محاولة لتجميع أكثر عدد من الضباط البعثيين في الوحدات والتشكيلات الضاربة في بغداد أو بالقرب منها. ذهبتُ إلى الأنصاريّ (رئيس أركان الجيش) لأطلب منه ذلك ففاجأني برفضه قائلًا: «عليك أن تتدرّج في مناصب الركن بعد تخرجك كي تكتسب الخبرة والمهارة الضروريتين لضابط طموح مثلك. وإن القفز على المراحل يضر بمستقبلك المهني على الرغم من الفوائد الآنية التي تحصل عليها. سأنسّبك لتعمل في لواء مدرّع تحت التشكيل، ومنه ستكتسب المعرفة والخبرة الضروريتين لكل ضابط ركن وآمر ناجح». قرّر تنسيبي ضابط ركن الحركات في اللواء المدرع 12 الذي كان تحت التشكيل في مدينة البصرة التي تبعد 500 كلم عن بغداد.


    التحقت باللواء المدرع 12 مع زملائي من المتخرجين الجدد، ومنهم النقيب الركن صلاح عسكر والنقيب الركن عبد العزيز الخطيب. استقبلنا الرائد الركن عامر الحمداني مقدّم اللواء وقدّمنا إلى آمر اللواء العقيد إسماعيل العفري فرحّب بنا خصوصًا بعدما عرف أنني ابن أخي الأنصاريّ. أخبره بذلك الرائد عامر الحمداني مقدّم اللواء، فقال: «سنستفيد منك لإكمال نواقص اللواء مع عمك الأنصاريّ».

    الجزء الخامس

    البعث واستلام السلطة

    بدأت إذاعة بغداد صباح 17 تموز/يوليو بإذاعة بيانات الثورة، وكنت مع ضباط اللواء في مقرّنا نتابع بياناتها المتتابعة. وكان بيان إحالة الأنصاريّ رئيس أركان الجيش على التقاعد يتصدرها.

    كان الأنصاريّ في زيارة على رأس وفد عسكري، استجابة لدعوة من القيادة العسكرية المصرية لحضور مناورات وتدريبات كانت تجريها القوات المصرية بإشراف الرئيس عبد الناصر، بعدما تولّى شخصيًّا إعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 5 حزيران/يونيو وتهيئتها لحرب جديدة. أخبرنا الأنصاريّ بعد عودته أنه أبدى عددًا من الملحوظات والمقترحات للقادة المصريين ومستشاريهم الروس عن المناورات التي شاهدها، وأن الرئيس عبد الناصر طلب من قادة الجيش أخذها بالاعتبار في إعداد تمارينهم ومناوراتهم المقبلة. وعندما عرف الرئيس عبد الناصر بأنه أحيل على التقاعد طلب منه البقاء والعمل معه مستشارًا عسكريًا، لكنه اعتذر عن قبول ذلك وقرر العودة إلى بلده.

    اتفق الحزب مع المقدّم الركن عبد الرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات والرجل القوي فيها، ومع المقدّم الركن إبراهيم عبد الرحمن الداود، آمر لواء الحرس الجمهوري المكلف بحماية الرئيس مع قادة الحزب، ومنهم البكر بالذات وصدام، على تغيير الوضع القائم بثورة بيضاء، وتقاسم السلطة بين الحزب وبينهما، فكان البكر رئيسًا للجمهورية والنايف رئيسًا للوزراء والداود وزيرًا للدفاع.

    وفي 30 تموز/يوليو، بعد أسبوعين من الثورة، أقلعت طائرة عسكرية خاصّة من القاعدة الجوية في بغداد تقل مجموعة من العسكريين البعثيين مزوّدين بأوامر محدّدة من صدام حسين، نائب أمين سرّ الحزب شخصيًا. حطت الطائرة في مطار عسكري أردني، وانطلقت المجموعة إلى مقرّ الفرقة الثالثة المدرعة العراقية الموجودة في الأردن منذ حرب حزيران/يونيو، واعتقلت وزير الدفاع عبد الرحمن الداود الذي كان في جولة تفتيشية للقوات العراقية في الأردن. وفي الوقت نفسه استدعي عبد الرزاق النايف لمقابلة الرئيس البكر، وبينما كان جالسًا في غرفة أخرى بعد تناول الغداء مع الرئيس، اقتحم صدام حسين الغرفة شاهرًا مسدسه وصرخ به أن يسلّم سلاحه وأنه قيد الاعتقال، ووضعه تحت حراسة مجموعة من الشبان البعثيين يرئسهم شقيقه برزان التكريتي، ثم أخبر الرئيس البكر الذي كان ينتظر في الغرفة المجاورة أن السلطة قد أصبحت بأكملها في أيدينا.

    في اليوم التالي جاء الفريق حردان التكريتي وزير الدفاع، وحماد شهاب آمر موقع بغداد إلى بيت اللواء الأنصاريّ وأبلغاه رغبة الرئيس البكر في عودته إلى منصبه السابق. ولمّا تردد في قبول العرض أخذاه لمقابلة الرئيس البكر الذي استقبله مهلَّلًا «أهلًا أهلًا أبو عماد، لا تقل شيئًا، فقد كنا مُجبرين على ذلك لإصرار النايف والداود، والآن وقد انتهينا منهما نريد منك العودة والعمل معنا»، ولمّا رأى بأنه ما زال متردِّدًا ألح وأكَّد أنهم والوطن والقوات المسلحة في حاجة إليه، وختم كلامه: «كم لواء إبراهيم عندنا؟».

    كانت معاناتي وألمي كبيرين، وكنت في حالة صعبة بين الولاء للحزب الذي أنتمي إليه إيمانًا بمبادئه وقيمه، وبين ما فعله رجال الحزب برجل أحبهم وقدّرهم وحمى خيرة شبانهم وضباطهم في أصعب الأوضاع التي مروا بها، الرجل الذي أعرف أنه بريء من ادعاءاتهم بتآمره والانقلاب عليهم، وأنه يقبع وراء القضبان وأني ابن أخيه والبعثي القديم أُمنع من مقابلته بأسلوب فج من الجزراوي وأمثاله. وكنت أعيش أيامًا صعبة لعجزي عن مساعدة بريء عزيز. كنا نجلس في غرفة جلوس الطبقة الثانية من دار العمّ اللواء إبراهيم فيصل الأنصاريّ (رئيس أركان الجيش) ظهر يوم دافئ من تشرين الثاني/نوفمبر 1968 ونتبادل الحديث عن انفراج الأزمة التي أعقبت تقديم استقالته من منصبه إلى الرئيس أحمد حسن البكر





    ((( ولد أحمد حسن البكر في تكريت عام 1914، وتخرّج في مدرسة المعلمين عام 1932. دخل الكلية العسكرية في عام 1938، وصار عضوًا في تنظيم الضباط الأحرار الذي أطاح العهد الملكي في عام 1958. اعتُقل بعد فشل ثورة الشواف في عام 1959، وأحيل على التقاعد. انضمّ إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وشارك في إطاحة عبد الكريم قاسم في 8 شباط/فبراير 1963، ومنح رتبة لواء وعيّن رئيسًا للوزراء. بعد «ردة تشرين» التي قادها عبد السلام عارف عيّن نائبًا لرئيس الجمهورية ثم استقال واعتقل في عام 1965، وأصبح أمين سرّ القيادة القطرية لحزب البعث في العراق. في ثورة 17 تموز أصبح رئيسًا للجمهورية، وتنحى عن منصبه في عام 1979 لصدام حسين في أحوال يكتنفها الغموض. توفي في 4/10/1982 ))) رئيس الجمهورية، في إثر صدور إجراءات نقل عدد من كبار ضباط القوات المسلحة من دون موافقته أو علمه بذلك، فلازم الأنصاريّ بيته وتوقف عن الذهاب إلى مقرّه في وزارة الدفاع في الأيام التي أعقبت تقديم استقالته.

    كان يخبرنا كيف عاد عن قرار استقالته بعد مقابلته الرئيس البكر الذي أرسل أحد كبار الضباط لحضور الاجتماع الذي سيُناقش فيه طلب الاستقالة. قال الأنصاري: «وصلت الاجتماع متأخرًا، وكان الرئيس البكر يجلس في منتصف الطاولة التي تتوسط قاعة الاجتماع، وعلى جانبيه يجلس أعضاء قيادة الحزب والثورة. نهض الرئيس البكر مرحبًا وجلب كرسيًا، وأجلسني إلى جانبه وقال: كيف يمكنك أن تتركنا يا أبا عماد، ومن يقود القوات المسلحة ويطوّرها؟ أجابه الأنصاريّ: سيادة الرئيس عندما أعدتموني إلى رئاسة أركان الجيش بعد أن أحلتموني على التقاعد في أول أيام الثورة كنت واضحًا معكم، فقد كان طلبي الوحيد أن تتركوا لي حرية العمل لما فيه مصلحة البلد والقوات المسلحة، ووافقتم على إسنادي ومساعدتي على ذلك، وذكرتم أنه أحد أهدافكم الرئيسة بعد هزيمة الأمة في حرب حزيران/يونيو. لكنكم من دون علمي أو استشارتي تُصدرون الأوامر بإجراء تنقلات لضباط القوات المسلحة سيؤدي تنفيذها إلى إضعافها وإرباكها، كما سيهز ثقة الضباط برئيس أركان جيشهم. وإني لست على استعداد لذلك. كما تعلمون سيادة الرئيس إن ذلك من صلب اختصاصي وصلاحيتي، ولن أنوي التخلي عنهما، فإما أن تضعوا ثقتكم بي فأبقى لأعمل بكامل صلاحيتي وإما لا وعندها خير لي ولكم قبول استقالتي، وأن تتيحوا لي فرصةً للراحة بعد خدمتي الطويلة في القوات المسلحة».

    كان الرئيس البكر يومئ برأسه مؤيدًا ما يقوله الأنصاريّ. وقال: «لواء إبراهيم أرجو أن تتفهم موقفنا، وسأكون معك واضحًا وصريحًا. عندما قمنا بثورة شباط/فبراير 1963 وجئنا بعبد السلام عارف رئيسًا فاتنا أن نبعد العناصر المناهضة لنا من القوات المسلحة، أو أن نُبعدها على الأقل من بغداد ومن تشكيلات الجيش الضاربة، الأمر الذي مكّنها من الانقضاض علينا وإطاحتنا بعد أن تجمّعت وتكتلت حول عبد السلام عارف. حسنًا، يقولون إن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، ولذلك فإن ما نجريه من نقل بعضهم وإبعاد آخرين من الضباط هو لحمايتنا والثورة من لدغة أخرى، وأعتقد بأنك توافقني على حقنا في هذا، أليس كذلك؟».

    «سيادة الرئيس»، أجابه الأنصاريّ، «لا أشك لحظة واحدة في أن من حقكم المحافظة على ما قمتم به. لكن بإخباري والتفاهم والتنسيق معي، وإجرائها من دون الضرر بي أو بالقوات المسلحة».
    قال الرئيس البكر: «نعدك من الآن أن لا نجري أي تنقلات أخرى من دون إعلامك والتنسيق معك، وأريد منك الآن أن تسحب استقالتك، وأن تعود إلى مكانك الطبيعي في رئاسة أركان الجيش متمتعًا بثقتي والرفاق في القيادة. عد متوكلًا على الله لنعمل معًا لما فيه خير البلد وقواته المسلحة».

    استأنف الأنصاريّ القول: «خرجت بعد أن وافقت على سحب استقالتي، وأقول يا نزار بأني سأعمل معهم ما أستطيعه بعدما أظهره الرئيس البكر من تفهّم للقوات المسلحة وإخلاص لهذا البلد. وأخيرًا فالقوات المسلحة ليست لهذا النظام أو ذاك بل هي للوطن كله». وتوقف قليلًا ثم نظر إلي وقال وعلامات التأثر بادية على وجهه: «أتعلم كم أثّر فيَّ الرئيس البكر عندما قام بنفسه وجلب كرسيًّا وأجلسني إلى جانبه؟ شعرت حينذاك بأنني مستعد أن أعمل كل ما أقدر عليه مع هذا الرجل المتواضع النبيل. تصور أنه يجلب لي الكرسي بيده. أنا الذي نويت أن أتركهم غاضبًا في أوضاع هم فيها بأشد الحاجة إليّ وإلى أمثالي ممن يعملون لبناء الوطن». كنت سعيدًا وفرحًا أن يحمل الأنصاريّ الذي أعرف مدى صدقه بما يقوله والتزامه كل تلك المشاعر الفياضة بالمحبة والولاء للرئيس البكر، والاستعداد للعمل للثورة وقيادتها لما فيه خير البلد وقواته المسلحة، فقد كنا بأمسّ الحاجة إلى هذا الرجل وأمثاله.

    كان المذياع يبث برامجه المعتادة. وفجأة بدأ بثّ موسيقى حماسية وأناشيد وطنية انطلق بعدها صوت المذيع يعلن عن بيان صادر عن مجلس قيادة الثورة جاء فيه: قرّر مجلس قيادة الثورة إعفاء اللواء الركن إبراهيم فيصل الأنصاريّ رئيس أركان الجيش من منصبه، وإحالته على التقاعد. تلاه بيان آخر يعلن فيه ترقية العقيد حماد شهاب

    ((( حماد شهاب من مواليد تكريت. أكمل دراسته فيها ودخل الكلية العسكرية وتخرج ضابطًا برتبة ملازم ثانٍ (ضابط درع). وتولّى قيادة اللواء المدرع العاشر في كركوك عام 1964. انضمّ إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وشارك في ثورة 17 تموز، وأصبح عضوًا في مجلس قيادة الثورة، وتقلد منصب رئيس أركان الجيش بعد إقالة اللواء الأنصاريّ في عام 1968، ثم صار وزيرًا للدفاع بعد إقالة الفريق الطيار حردان التكريتي في عام 1969. قُتل بعد محاولة ناظم كزار إطاحة الرئيس أحمد حسن البكر في عام 1973 ))) عضو مجلس قيادة الثورة إلى رتبة لواء، وتعيينه رئيسًا لأركان الجيش. نظرت إليه، وكانت علامات الدهشة والتعجب تغطي وجهه، وردَّد بصوت أجش: «ما هذا؟ ما الذي حصل؟ البارحة فقط كنت بينهم، فإذا كان هذا ما يريدونه، فلماذا لم يقولوها؟ ولماذا الإذاعة والموسيقى والأناشيد؟».
    سكت لفترة وجيزة ثم قال متوجسًا: «إسمع، هناك شيء ما أُذيع، وليس كل ما ينوونه. الأسوأ يمكن أن يحدث»، وكرّر: «الأسوأ من هذا بكثير». لم ينتظر مني جوابًا أو تعليقًا واستأنف القول: «كنت أحدثك منذ دقائق فقط عن مدى إعجابي بالرجل النبيل (يقصد الرئيس البكر)، واستعدادي للعمل معه إلى أبعد الحدود، فكيف يعمل معي هذا؟ هذا ما لا أفهمه. كان يمكنه ببساطة أن يقبل استقالتي، بل كان يمكنه رفضها وإقالتي فهذا من صلاحيّاته، لكن أن يبدي لي كل تلك المشاعر والاعتزاز والثقة ليلة أمس، ويلحّ عليّ راجيًا أن أسحب استقالتي، ليأتي اليوم ويُحيلني على التقاعد ببيانٍ من مجلس قيادة الثورة الذي هو رئيسه وفي الإذاعة ومع الموسيقى والأناشيد؟ هذا ما لا أفهمه».

    كانت مشاعر الغضب والألم والتوجّس تطغى على صوته، وتكسو ملامح وجهه. كنت صامتًا لا أجد ما أقوله، وأفكار قاتمة تدور في ذهني «إقالته... الإذاعة ... بيانات مجلس قيادة الثورة... أناشيد... وموسيقى عسكرية...» كل ذلك يعني أن وراء الأكمة ما وراءها، لن يكتفوا بما حدث والأسوأ مقبل، فالجماعة ما زالوا تحت هاجس ما حدث بعد قيام ثورة رمضان.

    جاء والدي مسرعًا وبعض الأقارب برفقته، فيما الوجوم يلفّ جوّ قاعة الجلوس. سأله الوالد إن حدث شيء يوجب كل ذلك؟ فأكد العمّ بأن شيئًا من ذلك لم يحدث عدا موضوع استقالته التي رفضها الرئيس بحضور أعضاء القيادة، وأبدى اعتزازه به وإصراره على سحبها والعودة إلى منصبه. خرجت لأكون وحدي وأستعيد ما حدث وتناقضاته محاولًا فهم ما جرى وما سيجري، وما سيتبع من حوادث وتطورات؟
    لم تُضيّع «الجماعة» وقتها، فخارج البيت وعلى مسافة غير بعيدة كانت مجموعة من الأشخاص بملابس مدنية تقف قرب سيارتها، ولم يهتم هؤلاء الناس بإخفاء أسلحتهم. كان من الواضح أنهم من رجال دائرة العلاقات العامة
    ((( مديرية العلاقات العامة أنشئت بعد قيام ثورة 17 تموز 1968 من معظم عناصر جهاز «حُنين»، وهو اليد الضّاربة لحزب البعث قبل قيام الثورة التي أشرف عليها صدام حسين. وبعد قيامها شُكلت مديرية العلاقات العامة التي تحولت إلى مديرية الاستخبارات العامة، وكانت تحت إشراف صدام حسين وتوجيهه.))) ، فعدت إلى الداخل وأخبرتهم. وتلقى العمّ الخبر كمن كان يتوقعه. تركتهم وخرجت مرة أخرى، وأنظار رجال العلاقات العامة تتابعني


    اتصلت بعدد من الأصدقاء والرفاق المقربين لعل لديهم أي معلومة، لكن الجميع كان متفاجئًا بالطريقة المثيرة التي أُخرج بها الخبر الذي فيه ملامح توحي بحدوث مؤامرة أو محاولة انقلاب عسكري. بعد يومين اقتحمت مجموعة من رجال العلاقات العامة منزل اللواء الأنصاريّ واعتقلته، وفتشت منزله، وأودعته معتقل «قصر النهاية»، كما جرت حملة اعتقالات لمجموعة من كبار الضباط المقربين منه، وبعض أصدقائه ومعارفه وابن عمّ لي، وجميعهم من المدنيين.

    كنت آنذاك بعثيًا متحمسًا، ونقيبًا في القوات الخاصّة، تخرجت قبل بضعة أشهر فقط من كلية الأركان، وعُينت بعد قيام الثورة بمنصب معاون آمر الفوج الثاني قوات خاصّة، ومقرّه في معسكر الرشيد جنوب مدينة بغداد. كان معظم ضباط الفوج وضباط صفه من البعثيين أو المتعاطفين معهم، ويُعتبر من القطعات التي يعتمد عليها الحزب والثورة.

    «ماذا أعمل؟ وإلى من أذهب؟ هل أذهب إلى وزير الدفاع الفريق الطيار حردان عبد الغفار التكريتي




    ((( حردان عبد الغفار التكريتي (الفريق الطيار الركن)، ضابط طيار انتمى إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان من جملة العسكريين الذين أيدوا الرئيس عبد السلام عارف في حركة تشرين 1963 (يدعوها البعثيون بالردة التشرينية). اعتزل العمل السياسي العلني بعد تشرين، لكنه كان من المجموعة التي خطّطت للاستيلاء على السلطة في 17 تموز/يوليو 1968، وذهب ضحية الصراع على السلطة بين قياداتها، فاغتيل في الكويت عام 1969 )))
    .الذي هو من أعزّ أصدقاء عمي، وقد عملا معًا في مدينة كركوك عندما كان التكريتي آمرًا للقاعدة الجوية فيها، والأنصاريّ رئيسًا لأركان الفرقة الثانية قبل أن يصبح قائدًا لها؟».

    كان الفريق حردان التكريتي حزبيًا بارزًا، وأصبح بعد قيام الثورة عضوًا في مجلس قيادتها كما عيِّن وزيرًا للدفاع، هو وحماد شهاب والرئيس أحمد حسن البكر من أصروا على إعادة الأنصاريّ إلى الجيش، وإلى منصب رئيس أركان الجيش للمرة الثانية بعد إحالته على التقاعد أول مرة في أول أيام الثورة، لإصرار المقدّم الركن عبد الرزاق النايف

    ((( عبد الرزاق النايف ضابط طموح كان بمنصب معاون مدير الاستخبارات عندما فاتحه صديقه المقدّم الركن إبراهيم الداود آمر لواء الحرس الجمهوري بأنه قد اتفق مع البعثيين على الانقلاب على الرئيس عبد الرحمن عارف، فاتفقا على التعاون. بعد نجاح الثورة عيِّن النايف رئيسًا للوزراء فيما عيِّن إبراهيم الداود وزيرًا للدفاع، وفي 30/7/1968 أطاحهما البعثيون وأُبعدا عن العراق. قتله النظام البعثي العراقي في لندن عام 1975 ))) . معاون مدير الاستخبارات الذي شاركهم في الثورة، وعيِّن بمنصب رئيس الوزراء على إبعاده، وما لبث النايف أن نُحي بعد أسبوعين من قيامها. لم أكن أعرف الفريق حردان جيدًا، ولم أكن أودّه أيضًا لمواقفه غير الملتزمة بالحزب، فهو الذي اصطفّ وآخرون من الحزبيين مع عبد السلام عارف رئيس الجمهورية في ضرب الحزب وإسقاطه عن السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 1963.

    حرتُ؛ هل أذهب إليه أم إلى اللواء حماد شهاب عضو مجلس قيادة الثورة أيضًا وآمر اللواء العاشر المدرع الذي شارك لواؤه في الثورة ودخل بغداد بعد نجاحها، فعيِّن قائدًا لموقع بغداد قبل ترقيته إلى رتبة لواء ليحل محل الأنصاريّ في رئاسة أركان الجيش. كنت أعرفه معرفة وثيقة منذ أن كان آمر اللواء العاشر المدرع الذي كان بإمرة الفرقة الثانية في كركوك، وكان الأنصاريّ قائد هذه الفرقة، وكنت أنا مرافقه قبل دخولي كلية الأركان. كان حماد شهاب صديقًا ومقربًا للأنصاريّ الذي كان يودّه لعاداته العشائرية وبساطته، ويرعاه بشكلٍ خاصٍ. لذلك فضلت أن أقصده، فذهبت إلى رئاسة أركان الجيش طالبًا مقابلة رئيسها الجديد والصديق القديم.

    يتبع ........


    الجزء السادس

    دخلت عليه بعد أن أخبره مرافقه بأني جئت لمقابلته. أديت التحية وكان واقفًا أمام المنضدة الواسعة التي تحتلّ الجزء الشمالي من غرفة رئيس الأركان الفارهة. كان يحاول أن يرسم الجدية والحزم بل الغضب على وجهه، وبادرني قائلًا: «لماذا يتآمر علينا، وقد أعدناه إلى رئاسة أركان الجيش؟ كلنا كنا من محبيه وأصدقائه».
    فأجبته مستغربًا: «هل تعتقد حقًا يا سيدي أن اللواء الأنصاريّ كان يتآمر عليكم؟ ومع من؟ ولماذا؟».
    قال: «نعم، وقد اعتقل معه آخرون».
    قلت: «لكنك تعرفه، أليس كذلك؟».
    كان اللواء حماد دائمًا ممثلًا رديئًا، لذا اختفت علامات الحزم والغضب التي حاول رسمها على وجهه، وبدت عليه ملامح العجز والحيرة، وقال: «لكن لماذا اعتقلوه، وما علاقته بالآخرين الذين اعتقلوا؟».
    قلت مستغربًا: «هل تعني أنك لا تدري؟».
    قال: «هذا قرار الحزب، وأنت تعلم أنني لست في قيادته».
    قلت: «لكن قرار إعفائه من منصبه وإحالته على التقاعد كان بقرار من مجلس قيادة الثورة، وأنت عضو فيه».
    لم يجبني، ومرت فترة من الصمت، قطعتها أخيرًا بقولي: «أريد أن أراه».
    نظر إليّ بحزن وألم، وقال: «أنا لا أستطيع ذلك، لكني سأرسلك إلى الرفيق النقيب طه الجزراوي المسؤول عن التنسيق بين قيادة الحزب ورئاسة أركان الجيش ووزارة الدفاع، فإنه من يستطيع تدبير ذلك».

    استدعى مرافقه وطلب منه مرافقتي لأرى النقيب الرفيق الجزراوي




    ((( طه ياسين رمضان (الجزراوي)، ولد في الموصل عام 1938، وانضمّ إلى صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1956. انخرط في السلك العسكري برتبة نائب ضابط تلميذ ثم ملازم ثانٍ وأصبح عضو القيادة القطرية للحزب. شارك في ثورة 17 تموز ومنح رتبة نقيب، وعضو في المكتب العسكري للحزب. كان من أشد أنصار الرئيس صدام حسين ومن المؤمنيين بقيادته. تولّى منصب وزير الصناعة وأصبح نائب رئيس الجمهورية في عام 1991. ألقي القبض عليه في مدينة الموصل في آب/أغسطس 2003، ونُفذ الإعدام فيه في 20/3/2007 ))) , الذي كان يشغل غرفة تقع في آخر الممرّ التابع لرئاسة أركان الجيش. دخلت الغرفة مع مرافق اللواء حماد، وكان عدد من الضباط واقفين في مجموعات يتهامسون في ما بينهم وبأيديهم أوراق وقوائم. كنت أعرف بعضهم فقد كانوا من الضباط الحزبيين.

    في صدر الغرفة منضدة صغيرة، يجلس خلفها ضابط يحمل رتبة لم يسبق لي أن رأيته، لكن ما استرعى نظري حجم رأسه الضخم ووجهه الأسمر بصفرة شاحبة وعينين متجهمتين تنطقان حقدًا وكراهية. شخص لا تملك إلا أن تكرهه من النظرة الأولى. أخبره مرافق الفريق حماد باسمي، وبأني مُرسل من جانب رئيس أركان الجيش.

    قال: «نعم ماذا تريد؟». لفظها بطريقة ونبرة كأنه يشتم.
    لعنتُ الشيطان، وكتمتُ غيظي وقلت: «اللواء الأنصاريّ اعتقِل وأريد رؤيته، واللواء حماد قال إنك يمكنك إخبار القيادة لترتيب ذلك».
    قال: «لا يستطيع أحد أن يراه حتى انتهاء التحقيق».
    قلت: «أرجو إخبار القيادة بأني أريد رؤيته».
    قال بنبرة من لا يريد مزيدًا من الكلام: «قلت إن أحدًا لن يراه قبل انتهاء التحقيق».
    فقلت محتدًا وبصوت عالٍ: «أليس من واجبك إخبارهم بما أريد؟».
    قال: «كلا». وأدار وجهه منهيًا النقاش.
    كنت أفور غضبًا والدماء تتصاعد في رأسي، وفكرت أن أنهال عليه ضربًا، وسيطرت بصعوبة على مشاعري، إذ ينبغي ألا أزيد الطين بلة. وخرجت والغضب والإحباط يملآنني. كنت أحاول أن أجد من يعرف حقيقة ما جرى ولماذا؟ حماد شهاب عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس أركان الجيش، والصديق المُحب والمقرّب للأنصاريّ لا يعرف. وكذلك الفريق حردان التكريتي وزير الدفاع وعضو مجلس قيادة الثورة والصديق العزيز أيضًا للأنصاريّ الذي قال لعائلة الأنصاريّ عندما استنجدت به أنه لا يعرف ولا يدري السبب.

    ذهبت إلى العميد سعدون غيدان وزير الداخلية وعضو مجلس قيادة الثورة، وهو من أصدقاء العمّ فأقسم أنه فوجئ مثلنا.
    أحد الأصدقاء القدامى من الرفاق همس لي: «إنه هو».
    قلت: «هو من؟».
    قال: «نائب أمين سرّ الحزب».
    قلت: «البيان صدر عن مجلس قيادة الثورة، وصدام ليس عضوًا فيه».
    قال: «هذا صحيح البيان صدر عن مجلس قيادة الثورة، لكن الذي وراءه والذي رتّبه وخطّه هو صدام حسين الذي يدير أيضًا مكتب العلاقات العامة. وعناصره هي التي نفّذت عملية الاعتقال، والمعتقلون ومنهم الأنصاريّ محجوزون في «قصر النهاية» بحراستهم وتحت إشرافهم».

    لم أكن أعرف صدام حسين شخصيًّا. سمعتُ عنه، ولم أعمل معه، إذ لم يكن آنذاك معروفًا على نطاق واسع حتى من بعض البعثيين والعسكريين بشكل خاص، ولا سيما ممن يعملون في التشكيلات خارج بغداد، وأنا واحد منهم. وعندما نُقلتُ إلى خارج العراق في الملحقية العسكرية في موسكو لم يكن عليّ سوى المغادرة، وأنا أعاني حزنًا وألمًا شديدين.

    كان اللواء الركن المتقاعد وأحد كبار الضباط الأحرار محسن حسن الحبيب سفيرنا هناك، ويستعدُّ للمغادرة بعد نقله إلى موقعٍ آخر. التقيته لفترةٍ قصيرةٍ قبل مغادرته، وتأثَّرت بشخصيته الهادئة وأدبه الجمّ، وكان محبوبًا ومحترمًا من أوساط المجتمع الدبلوماسي العربي والأجنبي، وكانت علاقاته مميّزةً بكوادر وزارة الخارجية السوفياتية التي حضر كثيرون منها لوداعه في محطة القطار الرئيسة في موسكو.
    وصل السفير الجديد السيد شاذل طاقة، الأديب والشاعر والكادر الحزبي المعروف، وقد استلم قيادة التنظيم الحزبي الذي كنت من أعضاء قيادته أنا والرفيقان عماد شبيب وكاظم جلوب معاونا الملحق الجوي. وكان التنظيم يغطي عموم الاتحاد السوفياتي، ويضمّ موظفين وطلبة عراقيين وعربًا من الدارسين في كلياته ومعاهده. بعد بضعة أشهر التحق بنا الرفيق فاضل البراك


    ((( عُيِّن فاضل البراك في عام 1977 مديرًا للأمن العام، ومُنح رتبة لواء في عام 1984. ثم عُيِّن في منصب مدير الاستخبارات العامة، وفي عام 1990 أُخرج من منصبه، ونُصِّب مستشارًا في رئاسة الجمهورية حتى عام 1991 حين ألقي القبض عليه، وأعدم بتهمة التخابر مع دولة أجنبية ))) , معاونًا للملحق العسكري، وانضمّ على الفور إلى قيادة التنظيم الحزبي.
    كان البراك في مطلع الثلاثين طويلًا نحيفًا وذا وجهٍ ريفي مُتعب يُظهره أكبر من عمره. ومنذ بداية تعارفنا تولّدت بيننا علاقة صداقة وثيقة، وتعمّقت مع مرور الأيام والسنين. كان من مواليد العوجة في تكريت، وهي مسقط رأس الرئيس البكر ونائبه صدام حسين. انضمّ إلى الحزب عندما كان صبيًّا يافعًا، وبعد إكماله دراسته الثانوية دخل الكلية العسكرية بتوجيه من الحزب (كان الحزب يحرص على إدخال أنصاره ومؤيديه الكليات العسكرية والجوية والشرطة). اعتقل مع أقرانه طلبة الكلية العسكرية من البعثيين بعد حوادث تشرين 1963، وبعد تخرجهم أحيلوا إلى العمل في وظائف مدنية متواضعة، وأعيدوا إلى الخدمة العسكرية في حرب حزيران/يونيو 1967، ونسبوا للعمل في الوحدات والمناطق النائية. كانت حصته القاعدة الجوية H3 الواقعة في عمق المنطقة الصحراوية القريبة من الحدود الأردنية. وفي فترة تقاعده كلّفه الحزب بالعمل والإشراف على تنظيمات ضباط الصف البعثيين الموجودين في الخدمة العسكرية والمحالين على التقاعد. وكان ارتباطه المباشر بالرفيق البكر أمين سرّ القطر وأمين سرّ المكتب العسكري، وبنائبه الرفيق صدام حسين نائب أمين القطر والمكتب العسكري أيضًا. وتوثّقت علاقته بهما وبآخرين من قادة الحزب وكوادره في فترة العمل السريّ في عهد الأخوين عارف، وأتيحت له فرصة الاطلاع على تفاصيل الحياة الداخلية للحزب. عُيّن مرافقًا للرئيس البكر بعد انبثاق الثورة مباشرة، ولتخوُّف البكر من تأثير البراك في ولده البكر هيثم الذي توثقت علاقته به، ونتيجة أقاويل ووشايات نُقل إلى الملحقية العسكرية في موسكو.

    كنّا نعمل معًا في دائرة الملحقية العسكرية نهارًا ونخرج معًا ليلًا. وفي ليالي شتاء موسكو الطويلة كنا نقضي الساعات في أحاديثنا عن الحزب ومسيرته في الماضي، وآمالنا له في المستقبل نناقش ونحلل ونعود إلى ذكريات أيام النضال السريّ بحلوها ومرها. وكانت للبراك ذاكرة مدهشة وقدرة على سرد تفاصيل حوادث قديمة، وكنت أصغي بشغف إلى تقويمه قادة الحزب وكوادره، بعدما عمل معهم وتعايش، وإلى ملحوظاته عنهم بالوقائع والحوادث. كان يحب الرئيس البكر ويقدّره على الرغم من ملابسات إبعاده، ويرى فيه إنسانًا نزيهًا ومخلصًا وعسكريًا أكثر منه حزبيًا على الرغم من انضباطه وتقيُّده بالحزب وأنظمته. ويعزو ذلك إلى انتمائه إلى الحزب في عمر متأخر، إذ انتسب إليه وهو برتبة عقيد بعد سجنه بتهمة التآمر على الزعيم عبد الكريم قاسم في الأشهر الأولى من ثورة 14 تموز.
    كان البراك يرى في صدام حسين نموذج الإنسان والقائد البعثي، ويعتقد بأنه ضمانة للحزب ومبادئه. وكان قد أمضى بعض أيام طفولته مع صدام في قرية العوجة في تكريت، ويصغره ببضع سنين. ذكر لي أن صدّامًا كان يفرض زعامته على أصحابه، ومنهم من هو أكبر منه سنًّا برضاهم أو رغم أنوفهم. وذكر حادثة قيام الطالب صدام حسين بمحاولة قتل معلم اللغة الإنكليزية بإطلاق النار عليه وهو نائم في الغرفة الملحقة بالمدرسة التي كان يتخذها سكنًا له، بعد أن رسَّبه في الامتحان على الرغم من أن صدام حذّره من أنه سيقتله إن فعل ذلك. ومع أن المدرّس لم يُصب فإنه غادر تكريت والعراق بعدها عائدًا إلى بلاده. وذكر أيضًا كيف قتل قريبًا له كان شيوعيًا آذى أبناء بلدته وأقربائه بتحريضٍ من خاله الضابط المتقاعد خير الله طلفاح




    ((( والد وزير الدفاع عدنان خير الله ، وخال الرئيس صدام حسين ، ووالد زوجته ، كان أول من أساء إلى الرئيس والسلطة بفساده واستغلاله قرابته للرئيس وللعائلة الحاكمة )))
    وأخبرني عن اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، وكان نصيرًا بالحزب ولم يكن قد أصبح عضوًا بعد، وعن تحمّله المسؤولية كاملة أمام هيئة التحقيق بعد إلقاء القبض عليه في إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في 5/9/1964، وهروبه من السجن، ودوره الفاعل في إعادة بناء الحزب في عهد عبد السلام عارف، وتمكُّنه من جمع معظم أعضاء الحزب وكوادره خلف قيادته القومية، بعد انشقاق الحزب في عام 1966 وصراعه مع المنشقين القُطريين
    ((( المقصود هنا انقلاب اللجنة العسكرية البعثية السورية على القيادة القومية (ميشيل عفلق )وفي 23 شباط /فبراير 1966, وتبع جزء من التنظيم الحزبي العراقي القيادة الانقلابية ، وما زالت بقاياه موجودة في سورية حتى الآن )))

    . وقال إن فكرة قيام قيادة الحزب بكامل أعضائها باقتحام بوابة القصر الجمهوري يوم 17 تموز كانت من بنات أفكاره تأكيدًا للمقولة الحزبية إن البعثي الحقيقي هو أول من يُضحي وآخر من ينتفع.
    استرعى انتباهي والبراك يستذكر الحوادث غياب دور أعضاء قيادة الحزب الآخرين فيها، وكنت أسأله «وماذا عن الآخرين، فأين الرفيق صالح مهدي عماش




    ((( الفريق صالح مهدي عماش من أوائل البعثيين العسكريين. عضو القيادة القطرية للحزب شارك في ثورتي 8 شباط و17 تموز، وعيّن وزيرًا للدفاع في عام 1963، ووزير داخلية ونائبًا لرئيس الوزراء في عام 1968 ونائبًا لرئيس الجمهورية في عام 1970 حتى أُبعد سفيرًا إلى موسكو في عام 1971 بعد خلافه مع صدام حسين، ومات في منتصف الثمانينيات في أحوال غامضة )))الضابط والقيادي البارز،


    وراهب الحزب ومفكره الرفيق عبد الخالق السامرائيّ




    ((( عبد الخالق السامرئي أحد أهم قيادي حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، ويُعرف باسم «راهب الحزب». سكن حتى آخر أيام حياته في مسكن متواضع، ويعتبر من أهم مفكري الحزب. خشي صدام حسين من تأثيره في الحزب والحزبيين فأودعه السجن في عام 1973 بحجة وجود علاقة ما بالمحاولة الانقلابية لناظم كزار، ثم أعدم في عام 1979 بعد تسلم الرئيس صدام حسين السلطة ))) , الذي نعرف قدراته وشجاعته،


    وأين الرفيق عبد الله سلوم



    ((( عبد الله سلوم أحد البعثيين القدامى وعضو القيادة القطرية ووزير بعد ثورة 1968. أبعد إلى منصب سفير العراق في الهند بعد خلافه مع صدام حسين، وأحيل بعدها على التقاعد وتوفي في بغداد )))

    ، وعبد الكريم الشيخلي




    ((( عبد الكريم الشيخلي من البعثيين القدامى، وكان عضو القيادة القطرية ووزير الخارجية. أُطيح بعد خلافه مع صدام حسين وقُتل في أحوال غامضة )))
    وبقية قادة الحزب؟ أليسوا بمستوى صدام فكرًا ونضالًا حتى يتميز منهم بالكيفية التي ذكرتها، فإن كان الأمر كذلك يمكن معالجته بانتخاب قيادة جديدة بقدراتٍ وتأهيلٍ كافيين لقيادة الحزب والسلطة، أما أن تكون قرابته وتكتله مع قريبه البكر وهيمنته على المكتب العسكري وجهاز الاستخبارات هي ما جعلته قويًا ومتميزًا من أقرانه في القيادة، فهي نقاط تُعدُّ تمهيدًا لظهور زعامة فردية تنهي دور الحزب الذي ناضلنا من أجله وضحينا بأفضل أيام شبابنا .


    كان البراك من الذين يرون أن شعوب العالم الثالث تحتاج إلى القائد النموذج والقدوة من دون أن يعني ذلك إلغاء دور الحزب وقياداته وكوادره، لكنني لم أقتنع. وكانت جلساتنا تستمر أحيانًا حتى انبثاق فجر اليوم التالي والبراك يقول دائمًا: «لا أستطيع إقناعك حتى تقابله يومًا، وفيه ستجد الجواب، وجاء ذلك اليوم»


    يتبع ..........

    الجزء السابع

    في شتاء 1971 قام صدام حسين بأول زيارة إلى بلد أجنبي، إذ وصل على رأس وفد حزبي وحكومي كبير إلى الاتحاد السوفياتي، وكان في استقباله والوفد المرافق كوسيغين رئيس الوزراء والعديد من أعضاء القيادة السوفياتية. هبطت الطائرة في مطار موسكو، نزل صدام حسين يتبعه عبد الخالق السامرائيّ عضو القيادة القومية للحزب، وعبد الكريم الشيخلي عضو القيادة ووزير الخارجية، والرفيقان محمد فاضل
    ((( محمد فاضل عضو القيادة القطرية ، والمكتب العسكري اتُهم بالاشتراك في مؤامرة ناظم كزار (1973)

    ، وسعدون شاكر





    ((( سعدون شاكر العضو البارز في جهاز حُنين، القوة الضاربة للحزب في أيام النضال السريّ، وأول رئيس للاستخبارات العامة عضو القيادة القطرية، ووزير الداخلية لفترة طويلة. قُبض عليه بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003 )))
    من أعضاء القيادة وآخرون. كانت أول مرة التي أشاهده فيها، وكان يبدو وسيمًا وأنيقًا وأكثر ما يسترعي النظر فيه عيناه الواسعتان ونظراته النفاذة والثقة العالية بالنفس التي يُعبِّر عنها بمشيته وحركاته.

    .في اجتماعاته ومباحثاته مع الجانب السوفياتي نجح في كسب احترامهم بتصرفاته وأسلوب تعامله معهم، ومع رفاقه أعضاء الوفد المشاركين في المباحثات، إذ كان يحرص على أخذ رأيهم، وعرض وجهات نظرهم في المواضيع التي يجري التباحث فيها، الأمر الذي أشعر السوفيات بأنه لا وجود للرأي الواحد أو الفرد الواحد في القيادة العراقية للحزب، وأنها تمارس التشاور وتبادل الرأي في الأمور كافة، مع أسلوب ذكي وبارع في الحديث من جانب الرفيق النائب. وكانت طريقته في الحركة كفيلة بإشعارهم في الوقت نفسه بأنه الرجل الأول فيهم وصاحب الرأي والقرار. وأذكر بأنه عندما اقترح تأجيل دفع قسط مالي مستحقٍ للجانب السوفياتي بضعة أشهر لحين تحسّن موقفنا المالي، تهامس السيد كوسيغين مع الوزير المختص الجالس إلى جانبه، ثم قال: «أنا آسف، فلا مجال للتأجيل، فقيمة القسط المذكور قد أُدرجت في الميزانية السنوية»، وهنا قام صدام بمدّ يديه كمن يريد أن يخلع سترته، وقال: «إنني أتفهم ذلك تمامًا، وسنسدِّد القسط في موعده ولو اضطررنا لبيع ملابسنا، ثم أعاد سترته إلى مكانها». كانت حصيلة الزيارة عقد اتفاق ضخم وشامل، وتأكيد الانطباع لدى القيادة السوفياتية بأن صدام حسين هو الرجل القوي والزعيم المقبل للعراق.





    عقد في دار السفير العراقي شاذل طاقة اجتماع قيادة التنظيم الحزبي في الاتحاد السوفياتي، حضره صدام حسين وعبد الخالق السامرائيّ وعبد الكريم الشيخلي، وعرضت فيه قيادة التنظيم إيجازًا لأعمالها وفاعلياتها. ثم بدأ صدام بعرض شامل للوضع السياسي في العراق والمنطقة ودور الحزب ومنظماته، والنجاحات والإخفاقات التي مررنا بها في السنوات القليلة الماضية، ومسؤولية الرفاق الحزبيين في هذه المرحلة، ثم تعرّض لزيارته والوفد وما تحقّق بها. كان مقنعًا في عرضه وممتعًا في حديثه، ويوحي لمستمعيه بالثقة والاطمئنان والإيمان العميق بالحزب والوطن والأمة، ولم يُشعرنا بأنه الرجل الثاني في الحزب والدولة بل كأنه واحد منا مع بقاء الهيبة والاحترام له. وعندما خاطبه السفير بالرفيق النائب ابتسم وقال: «أفضِّل أن تنادوني بالرفيق أبو عدي». وفي الاجتماع كان الرفيق فاضل البراك ينظر إليّ بين الفينة والأخرى، وكأنه يقول «هذا صدام أليس هو كما قلت لك؟»، والواقع أنه قد ترك فيَّ انطباعًا وتأثيرًا كبيرين.

    انتهى الاجتماع وخرجنا إلى الصالة الرئيسة لتناول العشاء الذي كان جاهزًا في صالة مجاورة، فتوقفت أمامه وقلت: «اسمح لي رفيق أبو عدي، أريد أن أحدثكم عن موضوع الأنصاريّ».

    اعترض السفير شاذل طاقة وقال: «ليكن ذلك بعد العشاء»،
    لكن صدام أجابه مبتسمًا «دعونا نرى ما لدى الرفيق نزار. إنها قضية عمه، ومن حقه أن يقول ما يريده».
    كان الجميع ينظرون إليّ عندما بدأت الكلام. في البداية كان صوتي يرتجف قليلًا، وقلت: «أريدك رفيق أبو عدي أن تعرف والرفاق بأن علاقتي بالأنصاريّ ليست علاقة ابن أخ بعمه، بل إنها أعمق بكثير فهو عمي وصديقي وآمري ومعلمي، وقد أبدو متحيزًا في كلامي عنه، لكني كبعثي ملتزم سأحاول أن أكون محايدًا في ما أعرضه لكم عمّا أعرفه عن الأنصاريّ». وبدأت أتكلم صادقًا وبثقة وموضوعية عن تفاصيل ما أعرفه ومواقفه منا نحن البعثيين ومحبته لنا، وإعجابه بنا لِما كنا نُبديه من شجاعة وتضحية في سبيل الوطن، وعمّا اتّهم به، وقناعاتي العميقة والراسخة ببرائته. وكان صدام يصغي باهتمام وتركيز ويهز رأسه كمن يحثني على الاستمرار.
    وعندما اعترض الرفيق الشيخلي بقوله: «إننا كنا نلاحظ أنه كان يخزرنا بنظرات متوعدة في المناسبات التي التقيناه فيها».
    أجبته: «هل تعتقد حقًا أن من يريد التآمر والانقلاب عليكم يخزركم بنظراته كلما التقى بكم أم أن العكس صحيح؟ فكل ما في الأمر أن عينيّ الأنصاريّ واسعتان، وتنحرفان قليلًا عندما يفكر أو يسهو لحظة، وهذا ما جعلك وآخرين أيضًا تخرجون بمثل هذا الانطباع».
    علّق الرفيق صدام بالقول: «إن من يتآمر علينا لا يتوعدنا بخُزْراته. أرجو أن تستمر في حديثك رفيق نزار».

    وبعد أكثر من نصف ساعة كنت قد قلت ما أريده، عقّب الرفيق صدام: «إنني مقتنعٌ بما قاله الرفيق نزار على الرغم من أننا نعلم أن العديد من الضباط المتذمرين كانوا يزورونه في حينه، وقد ألّبوه علينا بعض الشيء»، واستمرّ في كلامه: «دعني أوضح لك ذلك بشكلٍ أفضل، الأنصاريّ مثل الورقة البيضاء، وإذا ما كتبت عليها بقلم الرصاص مثلًا فستترك أثرًا مهمًّا. هل حاولت أن تمحوه؟»،
    أجبته أن ذلك يحدث مع آخرين، فالرجل لا يعرف الحقد والكراهية، وأكّدت: «أبدًا».
    قال صدام أخيرًا: «رفيق نزار أنا شخصيًّا سمعت عنك، وكنت أعرف بأنك صِدامي وبعثي وملتزم، لكنك الآن أضفت إلينا شيئًا آخر. خسارة أن يكون مثلك هنا فيما الوطن يحتاج إليك، ونحن نحتاج إلى أمثالك معنا. ستعود قريبًا وترى الأنصاريّ حرًا طليقًا». توقف قليلًا، واستدرك قائلًا: «طبعًا بعد أن نأخذ رأي الرفاق في القيادة، لكنني أقول إنك ستسمع أخبارًا طيبة».

    وبعد عودته من قصر الضيافة الذي يسكنه صدام جاءني فاضل البراك، وقال: «مبروك أخي، لقد تركت لدى الرفيق النائب انطباعًا ممتازًا، وهو معجبٌ بك، وقد أسعدني قوله هذا».

    في اليوم التالي أقام الرفيق صدام حسين والوفد المرافق له دعوة عشاءٍ لجميع موظفي السفارة وعوائلهم في الطبقة 21 من فندق روسيا الضخم قبل عودته إلى الوطن. كان الفرح يشمل الجميع، وفي صدر مائدة العشاء الطويلة كان صدام حسين يجلس وإلى يمينه وشماله أعضاء الوفد والمدعوّون. وعندما كانت العيون تلتقي كان يرفع قدحه، إذ كان يشرب الماء المعدني فحسب، فأردُّ عليه بشرب كأسي حتى الثمالة.

    كنت منهمكًا بالحديث مع البراك الجالس إلى جانبي عندما ربت أحدهم على كتفي فالتفتُّ فكان السفير الذي انحنى وهمس في أذني: «الرفيق النائب يريد التحدث إليك»، فنهضت وذهبت إليه.

    أمسك بيدي وسحبها قليلًا، الأمر الذي اضطرني إلى الانحناء فهمس في أذني: «رفيق نزار لو قلت لك إنّا محتاجون إليك الآن، وأريدك أن تعود معي على الطائرة التي سنغادر بها غدًا، ماذا تقول؟»،
    أجبته من من دون تردد: «الرفيق أبو عدي، إنك وعدتني أن أعود قريبًا لألقى الرجل أماميّ حرًا طليقًا»،
    جفل قليلًا لجواب لم يتوقعه كما يبدو، فترك يدي التي كان ممسكًا بها، وقال: «حسنًا على خاطرك».

    لم نستلم أي إشعار بإطلاق سراح الأنصاريّ بعد أسبوع من عودة الوفد، وفي الأسبوع التالي كتبت رسالة إلى صدام وأرسلتها بالبريد السياسي، وكان مضمونها «انتظر تنفيذ وعدكم، ووعد الحر دين». بعد بضعة أيام استلمت برقية من زميلي الرائد الركن حامد الدليمي ( العقيد الركن حامد الدليمي من دورتي في الكلية العسكرية. بعثي قديم وعضو فرع التنظيم العسكري للحزب. تولّى منصب معاون مدير استخبارات ثم آمر لواء، وأبعد إلى منصب ملحق عسكري في باكستان. اعتقل بعد تولّي صدام حسين رئاسة الجمهورية. مات تحت التعذيب في السجن ) , معاون مدير الاستخبارات، كان نصها «أهنئك بخروج العمّ، ونقلك إلى جبهة التحرير العربية » ((( جبهة التحرير العربية هي أحد فصائل المقاومة الفلسطينية والمسندة من حزب البعث، أُسست في عام 1969 وكان دورها بين أوساط فلسطينيي العراق إجمالًا )))

    وركبت على الفور أول طائرة متجهة إلى بغداد.
    ذهبت بعد وصولي مباشرة إلى منزل العم في مدينة الضباط، ولحظت واحدة من سيارات الاستخبارات متوقفة في مدخل الشارع المؤدي إلى الدار وداخلها عدد من الأشخاص، وأخرى قرب البيت، وحولها يقف آخرون يدققون في أوجه الداخلين إلى منزل الأنصاريّ والخارجين منه. ولما دخلت عليه كان يجلس مع بعض الأقارب وواحدٍ أو اثنين من الأصدقاء القدامى. قال: «هل رأيت الشبان المحيطين بالمنزل والذين في مدخل الشارع؟ استبدلوا السجن بالإقامة الإجبارية، كما يبدو أن الأمر بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لا يزال ساريًا كما أعتقد».
    اتصلت هاتفيًّا بالرائد علي العبيدي ((( الرائد علي العبيدي خريج الكلية العسكرية الدورة 34 في عام 1958. بعثي أصبح سكرتيرًا للنائب صدام حسين. يتميز بهدوئه وتكتمه. نُقل نتيجة وشايات من منصبه إلى منصب مدير مستشفى مدينة الطب، وتقاعد بعدها ))) , سكرتير الرفيق النائب صدام حسين، وأخبرته بأني قد وصلت لتوّي من موسكو، وأرغب في مقابلة الرفيق نائب أمين سر القطر، وأعطيته رقم هاتفي، وبعد أقل من ساعة اتصل ليخبرني بأن أكون غدًا في الساعة العاشرة صباحًا في المجلس الوطني. في اليوم التالي دخلت غرفة السكرتير علي العبيدي، وكانت ممتلئة بمواطنين وشخصيات جاءت لمقابلة السيد النائب كما كان يدعى. دخل السكرتير عليه ثم خرج ليدعوني إلى الدخول، ودخل معي وبيده قلم ودفتر ملحوظات.


    نهض صدام من خلف منضدة الكتابة، وصافحني مرحبًا بعد أن أشار إلى سكرتيره بالخروج، وقال: «أهلًا بالرفيق نزار، أخبرني الرفيق علي السكرتير أنك وصلت بغداد البارحة. أخبرني كيف هو أخونا الأنصاريّ؟!».

    قلت: «هو بخير ويزجيك السلام، ويشكركم على الإفراج عنه».
    قال: «أرجو أن يكون بخير. أخبِرني إنْ كان في حاجة إلى أي شيء؟».
    قلت: «إنه الآن في الإقامة الإجبارية، ومجموعة من المسلحين محيطة بمنزله، كما أن أمر مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة لا يزال ساريًا».
    اكتسى وجه الرفيق النائب الدهشة، ورفع سماعة الهاتف وطلب وزير الداخلية وقال: «رفيق سعدون (العميد سعدون غيدان)



    ((( ضابط درع عمل آمرًا لكتيبة دبابات القصر الجمهوري في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف، واتفق مع إبراهيم عبد الرحمن قائد الحرس ومع البعثيين على التعاون لإطاحة الرئيس عارف، وهو الذي فتح أبواب القصر الجمهوري للانقلابيين، وكوفئ على ذلك بترقيته إلى رتبة عميد، وتعيينه عضوًا في مجلس قيادة الثورة ووزيرًا للداخلية. نجا من القتل على يد ناظم كزار في مؤامرته في حزيران/يونيو 1973. توفي بمرض السرطان ))) , أُفرج عن أخينا الأنصاريّ فما حكاية الإقامة الإجبارية ومصادرة الأموال؟».

    واستمع إلى وزير الداخلية لبعض الوقت ثم قال: «يُرفع كل هذا على الفور»، ووضع سماعة الهاتف والتفت إليّ وقال: «ارتحت الآن؟»،
    فتمتمت عبارات الشكر الملائمة ثم قلت: «الرفيق أبو عدي. وضعتم العمّ أكثر من سنتين في السجن. الرجل كان لا يتحمل البقاء تحت سقف لساعات فيخرج للجلوس في الخلاء أو يقوم بزيارة للميدان، فما رأيك لو استصحبته معي إلى موسكو للترويح وتغيير الأجواء؟».
    أجاب: «والله إنها لفكرة جيدة»، ثم رفع سماعة الهاتف مرة أخرى، وطلب وزير الداخلية ثانية وقال: «رفيق سعدون اقترح الرفيق نزار أن يذهب معه عمّه إلى موسكو للترويح، اعملوا على إنجاز جوازه»، ووضع يده على حاكية الهاتف وسألني: «هل هناك شيء آخر؟».
    فأجبته: «كلا»،
    فوضع سماعة الهاتف ونهض واقفًا منهيًا المقابلة، وقال: «أرجو أن تخبر أخانا أبا عماد أننا في الريف وبين الأهل والأقارب كثيرًا ما نتشاجر ونتضارب، قد تُسفك دماء منا جميعًا، لكن بعدها بساعات نتصالح ويحتضن بعضنا بعضًا، ويقبّل أحدنا الآخر ونعود أهلًا وأقرباء. هكذا نحن والأنصاريّ وسلِّم لي عليه».
    لما عدت إلى منزله بعد مقابلتي صدام حسين كانت العجلات قد اختفت مع من فيها. في اليوم التالي ذهبنا إلى وزارة الداخلية فاستقبله الوزير سعدون غيدان بالأحضان والقبلات، فقد كانا صديقين قديمين، ولمّا حاول سعدون الاعتذار لأنه لم يتمكَّن من عمل شيء، قال له الأنصاريّ: «أبو سمرة (كما كان يُعرف سعدون غيدان بين أصدقائه) أعرف ذلك فلا داعي للاعتذار». بعد إنجاز الجوازات ومعاملات السفر اصطحبت العم والوالد إلى موسكو لعلي أخفف عن العمّ بعض ما عاناه. عندما كنا جالسين في دار فاضل البراك هناك نتبادل أطراف الحديث، وكان العمّ يجلس ساهمًا صامتًا وكأنه ليس معنا، سألنا فجأة: «دخلت السجن وخرجت منه من دون أن أعرف لماذا دخلت ولا لماذا خرجت؟ فهل يعرف أيٌّ منكم ذلك؟»، وسكت، ولم يتطرق إلى الأمر مرة أخرى. بعدها بأشهر تركته في موسكو، وعدت إلى العراق آمرًا للفوج الثاني قوات خاصّة في كركوك.

    عدت إلى العراق خريف عام 1971، وكان كثير من الأمور قد تغيّر، أُزيح الفريق حردان التكريتي وزير الدفاع وعضو مجلس قيادة الثورة عن مناصبه، عندما كان في زيارة إلى الجزائر، وحين انتقل إلى الكويت ليكون قريبًا من الساحة العراقية أُرسل فريق اغتيالات من القوات الخاصّة أشرف عليه كلٌّ من الرفيق عبد الكريم الشيخلي ومحمد فاضل عضوي القيادة القطرية للحزب، واغتيل عند مدخل المستشفى الذي كان يقصده، وهو في سيارة السفير العراقي مدحت إبراهيم جمعة ((( مدحت إبراهيم جمعة أحد قدامى البعثيين. كان عضوًا سابقًا في القيادة القطرية، وبعد ثورة 17 تموز 1968 عُين سفيرًا في الكويت، ولم يكن يعلم بعملية اغتيال الفريق حردان قبل حدوثها ))) , الذي كان يرافقه. وتراجع نفوذ وتأثير الفريق صالح مهدي عماش نائب رئيس الجمهورية، وعضو مجلس قيادة الثورة، وكان من أقدم العسكريين الذين انتموا إلى حزب البعث، وأُبعد لاحقًا إلى موسكو سفيرًا للعراق، وتم بذلك إبعاد أهمّ العسكريين وأكثرهم نفوذًا وتأثيرًا في قيادة الحزب ومجلس قيادة الثورة. وتصدّرت واجهة المشهد الشعبي والحزبي وطغت عليه شخصيّة نائب أمين سرّ القيادة القطرية للحزب الرفيق صدام حسين، على الرغم من أنه لم يكن يتولّى أي منصب في السلطة أو الوزارة.

    ذهبت إلى وزارة الدفاع لمقابلة الفريق حماد شهاب وزير الدفاع. وفي اليوم التالي من وصولي إلى بغداد أبلغني أني قد نُسّبت آمرًا للفوج الثاني قوات خاصّة الموجود في كركوك مع آمرية القوات وبقية وحداتها، فسافرت إلى كركوك للالتحاق بمنصبي الجديد.

    كان العقيد الركن غانم محمود القزاز بطل العراق والعرب في رياضة الجري قد نُسّب آمرًا للقوات الخاصّة على الرغم من أنه من صنف المشاة، بعد اعتقال العقيد الركن عدنان محمد نوري، صديقي وآمري السابق الذي اتُّهم بمشاركته في ما سُمّي مؤامرة العقيد الركن محمد علي سعيد ((( العقيد الركن محمد علي سعيد من البعثيين العسكريين القدامى عُين بعد ثورة 17 تموز 1968 في منصب قائد الفرقة الثانية في كركوك، واتهم بمحاولة القيام بانقلاب على الحزب في عام 1971 فألقي القبض عليه وأعدم ))) , قائد الفرقة الثانية في كركوك، والحزبي البارز في التنظيم العسكري، لإطاحة قيادة الحزب. لم أكن أعرف العقيد القزاز شخصيًّا، لكن سمعته الرياضية جعلته معروفًا في البلد والقوات المسلحة. وما إن التقيت به وتعرّفت إليه شخصيًّا حتى تكوّنت بيننا صداقة متميِّزة، وكان ضباط وآمرو وحدات القوات الخاصّة يكنّون له احترامًا ومحبةً لتفهّمه وتواضعه وأخلاقه العالية، على الرغم من أنه لم يكن من أبناء الصنف.

    قررت قيادة التنظيم العسكري في الحزب تكليفي بمسؤولية القوات الخاصّة الحزبية إضافة إلى وظيفتي (بعض العسكريين البعثيين تفرغوا للعمل الحزبي)، كما كُلّفت برئاسة لجنة تطوير الصنف فأتيحت لي متابعة المعضلات والمشكلات التي تواجهها القوات الخاصّة، ودراسة سبل الارتقاء بها، ورفع قدراتها ((( لجان تطوير الصنف صيغة استُحدثت من خارج الملاك لإقران خبرة وتجربة مدير الصنف (السلاح) بخبرة واندفاع وعفوية القادة الحزبيين الشبان من ضباط الصنف (السلاح). كانت مهمتها التخطيط لتطوير الصنف بما في ذلك التسليح والتجهيز والتدريب وإيفاد ضباط الصنف إلى الدورات خارج القطر )))

    في إحدى زياراتي إلى مدرسة القوات الخاصّة في معسكر الرشيد في بغداد لمتابعتي أسس تطويرها زارها الرئيس البكر فجأة فالتقيته، وصاحَبْته في جولته لتفقد منشآت المدرسة وأجنحتها. وكنت أُجيب عن استفساراته، وأذكر له سبل التطور التي نطمح إلى العمل بها لرفع مستوى القوات إلى مستوى مثيلاتها في جيوش البلدان المتقدمة. ولاقت ملحوظاتي قبولًا لدى الرئيس، فبعد بضعة أيام استُدعينا إلى مؤتمر تطوير الصنف الذي حضره الرئيس شخصيًّا.

    عُقد الاجتماع في ديوان وزارة الدفاع، وحضرت مع العقيد القزاز آمر القوات بصفتي رئيس لجنة تطوير الصنف والمسؤول الحزبي للقوات الخاصّة. كان الرئيس البكر يُدير الاجتماع بحضور نائب أمين سرّ الحزب ونائب أمين سرّ المكتب العسكري صدام حسين، ووزير الدفاع الفريق حماد شهاب. عرض العقيد القزاز وضع القوات الخاصّة بصورة عامة، وقمتُ من جهتي بعرض دقيق ومفصّل لطبيعة مهمات القوات الخاصّة وواجباتها، والمعضلات والنواقص التي تعانيها، والسبل والوسائل التي يجب توافرها أو العمل بها لتحقيق ذلك.

    كانوا يصغون إليّ باهتمام، وكان الرئيس البكر يستوقفني بين فترة وأخرى مستفسرًا عن هذه النقطة أو تلك. أما صدام حسين فكان صامتًا مكتفيًا بتسجيل ملاحظات في دفتره الخاصّ، وكان الوزير الفريق حماد مرتاحًا للعرض، والحبور يغطي وجهه. استغرق الاجتماع أكثر من أربع ساعات رجعنا بعدها إلى كركوك آملين أن القيادة ستتخذ الإجراءات لتنفيذ مقترحاتنا.

    في اليوم التالي كنت في ساحة العرض أُتابع تدريب الفوج، فجاءني المراسل راكضًا ليخبرني أن وزير الدفاع يطلبني تلفونيًّا. أخبرني الوزير أن عليّ العودة فورًا إلى بغداد، وأن أوافيه إلى الوزارة حال وصولي. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى وزارة الدفاع، وعندما وصلت مكتبه أدخلني سكرتيره على الفور. نهض الفريق حماد من خلف منضدته، واستقبلني ضاحكًا، فعلاقتي به وثيقة من فترة وجودي في كركوك مرافقًا للأنصاريّ، وتعمقت أكثر بزيارته موسكو التي أمضى فيها فترة طويلة للعلاج، وصحبته إلى سوخومي حيث كان يستشفي في حماماتها المعدنية، ويمارس طرائق العلاج الطبيعي الذي يجيده الروس. قال حماد: «ما هذا؟ لقد أُعجب الرئيس البكر بك كثيرًا بعد لقاء الأمس، وطلب مني تنسيبك آمرًا للقوات الخاصّة بدلًا من العقيد غانم القزاز الذي ليس من الصنف، والذي لم يبدُ أنه على اطلاع كافٍ بالقوات الخاصّة، ومهماتها وسبل تطويرها».

    كان ذلك مفاجأة عظيمة لي، والحقيقة أنه لم يدُر في خلدي أن أكون آمرًا للقوات الخاصّة، وأنا لا أحمل أكثر من رتبة رائد. كنت سأترقى إلى رتبة مقدّم ركن في تموز/يوليو المقبل بعد بضعة أشهر، ولم يكن قد مرّ على قيادتي فوج قوات خاصّة فترة كافية. كنت معاونًا لآمر الفوج نفسه قبل ذهابي إلى موسكو، وكنت أرى أن الطريق لا تزال طويلة أمامي بحكم ضرورة حصولي على الخبرة والكفاءة كي أكون جديرًا بقيادتها. لذلك أجبته: «سيدي الوزير بالأمس كنا نتكلم على قوات خاصّة نطمح أن تكون بكفاءة أقرانها في جيوش الدول المتقدمة، واليوم تعرضون عليّ قيادتها، وأنا لا أملك الخبرة والتجربة والتأهيل بعد لأحقق ما أطمح أنا شخصيًّا إليه، أعطوني الوقت والفرصة لأكون جديرًا بقيادتها، أما الآن فأرجو أن تعفيني وأن يعفيني السيد الرئيس من تولّي هذا المنصب».

    قابل الوزير إجابتي بجفاء تام، ولا أدري بأي كلمات نُقل جوابي إلى الرئيس، لكني علمت في ما بعد أن ذلك أغضبه، وقال: «هل هناك من نُكلِّفه بمثل ذلك ويرفض؟»، ومن ذلك الحين، وضعني الرئيس البكر في قائمة غير المرحّب بهم.
    في أحد أيام شتاء عام 1972 اتصل بي الرائد علي العبيدي وقال: «إن الرفيق النائب يريدك غدًا، كن في المجلس الوطني صباحًا عند الساعة العاشرة». وصلت غرفة الرائد علي سكرتير الرفيق النائب، وكانت كالعادة تغص بالمراجعين فنظر إلى ساعته وأدخلني فورًا فأديت التحية. ونهض صدام وصافحني وأشار إليّ بالجلوس على الكرسي أمام منضدته مباشرة ورحب بي، ثم قال: «رفيق نزار أعتقد أن انطباعك عن الاتحاد السوفياتي جيد ولدينا فكرة فتح قنصلية في مدينة وميناء باكو، حيث تشحن من هناك كما تعلم معظم مشترياتنا من الاتحاد السوفياتي. أريدك أن تذهب إلى موسكو، وتتذاكر مع الرفاق هناك في جدوى فتح القنصلية من عدمه، وتعود إلينا بما اتفقتم عليه».

    سافرت إلى موسكو والتقيت الملحقيْن العسكري والجوي، والرفيق فاضل البراك معاون الملحق العسكري والمسؤول الحزبي في الاتحاد السوفياتي، وطرحت عليهم ما حمّلني الرفيق النائب، وكان رأي الجميع مع فتح قنصلية عراقية في مدينة باكو للأسباب والذرائع الموجبة التي ثُبِّتت في الكتاب الذي سأعود به إلى الرفيق النائب. وبعد بضعة أيام أمضيتها في الراحة مع فاضل البراك عدت إلى بغداد، وسلمته الكتاب الذي أيّدنا فيه فتح القنصلية، فسألني عن حالي وإن كنت في حاجة لأي شيء؟ فأجبته شاكرًا وأني في أحسن حال. قال: «حسنًا، أُريدك أن تأتي لزيارتي كلما جئت في إجازة إلى بغداد»، فشكرته وخرجت، وفي ظني أنه يريدني أن أكون أحد رجاله.

    كان ارتباطي الحزبي بصفتي مسؤول التنظيم الحزبي للقوات الخاصّة، بقيادة مكتب كركوك العسكري الذي كانت تنظيماته تغطي الوحدات والتشكيلات العسكرية في محافظات كركوك والسليمانية وأربيل. وكان أمين سرّ تنظيم مكتب كركوك يُعيَّن من أحد أعضاء المكتب العسكري في بغداد، ولم يكن معظمهم يقيم في كركوك، فكانوا يحضرون اجتماع قيادة المكتب الأسبوعي، ويقومون بزيارة أحد التنظيمات المنتشرة في القاطع، ثم يعودون في اليوم التالي إلى بغداد. كان الرفيق عضو المكتب العسكري كامل ياسين نائب ضابط سابقًا ومن أقارب صدام حسين، وأخوه أرشد ياسين كان مرافقًا لصدام ومتزوجًا إحدى شقيقاته، وأصبح عضو قيادة قطرية في ما بعد، ثم تولّى المسؤولية الرفيق خليل العزاوي ضابط الاحتياط ومن خريجي كلية التجارة ومن أصدقاء الطفولة، فوالدي ووالده خريجا الدورة الثانية في الكلية العسكرية، وشغل والده منصب مدير الاستخبارات العسكرية ثم محافظ الكوت قبل إحالته على التقاعد. كذلك فارس حسين القرة غولي رائد ركن قوات خاصّة، كان متفرغًا للعمل الحزبي وصار مسؤول مكتب كركوك ثم عيِّن سفيرًا وسُجن في عام 1979 عند تولّي صدام حسين الرئاسة. ومن أعضاء المكتب المقدّم الركن حامد الدليمي الذي عيِّن سفيرًا ثم سُجن في عام 1979، ومات في السجن نتيجة تعذيبه، والرائد الركن دريد القدو (استشهد في الحرب العراقية - الإيرانية عندما كان يقود لواءه في القاطع الجنوبي)، والنقيب صالح الساعدي الذي كان متفرغًا حزبيًا ثم سُجن في عام 1979 ومات في السجن من التعذيب، وعلي حسن المجيد



    ((( كان علي حسن المجيد نائب عريف، سائق عجلة تزويد الطائرات بالوقود في قاعدة الحريّة الجوية (كركوك) قبل ثورة 17 تموز 1968. تفرّغ بعدها للعمل الحزبي، وهو ابن عم صدام حسين، ورجل المهمات الصعبة كما كان الرئيس صدام يطلق عليه. أصبح عضوًا في القيادة القطرية للحزب، وعضو مجلس قيادة الثورة، ثم وزيرًا للدفاع بعد حرب 1991 مع قوات التحالف ))) , الذي كان مسؤولًا عن تنظيمات ضباط الصف في مكتب كركوك العسكري، وأدين مع العديد من ضباط التنظيمات بتهم الفساد والرشوة من لجنة تحقيق حزبية برئاسة خليل العزاوي، ومع ذلك نُقل إلى دائرة المكتب العسكري في بغداد بوظيفة إدارية، أما أصحابه فحكم عليهم بالسجن لمدد متفاوتة وطردوا من الحزب.

    يتبع .....

    الجزء الثامن

    في ربيع عام 1973 كانت تدور مفاوضات بين السلطة والحركة الكردية المسلحة، وكان هناك إيقاف لإطلاق النار بين الجانبين. كان مهندسو شركة نفط العراق في كركوك يقومون بعملهم الروتيني في فحص أنابيب نقل النفط في منطقة لا تبعد كثيرًا عن معسكرنا شرق كركوك، عندما قام بعض المسلحين الأكراد بخطفهم واقتيادهم إلى قرية قرة حسن التي كانت مقرًا لهم، الواقعة على بُعد نحو 15 كلم من معسكر الفوج باتجاه مدينة السليمانية، جنوب طريق «كركوك - السليمانية» في منطقة وعرة يصعب الوصول إليها بالعجلات. اتصلوا بنا من الفرقة الثانية التي كان مقرّها في معسكر كركوك، وأخبرونا بالحادثة، وقالوا إنهم سيحرِّكون اللواء الرابع الذي كان يقوده العقيد الركن عبد الستار المعيني

    ((( عبد الستار المعيني من الضباط الجيدين. تولّى قيادة الفرقة الرابعة في الحرب العراقية - الإيرانية وقيادة الفيلق الثاني، ثم صار معاونًا لرئيس أركان الجيش في عام 1987، ووزيرًا للمواصلات في عام 1991، وبعد الاحتلال الأميركي للعراق غادر إلى الأردن مع عائلته )))

    وسيصل معسكرنا ونقوم معًا بتعقب المسلحين الأكراد وتحرير المهندسين. سألت عن وقت الاختطاف فقالوا منذ بضع ساعات، وقد علموا به لتوّهم. قلت: «إن انتظار قدوم اللواء يعني أن المسلحين قد وصلوا قواعدهم في قرة حسن، وأقترحُ إرسال طائرات سمتيّة لنقل قوة من الفوج تحرّر المهندسين قبل وصولهم إلى مقرهم في قرة حسن»، وبعد أن تداولوا وقائد الفرقة أرسلوا طائرة سمتيّة واحدة فقط، وقالوا «إن اللواء الرابع في طريقه إليك».

    جهزت قوة من 18 مقاتلًا بإمرة ضابطين، وأقلعت القوة للتفتيش عن الخاطفين، وكان الوقت قد جاوز الثانية بعد الظهر. في أثناء تنفيذ قوتنا الواجب أطلقت مجموعات من المسلحين النار على السمتيّة فعالجتهم بنيرانها، وأنزلت القوة التي اشتبكت معهم ثم أقلعت بعد أن قتلت عددًا منهم، ولم يكن المهندسون معهم. واستمرت في التفتيش عن الخاطفين، فوصل اللواء الرابع إلى معسكرنا في أثناء التفتيش، ومنه انطلق على الطريق الترابية لأنابيب النفط لتعقُّب المسلحين. استمرّت السمتيّة في تفتيشها، وشاهدت مجموعة أخرى من المسلحين أطلقوا النار عليها فعالجتهم بصواريخها، وأنزلت القوة التي اشتبكت معهم أيضًا وقتلت عددًا منهم، وتفرّق الآخرون في الأراضي المتكسرة، ولم يكن المهندسون بصحبة هؤلاء العصاة أيضًا. عاد اللواء الرابع بعد انقطاع الطريق النيسمي (طريق غير معبدة) مع جثث المسلحين الذين أردتهم القوة التي في السمتيّة في اشتباكها الأول. وقبل الغروب بساعة طلبت من قائد السمتيّة العودة إلى معسكر الفوج لأني أعتقد بأن المسلحين والمهندسين المختطَفين قد وصلوا قرية قرة حسن الآهلة، وتُمنع علينا مهاجمتها، ولم يبقَ وقتٌ كافٍ للتفتيش والظلام سيحل قريبًا، فأخبرني بأنه قد استلم الأمر لكنه شاهد مجموعات أُخرى من المسلحين، فاستدار واشتبك معهم فأُصيبت الطائرة ورشح الزيت منها، واضطرت إلى الهبوط في وادٍ بين مجموعات من التلال قرب قرية قرة حسن، وأخبروني بالموقف الجديد فطلبت من قائد السمتيّة وآمر القوة أن يحددا موقع الطائرة، فأخبراني بأن معرفة المكان بدقة متعذرة عليهما لأن التلال تحيط بهم من كل جانب. وبعد قليل أُخبرت بأنهم اشتبكوا مع المسلحين الأكراد الذين توافدوا إلى مكان سقوط الطائرة، فأمرتهم بحمايتها بأي ثمن، وبأن لا يسمحوا للمسلحين بالسيطرة عليها. وهبط الظلام وتجمّع المسلحون وقاموا بعدد من الهجمات للوصول إلى الطائرة، وفي كل مرة يجبرهم مقاتلو الفوج على التراجع، وبتقدّم الليل جلب المسلحون هاوناتهم، وبدأوا بقصف جنودنا والطائرة ثم أعقبه هجوم، وقرب منتصف الليل أوشك عتاد مقاتلينا على النفاد فأخبرني آمر القوة بذلك، وأمرته أن يسمح للمسلحين بالتقرب ثم يفاجئهم بقذفهم بالرمانات اليدوية، ومرة أُخرى فشل هجوم المسلحين فأخبرني آمر القوة أن عتادهم قد نفد فقلت له: «هل تشاهد لهيب النار الأزلية من حقول كركوك النفطية؟» فأجابني بأنه لا يشاهدها مباشرة، لكن يشاهد احمرارها في الجو، فقلت: «اتجه أنت، والطيارون باتجاهها». فأخبرني أنه سيباشر بذلك على الفور. وبعد بضع دقائق أخبرني أنه شرع بالتحرك، ويشاهد المسلحين وهم داخل الطائرة السمتيّة، فسألته إن بقي لديهم صواريخ قاذفات آر بي جي (RBG) فقال: «لدينا صاروخان». فأمرته أن يعود ويدمر السمتيّة ومن فيها. وبعد دقائق أخبرني بأن السمتيّة قد احترقت وقتل عدد من المسلحين، وقد شاهدهم في ضوء لهيب النيران التي اشتعلت فيها. فأمرته بالعودة مع التحسُب من متابعة المسلحين.

    بعد الضياء الأول بقليل، وصلت القوة معسكر الفوج فأخبرنا قيادة الفرقة الثانية بالموقف، وأن القوة عادت سالمة. وأبدى قائد الفرقة انزعاجه من تدميرنا الطائرة السمتيّة، فقلت إني أمرت بذلك كي لا نسمح للمسلحين بالسيطرة عليها. وبعد بضعة أيام اشتكى محافظ أربيل آنذاك عبد الوهاب الأتروشي ((( عبد الوهاب الأتروشي كان ضابط شرطة في وزارة الداخلية قبل هروبه إلى جانب المسلحين الأكراد في عام 1961. قاد مجموعات منهم وقاتل قوات الجيش في معارك عديدة. عاد إلى الصف الوطني وعيِّن سفيرًا ثم عضوًا في المجلس التنفيذي للحكم الذاتي بدرجة وزير، توفي في عام 2010 في شمال العراق ))) , أن القوات الخاصّة قتلت 55 مسلحًا من مقاتليهم.

    في أحد اجتماعات قيادة تنظيم القوات الخاصّة طرح الرفيق النقيب الركن صباح صبري آمر الفوج الرابع قوات خاصّة ((( من الضباط البعثيين الشباب. استشهد في الحرب العراقية - الإيرانية عندما كان يقود لواءه في القاطع الجنوبي من الجبهة ))) , أمرًا خطرًا، جاء فيه أن مجموعة من ضباط صف الفوج الثالث قوات خاصّة، من فوجه، نقلوا إلى أماكن حساسة للغاية مثل قوات الحماية المسؤولة عن حماية الرئيس البكر ومديريات الأمن والاستخبارات بتأثير من مرافق الرئيس الرائد الركن قوات خاصّة طارق صادق عبد الحسين الذي كان يعمل في الفوج الثالث قوات خاصّة قبل نقله مرافقًا للرئيس، ومعظمهم من العناصر المعروفة بسوء السلوك والانضباط، ومنهم من كان من مؤيدي التيار الشيوعي والقاسمي، وبعضهم من كان يحقّق مع البعثيين في وحداتهم وشارك في تعذيبهم. وأيد بقية أعضاء التنظيم هذه المعلومات، فطلبت تهيئة قوائم بأسمائهم مع ملحوظاتهم عن كل واحد منهم لنرسلها إلى مكتب تنظيم كركوك العسكري لاتخاذ ما يرونه من جانبهم.

    النجم الساطع

    أصبح الرفيق صدام حسين، نائب أمين سرّ الحزب، نجمًا ساطعًا في قيادة الحزب بعيدًا بمسافات شاسعة عن أقرانه أعضاء القيادة بعد نجاحه في قيادة معركة التأميم مع شركات النفط الاحتكارية، التي انتهت برضوخ الشركات وتأميم العراق نفطه. وهي الخطوة التي عارضها بشدّة الرئيس أحمد حسن البكر مع بعض أعضاء القيادة، وقال: «أُشهدكم على أن صدام حسين سيدمر الحزب»، وذكّرهم بمصير مصدق في إيران عندما قام بمحاولة مشابهة للتأميم، لكن تحت إصرار صدام وأغلبية أعضاء قيادة الحزب الذين ساندوه اضطر البكر والأقلية التي أيّدته إلى الرضوخ.



    في الوقت عينه كثّف صدام لقاءاته بجماهير الشعب في الأماكن العامة وملاعب كرة القدم في ندوات «أنت تسأل والحزب يجيب» التي كان يديرها، وكانت تذاع وتُنقل تلفزيونيًا على الهواء، فيجيب فيها عن أي سؤال ممن كان وفي أي موضوع. وفتح مكتبه في المجلس الوطني للسائل والمجيب، ووضع رقم هاتفه الشخصي في مقدمة كتاب دليل الهاتف لبغداد، وكان العديد من المواطنين ممن يعانون مشكلات مستعصية يتصلون برقم هاتفه، وعندما يسألون «من المتكلم؟» يأتيهم الصوت من الجانب الآخر من خطّ الهاتف: «صدام حسين»، فيعمل على حل مشكلاتهم هاتفيًّا أو يطلب منهم المجيء إلى مكتبه في المجلس الوطني لمقابلته. وكان كثيرون منهم يخرج وقد حُلت قضيته، فازدادت شعبيته عند أبناء الشعب حتى عند بعض المعادين للحزب.

    في القوات المسلحة أتاح له موقعه بصفته نائب أمين سرّ المكتب العسكري إمكانية لقاء القادة والكوادر العسكرية والضباط الشباب من البعثيين وغيرهم، فكسب ثقتهم وقلوبهم بأحاديثه معهم، وتجاوبه مع أفكارهم وببساطته وعفويته المرسومة والمخطّط لها في تعامله معهم، فأصبح الرمز والأمل الذي يتطلعون إليه ليحقق للعراق الحلم البعثي.

    صدام حسين هو من بنى جهاز الاستخبارات وأشرف عليه منذ أيام النضال السريّ، عندما أُنشئ جهاز حُنين، اليد الضاربة للحزب، فاختار صدام أفراده وكوادره وأشرف عليه، وأصبح دائرة العلاقات العامة في أيام الثورة الأولى، قبل أن يتحول إلى دائرة الاستخبارات العامة بعد أن توسعت صلاحيته وكثرت. كانت هذه الدائرة عين صدام وذراعه التي يبطش بها من يعارضه، ولم يسمح لأي كان غير الذين يثق بهم بأن ينخرطوا فيها أو يقتربوا منها. ولم يكن أيٌّ من أعضاء القيادة القطرية، ومنهم الرئيس البكر، على علم بما يجري في أروقتها وبين جُدُرها، أو مُطّلعًا عليه. بسط صدام حسين نفوذه وهيمن على وسائل الإعلام والثقافة بترؤسه مكتب الثقافة والإعلام، فسيطر على وسائله من إذاعة وتلفزيون وجمعيات للكتّاب والشعراء. وأغدق عليهم وسخّرهم لشخصه على حساب الآخرين. وتولّى رئاسة لجنة التخطيط، ومشاريع الخطط الخمسة للبناء وتطوير البنية التحتية والزراعية والصناعية. وهكذا استطاع تجميع كل عناصر القوة بين يديه، وأصبح الرجل الأول، وإن لم يكن يشغل أيّ منصب حكومي. ثم توجه إلى الأحزاب والقوى الوطنية بعد أن اقتنعت بسطوة وقوة واقتدار الحزب القائد، حزب البعث العربي الاشتراكي، فعمل على إقناعها بالمشاركة في السلطة تحت خيمة الجبهة الوطنية التقدمية التي يتزعمها الحزب القائد، وعرض تسليم قياداتها بعض الوزارات، والاكتفاء بدور الشريك الثانوي. هكذا تألفت الجبهة إضافة إلى حزب البعث من الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبعض القوى والشخصيات القومية والوحدوية.

    في 30 حزيران/يونيو 1973 قام اللواء ناظم كزار، مدير الأمن العام


    ((( كادر حزبي مدني، ومن جهاز حُنين أيام النضال السري. مُنح رتبة لواء وصلاحيتها بعد تعيينه مديرًا للأمن العام. قاد مؤامرة للسيطرة على السلطة بقتل البكر والبعثيين العسكريين، ثم أعدم بعد إلقاء القبض عليه ومحاكمته محاكمة سريعة ))) وعضو المكتب العسكري، المقرّب من صدام حسين بمحاولة اغتيال الرئيس البكر في مطار بغداد، عند وصوله بالطائرة من زيارة قام بها إلى عدد من الدول الاشتراكية، وخرج جميع أعضاء القيادة والحكومة، وعلى رأسهم نائب أمين سرّ الحزب صدام حسين لاستقباله. كان ناظم كزار قد وزّع عناصره المكلفة بالاغتيال على سطوح المطار ومنافذه لتنفّذ الاغتيال حال نزول الرئيس من الطائرة، وكان على اتصال بهم من مقرّه بأجهزة مواصلات لاسلكية، وعلى ذبذبات خاصّة. تأخرت طائرة الرئيس ولم تصل بموعدها، ولاحظ رجال كزار أن موظفًا من مكتب النائب قدم مسرعًا وذهب إلى صدام وهمس في أذنه، فترك صدام المستقبلين وغادر المطار، فشك ناظم كزار أن محاولته قد كشفت فبادر ومجموعة من أقرب أعوانه بالهروب باتجاه الحدود الإيرانية مستصحبًا معه رهينتين هما وزير الدفاع الفريق حماد شهاب، ووزير الداخلية العميد سعدون غيدان بعد أن قيّدهما، ورماهما في الصناديق الخلفية للعجلات التي هربوا بها.

    كان ناظم كزار قد اتصل في صباح ذلك اليوم بوزيري الدفاع والداخلية، وأخبرهما بأن أجهزة جديدة ومطورة قد وصلته من الخارج، وأنه يرغب في أن يطّلعا عليها لمعرفة إن كانت مفيدة لوزارتيهما، فجاءا إلى مقرّه كل على انفراد فاعتقلهما، وألقى بهما في أحد الأقبية ولما هرب أخذهما معه.
    إن موظف مكتب النائب الذي جاء إلى المطار وهمس في أذنه أخبره أن الرئيس سيتأخر بضع ساعات، لأن رئيس بلغاريا الذي كان في انتظار الرئيس البكر القادم من دولة اشتراكية أخرى وهبطت طائرته في مطار العاصمة البلغارية وهو في طريقه إلى بغداد. وكان في برنامجه أن يكون اللقاء مع الرئيس البلغاري في المطار لساعة واحدة فقط، لكن الرئيس البلغاري ألحّ على الرئيس البكر ليزور إحدى المناطق الاستشفائية القريبة فحدث التأخير، ونجا الرئيس البكر من محاولة الاغتيال. هكذا تدخّل القدر في كشف المؤامرة وإنقاذ حياة الرئيس، وإنهاء حياة وزير الدفاع حماد شهاب.

    بعد مغادرة صدام المطار عرف بقية أعضاء القيادة والحكومة بالتأخير فغادروا بدورهم، فتركت مجموعات الاغتيال أماكنها وعادت إلى مقرّاتها. كنا في كركوك عندما سمعنا بالمحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس في مطار بغداد، وكان فوجي قد تدرّب وأجاد عمليات الصولات الجوية والإنزال السمتيّ، وخشية من وصول ناظم كزار ومجموعته إلى الحدود الإيرانية والإفلات من مطارديه، اقترحتُ على المسؤول الحزبي في مكتب كركوك العسكري الاتصال بالمكتب العسكري فورًا لاستحصال الموافقة على أن يقوم فوجي بالإقلاع بالسمتيّات فورًا، وإلقاء القبض على كزار وجماعته وتخليص الرهائن من أيديهم. وجرت اتصالات حثيثة بين مكتب كركوك العسكري والمكتب العسكري والقصر الجمهوري للموافقة على التنفيذ، وفي انتظار الجواب الذي لم يصل أرسلوا عناصر من الحمايات الخاصّة وحرس القصر، فألقوا القبض على ناظم كزار وجماعته بعد أن تمكَّن كزار من قتل وزير الدفاع حماد شهاب، وإصابة وزير الداخلية سعدون غيدان الذي تظاهر بالموت بإصابات خطرة.

    نُفِّذ حكم الإعدام بناظم كزار ومجموعته بعد قليل من القبض عليهم في أروقة الاستخبارات، ولم تُتح للرئيس البكر الذي استهدفته محاولة الاغتيال أو أي من أعضاء قيادة الحزب معرفة نتيجة التحقيق مع كزار وأسباب ودواعي قيامه بمحاولة اغتيال الرئيس، خصوصًا مع تورّط عضو القيادة القطرية للحزب محمد فاضل وإعدامه، وعضو القيادتين القطرية والقومية، ومفكِّر الحزب عبد الخالق السامرائيّ الذي أُودع في غياهب سجون الاستخبارات، ولم يشاهده أحد أو يلتقيه حتى إعدامه بعد تولّي صدام حسين مباشرة سدّة الرئاسة في تموز/يوليو 1979.

    أثارت محاولة ناظم كزار لغطًا كثيرًا داخل الحزب أفرادًا وكوادرَ، إذ كان صدام عرّابه وهو من كان وراء تسلقه السريع للرتب والمناصب الحزبية والوظيفية، فمن عنصر عاديٍّ في جهاز حُنين إلى عضو مكتب الحزب العسكري، وعيّنه مديرًا للأمن، ومنحه صلاحيات غير محدودة في مطاردة وتصفية من يفترض أنهم خصوم وأعداء الحزب والقبض عليهم، بل طاولت ذراعه بعض أعضاء الحزب لسبب أو لآخر حتى أصبح اسمه عنوانًا للخوف والفزع من دون أن يجرؤ أحد على النقد أو الشكوى، لأنه مرتبطٌ مباشرةً بالرفيق نائب أمين سرّ الحزب صدام حسين، وتحت مسؤوليته المباشرة. كان للبكر شكوكه في من كان وراء تورّط كزار أو من شاركه أو دفعه إلى تلك المحاولة، ولم يكن مرتاحًا لتنفيذ الإعدام مباشرةً بعد إلقاء القبض عليه قبل اعترافه وكشف دوافعه، ومن كان متواطئًا معه في الحزب والسلطة. وفي أحد اجتماعات القيادة بعد المحاولة قال البكر غاضبًا: «أقسم بالله إن من كان وراء عملية ناظم كزار جالسٌ معنا هنا، وعلى هذه الطاولة في هذا الاجتماع».

    أزعجت شكوك البكر وكلامه في اجتماع القيادة نائبه صدام حسين، واعتبرها موجّهة بشكلٍ ما إليه، وآثر بعدها الابتعاد عن ممارسة أعماله في أمانة سرّ القطر وبقية مسؤولياته الحزبية احتجاجًا على شكوك الرئيس البكر الذي فشل في استغلال تواري صدام عن واجهة الحزب لتقليص بعض صلاحياته وسحبها أو التخلّص منه. وبعد أشهر عدّة عاد صدام، وقد أرضاه الرئيس، أقوى من السابق. وبدأ فورًا بسحب خيوط ما تبقى من السلطة من البكر تدريجًا ليجمّعها بين يديه.

    في تموز/يوليو 1973 تمرد أحد رؤساء اليزيدية في قضاء سنجار المحاذي الحدود السورية غرب مدينة الموصل، واسمه خديدة بزي، بتشجيعٍ من الملا مصطفى البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني بدعوى أن الايزيدية
    ((( الايزيديّة إحدى الطوائف الدينية التي تسكن في محافظة الموصل، ويدعي بعض رؤسائهم أنهم من سلالة الأمويين الذين لجأوا إلى المناطق الجبلية في قضاء الشيخان حيث مقرّهم الديني وجبل سنجار في محافظة نينوى (الموصل) بعد سقوط الدولة الأموية. لهم معابدهم الخاصّة ويتكلم معظمهم الكردية والعربية. من أهم المراجع العربية عنهم كتاب صديق الدملوجي الايزيدية الذي أصدره في عام 1949 بعد أن عايشهم ونشأت بينه وبين أميرهم وطبقاتهم الدينية علاقات وثيقة جدًا منذ أن تولّى مديرية ناحية باعذرى (مقرّهم الديني والزمني) في العهد العثماني ))) , الساكنين في قضاء سنجار غرب الموصل هم من أصولٍ كرديةٍ، وهم جزءٌ من الشعب الكردي، وكان المومأ إليه منتميًا إلى حزب الملا مصطفى، فصدرت أوامر رئاسة أركان الجيش بتحرّك فوجي إلى سنجار، على أن أكون بإمرة الفرقة الرابعة التي انتقل مقرّها المتقدم إلى سنجار. فتحرّك الفوج، وحال وصولنا استدعاني قائد الفرقة العميد الركن طالب (طلبة) محمد كاظم، وأوجز أن متمرِّدي اليزيدية التابعين لخديدة بزي يتحصنون في قمة جبل سنجار حيث يوجد مزار مقدّس لطائفتهم، وأن فوجي واللواء الخامس سيُكلّفان بمهمة تسلق الجبل، وضرب وجود المتمرِّدين فيه، وبصفته قوات خاصّة، فإن الفوج سيكون القوة التي تقتحم الجبل، ويعقبه اللواء الخامس، فسألته عن عدد المتمرِّدين في الجبل فقال: «ليسوا كثيرين»، فقلت: «سيدي القائد أريد الحصول على معلوماتٍ دقيقةٍ إن كانت متيسّرة لديكم كي أعرف كيف أضع خطتي»، فقال: «ليسوا أكثر من مئة متمرِّد»، فقلت إني أحتاج إلى السمتيّات للقيام بالإنزال في مناطق محدّدة من الجبل لحصر المتمرِّدين فيه والقضاء عليهم، فوعدني بذلك.

    في اليوم التالي، حضر المستشار الجوي وقال إن السمتيّات الروسيّة Mi-8 لا تستطيع نقل الجنود في حرارة تموز/يوليو وإنزالهم على جبل سنجار. وسألته كيف يمكن ذلك ؟

    فقال: «هذه هي الكرّاسات الخاصّة بالسمتيّة (الهليكوبتر) الروسيّة Mi-8، وهذه تحديداتها كما استلمناها من الخبراء الروس»،
    فقلت للمستشار الجوي: «توجد لدينا سمتيّات إنكليزية المنشأ، وأعتقد أنها يمكن أن تعمل في هذه الأجواء، وعلى هذه الارتفاعات»،
    فقال: «لدينا واحدة أو اثنتان في قاعدة فرناس في الموصل، وسنجلبها»،
    فقلت: «في هذه الحالة سنقوم بالعمل راجلين»،
    فقال القائد: «سوف تصعدون من طريق الكلية العسكرية النيسمي الذي كان طلاب دورات الكلية العسكرية يتسلقونه في تدريبهم الإجمالي في المنطقة ((( النيسم هو طريق ترابية ضيقة يسلكها المشاة وبعض الحيوانات في المناطق الجبلية ))) , المؤدية إلى منطقة المزار، ويعقبكم اللواء الخامس».
    فقلت: «سيدي القائد، تريد مني الهدف فدعني أخطّط له وأسلِّمه للواء الخامس، وعندها سينزل الفوج من العارضة، لأن واجبنا يكون قد انتهى، فنحن لا نمسك الأرض بعد احتلالها».
    فوافق على ذلك، وأرسل لي دليلين من اليزيدية لمساعدتي في التعرف إلى الهدف والمتمرِّدين، فقمت على الفور بحجز الدليلين في غرفة لحين التنفيذ. خرجت في اليوم التالي لاستطلاع الجبل الذي كان يمتدّ بمحاذاة طريق سنجار - موصل، وفي مقابل المنطقة التي تعسكر فيها القطعات تبدأ طريق الكلية العسكرية صاعدة إلى قمة الجبل حيث يقع المزار الذي يحيطه بستان غني بالأشجار. كان صعود الفوج من هذا الاتجاه المتوقع سيؤدي إلى تعرّضه لنيران المتمرِّدين الذين تحصّنوا على طرفي الطريق قرب القمة، لذلك أسقطت هذا المسلك، وذهبت شرقًا على الطريق باتجاه مدينة الموصل، ومن هناك يبدأ ذيل الجبل الشرقي بالارتفاع تدريجًا باتجاه قمة الجبل، وقِستُ المسافة على الخريطة فكانت نحو 23000 خطوة، بعد أن حولتُ الأمتار إلى خطوات. كانت المسافة طويلةً، والظَّهْرة (طريق البر) التي هي امتداد ذيل الجبل إلى القمة تكسوها صخورٌ ضخمةٌ، لكنه كان مسلكًا وطريقًا لا يتوقعه المتمرِّدون، فقررت اختياره. طلبت من الفرقة قطع طريق سنجار - الموصل من بعد ظهر ذلك اليوم، وسربت الفوج بعجلات حمل مغطاة، فكانت تخرج عجلة واحدة كل فترة 5 -10 دقائق كي لا تُكشف حركتنا من المتمرِّدين الذين كانوا يراقبوننا بنواظيرهم من قمة الجبل. وترجّل الجنود في ذيل الجبل الذي لم يكن يُرصد من القمة.

    مساءً تكامل الفوج في منطقة التسلّق، وعند الساعة الثامنة شرعنا بالتسلق، وكنت مع فصيل الاستطلاع في المقدمة تعقبنا سرايا الفوج. كان الجوّ حارًا، والرياح الحارة تهبُّ بقوة من الجهة المعاكسة لتسلقنا، وبعد قطعنا منتصف المسافة كانت أفواهنا قد جفّت من شدة الريح، وكنا نبلِّل شفاهنا ونرتشف جرعة من الماء لا أكثر، وبدأت أشعر بالتعب، وأصبح ثقل المسدس الذي أحمله وزمزميّة الماء وكأنهما أضعاف وزنهما، وعندما أرى الجنود يتسلّقون معي بكامل تجهيزاتهم أنسى التعب والعطش واستمر معهم في الصعود، وكانت تصادفنا أحيانًا صخورٌ ضخمةٌ تعترض طريقنا لا يمكن اجتيازها إلّا بمساعدة أحدنا الآخر، وفي الساعة الأخيرة من التسلّق كنا منهكين وعطشى، لكن لم نتوقف، إذ علينا بلوغ القمة قبل الضوء، وإلّا فإننا سنفقد عنصر المباغتة، ويتحوّل المتمردون باتجاهنا ويشاغلوننا بنيرانهم من فوق.

    قبل الفجر بدقائق كنا قد وصلنا إلى القمة، وكان أمامنا بستان كبير محاط بسياجٍ من الصخور متوسط الارتفاع، وفجأة فُتحت علينا نيران أسلحة عددٍ من المتمرِّدين، وقدَّرتُها ببنادق عدّة. إذًا كُشف أمرنا أخيرًا، ويجب التعامل معهم بسرعةٍ قبل وصول أعداد أخرى فأمرت جماعات القاذفات RBG7 بضرب السياج بأكثر من صاروخ لكلِّ قاذفةٍ، وجماعات الرشاشات بإسناد جماعات الصولة التي ستقفز إلى البستان، وأصدرت الأمر بصولة السريّة التي كانت خلفي مباشرة مع فصيل الاستطلاع، وتحت ضربات الصواريخ لجدار البستان الذي كانت صخوره تتطاير في الهواء، وإسناد الرشاشات قفز جنودنا إلى منطقة البستان، وقتلوا أوّل اثنين شاهدوهما، وتعقبوا الآخرين الذين هربوا باتجاه المزار وإلى الجانب الآخر من البستان.

    اقتحم جنودنا المزار وكان خاليًا، وشاهدنا العشرات منهم يعبرون السياج في الاتجاه الآخر، وسرعان ما اختفوا في الشقوق والأودية السحيقة في الجانب الغربي من الجبل. أخبرت الفرقة عن الموقف، وأن القمة والمزار والبستان كلها قد أصبحت تحت سيطرتنا، وأني أنتظر وصول اللواء الخامس الذي كان يتسلق من طريق الكلية العسكرية، وقبل وصول اللواء الخامس القمة بمسافة قليلة اندلع القتال بينه وبين من تبقى في المواضع التي كانوا موجودين فيها لمقاومة القوات التي ستصعد من هذا الاتجاه، فطلب قائد الفرقة منا القضاء على المقاومة التي تُواجه اللواء الخامس، فأرسلت عددًا من القناصة الذين أجبروا المتبقين على الفرار في الشقوق التي يعجّ بها جبل سنجار، وقُتل أحد جنودنا من فصيل الاستطلاع وجُرح آخر، وتكبَّد اللواء الخامس قتيلين، وجُرح عدد من عناصره (المعروف عن اليزيدية شراستهم في القتال، وطاعتهم العمياء لرؤسائهم، لكن المفاجأة أربكتهم، وأجبرتهم على الفرار من مواضعهم المهيأة على طريق الكلية العسكرية)، وكان من بين القتلى في البستان ابن خديدة بزي الذي كان يقود المتمرِّدين، أما خديدة فقد هرب إلى سورية عندما رأى أن الجبل قد سقط بأيدي قواتنا.

    طلبت من اللواء الخامس استلام الجبل من فوجي لأنني سأنزل والفوج بعد انتهاء الواجب، وكان آمر اللواء الخامس المقدّم الركن حازم برهاوي ((( اللواء الركن حازم البرهاوي من الضباط الجيدين تولّى قيادة الفرقة الرابعة ثم السابعة لفترة قليلة ثم الفرقة الثانية. شارك في حركات الشمال، وفي الحرب العراقية - الإيرانية، وتولّى منصب مدير الأشغال العسكرية، وتقاعد برتبة لواء ركن ))) , يرغب في بقاء الفوج، لكنني أمرته بالنزول فورًا، وطلبت طائرة سمتيّة لمواجهة القائد، فأرسل طائرة سمتيّة إنكليزية الصنع من طراز ويسكس، فأقلّتني إلى قائد الفرقة الذي طلب أن يبقى الفوج اليوم والليلة وينزل غدًا. فطلبت منه أن ينزل الفوج حالًا وفق ما اتفقنا عليه، فالقوات الخاصّة تحتل الأهداف وتسلمها، فامتعض القائد مما سمعه، وقال: «هناك واجب آخر»، وذكر قريةً يجب تطهيرها لورود معلومات عن وجود العدو فيها، وأنه يجب أن أتحرك بأسرع ما يمكن.

    عند تكامل الفوج تحركنا من دون أي قسط من الراحة إلى القرية التي طُلب منا تطهيرها بدلالة الأدلّاء اليزيديين، وعندما وصلنا القرية التي كانت في وادٍ قرب مجرى ماء، وتحيط بها الجبال الشاهقة، وفتشناها فلم يكن فيها إلّا النساء والشيوخ، أخبرنا الفرقة، فأمر القائد أن نتسلّق الجبل المشرف على القرية ونفتشه لاحتمال لجوء المتمرِّدين إليه، فطلبت منه إرسال طائرتين سمتيّتين من طراز ويسكس، فأرسل واحدةً أقلّتني وحضيرة من فصيل الاستطلاع، وهبطنا على قمة الجبل، وأكملت السمتيّة نقل بقية الفصيل، ولم نعثر على أحد فأخبرنا الفرقة بأننا على قمة الجبل وليس للمتمرِّدين وجود، فأمر القائد بأن نذهب إلى هدف آخر، وهو قرية يزيدية قريبة من الحدود السورية، فعدنا إلى منطقة تجمّع الفوج، وانطلقنا مع الأدلّاء إلى الهدف الجديد القريب من الحدود السورية، ووصلنا عصرًا، وتوقّفنا قبل القرية التي كان على شمالها مرتفَع كبير، ودفعت فصيل الاستطلاع إلى القرية ففُتحت علينا نيرانٌ كثيفةٌ من المرتفع شمال القرية، ومن القرية. وكانت عشرات الطلقات تتساقط تحت أقدامنا، فدفعت سريّة إلى جنوب القرية، وأخرى من الأمام، والثالثة تشاغل منطقة العارضة الجبلية في شمال القرية. واقتحم الفوج القرية، وعثرنا على العشرات مع أسلحتهم، وادعوا أنهم مسلحون من جانب الحكومة، وكان الوقت قد أصبح ليلًا، فقيّدنا اليزيديين المسلحين بعد أن أخذنا أسلحتهم ووزعناهم على عجلاتنا، ووصلنا معسكرنا قبل منتصف الليل، وكان القائد في مقرّه مع مجموعةٍ من شيوخ اليزيدية الذين ادّعى أحدهم بأننا قتلنا أبرياء من أهالي القرية القريبة من الحدود السورية.

    فقلت للقائد: «أنا كنت هناك وليس هذا الرجل، لقد فُتحت علينا نيران من القرية، ومن العارضة في شمالها، وألقينا القبض على أكثر من 50 مسلحًا منهم»،
    فأجاب الرجل: «أنا كنت هناك أيضًا»،
    فقلت له محتدًّا: «لو كنت هناك لجلبتك معهم»، ولم يكن القائد ..( أخبرني الرفيق خليل العزاوي، أمين سرّ الفرع العسكري، أن العميد الركن طالب محمد (طلبة) كاظم قائد الفرقة الرابعة الذي عملت بإمرته في زاخو، قد كتب إلى القيادة تقريرًا في غير صالحي عن العمليات التي نفذتها، فأخبرته بتفاصيل ما حدث في معركة زاخو فطلب أن أكتب تقريرًا لتوضيح ما حدث فعلًا فرفضت، وأخبرته بأني قد حكيت لكم ما حدث من وجهة نظري، ويمكنكم أن تحققوا وتعرفوا الحقيقة ) ,الذي كلَّفني بهذا الواجب سعيدًا بما قمنا به، وفي اليوم التالي استأذنته في العودة إلى كركوك. في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1973 أجريت عملية جراحية في مستشفى كركوك العسكري، وكان يجب أن أُجريها منذ زمن، وكنتُ أؤجِّلها مرةً بعد أخرى.

    يتبع ......

    الجزء الحادي عشر

    قدمت لجنة تحقيق حزبية خاصّة لتحقق معي ومع قادة تنظيم كركوك العسكري، أولًا: عن الدوافع التي كانت وراء التقرير الخاص بالعناصر المشكوك فيها من الفوجين الثالث والرابع قوات خاصّة إلى وحدات حماية الرئيس البكر والحرس الجمهوري والاستخبارات العامة. وثانيًا: عن أسباب طلبي استخدام فوجي للصولة الجوية بالسمتيّات في محاولة ناظم كزار الفاشلة. كان واضحًا أن شكوكًا تراود الرئيس البكر فيَّ وفي مدى ولائي لقيادة الحزب ونياتي تجاههم أو تجاهه شخصيًّا، وأن شخصًا ما قريبًا منه يغذيها. عادت اللجنة الحزبية بعد أن تبيّنت الحقيقة مني ومن قادة التنظيم، وأن كل ما جاء في النقطتين كان بعلم الحزب وموافقته وإشرافه. وحدثني أحد أقرباء الرئيس الذي كان حاضرًا الحادثة المتعلقة بهذه القضية، فقال: «كنت والرئيس والرفيق صدام حسين عند طرح الموضوع، وكانت للرئيس البكر شكوكه» على الرغم من رأي اللجنة التحقيقية الحزبية الذي جاء في مصلحتي، إلا أن البكر بقي مصرًا على محاسبتي وإخراجي من الجيش، فاقترح الرفيق صدام حسين على الرئيس البكر حلًا وسطًا، وذلك بنقلي إلى إحدى الملحقيات العسكرية فوافق البكر على مضض .

    ملحق عسكري في الهند !

    لم تبتعد حوادث مؤامرة كزار وتداعياتها عن عقل الرئيس البكر وفكره، إذ تولّدت لديه قناعة ما بأن لقادة مكتب كركوك العسكري يدًا أو علاقة ما بتلك الحوادث، وفي مطلع عام 1974 نُقل وأبعد معظمهم إلى الملحقيات العسكرية، فنقلت أنا إلى الهند، ونُقل المقدّم الركن حامد الدليمي إلى باكستان، والرائد الركن دريد القدو ((( قاد لواءً مدرعاً في الحرب العراقية الإيرانية 1980 ، استشهد في معارك القاطع الجنوبي ))) إلى أفغانستان،
    والنقيب صالح الساعدي ((( اعتقل في تموز / يوليو 1979 بعد تولي صدام حسين رئاسة الجمهورية ، وتوفي في السجن بعد تعرّضه للتعذيب ))) إلى اليمن، أما مسؤول المكتب الرائد الركن فارس حسين فنُقل إلى فرنسا.

    صدر أمر نقلي ملحقًا عسكريًا في نيو دلهي ربيع 1974، والتحقت بالعمل في بداية الشهر الخامس. في الطائرة التي أقلتني صادفت الرفيق عبد الله سلوم السامرائيّ، سفيرنا في الهند، وكان من أبرز أعضاء القيادة القطرية للحزب، التقيته في موسكو عام 1969 خلال زيارته الاتحاد السوفياتي على رأس وفد حزبي كبير يضمّ عددًا من أعضاء القيادة القطرية، وعددًا من الكوادر المتقدّمة في الحزب، في حفلة أقامها على شرفه والوفد المرافق له المقدّم الطيار خالد كريّم السامرائيّ الملحق الجوي في الاتحاد السوفياتي، وكان من معارفه وأبناء بلدته. ودُعيت إليها وبقية أعضاء الملحقية وموظفو السفارة، وأُعجبت به لما أبداه من رؤى وآراء في حديثه العميق والمبدئي عن عمل الحزب في العراق ومستقبله. انتظرت حتى أقلعت الطائرة فنهضت للسلام عليه، وأخبرته بأني الملحق العسكري الجديد في الهند، وأن العمل معه يسعدني، وذكّرته بلقائنا في موسكو.

    أوجز لي الملحق العسكري السابق العقيد الركن طارق محمود جلال قبل مغادرته طبيعة عمل الملحقية العسكرية في الهند، والتعامل مع مديري الاستخبارات الهندية البرية والبحرية والجوية وطبيعة كل منهم، ومدى تعاونه. وأخبرني عن رؤساء أركان القوات الثلاثة، وبقية من نتعامل معهم في الدوائر العسكرية أو موظفي وزارة الخارجية، وعن الملحقين العرب والأجانب، ثم تطرّق إلى موظفي الملحقية العسكرية والسفارة وملحقياتها التجارية والصحافية، وأبدى ملاحظات حذرة عن شخصية السفير عبد الله سلوم القوية وهيمنته على جميع من يعمل فيها.

    من سوء الحظ أن مشكلة إدارية صغيرة أحدثت جفاءً بيني وبين السفير، وعمل عددٌ من موظفي الملحقية والسفارة على تأجيجه، فصار خلافًا شخصيًّا حادًا، وانعكس ذلك على العلاقة بين السفارة والملحقية العسكرية على الرغم من أن السفير هو رئيس الهيئة الدبلوماسية أمام الحكومة التي يعمل فيها، إلا أن الملحقية العسكرية دائرة منفصلة ترتبط حصرًا بمرجعيتها مديرية الاستخبارات العسكرية العامة في وزارة الدفاع، والسفارة بمرجعيتها في وزارة الخارجية. وكان الرفيق عبد الله سلوم المناضل البارز في الحزب وعضو القيادة القطرية السابق هو المسؤول الحزبي للمنظمة الحزبية في عموم الهند.
    كنتُ في القطر قبل نقلي عضوَ مكتب كركوك العسكري، وفي نظام الحزب الداخلي من ينقل خارج القطر من الرفاق لا يحتفظ بالضرورة بدرجته الحزبية في التنظيم الخارجي للحزب الذي هو من التنظيمات القومية ويرتبط بالقيادة القومية، بل يُنسب في التنظيم الجديد، وفق الحاجة أو الموقع الشاغر والملائم لدرجته وقدمه الحزبي غالبًا. أما أن يعيِّن الرفيق السفير عضوًا متدربًا من التنظيم مسؤولًا عني، ففي ذلك مخالفة صريحة لتقاليد الحزب ونظامه الداخلي ( النظام الداخلي للحزب هو الذي ينظم الصيغ التنظيمية ، واسلوب عملها في الحياة الداخلية للحزب ) إذ لا يجوز للرفيق المتدرّب أن يكون مسؤولًا عن رفاق أقدم منه مرتبة حزبية. ومع ذلك حضرت جميع الاجتماعات الحزبية التي يديرها الرفيق المتدرّب الذي وجد نفسه في حرج شديد بما كُلِّف به، وكتبتُ تقريرًا مغلقًا إلى القيادة القومية (الرفاق أحمد حسن البكر وصدام حسين من أبرز أعضائها) أُبيِّن فيه إجراء الرفيق عبد الله سلوم التنظيمي في ضوء الجفاء ثم الخلاف الذي حصل بيننا (التقارير المغلقة تُرفع من أعضاء التنظيم الحزبي إلى القيادات العليا التي تُعنْوَن إليها، ولا يحق لقيادة رافع التقرير أن تطّلع عليه، ويحدث ذلك عادة لحالات أمنية أو خلل بالغ في العمل التنظيمي). بعد بضعة أسابيع جاء قرار القيادة القومية بتجميد ((( التجميد يعني التوقف المؤقت عن العمل التنظيمي بالحزب ، وهو نوع مخفف من العقوبات الحزبية لأعضائه ))) الرفيق عبد الله سلوم، وتكليف الرفيق نزار الخزرجيّ بمسؤولية التنظيم الذي أصبحت تسميته «شعبة الحزب في الهند»، وجاء أمر من وزارة الخارجية بنقل السفير عبد الله سلوم السامرائيّ إلى دوائر وزارة الخارجية.
    قررت بعد ما حدث كسر حاجز الجليد بيننا والقيام بزيارته في السفارة لنتصالح، فاستقبلني بترحاب شديد وأبديت له أسفي لسوء التفاهم الذي حدث، والذي لم أقصد منه أي إساءة إلى السفارة أو إلى شخصه بصفته السفير وأنني كنت وما زلت أكنّ له احترامًا كبيرًا، فأبدى من ناحيته تقديره لهذه البادرة من جانبي، وذكر أن عناصر من موظفي دائرتينا عملوا على ذلك فقال: «رفيق نزار إحذر فلانًا الذي يعمل لديك فإنه يُظهر شيئًا ويُبطن أشياء أخرى، وهو أحد من عملوا على تعقيد سوء التفاهم الذي حصل».

    في الفترة التي سبقت انفكاكه كنت أُصاحبه في المناسبات كلها التي تقام لمناسبة نقله حتى تلك التي كانت تقتصر على السفراء فحسب، إذ كان يُصر على حضوري دائمًا، وكان فيها كلها نجمًا لامعًا، مهيمنًا على الحاضرين، وفي أحاديثه وتحليلاته عن القضايا الراهنة كان يرجع غالبًا إلى التاريخ مستذكرًا حوادث مماثلة، ثم يربطها بموضوع المناقشة بشكل سلس مقنع، ليعرض رؤيته للحوادث بصوت قوي وثابت، وعبارات واضحة وقاطعة، يتكلم والآخرون يصغون، والحقيقة أنني في هذه الفترة التي أمضيتها معه ازداد إعجابي به، وأسفت كثيرًا لمغادرته موقعًا رفع به اسم العراق عاليًا.

    جاء الرفيق محمد سعيد الصحاف سفيرًا جديدًا، وحاول جاهدًا أن يملأ الفراغ الذي أحدثه غياب سفيرنا السابق، بنجاح محدود للفارق الشاسع بين الرجلين، فالصحاف شخصية ناعمة ومجاملة، تختلف كثيرًا عن شخصية السامرائيّ القوية والمهيمنة التي اعتادها السفراء والدبلوماسيون. وكانت علاقتي به جيدة، وكان عضوًا في قيادة التنظيم الحزبي الذي كنت أتولى مسؤوليته.
    كانت قبضة الصحاف الرخوة سببًا في هيمنة ممثل الاستخبارات الذي كان خامدًا في عهد السفير السابق، فجعل يفرضها على موظفي السفارة وسير العمل فيها بمن فيهم السفير، ونبّهت الصحاف أكثر من مرة لهذا السلوك الشاذ لكن من دون جدوى، ولمّا حاول التحرش بالملحقية العسكرية زجرته ومنعته من الدخول إليها، كما أدّى سلوكه الخشن والمتعالي مع الطلبة العراقيين الدارسين في الهند إلى ابتعادهم عن مراجعة السفارة، وشكوا من خلال تنظيمهم الحزبي من تصرفاته الشاذة معهم، وقرّر اتحادهم الطلابي التوقف عن مراجعة السفارة أو دخولها، فأخبرتهم بأن أبواب الملحقية العسكرية مفتوحة لهم، وأنا وموظفوها وقيادة التنظيم الحزبي جاهزون لتأمين حاجاتهم، واستلمت مسؤولية التنظيم الطالبي مباشرة للتواصل معهم وحل مشكلاتهم من خلاله.

    استدعيتُ إلى بغداد للتذاكر في أمور الملحقية العسكرية، وجرى عَرَضًا التطرق إلى التصرفات الشاذة لممثل الاستخبارات في سفارتنا في نيو دلهي، وأسباب منعي دخوله الملحقية العسكرية بعد أن حاول التدخل في شؤونها من خلال بعض موظفينا، فأخبروني في اليوم التالي أن الرفيق سعدون شاكر رئيس الاستخبارات العامة يرغب في رؤيتي غدًا فذهبت لمقابلته في دائرته بالاستخبارات العامة. وكان شخصًا لطيفًا جدًا في كلامه وتصرفاته، وسألني عن رأيي في أداء ممثل الاستخبارات في السفارة،
    فأجبته بصراحة عن تصرفاته غير المقبولة، وقلت له: «إن الهند هي لبنان كبير، ما أقصده أنها بلد مفتوح لكافة أجهزة استخبارات الدول الكبيرة والصغيرة، وهناك مجال واسع للحصول على المعلومات من جميع الأطراف، ومنها تلك التي في قمة الهرم السياسي في البلاد بسهولة، لو أحسنّا اختيار الرجل الملائم لهذا الموقع في سفارتنا. وإن ممثلكم في السفارة لجهله اللغة الإنكليزية، كما أعتقد، ترك كل ذلك وبدأ يتابع موظفي السفارة والسفير منهم، وعمل على هروب الطلبة، وهم مصدر معلومات ممتازة لعلاقتهم بالاتحادات الطالبية المتعددة التي يرتبط كل منها بحزب أو جهة سياسية معينة، لو أحسن التصرف معهم».
    سألني: «هل في بالك أي شخص تعرفه يصلح لهذا الموقع؟».
    كان سؤالًا خبيثًا من شخص لطيف وكيّس مثله، فأجبته: «ومن أين لي أن أعرف؟ أنا أعتقد بأنكم قادرون على تعيين شخص قادر على ذلك من جهازكم».
    فشكرني واعتذر عن أي إزعاج قد يكون سبّبه لي، وقال إنها كانت فرصة طيبة للتعرف إليّ.
    أعتقد أن استدعائي إلى بغداد كان الغرض الحقيقي منه لقاء الرفيق سعدون شاكر وليس للأمور البسيطة التي نوقشت في مديرية الاستخبارات. وعندما عدت إلى نيودلهي كان أمر نقل رجل الاستخبارات في السفارة قد صدر، وحل محله الرفيق ثابت الراوي الذي سرعان ما فرض هو الآخر هيمنته على السفارة.
    استفدت من الطلبة في التعرف إلى الأحزاب المختلفة وكوادرها، ومن المعلومات التي يمكنهم الحصول عليها من زملائهم الهنود المنخرطين في الحركات السياسية. وتمكَّن أحد طلبتنا نتيجة صداقته الوثيقة بكادر شيوعي مسلم يعمل في أرشيف الحزب من الحصول على وثائق جمعها الحزب الشيوعي بجهد، وعمل سنين عليها عن الشخصيات الحكومية والسياسية والعسكرية ورجال المال الذين يعملون مع الماسونية والبهائية والإيرانيين والغربيين وإسرائيل، أو لهم علاقة وثيقة بهم. وجلب إليّ هذه الوثائق وبدأنا في تصنيفها بالنسبة إلى أهميتها قبل إرسالها إلى مرجعنا. وكانت في الحقيقة كنزًا عثرنا عليه من خلال طلبتنا الذين كانوا يتبرعون بتلبية أي ٍمن طلباتنا عن طيب خاطر لوطنيتهم وللمعاملة الطيبة والثقة المتبادلة بيننا.

    في أحد الأيام، وأنا أُراجع الوثائق المذكورة في غرفتي في الملحقية مع الطالب الذي جلبها، فُتح الباب ودخل ممثل الاستخبارات في السفارة من دون إخبار السكرتيرة بمجيئه، فانزعجت جدًا. لم أكن أريده أن يرى الطالب أو الوثائق، فصحتُ به: «كيف تدخل هكذا من دون إخبار السكرتيرة؟ أُخرج حالًا». فترك الغرفة لا يلوي على شيء، وتوتر الجو مرة أخرى مع ممثل الاستخبارات. وحاول السفير التدخل لتلطيف الأجواء فذكّرته بما قام به السكرتير الثاني، وكان هذا منصبه الرسمي في السفارة، الذي يعمل تحت غطائه، وبأننا نعمل في دوائر رسمية، ولها سياقات يجب العمل بها لأيٍ كان، وكونه ممثل الاستخبارات لا يعفيه من ذلك.

    من ناحية الأخرى كوّنت علاقات جيدة برؤساء الاستخبارات والعاملين فيها، وكذلك برئيس أركان القوات البرية، الأمر الذي جعل عملنا مريحًا معهم. وكان للهدايا الثمينة التي أرسلها لهم في المناسبات فضلٌ في ذلك، حيث كان معاون مدير الاستخبارات خليل العزاوي من أصدقائي القدامى وأرسل إلى الملحقية كمية كبيرة وثمينة من الهدايا التي سهّلت عملنا وتلبية طلباتنا الاستخبارية والتدريبية واللوجستية. كما كانت لنا علاقة ممتازة بالملحق المصري اللواء البحري محمد علي الذي أصبح قائدًا للقوات البحرية المصرية بعدئذ، ثم جاء بعده العقيد حسام الدين سويلم الذي تقاعد برتبة لواء، ويعمل حاليًا في أحد مراكز البحوث المصرية. وكانت هناك علاقات طيبة بالملحقين العسكريين للاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، وبشكلٍ خاصٍّ بالملحق العسكري لألمانيا الديمقراطية العقيد ويزا الذي كان مخزنًا ثمينًا للمعلومات، وعمل قبل ذلك ملحقًا عسكريًا في بغداد، الأمر الذي زاد من توثيق علاقتنا. ولا بدّ من الإشارة إلى الملحق الصيني الذي كان لا يكلُّ ولا يملُّ، والذي تعاون معنا بشكلٍ جيدٍ أيضًا. وبعد اتفاق الجزائر (بشأن الأكراد) تحسَّنت علاقتنا بالملحق الإيراني، وكنا حذرين في علاقتنا بالملحقين الغربيين ولا سيما الأميركي والبريطاني.

    كان صدام حسين قد زار الهند على رأس وفد حكومي وحزبي كبير قبل مجيئي إلى الملحقية بفترة قصيرة.




    وكانت إحدى نتائج الزيارة الانفتاح الكبير على الهند في التبادل التجاري، فاتجهت وزارة الدفاع إليها في شراء التجهيزات العسكرية المختلفة، وأرسلوا وفدًا عسكريًا برئاسة اللواء الركن نصيف جاسم السامرائيّ ((( كان يعمل في دائرة التسليح والتجهيز آنذاك ))) لعقد الصفقات المختلفة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وبقي اللواء السامرائيّ شهرًا ثم ذهب إلى الصين لأسبوعين عاد بعدها لشهر آخر لإكمال عقد الصفقات. وعندما عاد إلى العراق بقيت الملحقية تتابعها، إضافة إلى طلبات بدأت تصلنا لشراء تجهيزات أخرى. ولم يتوقف ذلك طوال الأعوام التي عملت بها في الهند فكوّنا علاقات جيدة بالصناعيين وأصحاب الشركات الذين كانوا مصدرًا ممتازًا للمعلومات عن الشخصيات الحكومية والوزراء وأصحاب القرار في الحكومة الهندية.

    في 11 آذار/مارس 1974 أعلنت الحكومة قانون الحكم الذاتي للأكراد
    ((( حصل أكراد العراق على حقوقهم القومية كافة، وأتيحت لهم إدارة المنطقة الكردية في شمال العراق ومشاركتهم في الحكومة، ولم يحصل أكراد الدول المجاورة، لحد الآن، على جزء من الحقوق التي أقرتها قيادة حزب البعث والحكومة العراقية في عام 1974 في قانون الحكم الذاتي للأكراد )))

    إلا أن الملا مصطفى البرزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، تحالف مجددًا مع خصمه اللدود جلال الطالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، برعاية من نظام الشاه في إيران، وأعلنا في بداية الشهر الرابع رفضهما القانون، واحتل مسلحوهما العقد الجبلية والمرتفعات المسيطرة على طرق المواصلات في عموم المنطقة الشمالية، وقطعوها إلى مناطق معزولة.

    عيِّن الفريق سعيد حمو قائدًا للمنطقة الشمالية لقيادة العمليات، وكان آمرًا لأحد أفواج اللواء الخامس الذي كان آمره العميد الركن إبراهيم الأنصاريّ في أواخر عام 1962، وعندما أصبح الأنصاريّ قائدًا للفرقة الثانية في ربيع 1963 تسلّم العقيد سعيد حمو آمرية اللواء الخامس. وفي العمليات العسكرية آنذاك وُضع اللواء الخامس عددًا من المرات بإمرة الفرقة الثانية، فتعرفت إليه عندما كنت مرافق الأنصاريّ وهو ضابط لم يتمكَّن من اجتياز كلية الأركان عندما كان تلميذًا فيها، الأمر الذي ولّد لديه ردة فعل تجاه ضباط الركن والآمرين منهم، وكان من الطراز المحافظ والتقليدي في عمله وأدائه العسكري.

    في الأسبوع الأخير من نيسان/أبريل 1974 بدأت القوات المسلحة بعملياتها لفتح الطرق والمحاور الرئيسة المؤدية إلى المدن والقصبات الرئيسة بأسبقية أولى، على أن يتبعها التقدم إلى المحاور التي تؤدي إلى مناطق التمرّد الرئيسة في المناطق الوعرة التي يعتصم فيها المتمرِّدون.
    كان بعض آمري أفواج القوات الخاصّة يكتبون إليّ في رسائلهم عن العمليات والمعارك التي يشتركون فيها، وكيف أن القيادة تكلفهم بواجبات لا علاقة لها بمهمات القوات الخاصّة وما دُرِّبت عليه، فكنت أنصحهم بأن يطلبوا من القادة الذين يعملون بإمرتهم تكليفهم بمهمات تتلاءم وما دُرِّبوا عليه، لكن يبدو أن ذلك لم يحصل، واستمرّ تكليفهم بالواجبات التي يمكن أن تقوم بها أيٌّ من وحدات المشاة.

    شدّ من عزم المتمرِّدين الإسناد المستمر العسكري والفني واللوجستي من نظام الشاه، بما في ذلك العديد من كتائب المدفعية بطوائفها وآمريها من الجيش الإيراني الذين حلّوا في عمق الأراضي العراقية التي يحتلّها المتمرِّدون. وزوّدتهم إيران بالألغام ضد البشر والآليات وبأسلحة مقاومة للطائرات، وبأجهزة الاتصال وبالأعتدة والمساعدات الطبية وبخبراء إيرانيين وغربيين وإسرائيليين، وأشياء ومتطلّبات أخرى تساعدهم وتشد أزرهم في القتال، الأمر الذي أدّى إلى تعثر القوات المسلحة العراقية بعد توقف الاتحاد السوفياتي عن إمداد العراق بالعتاد لعملياته في خريف 1974 وشتاء 1975، ما جعل القيادة السياسية تلجأ إلى خيار الاتفاق مع شاه إيران في «اتفاقية الجزائر» في بداية آذار/مارس 1975 التي تخلّى العراق فيها عن سيادته على نصف شطّ العرب لإيران، وهو أحد الأسباب الرئيسة للحرب العراقية - الإيرانية حينما حاول صدام حسين، عرّاب اتفاق الجزائر، تلافي خطأه في تخلّيه عن مياه وطنية (نصف شطّ العرب) مقابل وقف مساعدة التمرّد العسكري في شمال العراق.


    انهارت حركة التمرّد الكردي حالما تخلى الشاه عن دعمه المتمرِّدين، وألقى عشرات الآلاف منهم أسلحتهم وهرب قادتهم إلى الدول المجاورة. ومات الملا مصطفى البرزاني في الولايات المتحدة وعمّ السلام شمال العراق لفترة وجيزة، إذ عاد أعداؤنا إلى لعب الورقة الكردية مرة أخرى في عام 1976.

    في الأعوام الثلاثة التي كنتُ فيها ملحقًا عسكريًا في الهند قمنا مع الملحقين العسكريين للدول الأخرى بعدد من الزيارات التي نظّمتها القيادات العسكرية الهندية إلى المناطق الحدودية، مع خصمي الهند التقليديين أي الصين وباكستان، فعلى الحدود مع الصين زرنا القيادات والتشكيلات العاملة في مناطق التماس في جبال هملايا الشاهقة، وشرحوا لنا الإجراءات التدريجية التي تمارسها الوحدات للتأقلم مع الحياة والقتال في مثل هذه الارتفاعات الشاهقة. وعلى الجبهة الباكستانية زرنا الفرق العاملة في المناطق الجبلية في كشمير، وفي المناطق الصحراوية في راجستان، كذلك حضرنا مناورات قواتهم الجوية وتمارين قصف بالقنابل من طائراتهم القاصفة، وتمارين لقواتهم البحرية. وقمنا بالزيارة التقليدية إلى حاملة الطائرات القديمة الإنكليزية المنشأ والوحيدة التي يمتلكونها آنذاك، كما قمنا بزيارات متعددة لمعاهدهم العسكرية مثل كلية الأركان في ويلنغتون قرب مدينة بنغلور، والدفاع الوطني في نيودلهي. وزرنا في الجنوب مدراس عاصمة التاميل نادو، وفي الشرق كلكتا عاصمة ولاية البنغال التي تعاني حركات تمرّد مستمرة، وفي الغرب بومباي عاصمة المال والقلب النابض للاقتصاد الهندي، وفي الشمال كشمير المنطقة الجبلية ذات الطبيعة الخلابة الرائعة.

    تعرفت أيضًا إلى العديد من ضباطنا الذين يدرسون في كليات الأركان والدفاع الوطني في الهند. وقامت بيننا علاقات طيبة، وعملت معهم بعد عودتي إلى العراق، ومنهم الفريق عبد الجبار الأسدي، معاون رئيس أركان الجيش للعمليات وقائد الفيلق الثاني في الحرب العراقية - الإيرانية، والفريق محمد فتحي، قائد الفيلق الأول في الحرب العراقية - الإيرانية، واللواء دخيل الهلالي الذي تطوّع للعمل بعد تقاعده في ألوية المهمات الخاصّة، وأسره الإيرانيون في معارك الشوش، وأعيد من الأسر بحالة صحية سيئة، وتوفي في بغداد، واللواء الركن عبد اللطيف شطيب، وجميعهم في كلية الدفاع الوطني، واللواء البحري الركن عبد الوهاب القصاب الذي كان طالبًا في كلية الأركان - ويلنغتون وعمل معي بعد ذلك في رئاسة الأركان العامة طوال فترة إشغالي منصبي.
    زارنا مدير عام قوات الحدود العراقية والفريق الركن عدنان أحمد عبد الجليل معاون رئيس أركان الجيش للتدريب واللواء الطيار الركن نعمة الدليمي ((( توفي بعد عودته من الهند بفترة قصيرة لإصابته بالسرطان ))) قائد القوة الجوية، مثلما قامت دورات كلية الحرب العراقية بزيارات إلى مثيلاتها في الهند. وكما بيّنت سابقًا، فالتعاون في المجالات كلها، ومنها التعاون العسكري الذي تطور إلى حد كبير بعد زيارة نائب الرئيس صدام حسين إلى الهند في مطلع عام 1974، والتقينا أيضًا الرفيقين شبلي العيسمي عضو القيادة القومية الذي حضر أحد اجتماعاتنا الحزبية وتكلم فيها عن تاريخ الحزب ودوره النضالي في الحقبات الماضية، ووزير الخارجية طارق عزيز بعد عودته من إحدى دورات دول عدم الانحياز، وتطرّق إلى الحوادث التي جرت في أروقة المؤتمر، وكيفية إصدار قراراته. كما مرّ بنا العديد من الرفاق القادة في الحزب ومن كوادره المتقدمة كلما زاروا «حزب المؤتمر» الهندي والأحزاب الاشتراكية والتقدمية التي تعج بها الساحة الهندية.
    وفي منتصف عام 1977، وفي ضوء بعض المشكلات التي افتُعلت في التنظيم الحزبي، ولم تكن مرة أخرى الاستخبارات بعيدة عنها، طلبت من مرجعي في وزارة الدفاع إعادتي إلى الوطن على الفور، وفعلًا صدر الأمر بذلك في الشهر السابع، وعدت عن طريق موسكو حيث صديقي القديم فاضل البراك.


    يتبع .......

    http://www.arabic-army.com/t4392-topic



    الجزء الثاني عشر

    التحقت بكلية الأركان التي عيِّنت فيها معلمًا في بداية آب/أغسطس 1977. وفي اليوم الأول من التحاقي بلّغتُ إدارة الكلية بأني سأطلب النقل خارجها، وفعلًا كتبت عريضة إلى رئيس الجمهورية ووكيل وزير الدفاع آنذاك أحمد حسن البكر مضمونها رغبتي في النقل إلى أحد التشكيلات العاملة في عمليات مكافحة التخريب في شمال الوطن.

    في السنتين الدراسيتين اللتين أمضيتهما تلميذًا في كلية الأركان العراقية تولّد لدي انطباع بأن هنالك قصورًا في طريقة إعداد القادة وهيئات الأركان، على الرغم من غزارة المواد العلمية وكفاية الهيئات التدريسية، والسبب هو التقيد بالمادة العلمية الموجودة في محاضرات الكلية وتوجيهات الهيئة التعليمية، ورفض الخروج عنها مهما كان الرأي المطروح وجيهًا ومبررًا، فضلًا عن المعاملة الجافة المتعالية التي يلاقيها طلاب كلية الأركان من الهيئة التدريسية.

    إن كلية الأركان العراقية من أعرق كليات الأركان في العالم العربي وأغزرها علمًا وأكثرها انضباطًا، أُسّست في عام 1928، مدة الدراسة فيها سنتان. يدخلها الضابط بعد اجتياز اختبار تنافسي بين الضباط خريجي الكليات العسكرية الذين مرت عليهم سبع سنوات أو أكثر في الخدمة في الجيش، ولم يُعاقبوا في خلالها، مع توصية من آمريهم، على أن يكونوا قد أمضوا أكثر من نصف المدة في الوحدات الفاعلة. ففي الدورة التي دخلتها في عام 1966 (الدورة 34) تقدّم للاختبار 285 ضابطًا قُبل 34 فقط، وفي السنة الأولى فشل 8 ضباط فتخرّج 26 فقط، أي 26 في المئة فقط ممن قُبلوا في الدورة. والدراسة فيها مماثلة في أوجه كثيرة لما هو موجود في كلية كمبرلي للأركان في إنكلترا (العقيدة القتالية للجيش العراقي بريطانية على الرغم من التسليح السوفياتي)، والحقيقة أن الدراسة والجهد المبذول فيها أصعب من أي كلية علمية موجودة في العراق آنذاك، ومن لا يدرس ويهيّئ ويتابع ليلًا ونهارًا، وهذا ليس قولًا مجازيًا، فلا مجال لاجتيازه الكلية، ومن يفشل فهذه نهاية طموحاته، ويبقى عار الفشل فيها يلاحقه طوال خدمته العسكرية.

    تمنح الكلية خريجيها شهادة الماجستير في العلوم العسكرية التي يعترف بها مجلس التعليم العالي العراقي، وهي تعادل نظيراتها من الجامعات المدنية العراقية.
    بعد أسبوع من طلبي اتصل بي عضو المكتب العسكري ومدير إدارة مكتب الكلية الرفيق كامل ياسين وقال: «إن الرئيس أحمد حسن البكر اطلع على طلبك، ويريد رأيك في أن تكون آمرًا للواء الخامس الذي يعاني حاليًا مشكلات أثّرت في مستواه الذي عُرف به»، وأضاف: «معلوماتنا أن العقيد الركن ميسر الجبوري كفوء إلا أن الانسجام مفقود بينه وبعض الرفاق من آمري الوحدات وضباط الركن»، وهذا بتقديري رأي كامل ياسين الشخصي. فسبب مشكلات اللواء أن العقيد ميسر الجبوري غير حزبي. وافقت على الفور لأن من يقود هذا اللواء المشهور بـ «العالي»، وينجح فيه يحقّق بداية لمسيرة مهنية مميزة. وقلت له: «يسعدني أن أقود اللواء لكني عند التحاقي قد أطلب نقل بعض آمري وضباط الركن، وتعويضهم بآخرين»، فوافق على ذلك فأخبرته بأنني سألتحق في بداية الشهر المقبل.

    اللواء الخامس - اللواء العالي

    للواء الخامس قصة معروفة في حرب فلسطين في عام 1948، ففي إثر استئناف القتال بعد الهدنة التي استغلّها العدو الصهيوني لتعزيز قدراته بالمساعدات التي حصل عليها من أسلحة ومعدات وتجهيزات عسكرية من دول متعاطفة معه، عدا المقاتلين اليهود المتطوِّعين ذوي الخبرة من جيوشها، حاصرت القوات الصهيونية أحد أفواج اللواء الرابع في جنين وقلعتها، فأوعزت القيادة العراقية إلى الفوج الثاني من اللواء الخامس، الذي كان يقوده آنذاك المقدّم الركن عمر علي بالإسراع إلى نجدته، فاندفع الفوج لفك الحصار، واشتبك بمعارك ضارية بالقوات الصهيونية التي كانت متفوقة عليه كثيرًا، وتمكَّن من إيقاع خسائر كثيرة جدًا لا يزال الصهيونيون يتذكرونها. وتمكَّن الفوج أخيرًا من فك الحصار وهربت القوات الصهيونية تاركة 300 جثة لقتلاها في ساحة المعركة.

    واستولى الفوج على كثير من التجهيزات والمعدات والأسلحة المتروكة، وأصبح شعار اللواء الخامس صرخة المقدّم الركن عمر علي آمر الفوج الثاني في جنوده، يستحثهم على القتال في معركة جنين: «العالي الفوج الثاني العالي». تقلّد عمر علي مناصب متميِّزة في الجيش، وفي ثورة تموز/يوليو 1958 كان قائد الفرقة الأولى التي كان مقرها في الديوانيّة، وحاول التحرك إلى بغداد لإنقاذ النظام الملكي، لكن الضباط الأحرار تمكنوا من إلقاء القبض عليه، وقدِّم إلى المحكمة العسكرية الخاصّة التي يرئسها العقيد المهداوي ابن خالة الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي حاول إهانته لكن ثباته وشخصيته الطاغية أجبرا العقيد المهداوي الذلق اللسان الذي كان يشغل موقعًا إداريًّا متواضعًا في فرقته (آمر موقع المسيب) على احترامه، فحكم عليه بالسجن المؤبد ثم أُطلق سراحه بعد بضع سنين. وتوفي مع ولده وزوجته في حادث سيارة في الأراضي التركية عندما كان في طريق عودته إلى العراق في بداية الثمانينيات.

    كان العميد الركن (في حينه) إبراهيم فيصل الأنصاريّ ضابط الركن الأول في الفرقة الثانية في عام 1962 (إذ لم يكن منصب رئيس أركان الفرقة قد استُحدث بعد)، وكان آمر اللواء الخامس العميد علي العاملي الذي كان يعاني اعتلال صحته غير موفّقٍ في قيادة اللواء في معاركه مع مسلحي البرزاني الذين كان يُطلق عليهم اسم «العصاة» ثم تبدّل إلى «المخرِّبين» في ما بعد، الأمر الذي اضطرّ قائد الفرقة إلى إرسال العميد الركن الأنصاريّ لمساعدته. باشر الأنصاريّ القيادة الفعلية للواء إلى جانب العميد العاملي، وبعد دخول العاملي المستشفى قاد اللواء بالوكالة، وأحرز انتصارات في معارك باطوفة وملا عرب ومعارك أخرى، وكانت كلها انتصارات بارزة فاضطرّ الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء ووزير الدفاع إلى تثبيته آمرًا للواء الخامس بعد إلحاح قائد الفرقة اللواء الركن محمود عبد الرزاق الذي كان من أصدقائه المقربين، وتلك كانت بداية شهرة الأنصاريّ في أوساط الجيش، والقوات المسلحة، وهذا أيضًا ما جعلني أرحّب بقيادة اللواء العالي.

    تركت كلية الأركان في بداية أيلول/سبتمبر، والتحقت باللواء الخامس الذي كان معسكِرًا في دهوك لمتابعة مخربي الديمقراطي الكردستاني الذين كانوا بأعداد محدودة، في إثر استئنافهم النشاط التخريبي بعد انهيارهم في عام 1975، وقبل التحاقي عرّجت على مقرّ الفرقة الرابعة في الموصل للسلام على قائد الفرقة العميد الركن حازم البرهاوي.

    رحب بي آمر اللواء العقيد الركن ميسر الجبوري ((( اللواء الركن ميسر الجبوري من أبناء الموصل. ضابط مشاة جيد، وله معرفة أكاديمية ممتازة، عمل لاحقًا في الأركان العامة، وكان في بداية الحرب العراقية - الإيرانية مديرًا للحركات العسكرية، وفي بداية عام 1982 استلم مني قيادة الفرقة السابعة التي كانت بإمرة الفيلق الثاني في القاطع الأوسط، ثم عمل معي رئيسًا لأركان الفيلق الأول في الفترة الأولى من قيادتي للفيلق، عاد بعدها إلى العمل في الأركان العامة مديرًا للحركات للمرة الثانية. يتميز بالخلق الرفيع وبانضباطه العسكري المثالي، ويتمتع بالمهارة في إدارة مرؤوسيه من هيئات الركن، الأمر الذي يترك لقائده الوقت الكافي مع قواته في الميدان)))

    وبعد الترحيب والمجاملات المعروفة بين زملاء السلاح، استأذنته في أن يبقى لبعض الوقت وإيجاز حالة اللواء، وهيئات الركن والآمرين مع تقويمه لكل منهم ومقترحاته لجعل اللواء يعمل بحرَفية وانسجام. ذكر العقيد الجبوري المشكلات التي يعانيها في إدارة اللواء، ولخّصها في محاولات أحد آمري أفواجه من الحزبيين تجميع بعض ضباط اللواء في دائرة نفوذه، ومعاكسة آمر اللواء، ومحاولة تجاهل أوامره، كما شكا من مقدّم اللواء المشهور بين رفاقه باسم «أحمد حرقني» كناية عن قيامه بإثارة المشكلات والخصومات بين المنتسبين إلى الوحدة أو التشكيل المُلحَق به، كما نصحني بتغيير آمر فوج آخر لعدم قدرته على قيادة فوج بمستوى أفواج اللواء الخامس. وذكر عددًا صغيرًا من الضباط الأحداث الذين كان يعتقد أنهم يمكن أن يُستبدلوا بضباط أفضل، كما بيَّن نواقص اللواء من الأشخاص بشكل خاص، فقمت بإرسال برقية إلى الرفيق كامل ياسين لنقل هؤلاء الضباط وتعيين آخرين.

    قبل انفكاك العقيد الجبوري صدرت أوامر نقلهم خارج اللواء، وعُوِّضنا عنهم بمقدّم لواء جيد هو المقدّم الركن قاسم، وبآمر للفوج الأول هو المقدّم أحمد زاهر الذي استشهد في قره داغ في عام 1981 في صدام مع مخربي الاتحاد الوطني الكردستاني، وبالمقدّم الركن صائب الزيباري آمرًا للفوج الثاني وهو شقيق شيخ عشيرة الزيباريين الشيخ لطيف الزيباري، الخصم اللدود للبرزانيين، وشقيق أرشد الزيباري وزير الدولة والضابط السابق في الجيش العراقي، وكان المقدّم الركن الزيباري ضابطًا متميِّزا بخلقه وكفاءته وانضباطه، ولم يعتمد على عائلته وهو من شيوخ عشيرة الزيبار المشهورة أو على أخيه وزير الدولة، بقدر ما كان يعتمد على قدرته وصفاته، وفي الحرب العراقية - الإيرانية استلم قيادة لواء في القاطع الجنوبي واستشهد وهو يقاتل مع حاميته من الجنود الزيباريين الذين استشهدوا جميعًا معه في معارك الشوش والبسيتين في عام 1982.

    للتعرف إلى السياقات التي تعمل بها وحدات اللواء في عملياتها لقتال المسلحين الأكراد كلّفت أحد الأفواج بالخروج في دورية قتال لضربهم في منطقة حددتها له، وكنت أُراقب تحضيرات الفوج للخروج في هذا الواجب فقام آمر الفوج بتهيئة القوة، وكانت بتعداد سريّة، وجلب الدواب وحمّلها بالخيم والمعدات وأوعية المياه المعدنية والفوانيس (يوجد في الألوية الجبلية فصيل بغال في ملاك أفواجها، وسريّة نقلية بغال في ملاك اللواء)، وقبل خروجه إلى الواجب قلت له: «ماذا تعمل؟». أجاب بأنه يهيّئ القوة للواجب. وسألته: «ولماذا هذه الحيوانات والخيم والفوانيس؟». أجاب أن الواجب قد يستغرق أكثر من يوم، ولا بدّ للقوة من التعسكر والمبيت، فشكرته وأخبرته بأن الواجب قد تأجل إلى إشعار آخر، وطلبت من القائد إعادة اللواء إلى معسكره الدائم لإعادة التنظيم والتدريب فتم ذلك، وعدنا إلى ثكناتنا في معسكر الغزلاني في الموصل.

    يتميز لواء المشاة الخامس من غيره من التشكيلات بأن معظم ضباطه من أهالي مدينة الموصل وأطرافها وكذلك آمريه، ويعتبرون من يأتي من خارج المنطقة غريبًا، ويُنظر إليه بنظرة مشكِّكة إلى أن يثبت جدارته وحينها يعتبرونه واحدًا منهم ويولونه ثقتهم، وهم معروفون بكفايتهم وحرَفيتهم. أما ضباط صف اللواء ومتطوِّعوه من الجنود فمعظمهم من العشائر العربية المحيطة بالمدينة والمعروفة بعزة النفس والغيرة والشجاعة والشراسة في القتال.

    كانت كتب كراسات التدريب للحروب الجبلية المعتمدة في الجيش العراقي مترجمة عن كرّاسات الجيش البريطاني التي استمدت مادتها من تجربة الجيش البريطاني في قتال القبائل في شمال الهند وباكستان وفي الحدود الأفغانية، وتركّز على مبدأي الأمن والتعرض الرئيسين في الحروب غير النظامية. ونجح الجيش العراقي في العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري في إخماد حركات العصيان في شمال العراق بتطبيق سياقات كراسات الحروب الجبلية التي عُرِّبت وأجريت عليها تحويرات ثانوية لتلائم الحالة العراقية. وبرعت تشكيلات الفرقة الثانية الجبلية والفرقة الرابعة الجبلية في ما بعد بهذا النوع من القتال، وفي مقدّمها اللواء الخامس العريق. وعلى الرغم من أن الحركات الكردية المسلحة في المرحلة الأولى من العهد الجمهوري أدخلت بعض أساليب حرب العصابات وتكتيكاتها في إثر عودة الملا مصطفى البرزاني من الاتحاد السوفياتي، إلا أنه ظلَّ معتمدًا على مناعة موطنه في برزان والمناطق الوعرة المحيطة وعلى عشيرته والعشائر الموالية له. وبعد انهيارهم في عام 1975 في عقب اتفاق الجزائر تسلّم راية العصيان الاتحاد الوطني الكردستاني وجماعة جلال الطالباني الذي ينتشر مؤيدوه السورانيّون ((( السورانيون هم االاكراد الذين هُم بشكل في محافظة السليمانية ، وقطاع من أربيل ))) في السليمانية وبعض مناطق محافظة أربيل، لكن نفوذه ينحسر بين البهدينانيين ((( البهدينائيون (البهدينانيون) هم الأكراد الذين يؤلفون سكان محافظة دهوك حاليًا، وقطاعًا من محافظة أربيل، ويختلف كلا القسمين في اللهجة وفي السحنة كذلك. أما أكراد محافظة ديالى العراقية فهم خليط من السورانيين، والأردلان (أكراد غرب إيران)، والأكراد الفيليين. للاطلاع أكثر على أكراد العراق وتقسيماتهم راجع محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، شاكر خصباك ؛ الأكراد - دراسة في الجغرافيا الاجتماعية؛ عزيز الحاج - القضية الكردية وغير ذلك كثير.في دهوك ومعظم أربيل، الذين يوالون الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البرزانيين الذين لم يكن لهم نشاط ملحوظ في هذه المرحلة )))

    ((( الحزب الديمقراطي الكردستاني المعروف في العراق باسم البارتي هو الحزب التاريخي القومي في العراق، الذي ورث اتجاهات تحقيق الأمل القومي الكردي، وعلى الرغم من يسارية أفكار الحزب إلا أن الملا مصطفى البرزاني كان يقوده قيادة عشائرية. ولا تزال الصفة العشائرية هي السائدة بعكس الحزب السوراني المنافس وهو حزب الاتحاد الوطني الكردستاني )))

    اعتمد مخربو الاتحاد الوطني الكردستاني معظم أساليب حرب العصابات وأسُسها في قتالهم القوات الحكومية بعد اتفاقهم مع البرزاني في عامي 1974 و1975، ثم انسحب معظم مقاتليه إلى الأراضي الإيرانية بعد انهيار التمرّد، وسلموا أسلحتهم إلى الجانب الإيراني، إلا أن تنظيماتهم وخلاياهم السريّة في المدن والقصبات والمناطق البعيدة لم تتضرر، وفي عام 1976 بدأوا التسلّل عائدين إلى مدن وقصبات وقرى محافظة السليمانية والمناطق الوعرة فيها بعد أن تراخت قبضة الشاه على المناطق الحدودية وانشغل بالمعارضة المتصاعدة للشعب الإيراني.

    مارس مقاتلو الحزب المذكور في عام 1976 وما بعده تكتيكات حرب العصابات على نطاق واسع، وانتشرت زمرهم ومجموعاتهم في عموم مناطق السورانيين في السليمانية وأربيل. وانتظموا في زمر صغيرة تتألف كلٌّ منها من 10 الى20 مخربًا مع أسلحة خفيفة مثل الكلاشنكوف والبرنو، وتؤلف كل زمرتين إلى خمس زمر ما يدعى بالكرت (بمستوى سريّة تقريبًا)، ويتراوح عدد مخربيه بين40 و100 عنصر. إضافة إلى الأسلحة الخفيفة للزمر يمتلك الكرت بضعة رشاشات خفيفة RBK، وهاون 60 ملم وبعض الألغام، وتُعطى عادة تسمية لهذا الكرت إما بالنسبة إلى المنطقة التي يعمل فيها وإما بالنسبة إلى المنطقة التي ينتمي إليها مسلحوه. وتؤلف كل 3 إلى 5 كرتات ما يدعى بالملبند (بمستوى فوج أو كتيبة تقريبًا) وهو أعلى تشكيل في الهرم التنظيمي لمخربي الاتحاد الوطني، يتراوح عدد مسلحيه بين 250 و350، وكان يمتلك بعض الأسلحة المتوسطة مثل الهاونات 82 ملم، وفي مراحل لاحقة 120 ملم، والرشاشات المتوسطة، وبعض أسلحة مقاومة الطائرات ومنها صاروخ سام 7 الذي يُحمل على الكتف، وألغام مختلفة، ومتفجرات وبعض معدات التفجير، ويسمى الملبند بالمنطقة التي ينشط فيها، ويكون مسؤول الملبند على الأغلب عضوًا في المكتب العسكري للاتحاد الوطني الديمقراطي. وكان لديهم بين عام 1976 وبداية الحرب العراقية - الإيرانية 12 ملبندًا، وزاد هذا العدد بعد اندلاعها.
    هذا عدا العدد الكبير من التنظيمات السريّة والخلايا النائمة ومجموعات الاغتيالات في المدن والقصبات والمجمّعات السكنية التي أنشأتها السلطة بعد إخلاء الشريط الحدودي. ولقياداتهم مقار في سركلو وبركلو ومالومة وكلها في المناطق المنيعة شرق جبل بيرة مكرون
    ((( جبل بيرة مكرون جبل شاهق يبلغ ارتفاعه نحو 2500 م عن مستوى سطح البحر، ويشكل علامة بارزة في منطقته كأعلى قمة موجودة في الجوار. يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة السليمانية، كبرى مدن منطقة سوران، ويسيطر الجبل على الطريق إلى سد دوكان المائي المهمة والخطرة على الزاب الأسفل ))) شرق سورداش ولهم طرق فرعية ونياسم تربطهم بالحدود الإيرانية.

    لم تكن هناك جبهة محددة، فالمنطقة كلها مسرح لتنفيذ عملياتهم، فهم يخططون عادةً للهدف الذي سيهاجمونه بعد مراقبة دقيقة قد تستغرق أيامًا ليهربوا بعدها ويختفوا في قرية أو مأوى بعيدًا عن مكان الضربة، ليوم أو أقل ثم يتحركون بين مكان وآخر، وهكذا دواليك حتى يضيع أثرهم ويصعبُ تعقّبهم، ثم يخططون لضربة قد تبعد أو تقرب في ضوء المعطيات المتوافرة، فهم في حركة مستمرة في دوائر تضيق وتتسع تبعًا لنشاط الجانب الآخر (القوات النظامية العراقية) وفاعليته، وطبيعة المنطقة وأهاليها إن كانوا موالين لهم أم يتصلون بالسلطة وأجهزتها.
    كان التهديد بالقتل أو الاغتيال إحدى الوسائل التي يلجأون إليها لضمان ملاجئ أمينة لعناصرهم في المدن والقرى والمجمعات السكنية وللحصول على المعلومات واختراق العاملين في الجهات الحكومية والأمنية والحزبية والمستقلة، ولتصفية المتعاونين مع الدولة والعاملين في دوائرها وأجهزتها الأمنية، ووكلائها من أكراد المنطقة.

    أصبحت سياقات معارك الحروب الجبلية كما وردت في كراساتنا غير ملائمة لمثل هذا النوع من العمليات والتنظيمات. وسبقنا قادة وآمرون اجتهدوا في ابتكار صيغ جديدة لمواجهة حرب الملا مصطفى البرزاني التي كانت مزيجًا من حرب العشائر والعصابات من بداية الستينيات، واطلعوا على ما كتب ونشر عنها، وعن مكافحة حرب العصابات فاعتمدوا تشكيلات المغاوير والمفارز الخاصّة وقوات الوليد من العشائر العربية، وصلاح الدين من العشائر الكردية الموالية، واستخدام السمتيّات إلا أن كل ذلك لم يجارِ ما آلت إليه العمليات والتنظيمات التي عمل فيها مخربو الاتحاد الوطني في المراحل المتأخرة التي سبقت الحرب العراقية - الإيرانية.

    في معسكرنا الدائم في الغزلاني كانت البداية في تحديث المعرفة المهنية بقتال الحروب الجبلية بإلقاء محاضرات إعادة تعريف آمري اللواء وضباطه، بمفهوم حرب العصابات وفلسفتها، ولماذ تلجأ إليها المجموعات المتمرِّدة؟ وما هي الأساليب والعمليات التي تمارسها وأين ومتى؟ وما هي الفروق الجوهرية بينها وبين حروب مكافحة التمرّد العشائري التي بُنيت عليها كراسة الحروب الجبلية التي نعتمدها (ذات الأصل البريطاني)، والتي كانت ملائمة لحركات التمرّد التي قام بها الشيخ أحمد البرزاني وأخوه الملا مصطفى البرزاني في العهد الملكي، ثم تطرقنا إلى حركات التمرّد في الستينيات والنصف الأول من السبعينيات التي مارس فيها المتمرِّدون مزيجًا من التمرّد العشائري ومن بعض أساليب حرب العصابات، والسبل التي ابتكرها قادتنا في تلك المرحلة لمواجهتها، ومارسته معظم تشكيلاتنا المقاتلة آنذاك، ومنها لواؤنا. وبيّنت لهم أن مخربي الاتحاد الوطني الكردستاني يشنون حاليًا عملياتهم القتالية في محافظتي السليمانية وأربيل بهذا النوع من أعمال التخريب، وعلينا نحن في اللواء الخامس العالي أن نكون جاهزين لهذا النوع من القتال. وكانت تلك البدايات التي أوجزتها لهم عن حروب العصابات، وتابعت بمحاضرات عن تفاصيلها وكيفية مكافحتها، وما ينبغي عمله تنظيميًّا وتدريبيًّا لنكون جاهزين لهذا النوع
    من العمليات التي تعتمد على:
    - الخفة وقابلية الحركة وردات الفعل السريعة.
    - القتال بمجموعات صغيرة بتحركات مخفية.
    - إجادة العمل ليلًا وفي الأحوال الجوية السيئة.
    - الحصول على المعلومات عن العدو وعاداته.
    - استخدام السمتيّات وعمليات الإنزال الجوي.
    - تطوير قدراتنا البدنية واستخدام أسلحتنا.

    وأخبرتهم بأننا «سنبدأ تدريبنا للأيام والأسابيع والأشهر المقبلة لإجادة هذه النوع من العمليات، وعليكم آمرين وضباطًا أن تهيئوا جنودكم وضباط صفكم لقبول أساليب التدريب والتنظيم التي سنعمل بها».
    لم يقبل ضباط وآمرو أفواج اللواء ما طلبته بسهولة، وهذا ما توقعته لاعتزازهم بما لديهم من خبرة وتجربة في قتال المسلحين الأكراد في المراحل السابقة، الأمر الذي أوجب عليّ أن أكون معهم خطوة بخطوة في مراحل التدريب المختلفة، فكنت أُخرج مجموعة من كل فوج، وأبدأ معها بشرح تفاصيل ما نقوم به ولماذا وكيف؟ ثم أواكبهم بالتنفيذ، وعندما يكون هناك خلل أوقف العملية وأشرح لهم الخلل، وكيف نُعالجه، واستمرُّ معهم حتى نهاية التنفيذ، فكنت أسير معهم وأمتدّ معهم وأزحف معهم، وأدهشهم. وسرّهم أيضًا أن آمر اللواء شخصيًّا يُمارس معهم التدريب بتفاصيله، فكان القبول بعد تردد وازدادت حماستهم يومًا بعد يوم للتدرّب والعمل على أساليب قتال وحروب مكافحة العصابات التي جئنا بها إليهم.
    في خضم تدريبنا وحدات اللواء في خريف 1977 استلمنا أمر التحرك إلى معسكر طاسلوجة ((( طاسلوجة أحد مضيقين يواجهان القادم من كركوك إلى السليمانية على الطريق العام، يُعدّ مانعًا دفاعيًا مهمًا. المضيق الآخر هو بازيان الذي يقع على بُعد 20 كلم جنوبه ))) في السليمانية قاطع الفرقة السابعة التي سنكون بإمرتها لأغراض الحركات.

    بعد تكامل وصول مقرّ اللواء وأفواجه إلى معسكر طاسلوجة (20 كلم جنوب مدينة السليمانية) ذهبت إلى مقر الفرقة السابعة لمقابلة قائدها العميد الركن وليد محمود سيرت، وهو من أبناء دورتي في الكلية العسكرية، وخريج كلية سانت هيرست البريطانية، وهو رفيق وصديق قديم، سُجن مع رفاقه البعثيين بعد حوادث تشرين 1963، ونُقل بعد إطلاق سراحه إلى الفرقة الثانية، ونُسّب بحسب رغبته آمرًا لإحدى سرايا مغاوير الفرقة، وأصبح عضوًا معنا في مكتب كركوك العسكري، وفي معركة مع المسلحين الأكراد جرح جرحًا بليغًا في كتفه فحدّت الإصابة حركة يده اليمنى فتعلم الكتابة باليسرى، وأصبح يؤدي التحية العسكرية بها، وأصبح معروفًا بها في الجيش. وفي كلية الأركان عمل معنا في التنظيم الحزبي، وبعد تخرجه في عام 1969 عمل في الاستخبارات العسكرية، وأصبح معاونًا لمدير الاستخبارات العسكرية، وزارنا في موسكو في شتاء 1971 عندما كنت معاونًا للملحق العسكري، وصدر في أثناء وجوده في موسكو أمر بنقله إلى منصب الملحق العسكري في لندن على أن يلتحق بها من موسكو فورًا (ويبدو أن القيادة السياسية قرّرت إبعاده إلى لندن نتيجة وشاية)،

    وفي عام 1973 عاد إلى العراق، وتسلّم آمرية اللواء المدرع 30 في الفرقة المدرعة السادسة، وفي حرب تشرين 1973 وصل لواؤه قبل يوم واحد من الهجوم الشامل للقوات العراقية في 22 تشرين الأول/أكتوبر الذي أُلغي في اللحظات الأخيرة في إثر اتفاق السوريين مع الصهيونيين على إيقاف إطلاق النار، فحُرم بهذا من المشاركة في المعركة وأصابه إحباط شديد. وفي عام 1974 عيِّن قائدًا للفرقة السابعة في السليمانية بعد لقائه الرفيق النائب صدام حسين ومُنح رتبة عميد ركن، وأصبح عضوًا في المكتب العسكري للحزب، ثم عُيِّن في عام 1978 قائدًا للفيلق الأول، أُلقي القبض عليه بعد تسلّم الرئيس صدام حسين الرئاسة في تموز/يوليو 1979، وأُعدِم مع بعض أعضاء القيادة القطرية وكوادر متقدمة في الحزب وعدد من الضباط البعثيين بتهمة التآمر مع حافظ الأسد، وذُكر بأنه واجه الموت بشجاعة.

    كان العميد الركن وليد قد قام بزيارة إيران مع وفد عسكري، وقال إن الأوضاع في إيران غير مستقرة وإن معظم تنقلات الشاه تكون بالسمتيّات، بناء على نصيحة مستشاريه، الأمر الذي يجعله غير مطلع على حقيقة ما يجري حتى في عاصمته طهران. وذكر بأنه سمع من ملحقنا العسكري وأفراد السفارة أن السافاك (البوليس السريّ الإيراني) يقوم باستمرار بغارات على أوكار المعارضة للشاه في مدينة الصفيح التي يسكنها فقراء العاصمة وكادحوها، وهي ليست بعيدة كثيرًا عن قصور الشاه كما ذكر العميد وليد، وأن هذه الغارات تنتهي بمقتل جميع ساكني الوكر من المعارضين بعد قتال دموي شديد، ولمّا سألته عنهم قال إنهم يُدعون بـ «مجاهدي خلق» ((( «مجاهدي خلق» منظمة يسارية دينية قومية كانت من أكثر المجموعات المعارضة عداءً للشاه وشراسة، ولها دور رئيس في الثورة عليه. وبعد نجاحها تحالف أنصارها مع الخميني واعتبروه الأب الروحي لهم، لكنه انقلب عليهم وقتل الآلاف منهم، وقد نجا مسعود رجوي وهرب وقاد المنظمة من الخارج ))) وكانت أول مرة أسمع باسمهم.
    قال العميد وليد بعدما أوجزت له حال اللواء: لا بأس في أن تبقوا بعض الوقت في معسكركم الحالي في طاسلوجة قبل أن تنتقلوا إلى قاطع بنجوين.

    في طاسلوجة، على الرغم من أننا لم نكمل تدريباتنا، قرّرت أن أقوم بفحص عملي لما تدربوا عليه، فخططت للقيام بعملية تمشيط تستغرق ليلتين لحوض قره داغ
    ((( سلسلة جبال قره داغ سلسلة واسعة من الجبال والأودية تمتد من منطقة أغجلر شمال الطريق العام كركوك - السليمانية، حتى مدينة وبحيرة دربندخان جنوبًا، يبلغ طول هذه السلاسل أكثر من 70 كلم، وعرضها أكثر من 20 كلم، وتقع شرق مدينة جمجمال وغرب مدينة السليمانية ))) الذي يوجد فيه بعض المسلحين الأكراد، تبدأ من مضيق طاسلوجة لغاية مقرّ اللواء 94 في قصبة قره داغ، ولمسافة 40 كلم تقريبًا. حوض واسع بعرض يتراوح بين 15 و20 كلم، ويقع بين سلسلتي قره داغ الممتدّة من مدينة سد دربندخان حتى مضيق طاسلوجة شمالًا، ومضيق بازيان جنوبًا، ولم يسبق لقوة عسكرية أن قامت بعمل مشابه في هذا الحوض ليلًا، وأخبرت قيادة الفرقة بذلك.

    أصدرت الأوامر للعملية بعد أن اخترت تسع مجموعات قتال، ثلاث من كل فوج، واخترت إحدى المجموعات لأرافقها وأكون مراقبًا عليها في الوقت عينه، وكذلك بقية المجموعات حيث عيّنت مراقبًا من فوج آخر غير فوج المجموعة المنفِّذة لتسجيل الملحوظات إيجابية أكانت أم سلبية في أثناء تنفيذها الواجب كما كان واضحًا لهم وجود مخربين في منطقة الواجب واحتمال اصطدامهم بهم. أجرت المجموعات تحضيراتها كلها، ومع حلول الظلام تحركت نحو أهدافها في وقت واحد، وكانت المسافة الجانبية بين مجموعة وأخرى تتراوح بين 1 و1.5 كلم. في الليلة الأولى تحركت المجموعات بحسب اتجاهها محاولة تطبيق ما تدربت عليه، والضباط المراقبون يسجلون الملحوظات على أدائها، وقبل حلول الفجر الأول لجأت المجموعات إلى مناطق وعرة للاختباء، وانطلقت لإكمال مهمتها مع حلول الظلام، وفي نهار اليوم التالي تتابع وصول المجموعات إلى مقرّ اللواء 94 (اللواء مؤلف من 6 أفواج)، وكان واجبه إمساك بعض العوارض في الحوض لتأمين الطريق بين قصبة قره داغ والسليمانية الذي كان المثابة النهائيّة للواجب من دون حادث، ومنها عُدنا بالعجلات إلى معسكرنا في طاسلوجة.

    بعد استراحة قصيرة تناولوا فيها الطعام جمعتُ مجموعات القتال لتحليل العملية، وما سجله المراقبون من نقاط، فبدأت بالمجموعة التي صاحبتها، وطلبت من المراتب أن يبدوا ملحوظاتهم عن مدى ما حدث من تطابق ووقع من أخطاء في أثناء التنفيذ قياسًا على تعلّموه وتدرّبوا عليه، وأعقبهم ضباط صف المجموعة ثم الضباط آمرو المفارز وأخيرًا آمر المجموعة، وأنهيتها بملاحظاتي عن أداء مجموعة القتال لمهمّتها، وهل تعتبر العملية ناجحة، وما كان متوقّعًا لو أن اصطدامًا فعليًّا حدث مع المسلحين الأكراد ولماذا؟ وما هي الأعمال التي أجادوها والأخرى التي فشلوا فيها، وكان الغرض من هذا التسلسل في بيان الملحوظات هو ألّا يتأثر المادون (الأقل رتبة ومسؤولية) بما يقوله المافوق (الأعلى رتبة ومسؤولية)، وتعمّدت أن تكون المجموعة التي كنت معها هي الأولى في التحليل كي يقوم مراقبو المجموعات بنقد أداء المجموعة التي كانوا معها بالجديّة نفسها والمصارحة والدقة التي بيّنت بها ملاحظاتي ونقدي لمجموعتي. وكان هذا التحليل أقسى على بعضهم من الإنهاك الذي عانوه خلال اليومين اللذين استغرقتهما العملية. هذا ما سمعته من بعضهم في ما بعد، لكنهم تعلموا أن يلتزموا ما تعلموه وتدربوا عليه في كل خطوة وإجراء عندما يقومون بالعمليات الفعلية في القتال.

    بعد بضعة أيام أصدرت قيادة الفرقة السابعة أمرها بتحرّك اللواء إلى قاطع بنجوين الحدودي فتنقلنا على طريق السليمانية -عربت - سيد صادق - كاني منكه - نالباريز - بنجوين. كان مقر اللواء 116 في قصبة نالباريز ويقوده العقيد ضاحي وهو من أهالي الموصل، وله خبرة في التعامل مع المنتسبين إلى اللواء المؤلف من 8 أفواج من الذين تطوّعوا ليكونوا أفواج شرطة تخدم قرب مناطق تطوعهم، لكن ضرورة الحركات في المنطقة الشمالية حوّلتهم إلى أفواج تقوم بواجبات الجيش، وكُلفوا بإمساك مضيق بنجوين الوعر الذي يبلغ طوله أكثر من 25 كلم.

    عسكَرَ اللواء في القرب من مدينة بنجوين



    ((( مدينة بنجوين مركز قضاء بنجوين تقع على الحدود الإيرانية وتبعد منها بضعة كيلومترات، تقابل مدينة ميروان الإيرانية وترتبط بسهل شهرزور والسليمانية بمضيق بنجوين))) وشرعت أفواجه في التدريب بعد أن أفرزت ربايا ((( الربيئة موقع عسكري ينشأ على منطقة مشرفة ومسيطرة على طريق المواصلات، أو لحماية المناطق الحيوية ذات الأهمية الحيوية سابقًا، وهي تشبه القلاع التي كانت تنشأ في المناطق ذات الأهمية الحيوية، وعلى العموم فهي ليست دائمة إلا في حالات خاصة ))) لحماية منطقة معسكراتها، وكان بعض العناصر المتمردة في قاطع بنجوين يتعامل بالتهريب بين المدن، والقصبات الحدودية كأحد مصادر التمويل لهم، كما أنها مهنة بعضهم قبل أن يلتحق بالتمرد، مقاتلًا أو صديقًا، ولذلك ركّزنا على نصب الكمائن وإلقاء القبض عليهم وعلى المواد المهربة وإرسالهم إلى قيادة الفرقة للتحقيق. وغالبًا ما كان يحدث تصادم وإطلاق نار متبادل، إذ إن معظم المهربين مسلحون، فيقع العديد منهم قتلى جراء ذلك.

    كانت المعلومات التي تردنا تشير إلى أن المسلحين الأكراد يلجأون إلى القرى البعيدة من مواقع الجيش في الأحوال الجوية السيئة. وفي أحد تلك الأيام، وكان الجوّ غائمًا هيأتُ تسع مجموعات قتالٍ، وحددت تسع قرى يمكن أن يلجأ إليها المسلحون الأكراد في هذه الليلة الغائمة التي يحتمل أن تكون ماطرة أيضًا، وكانت هذه القرى تبعد ما يتراوح بين 15 و20 كلم شمال وشمال غرب معسكراتنا. وعند حلول الظلام بدأ رذاذ من المطر يتساقط، ويتوقف لدقائق ثم يبدأ بالتساقط مرة أخرى، وهكذا دواليك. التحقت بإحدى مجموعات القتال، وتحرّكنا نحو أهدافنا، وأنا واثق بأننا سنحصل على صيدٍ طيبٍ من المسلحين الأكراد في هذا الجو الذي سيُلجئهم إلى القرى ويشعرهم بالأمان. وفي الساعات الأربع الأولى كانت المجموعات كلها قد قطعت مسافات جيدة باتجاه أهدافها، واجتزنا خلالها عددًا من السواقي والأودية الجافة.

    بعد منتصف الليل بقليل بدأت الأمطار تنهمر بشدّة لا مثيل لها، وفي دقائق بدا وكأن بحارًا تنهال علينا من السماء، فأصدرت أمرًا لجميع المجموعات أن تلجأ إلى أقرب قرية أو ستر يحميها من السيول المنهمرة من فوق، وأن يشكلوا جميعًا رتلًا منفردًا، وأن يمسك كل منهم بنطاق الجندي الذي أمامه، وأن لا يتركه مهما حدث، وإذا حدث وأفلته، فالمجموعة كلّها تتوقف إلى أن تتأكد بأننا لم نفقد أيًّا من جنودنا. كان الظلام دامسًا إلى الحدّ الذي لا ترى فيه راحة يدك، وهي على بعد سنتيمترات من وجهك، وبدأت الأودية الفارغة التي مررنا بها تدوي بهدير السيول التي امتلأت وضاقت بها، وأخذت تضرب حافاتها بأصوات تصم الآذان. كان بعض المجموعات يدور في حلقات بسبب الأودية والسيول التي تعترضها، وكانت أوامري بأن يستمروا في السير والحركة، فالتوقف يعني الموت بردًا وبللًا، ثم تغير كل شيء فتوقف المطر فجأة، وبدأت الثلوج تنهمر بغزارة فأصبح كل شيء أبيض، السماء التي تنهمر منها الثلوج والأرض والعوارض وكل ما يحيط بنا، ولم يكن ذلك سيِّئًا فقد بدأنا نرى بعضنا بعضًا والقليل مما حولنا، وبدأ هدير السيول في الأودية يهدأ شيئًا فشيئًا ونحن نسير من دون توقف. بعض المجموعات أخبرنا بأنه دخل بعض القرى فأمرتهم أن يتدفأوا فور وصولهم، ثم توقف سقوط الثلوج، وتمكَّنت مجموعتي بدورها من اللجوء إلى أحد المخافر، وكان شرطيو المخفر ينظرون إلينا بعجب ويسألوننا «كيف خرجتم في هذه الليلة؟»، فهم يعرفون أجواء هذه المناطق وكنا جددًا. وفي الصباح كان الجميع قد لجأ إلى قرية أو مخفر، وكان الله معنا ولم نفقد أيًا من جنودنا، لكنه كان درسًا لا يُنسى.

    أصدرت قيادة الفرقة السابعة أمرًا بانتقال اللواء إلى مدينة حلبجة بعد أن يترك أحد أفواجه في بنجوين، واستقر مقرّ اللواء في بناية كانت لمركز شرطة في الحافة الجنوبية لمدينة حلبجة ((( مدينة حلبجة الحدودية، مركز قضاء حلبجة التابع لمحافظة السليمانية، تبعد عن الحدود الإيرانية بضعة كيلومترات. تسيطر عليها من الشرق سلسلة جبال هورمان وقممها المسيطرة إيرانية، ومن الجنوب جبل بالمبو وقممه المسيطرة إيرانية أيضًا ))) قرب معسكر بقية وحدات اللواء.

    كانت مهمة اللواء تأمين قاطع حلبجة من الأعمال التخريبية وضرب المخربين فيها، وباشرنا في إخراج الكمائن وجمع المعلومات عن المسلحين الأكراد في القاطع. ولما كان نهج التخريب الذي تتبعه قيادة حركة العصيان آنذاك هو عدم التحرش بالمناطق التي تكون فيها وحدات الجيش، كان لا بدّ من متابعة وملاحقة وجودهم في قاطع مسؤولية اللواء، لكن كانت تنقصنا المعلومات، فما زوّدتنا به استخبارات الفرقة كان معلومات عامة وقديمة لم يجرِ تحديث معظمها.

    لم تكن علاقة قيادة الفرقة السابعة جيدة ببقية الدوائر الأمنية أي منظومة الاستخبارات العسكرية في السليمانية ودائرتي الاستخبارات وأمن السليمانية، وانعكس ذلك على التعاون وتبادل المعلومات، فقد كانت كل جهة تعمل بمفردها بأجهزتها ومصادر معلوماتها، وتحرص على الاحتفاظ بما تحصل عليه من معلومات، وأن لا يصل منها شيء إلى الجهة الأخرى، ولا سيما إلى قيادة الفرقة السابعة، وتشكيلاتها المقاتلة لمعاملة قائدها الخشنة معهم.

    كان ممثِّلو هذه الأجهزة متحفظين في المقابلة التي أجريتها معهم في مقرّ اللواء في حلبجة لبحث تعاوننا في تبادل المعلومات عن المسلحين الأكراد وتحركاتهم في قاطع اللواء، وكان واضحًا أنهم ينفّذون توجيهات رؤسائهم في مركز المحافظة.

    إزاء هذه الحالة من انعدام التعاون بادرنا بتشكيل قوة خاصّة من جنود اللواء من المراتب وضباط الصف الأكراد من العشائر المعروفة بولائها للسلطة، وبعض عناصر استخبارات اللواء بإمرة أحد ضباط مقرّ اللواء، لجمع المعلومات عن المسلحين الأكراد، وأمّنا لهم ملابس الكرد التقليدية من أسواق السليمانية، وتركنا لهم حرية إطلاق شعرهم ولحاهم، وحصلنا لهم على أسلحة مثل بنادق البرنو، والإنكليزية القديمة (لي أنفيلد)، إضافة إلى بنادق الكلاشنكوف وزوّدناهم بهويات مدنية بمهن مختلفة، ودرّبناهم على واجباتهم الجديدة، وزوّدهم ضابط استخبارات اللواء بالمعلومات المتيسرة عن المسلحين الأكراد وأسماء المفارز والقرى المتعاطفة معهم. وأجرينا لهم بعض الممارسات ثم أرسلناهم للتجوال بين القرى وفي المناطق التي يرتادها المسلحون الأكراد، وكانوا يتنقلون بوسائل مشابهة لأقرانهم كالجرارات الزراعية وغيرها، وكنا حرصاء على معرفة ردات فعل المسلحين الأكراد على فعاليتنا هذه، فوصلتنا معلومة بأن المسلحين الأكراد رصدوا بعض تحركات مجموعتنا الخاصّة على أنها من مفارز الاستخبارات التابعة لمركز استخبارات حلبجة ((( من المسلحين الأكراد الذين يعملون بإمرة مراكز استخبارات المنطقة الشمالية، ممن كانوا منخرطين في الحركة الكردية المسلحة وعادوا إلى الصف الوطني وكانوا فاعلين جدًا في مكافحة الحركات الكردية المسلحة لمعرفتهم بتفاصيل تحركاتهم وعاداتهم ومآويهم ))) بعد أن كشفوا علبًا معدنية لأرزاق المعركة ((( أرزاق تصرف للوحدات في أثناء تكليفها بالعمل خارج معسكراتها أو في أثناء الدوريات، وهي وجبات طعام معلبة بقياسات محددة وتكفي كلٌّ منها لشخص واحد ))) متروكة في أحد المواقع التي مرت بها مفارزنا، فأوعزنا إليهم بدفن هذه العلب بعد تناولهم وجبات الطعام. كانت مفارز الاستخبارات تتألف من المسلحين الأكراد الذين عادوا إلى الصف الوطني، والذين تطوّعوا للعمل مع مراكز الاستخبارات العسكرية التابعة لمنظومة الاستخبارات الشمالية
    ((( بعد تعقد الوضع الأمني من جهة والعلاقات المتردية مع سورية وأهمية الساحتين الإيرانية والتركية من جهة أخرى، نظّمت مديرية الاستخبارات العسكرية جهدها على مستوى القطر بأربع منظومات هي على التوالي الشمالية ومسؤوليتها القاطع الشمالي، والغربية ومسؤوليتها سورية، ودولتا الجوار العربيتان على حدودنا الغربية والشرقية مع إيران، والجنوبية مع كل من إيران والكويت والمملكة العربية السعودية )))
    .
    كانت وحدات اللواء تتدرب في الأيام التي لا تنشغل فيها بفاعليات الكمائن ودوريات القتال. وفي أحد الأيام اتصل بي رئيس أركان الفرقة العميد الركن عطا الشيخلي، وطلب مني المجيء إلى مقرّ الفرقة، وكان العميد الركن وليد سيرت قائد الفرقة في بغداد لحضور مؤتمر. عرض لي رئيس الأركان العميد الركن الشيخلي خريطة قاطع حلبجة، وأشّر إلى منطقة فيها، وطلب مني أن أقوم بعملية لتطهيرها من المسلحين الأكراد، وسيكون بإمرتي عدد من سرايا مغاوير الفرقة وسمتيّات ((( السمتيّة هو التعبير الذي تطلقه القوات المسلحة العراقية على طائرات الهِلِيكوبْتِر باعتبارها تقلع عموديًا ))) للإنزال الجوي.

    كانت العملية ستنفّذ بعد يومين فسلمني الأوامر والمعلومات الخاصّة بتنفيذ العملية، ولمّا دققت في الخريطة، وجدت أن المنطقة المقصودة هي المنطقة التي نجري فيها تدريباتنا اليومية، وليس هناك بالطبع أي وجود للمخربين، وكنت أتوقع أن يقول: «إذن سأخبر القائد بذلك، وسنلغي العملية»، لكنه أصر على تنفيذها لأنها أوامر القائد. فقلت له: «حسنًا أخبر القائد إنني لن أُنفذها هل تريدون أن أخبر جنودي بأننا سننفّذ عملية بهذا الحجم لمطاردة المسلحين في الساحة التي نتدرب فيها يوميًا؟ إذا أصررتم على تنفيذها فإني سأذهب في إجازة، وافعلوا أنتم ما شئتم». وتركت اللواء وذهبت في إلاجازة ونفّذوا هم العملية.

    حصلت المجموعة الخاصّة على معلومات عن إحدى مفارز المسلحين الأكراد الرئيسة التي تتجول في منطقة تقع على بعد 15 كلم جنوب حلبجة في منطقة تدعى بفريميري القريبة من نهر السيروان ((( السيروان (آب سيروان) هو اسم نهر ديالى في قسمه من منبعه حتى التقائه برافده الرئيس (نهر الوند) ونهر ديالى من روافد نهر دجلة الرئيسة، ويصب فيه على مسافة 10 كلم جنوب بغداد ))) وتعبر إلى الجانب الشرقي من النهر في قرية تتخذها ملجأ لها.

    ذهبت إلى المنطقة نهارًا مع مجموعة صغيرة من جماعة الاستطلاع، وراقبت المكان فكان نهر السيروان في تلك المنطقة بعرض 80 مترًا تقريبًا، وسريع الجريان والقرية المذكورة تبعد نحو 600م عن النهر، ولاحظت وجود زورقين خشبيين مع مجاذيفهما المركونة في منطقة المعبر وقد يكونان لصيادين محليين، كما قد يُستخدمان أيضًا لنقل الأشخاص بين الضفتين. أكد لي آمر المجموعة الخاصّة الذي كان بصحبتي أن هذين الزورقين موجودان في مكانهما الحالي معظم الأوقات. فقرّرت قيام المجموعة الخاصّة مع مجموعة قتال بالعبور ليلًا، ومهاجمة المسلحين الأكراد في ملجئهم الأمين في القرية. في اليوم التالي تحرّكنا ليلًا إلى منطقة قريبة بالعجلات، وترجلنا وتقدّمنا بتشكيل القتال، ووصلنا إلى النهر فنزلت المجموعات تباعًا إلى المعبر بحذر شديد، وكان الزورقان في مكانهما المعتاد فعبرت المجموعة الأولى، وأمّنت الضفة البعيدة إلى أن تكامل عبور باقي القوة فتقدمت إلى القرية، وسارعوا إلى مهاجمتها بعد سماعهم نباح كلاب القرية، فتمكَّنت قواتنا من إلقاء القبض على معاون آمر المفرزة وأحد أفرادها مع أسلحتهما، فيما استطاع الآخرون الفرار، وانتشروا في المناطق الوعرة خارج القرية، فأوعزت إلى القوة بالعودة، وأرسلنا أسيري العملية إلى قيادة الفرقة لاستجوابهما. وعلى الرغم من صغر العملية ونتائجها نسبيًّا، إلا أنها عمّقت إيمان جنود اللواء بأهمية الأساليب غير التقليدية لمثل هذا النوع من العمليات.

    في تموز/يوليو 1978 تولّى العميد الركن وليد محمود سيرت قيادة الفيلق الأول في كركوك، ورُقيَّ إلى رتبة لواء، ونُقل العميد الركن حازم برهاوي قائد الفرقة الرابعة إلى قيادة الفرقة السابعة، ولمّا زرته للسلام عليه كان يبدو غير مرتاح، وقال بصراحة: «لا أدري كيف سأتعامل مع هذه الفرقة التي اعتادت أسلوب اللواء وليد الجاف والشديد». فقلت له: «يا سيدي أنت كنت ناجحًا في قيادة فرقتك السابقة بأسلوبك الخاص فلماذا تغيره؟». لم يكن مقتنعًا، ولم يكن سعيدًا بمنصبه الجديد.
    بعد أقل من شهر صدر أمر نقلي إلى منصب قائد الفرقة السابعة وترقيتي إلى رتبة عميد ركن، ونُقل العميد الركن حازم برهاوي إلى قيادة الفرقة الثانية في كركوك. اتصل بي العميد برهاوي وطلب مني المجيء إلى مقرّ الفرقة، وكنت ما أزال أحمل رتبة عقيد فاستقبلني وابتسامة عريضة تغطي وجهه، وصاح بمرافقه عندما رأى أني ما زلت أحمل رتبة عقيد «اجلب إحدى رتبي». ونزع الرتبة القديمة ووضع رتبة العميد الركن بدلًا منها.



    يتبع ........

    صورة نادرة للفريق الأول ق.خ الركن نزار عبدالكريم الخزرجي عندما كان طالباً في مدرسة القوات الخاصة , في يوم التخرج وتسلمه للجناح المظلي من اللواء الركن عبدالكريم قاسم ( القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ) , بداية ستينيات القرن الماضي ...


    الجزء الثالث عشر

    قائد الفرقة السابعة
    --------------


    بعد استلامي قيادة الفرقة بفترة قصيرة سحب الفيلق من قاطع الفرقة لواء المشاة الخامس الذي كان يتولّى مسؤولية قاطعي حلبجة وبنجوين، ولواء القوات الخاصّة الذي كان من قوات الضربة في الفرقة إضافة إلى فوج مشاة آلي من اللواء الآلي 25 ووحدات أخرى، كذلك سرِّح ما يزيد على 4000 جندي من المراتب في الفرقة. وكانت هذه الفرقة قد عُززت بهؤلاء الجنود عندما كان اللواء وليد محمود سيرت قائدًا لها، وكانوا من مواليد سنة واحدة وتم تسريحهم لإكمالهم الخدمة الإلزامية.
    تدنى موجود (عديد) بعض سرايا تشكيلات الفرقة الأساسية: الألوية 19 و38 و39 إلى أقل من 30 جنديًا من مجموع 132 جنديًا وضابط صف هو العديد القياسي لسريّة مشاة في الجيش العراقي. فذهبت لمقابلة قائد الفيلق اللواء الركن وليد محمود سيرت، وقلت له:
    «إنك لم تترك الفرقة إلا منذ فترة قليلة وتعرف مدى حاجتها إلى التشكيلات والوحدات التي سحبتها، فما الذي استُحدث حتى تقوموا بمثل هذا الإجراء؟».
    فذكر أن ذلك حدث بالمذاكرة مع رئاسة أركان الجيش «وعليك التعامل معها»،
    ثم تطرقت إلى تسريح المراتب والنقص الحاد الذي تعانيه تشكيلات الفرقة،
    فقال إنه سيحاول تعزيزنا بمراتب من المواليد الجديدة حال إكمالها تدريبها الأساس في مراكز التدريب.
    أوعزت إلى اللواء 116 لإرسال قوة مرتبة من أفواجه إلى بنجوين، كما طلبت من اللواء 38 في قاطع خورمال
    ((( بنجوين مركز قضاء عراقي يقع بالضبط على الحدود العراقية - الإيرانية في جيب ترسمه الحدود بحيث تحيط به من ثلاث جهات. وشهدت مدينة بنجوين معارك عنيفة طوال الحرب العراقية - الإيرانية على الرغم من أن الإيرانيين لم يحتلوها، إلا أنها تهدمت بالقصف وأُخليت من السكان. وناحية خورمال بلدة تقع شمال حلبجة على بُعد 15 كلم، وتابعة لقضاء حلبجة )))


    بإرسال أحد أفواجه إلى حلبجة. وبعد فترة بدأت تصلنا أعداد من المراتب الجدد بعد إكمال تدريبهم الأساس في مراكز التدريب((( هو المركز أو الوحدة التي يتدرب فيها المجندون الجدد التدريب الأساس قبل توزيعهم على الوحدات الفاعلة ))) فأوعزت إلى الألوية بفتح دورات تدريبية لهم في الرماية وتدريبهم على الأسلحة المختلفة لعدم ثقتي بمستوى التدريبات التي حصلوا عليها في المراكز.
    التحق بالفرقة المقدّم الركن برهان خليل ((( المقدّم الركن برهان خليل ترقى إلى رتبة عميد ركن بعد معارك كيلان غرب، وأصبح آمرًا للواء 19 في الفرقة 7، واستخدم في قاطع الفرقة 12 في القاطع الأوسط من الجبهة، أعدم في عام 1983 بعد فشل لوائه في استرجاع عارضة فقدتها الفرقة في إحدى معارك الفرقة 12 في مهران ))) بمنصب ضابط الركن الثاني استخبارات، وهو ضابط ذكيّ ومتحمس للعمل في موقعه الجديد، فأخبرته بمدى الأهمية التي أُعيرها للمعلومات في إنجاح مهمة الفرقة في مكافحة التخريب، وسوف أُعززه بما يمكّنه من تحقيق ذلك، وحذّرته في الوقت نفسه من إشغال نفسه وهيئة ركنه في نقل القيل والقال عما يدور بين ضباط الفرقة كما يفعل بعض من أقرانه، إذ إني سوف أنقله بالتأكيد لو فعل ذلك، إلا ما يتعلق بالمعلومات التي تخص أمن الدولة والحزب. وأبدى المقدّم برهان تفهمه.
    كان قسم الاستخبارات في الفرقة يتكوّن من ضابطي ركن وضابط أمن وآمر فصيل الاستخبارات، وفصيله يتكوّن من حضيرة ((( الحظيرة في الجيش العراقي هي تشكيلة قتالية يقودها آمر وتتألف في أفواج المشاة من 9-11 مقاتلاً ويقودهم نائب عريف ))) . قراءة تصاوير جوية، وحضيرة أمن وحضيرة استخبارات، ويبلغ المجموع الكلي لرتب الاستخبارات 30 من المراتب وضباط الصف.
    اخترنا 12 ضابطًا بعدما أجرينا معهم أنا والمقدّم الركن برهان مقابلات، واختير300 ضابط صف ومراتب من أكراد العشائر الموالية ومن العرب لتعزيز استخبارات الفرقة بعدما قابلهم العقيد برهان، وخضعوا لدورات مغاوير وقتال خاصّة، ودورات معلومات أمن واستخبارات. وجرى نشرهم وتوزيعهم في مختلف أرجاء مدينة السليمانية بعد تنكّرهم بملابس وهيئات تتلاءم وأماكن وجودهم، والمهنة التي يعملون تحت غطائها. وتعلّم المراتب العرب اللغة الكردية. وألّفنا مجموعات ضاربة تتألف كل منها من 15 إلى 20 ضابطًا وضابط صف وجنديًا لمهاجمة الأهداف التي حصلوا على معلومات عنهـا.
    استدعيت مديري أمن استخبارات شرطة المحافظة وآمر مركز استخبارات السليمانية، واجتمعت بهم بحضور ضابط استخبارات الفرقة المقدّم برهان.
    أخبرتهم برغبتي في التعاون جميعًا في تداول المعلومات، وأن أي معلومة عن المسلحين الأكراد أو تنظيماتهم الداخلية تقدّمها أي جهة منهم سنرسل لمعالجتها قوة مشتركة، وتحسب نتائجها لهم فحسب من دون ذكر أي شيء عن اشتراك الفرقة في العملية، وسنكتب إلى مراجعهم عن تعاونهم وحسن إنجازاتهم، وقلت: «سنقوم بتشكيل هيئة معلومات منكم ومن المقدّم الركن برهان تجتمع يوميًا للتداول وتبادل المعلومات وتنسيقها، وتبادل الخطط لتنفيذ العمليات، وسأكون موجودًا في هذه الاجتماعات، وإن شُغلتُ سيحضرها رئيس أركان الفرقة، ويكون هذا نهجًا لعملنا الآن وفي المستقبل، وسأكون مستعدًا لاستقبال أي واحد منكم ليلًا أو نهارًا»، وكان الجميع سعيدًا بذلك. في السنة الأولى تمكَّنا من إلقاء القبض على أكثر من 250 عنصرًا من جماعات الاغتيالات والتنظيمات السريّة للاتحاد الوطني الكردستاني في مدينة السليمانية فحسب، مقابل «لا شيء» في السنين السابقة.

    كانت ألوية الفرقة والتشكيلات التي بإمرتها مكلفة بإمساك العوارض الرئيسة في قاطع الفرقة، ولم تكن تتيسر لها قوة متحررة أو قوة احتياط لضرب ومطاردة المسلحين الأكراد أكثر من سرايا مغاويرها ومغاوير الفرقة بعد أن سُحب لواء القوات الخاصّة واللواء الخامس والوحدات الأخرى، لذلك قررتُ سحب ألوية الفرقة الأساسية: لواء 19 في سورداش، ولواء 38 في خورمال، ولواء 39 في ماوت، واللواء 18 من الفرقة الرابعة في جوارتة من العوارض المكلفة بمسكها، وإبقاء سريّة من كل فوج لا أكثر لمسك العوارض الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وتحرير أفواجها للتدريب وللعمليات المقبلة، كما شكلتُ في كل لواء سريّة واجبات خاصّة بالصيغة نفسها التي مارسناها في اللواء الخامس ترتبط بمقر اللواء، إضافة إلى سريّة مغاوير اللواء. أما الأفواج (يتألف كل فوج من سريّة مقرّ، وسريّة إسناد، وأربع سرايا مشاة) فقد كلفنا سريّة المقرّ بحراسة محيط معسكر الفوج إضافة إلى واجباتها، ونقلنا الجنود الضعفاء والمترهلين من الذين لا يستطيعون القيام بالمهمات الشاقة إلى السريّة الرابعة، وكُلفت بإمساك العوارض الحيوية في قاطع الفوج، فبقيت ثلاث سرايا مشاة وسريّة الإسناد متحرّرة كقوات ضربة، وبذلك يكون لكل لواء تسع سرايا مشاة وسريّة مغاوير واحدة وسريّة واجبات خاصّة، وبإسنادهم ثلاث سرايا إسناد كقوات ضربة بدلًا من سريّة مغاوير اللواء فحسب، كما كان سابقًا.
    كذلك طلبنا من اللواءين 116 و94 المكلفين بمسك الطرق والمضايق تحرير سريّة من كل فوج للتدريب كقوة ضاربة، وتشكيل مجموعة عمليات خاصّة فأصبح للواء 94: سريّة مغاوير اللواء، وسريّة عمليات خاصّة، وست سرايا مُشاة متحرّرة كقوات ضربة، وللواء 116: سريّة مغاوير اللواء، وسريّة عمليات خاصّة، وثماني سرايا مشاة كقوات ضربة.
    كان هناك قبل هذه التغييرات عدم توازن (في تحقّق مبدأي الأمن والتعرض الأساسيين في الحروب غير النظامية) ليس في قاطع الفرقة السابعة وإنما في قواطع بقية الفرق العاملة في المنطقة الشمالية بشكلٍ عامٍّ. فالتشكيل الذي يُمسك بمعظم وحداته وأحيانًا بكل عوارض المنطقة المكلف بحمايتها لا يستطيع منع المجاميع الصغيرة للمسلحين الأكراد (وهو ما تقوم به مفارز المسلحين الأكراد في حرب العصابات) من حرية التنقل والتسلّل ليلًا حتى من خلال وحداته المكلفة إمساك تلك العوارض، فلا يحقق الأمن لأن فاعلياته وقدراته على مطاردة العدو وضربه محددة لعدم وجود قوة ضاربة لديه، ولا يحقق التعرض أيضًا. وبعد أن أكملت الألوية تدريب وحداتها وسراياها المتحررة ومجموعاتها الخاصّة أصبحت المناطق في قواطع الألوية تحت السيطرة التامة لتشكيلاتنا، وأصبح عمل المسلحين الأكراد في قواطعها محفوفًا بالخطر الشديد.

    كان الشباب في السليمانية وفي مناطق السورانيين التي ينشط فيها حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي واقعين تحت تأثير الأفكار التي يروّج لها دعاته ومثقفوه من يسار شوفيني وكره عميق للسلطة وأدواتها. ولتغيير هذه الصورة وكسر الحاجز النفسي بينهم وبين الجيش الذي هو أهمّ أدوات السلطة، فكرتُ في إنشاء نادٍ لرياضة خطرة ينجذب إليها شبابهم ترعاه الفرقة، ولما كنت مظليًّا ولدينا مجموعة جيدة من المعلمين والمدربين السابقين في مدرسة المظليين
    (كان آمر قوات المغاوير في الفرقة العقيد قوات خاصّة إياد شعبان رمزي آمر الجناح المظلي السابق في مدرسة المظليين، ومن أبرز رياضي القفز الحر، وكذلك كان مرافقي النقيب قوات خاصّة عبد الرحيم الجنابي ((( بعد نقلي من الفرقة نقل إلى منصب آمر فوج في أحد تشكيلات الجبهة، وعندما أصبحت قائدًا للفيلق الأول طلبت إعادة نقله مرافقًا لي، وذهب إلى المواضع الأمامية لتوديع جنوده قبل التحاقه بالفيلق فاستشهد بقنبلة معادية ))) ، وعدد من ضباط الصف في حمايتي الخاصّة)
    لذا قرّرت إنشاء جناحٍ للتدريب على القفز المظلي في الفرقة، وقد خصصت لنا المحافظة قاعة كبيرة تابعة لدائرة الزراعة في منطقة بكر جو القريبة من المدينة، وجلبنا المظلّات ومتعلقاتها وأدوات التدريب من مدرسة المظليين، ثم دعونا الشباب والشابات من خلال المحافظة إلى الالتحاق بالدورات التدريبية، وأدهشنا العدد الكبير من الشباب والشابات الذين تقدّموا للالتحاق بالدورة الأولى فجعلناهم على وجبات.

    بدأنا تدريب الوجبة الأولى، وكنت أحيانًا أتدرب معهم، ولاحظت اندفاعهم وسرعة تعلمهم وانضباطهم وتقيّدهم بتعليمات معلميهم. وأكثر ما أسعدني العلاقة الوثيقة التي تولّدت بينهم وبين مدرّبيهم. وبعد إكمالهم التدريب الأرضي جرى تقفيزهم من طائرات الهليكوبتر، وأجريت عددًا من القفزات معهم ليعرفوا مدى ثقتنا بهم وحرصنا عليهم، وأنهم أبناؤنا وأبناء هذا الوطن. وفي حفلة التخرج حضر المئات من أهاليهم وأصدقائهم وشخصيات البلد والضباط المتقاعدين وموظفي المحافظة يتقدّمهم المحافظ أرشد الزيباري، من قيادة التنظيم الحزبي في المحافظة. وبعد أن أجروا القفزة الأخيرة بحضور هذا التجمّع وزّعنا عليهم شهادات التخرج، وأجنحة المظليين ليزينوا بها صدورهم، وخرّجنا أكثر من عشر دورات، وفي كل دورة نحو30 إلى 40 من الشباب والشابات.
    شارك فريق السليمانية للمظلّات في سباقات مع نوادي القطر وحصل على المرتبة الأولى، وأرسلنا بعضهم للمشاركة في سباقات ودورات خارج القطر. كما أرسلنا عددًا منهم للتدرّب على الطيران في نادي فرناس الجوي للهواة.
    ولَّدت هذه المبادرة تغيّرًا كبيرًا في نظرة مواطني وشباب السليمانية إلى الجيش والقوات المسلحة، ولم نعد نمثل لكثيرين منهم العدو والخصم كما كان يروّج لذلك دُعاة الاتحاد الوطني الكردستاني. في أحد تنقلاتي جوًا في أثناء رئاستي أركان الجيش وبعد إقلاع الطائرة «فالكون 20» جاء الطيار المساعد وكان برتبة ملازم أول طيار، وأدى التحية، وسألني إن كنت قد عرفته فهززت رأسي فقال: «سيدي، إنني فلان خريج دورة المظليين في السليمانية».
    ففرحت بلقاء أحد هؤلاء الذي رعيناهم ودرّبناهم ضابطًا طيارًا في سلاحنا الجوي، وسألته عن الذين تخرجوا في دوراتنا المظلية
    فقال: «إن كثيرين منهم في وظائف حكومية، وبعضهم في الجيش».
    سألته إن كان أيٌّ منهم التحق بالمسلحين الأكراد؟»
    فقال: «أبدًا».

    عانى الفيلق الأول في عملياته لمكافحة المسلحين الأكراد من وجود القرى الحدودية كمخابئ ومناطق أمينة للمخربين والمهربين والمتعاونين مع الأجنبي في الجانب الآخر من الحدود، ومن قرى أخرى منعزلة أو في مناطق منيعة في داخل مناطق العمليات وعمقها، يلجأ إليها المسلحون الأكراد، ويشكل بعضها قواعد انطلاق أمامية ينطلقون منها لشن عملياتهم التخريبية. فتولّدت لدى الفيلق خطة أيّدتها رئاسة الأركان، وعرضت على القيادة السياسية التي وافقت عليها وأمرت بالشروع في تنفيذها، إذ سبق لدول عديدة أن واجهت عمليات مشابهة فتم العمل بها، وهي إخلاء الشريط الحدودي من القرى، ومنع الوجود السكاني فيه إلى عمق يتراوح بين 15 و25 كلم، وكذلك في القرى المنعزلة في الداخل. ونقل السكان إلى مجمعات تتوافر فيها المقومات كافة بعد تعويضهم عن بيوتهم ومزارعهم وبساتينهم وحيواناتهم بشكل مجزٍ إلى مناطق منبسطة وقريبة يمكن أن تصلها الإدارة المدنية وقوات الأمن بسهولة، على أن يعاد النظر في إعادتهم إلى مناطقهم السابقة تدريجًا في ضوء نجاح الدولة في إنهاء حركات التخريب في المنطقة الشمالية من العراق.

    قامت الإدارات المدنية بمشورة القيادات العسكرية في قواطعها بتحديد مواقع المجمعات، والقرار على حجمها وصنّفتها: صغيرة بسعة 500 إلى 1000 بيت، ومتوسطة بسعة 1000 إلى 1500 بيت، وكبيرة بسعة 1500 إلى 2000 بيت، وكلها قابلة للتوسع عند الحاجة إلى ذلك، ثم شرعت بإعطاء مقاولات لبناء المساكن والبنية التأسيسية من منظومة مياه وكهرباء ومدارس ومستوصفات ومراكز للإدارة والشرطة، وشقت الطرق إليها وفي داخلها أيضًا.
    وأُلّفت لجان من العناصر الاختصاصية في المحافظات لتقويم وتقدير ممتلكات المرحّلين من قراهم وتعويضهم، ولاحظنا أن التعويضات كانت مُجزية، وأكثر من عادلة، وقامت قطعات الفرقة بتأمين الحماية ونقل أهالي القرى، وما حملوه من أثاث وأغراض إلى مجمعاتهم بعجلات سرايا نقل الفرقة، وساعدت هندسة الفرقة الإدارة المدنية في عمليات تهديم القرى، وتسويتها بالأرض كي لا تكون ملجأ للمخربين في المستقبل ...

    يتبع ......

    الجزء الرابع عشر

    في زيارتي إلى بعض المجمعات بعد أن شغلها المرحّلون شاهدت معظم الرجال والشباب الذين كانوا قبل الترحيل يعملون في مزارعهم ويرعون مواشيهم جالسين جماعات خارج بيوتهم والضجر ونفاد الصبر باديان عليهم، فلا أرض زراعية للعمل فيها ولا حيوانات يستثمرونها، فالموجود من أرض وحيوانات في المنطقة لا يكاد يكفي أهاليها الأصليين. وإن بقاءهم هكذا سيجعلهم خميرة جاهزة لاستغلالهم من دعاة الأحزاب والحركات المسلحة لإلحاقهم بهم، لذلك عندما عدت إلى قيادة الفرقة جمعت جميع آمري الخدمات في الفرقة، وذكرت لهم الحالة التي شاهدت فيها المرحّلين في المجمعات وخطورة ذلك، وطلبت منهم تهيئة زمر كفيّة بإمرة ضباط جيدين من وحداتهم لتعليم المرحّلين المهن التي تفتح أمامهم مجالات العمل الشريف في المُجمعات وخارجها. واتصلت بالمحافظ وأخبرته بالخطوات التي سنقوم بها فرحّب بها وأبدى استعداده لتقديم أي معاونة أو خدمة نحتاج إليها.

    تحرّكت الزمر التعليمية بإمرة ضباطها إلى المجمعات كافة في قاطع الفرقة وقواطع الألوية التي ساهمت بدورها بما يتيسر لديها. وتوزع شباب المجمعات على الزمر وفق المهن التي يرغبون فيها كالسياقة وتصليح العجلات بأنواعها والبناء والسباكة والحدادة والنجارة والطهو والحلاقة والتضميد الصحي والإسعافات الأولية والخياطة ... إلخ. وكان مجموعها أكثر من 30 مهنة. وكنت أفرح وأتمتع بمنظر تلك المجموعات تقف في طوابيرها الثلاثية صباحًا بقامات منتصبة وآمرو زمرها يفتشونها قبل أن تشرع بالتدرّب على مهنها، ومرة أخرى نمت علاقات حميمة بينهم وبين مدربيهم، وتولّدت مبنيّة على التقدير والاحترام، الأمر الذي شجعهم على أن يطلبوا من فتياتهم أن يشاركن في تعلم بعض ما يناسبهن من تلك المهن مثل الطبابة والخياطة والطهو. وأقمنا معارض لمنتجاتهم، فزارهم المحافظ وعدد من مسؤولي المحافظة والحزب وأهالي المناطق المجاورة، وأقمنا حفلات تخرج ومسابقات لأفضل الزمر في قواطع الفرقة والألوية، واستمررنا في هذا النهج لتعليم أكبر عدد منهم في مختلف المهن وكتبنا عن هذه التجربة ونتائجها إلى مرجعنا الذي بارك خطوتنا تلك وعمّمها على فرق الفيلق، وأوعز بإرسال ممثِّليهم إلى قاطعنا للاطلاع عليها للعمل بها في قواطعهم كما أرسلت رئاسة أركان الجيش ودوائرها ممثِّليها للاطلاع على هذه المبادرة.

    طلبت قيادة الفيلق من قادة الفرق إجراء دراسات وبحوث عن أي من المواضيع التي يختار القادة الكتابة عنها في الجوانب المختلفة عسكرية أكانت تاريخية أم سياسية، وأن ترسل هذه البحوث والدراسات إلى قيادة الفيلق لتقويمها، وتحديد مواعيد إلقائها على أن يحضرها أكبر عددٍ من ضباط تلك الفرقة وقادة الفرق وآمري التشكيلات، وعدد من آمري الوحدات وهيئات ركن الفرق الأخرى وضباط التوجيه السياسي والقيادات والكوادر الحزبية العسكرية في عموم قاطع الفيلق، ويقوم قائد الفرقة بإلقاء محاضرته في قاطع فرقته، وقد يبلغ عدد الحضور من 400 إلى 500 ضابط، وبعد إلقائها يفتح باب الأسئلة والأجوبة والمناقشات.

    كتب بعضهم موضوعًا تاريخيًا عن خالد بن الوليد، والآخر سياسيًا عن الوحدة العربية. اخترت أن أكتب عن إعادة النظر في تنظيم وإعداد فرق الفيلق الأول كي تكون قادرة على إدارة وقيادة عمليات مكافحة التخريب بكفيّة، مستمدًا ذلك من تجربتي في قيادة الفرقة في عملياتها، والتغييرات التي قمت بها، وتلك التي أتطلع إلى إحداثها في المستقبل.
    وفي الموعد الذي حُدِّد لإلقاء محاضرتي لم يحضر قائد الفيلق علمًا أنه حضر المحاضرات كلها التي أجراها القادة الآخرون ولم أعر بالًا كثيرًا لغيابه. وأحدثـت المحاضرة كثيرًا من المناقشات والأسئلة والأجوبة بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ، وكان ذلك يدلُّ على حيوية الموضوع وأهميته، وكان لها صدى في أوساط الضباط لفترة من الزمن. وفي إحدى زيارات قائد الفيلق إلى الفرقة قلت في حديثي: «إنك لم تحضر محاضرتي، ولم تكتب رأيك فيها؟».
    فأجابني: «جيد أنني لم أحاسبك».
    فقلت: «على ماذا؟»،
    قال: «إنك كتبت على غلاف المحاضرة أنها قد طبعت في ماكنات الطباعة الخاصّة بالمحافظة، وهذا خرق لسريّة المعلومات التي فيها»،
    فأجبته: «صحيح أننا استخدمنا ماكنات المحافظة، لكن ضابط الاستخبارات أشرف على طبعها بنفسه، ولم يكن هناك أي من عناصرهم».
    ولم نتطرق بعدها إلى هذا الموضوع.

    كنا والفيلق نرغب في التعاون مع القطعات الإيرانية في قواطعنا في عمليات مشتركة لحصر المسلحين الأكراد بين قواتنا وتكبيدهم خسائر كبيرة، وتم الاتفاق أخيرًا على ذلك في إثر زيارة قمت بها لقيادة القطعات الإيرانية في مدينة ميروان المقابلة لبنجوين. وفي النادي العسكري للضباط في ميروان عقدنا اجتماعًا واتفقنا معهم على تنفيذ عملية مشتركة لحصر المسلحين الأكراد في المناطق الحدودية وضربهم أو أسرهم، وحددنا منطقة العملية ووقت تنفيذها، وأرسلوا ضابط ارتباط مع أجهزة الاتصالات اللاسلكية على شبكتهم، كما أرسلنا ضابط ارتباط ليمكث معهم حتى تنفيذ العملية، لكن ما لاحظته هو أن لقاءنا لم يجرِ في المقرّ العسكري لقيادة القاطع وإنما في نادي الضباط، وقد يكون ذلك لحذرهم أو تنفيذًا لأوامر مرجعهم، على الرغم من ترحيبهم الحار بنا، والجو الودي الذي جرت فيه مناقشة العملية المقترحة، والملاحظة الأخرى هي خشية أهالي ميروان وخوفهم، وجميعهم من الأكراد، من السلطة العسكرية، فعندما تمرّ عجلة عسكرية بمقهى على سبيل المثال ينهض كافة الموجودين في المقهى، وقوفًا احترامًا للعجلة العسكرية التي مرت أمام المقهى بغض النظر عمن فيها.

    في اليوم المحدد لتنفيذ العملية، صادف أنه كان يومًا ممطرًا، شرعت قطعاتنا المكلفة بتنفيذ الواجب ليلًا بتسلّق العوارض المطلوب الوجود فيها بانتظار إشعارنا من الجانب الإيراني بخروج قطعاتهم، ومسك العوارض في جانبهم تمهيدًا لزج مجموعات القتال المكلفة بتعقّب المسلحين الأكراد وضربهم، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، وعند اتصالنا بضابط ارتباطنا الموجود عندهم على جهاز الاتصال قال: «لا أعرف فليس هناك أي خبر منهم هنا»، وطلبنا من ضابط الاتصال الإيراني الموجود معنا أن يعرف من قيادته موقف قطعاتهم المنفذة، فادّعى أنه لم يتمكَّن من الاتصال بهم. في اليوم التالي فهم ضابط ارتباطنا الموجود عندهم أن الأجواء كانت سيئة فألغوا العملية من جانبهم، ولم يكلّفوا أنفسهم إخبارنا، وكانت هذه أول وآخر عملية تعاون عسكري معهم.

    قام نائب الرئيس الرفيق صدام حسين ووزير الدفاع الفريق الأول الركن عدنان خير الله بزيارة الفرقة والمحافظة، وطلب صدام جمع ضباط مقرّ الفرقة والتقاهم فأوجزت له ووزير الدفاع عمليات الفرقة وإجراءاتها في مكافحتها عمليات التخريب والمبادرات والفاعليات التي قمنا بها في مختلف المجالات لكسب ثقة مواطني المحافظة، وإبعادهم عن التأثير التخريبي، ثم تكلم الرفيق النائب للضباط عن التآمر الأجنبي لإفشال ما حققته الثورة من إنجازات لعموم شعبنا في المجالات كلها، وأوضح أن ما يقوم به المسلحون الأكراد هو جزء من هذا التآمر، ثم قال: «إن الجزء الأكبر من أبناء شعبنا الكردي هم من المخلصين والمؤمنين بوحدة الشعب والوطن، وإننا حققنا لشعبنا الكردي ما لم يحققه الآخرون، وهذه ليست منّة منا لكن ذلك هو حقهم»، وسأل أخيرًا إن كانت لأيٍ منهم حاجة كي يساعده في تلبيتها، ثم انتقلنا إلى غرفة القائد، وفي الحديث الذي دار بيننا بيّنت له وللوزير بعض ما يدور في خلدي بشأن وضعنا العسكري في القاطع الشمالي، فأيّد معظم ما طرحته. ومما قاله تأييدًا لما عرضته: «نحن نريد من قواتنا في المنطقة الشمالية أن تكون بخفة الفهد وقوّته، لا بحجم الفيل وثقله». بعدها انتقلنا إلى مقرّ المحافظة حيث كان في استقبالنا المحافظ أرشد الزيباري وكبار موظفي المحافظة وشخصيات البلد ووجوهه المعروفة. وهنا حدثت مفارقة لن أنساها حين جاء أحد موظفي المحافظة إلى القاعة التي كنا فيها، وهمس في أذني بأن رئيس الأركان يريد مكالمتي على الهاتف في غرفة المحافظ فاستأذنت النائب وخرجت، ولما عدت إلى القاعة أوقفني أحد المرافقين من حماية النائب وكان واقفًا في مدخل القاعة، وطلب مني أن أترك مسدسي معه. كنا جميع الضباط، آمرين وقادة، نحمل مسدساتنا في مناطق الحركات، ولاحظ النائب هذا التصرف من حمايته فصاح به: «ماذا تعمل؟ نحن جميعًا هنا بحماية القائد». ففسح عنصر الحماية الطريق فقررت بعدها ألّا أحمل مسدسًا أبدًا وأنا في قيافتي العسكرية أينما كنت.

    في بداية عام 1979 هرب الشاه وجاء الخميني على رأس السلطة في إيران زعيمًا للشعب الإيراني ووليًا للفقيه ، واعتقدت القوميات المسحوقة زمن الشاه، ومنها الأكراد، بأنه آن الأوان للمطالبة ببعض الحقوق القومية بعد غياب الشاه وبطشه وأدواته القمعيّة من السافاك وغيرهم من القتلة المأجورين، ومجيء سلطة ثورة الفقراء والمظلومين، إلا أن ردّ سلطات الثورة كان من العنف والوحشية والقسوة بما لم يتخيلوه، فشرعت الآلاف منهم تعبر الحدود هربًا من الموت، وفي سهل حلبجة تدفقت أعداد كبيرة منهم فهيَّأنا معسكرات خيام خاصّة بهم، وأمّنا الطعام والشراب والمنامة والوسائل الصحيّة، وطلبنا من الفيلق تأمين حاجاتهم لأن سيل النازحين لم يتوقف. وتوقعنا وصول آلاف أخرى واقترحنا مفاتحة القيادة في بغداد لنقلهم إلى أماكن أمينة بعيدًا عن المناطق الحدودية. وفي تجوالي بينهم شاهدت أنهم من مختلف المشارب والأعمار، فمنهم الأستاذ والطبيب والمحامي والعامل والفلاح ومنهم الشيوخ والشباب والنساء والأطفال. واستمعت إلى بعض ما يروونه عما لاقوه من قتل وبطش وفتك بالكبير والصغير مما لا يصدقه عقل ولا منطق. وتمنَّيت أن يسمع المسلحون الأكراد وقادتهم ما يحدث لجيرانهم من الأكراد لمجرد أنهم طالبوا ببعض ما حصل عليه أكراد العراق.

    اللواء الركن وليد محمود سيرت، قائد الفيلق الأول وعضو المكتب العسكري، والرفيق نوري الحديثي عضو المكتب العسكري وأمين سر التنظيم العسكري للحزب في قاطع الفيلق الأول، وبينهما ما صنع الحداد. فالرفيق نوري الحديثي خريج الكلية العسكرية ومن الرفاق القدامى. في عام 1973 كان في منصب مدير أمن السليمانية وقد أصيب في حادث سيارة في أثناء ذهابه إلى السليمانية بالقرب من معسكر الفوج الثاني قوات خاصّة الواقع على الطريق المؤدية إلى السليمانية خارج كركوك عندما كنت آمرًا للفوج، وعندما علمت بالحادث قمت وطبيب الفوج بإخراجه من حطام سيارته، وبإسعافه ونقله إلى المستشفى العسكري، وفي إثر تلك الحادثة ارتبطنا بصداقة وثيقة. وكان الاثنان يتبادلان الاتهامات والنقد لأسلوب قيامهما بالواجبات التي كانا مكلفين بها، ففي الوقت الذي يتذمّر فيه اللواء وليد من محاولات الرفيق نوري المتكررة نقد إدارته في قيادة الفيلق وتعامله مع مرؤوسيه، كان الرفيق نوري يرى أن اللواء وليد يتمرّد على توجيهات الحزب في التعامل مع القيادات والقطعات في الفيلق، الأمر الذي يؤثِّر في ولائها للحزب والثورة، وكنت بصفتي صديقًا للاثنين أحاول جاهدًا تخفيف التوتر والنزاع بينهما.

    استلم الرفيق صدام حسين مسؤولية رئاسة الحزب والدولة من الرئيس أحمد حسن البكر بادعاء مرضه، ورفضه الاستمرار في تحمل المسؤولية، وحدث ما حدث من اتهام بعض أعضاء القيادة وكوادر للحزب بالتآمر مع الرئيس السوري حافظ الأسد للانقلاب على صدام حسين واستلام السلطة، والرفاق أعضاء القيادة هم عدنان الحمداني ومحمد محجوب الدوريّ ومحمد عايش ومحيي عبد الحسين مشهدي وغانم عبد الجليل وعبد الخالق السامرائي الذي كان في السجن منذ مؤامرة ناظم كزار في عام 1973، وأعداد أخرى من كوادر الحزب وقادته، أُعدموا جميعًا بعد تحقيق قصير.

    لم نكن نعلم بهذا الحادث بعد، وكنت قد عدت من إجازتي ومررت بقائد الفيلق اللواء وليد سيرت للسلام عليه قبل ذهابي إلى مقرّ الفرقة في السليمانية، وكان يمارس الرمي في ميدان الرمي الصغير الذي بناه خلف غرفة القيادة مباشرة لتسهل عليه ممارسة الرمي، وكان بطل الجيش في رمي المسدس

    فالتقيته هناك وقمنا بالرمي معًا، وكانت نتائجه أفضل مما حصلت عليه بكثير.
    وعندما انتهينا قال لي: «نزار إننا غير أوفياء»،
    فأجبته: «غير أوفياء لمن؟».
    قالها بتأثر: «غير أوفياء للشايب منذ فترة النضال السري». كنا نطلق على الرفيق أحمد حسن البكر لقب الشايب لكبر سنه قياسًا على شباب الحزب،
    فقلت: «غير أوفياء كيف؟».
    قال: «أليس من الوفاء والواجب أن نزوره بعد خروجه من المسؤولية؟»،
    فقلت: «أبو خالد رتِّبْ ذلك ونذهب معًا في أي وقت تختاره»،
    فانفرجت أساريره، وقال: «حسنًا سأعمل على ذلك ونذهب إلى زيارته»، ثم قال: «اسمح لي سأبدل ملابسي ثم نذهب للغداء».
    فتركته وذهبت إلى غرفة رئيس الأركان العميد الركن عبد الستار المعيني، وفي هذه الأثناء انفتح باب مدخل مقرّ الفيلق بعنف، ودخلت مجموعة من الرفاق من تنظيمات الحزب العسكرية، وفي مقدمهم الرفيق نوري الحديثي أمين سرّ التنظيم، وكان يبدو عليه التوتر والعصبية، ومن دون سلام صاح: «أين وليد؟». فأشار العميد عبد الستار بيده إلى غرفته وقال: «في غرفته»، فاندفع الجمع إلى غرفة قائد الفيلق، وبعد أقل من دقيقة خرجوا وكانوا يقتادون اللواء وليد وهو عاري الرأس ومقيد اليدين. نظرت إلى العميد الركن عبد الستار المعيني، وقلت: «ما هذا؟»، فبسط عبد الستار يديه باستسلام وقال بذهول: «لا أدري». استدعيت سائقي وعدت مسرعًا إلى فرقتي في السليمانية.
    بعد وصولي إلى السليمانية كانت الأخبار قد بدأت تتوارد عن مؤامرة وأعضاء قيادة مشاركين وآخرين من كوادر وعسكريين كبار. وأخذوا أحدهم بحضورنا منذ ساعات، وماذا بعد؟ وماذا كان وليد يقصد بقوله «إننا غير أوفياء» لأننا لم نزر البكر الذي ترك الرئاسة بخياره، لكن هل كان بخياره حقًا؟ وما معنى كلام وليد إذًا؟ وهل يمكن أن يكون أخذ موافقتي على الذهاب قد جعله يعتقد أني معهم؟ وهل سيعترف بذلك إذا سئل؟ هل سأُعتبر مشاركًا معه؟ تداعت عليَّ كل هذه الأفكار والتساؤلات وكانت تدور في خلدي وأنا أحاول استرجاع السويعات الغريبة الماضية. استمرّ توارد الأخبار وأسماء تظهر وبعضها قريب مني. رنّ جرس الهاتف وكان فاضل البراك على الجانب الآخر، وسأل: «هل تكلم وليد معك بشيء؟»، فقلت: «بشيء ماذا؟». قال: «أي شيء يدل على نيات غير طيبة؟». أجبته: «أبدًا»، قال: «الحمد لله».

    كُشفت الأسماء في اليوم التالي وحوادث المؤامرة كما رُويت، ومع ذلك كان هناك مزيد من الاعتقالات. اتصل بي البراك مرة أخرى، وطلب مني أن أتذكر إن كان وليد قد قال لي في يومٍ من الأيام أو لمّح لي عن علاقته بأي من الذين سمعت أسماءهم؟ قلت: «لا أبدًا»، قال: «هذا جيد جدًا». في اليوم الثالث تلقيت اتصالًا من سكرتير وزير الدفاع للحضور غدًا إلى ديوان الوزارة. تركت مقرّي في طريقي إلى بغداد وأنا أقول ما الذي ذكّر الوزير بي الآن ليستدعيني؟ السبب على الأغلب له علاقة بما حدث. كانوا يعرفون أن وليد صديقي وإن لم يكونوا يعرفون، فلا بدّ من أن نوري الحديثي قد أكد لهم ذلك. هل تكلم وليد عن لقائنا الأخير؟ وهل يُفسّر ما قاله تآمرًا؟ إن ما قلته آنذاك لم يكن إلّا وقفة وفاء كما قالها وليد نفسه، ولم أفكر لحظة واحدة أنها خطوة في طريق التآمر. وهل هناك من هو أقرب منه إلى النائب والوزير؟ من كان يصدق أنه يتآمر عليهما، وماذا سأقول للوزير غدًا إن سألني عن ذلك؟

    أدخلني السكرتير على الوزير حال وصولي، فأديت له التحية وقام وصافحني ودعاني إلى الجلوس، وقال: «عميد نزار نحن نثق بك وبكل الأخوة القادة والرفاق، لكن ما حدث كان من أقرب الرفاق إلينا وأنا أعرف علاقتك بوليد وصداقتك له، وأريد أن أعرف إن كان قد فاتحك أو لمّح إليك بشيء مما تورّط به، وبالتالي هو قائدك وعضو المكتب العسكري، وقد تعتبر ما يقوله أمرًا حزبيًا وعسكريًا؟». كان الوزير يتكلم وعيناه مركّزتان في وجهي. كنت أتوقع هذا السؤال، وقد تهيّأتُ له فلم أجاوبه على الفور بل جعلته يعتقد بأني أفكر في سؤاله، بعدها قلت: «سيدي الوزير، وليد سيرت كان قائدي وعضو مكتب الحزب، ونحن نعرف كم هو قريب منكم، وكنا ننتظر تعيينه لرئاسة أركان الجيش في أي لحظة. لذلك لو أن وليدًا أصدر لي أمرًا أيًا كان لنفّذته واعتبرته صادرًا عنكم، والآن بعدما حدث أشكّ في أني سأنفّذ أي أمر يصدره قائدُ فيلقي أو الحزب لأن ذلك قد يُفسّر تآمرًا»، قال الوزير: «لا أبدًا تعملون وفق النهج الذي نعرفه، ولم أقصد بكلامي إلا التأكد من أنه لم يلمِّح أو يقُل شيئًا، وثقتنا بك وبرفاقك القادة عالية»، وبأدبه الجم المعروف عنه قال: «تعدينا عليك واستدعيناك من السليمانية فخذ لك بضعة أيام ترتاح فيها مع العائلة».
    عندما وصلت إلى البيت أخبروني بأن فاضل البراك اتصل مرات عدّة، وطلب أن أتصل به حال عودتي فاتصلت، وقال: «أنا قادم في الحال»، جاء ومعه عجلة وفيها عدد من الخرفان وقصّاب وقاموا بذبح الخرفان قربانًا لسلامتي من هذه المحنة. وقال فاضل: «لا تتصور كم كنت قلقًا عليك، وتكلمت مع الرفيق الرئيس صدام، وأكدت له أنك لست من النوع الذي يتآمر علينا بوليد أو غير وليد فاقتنع، وكلّف الوزير أن يتأكد من ذلك».

    يتبع .......

    والعديد من القيادات البعثية التي توفت الى ربها ومن الذين ما زالوا على قيد الحياة .
    فلماذا غفل الحزرجي عن ذكر كل ذلك ؟؟؟

    ولكن لم أعرف رغم نزاهته في السرد لتلك الأحداث مسألة عدم التطرق لبعض الأحداث بصورة مفصلة وكذلك لمصير وسيرة بعض الشخصيات التي أغفلها عن الذكر في مذكراته هذه!
    وربما أنه نسي أن يذكرها أو تقصد عدم ذكرها !
    فمثلا أن الشخصية الأولى في الحروب الجبالية ومن قيادة فذة لتشكيل اللواء الخامس البطل (تشكيل العالي نسبة الى إحتلاله قمم جبال الخليل العالية في فلسطين عام 1948) وتلك الشخصية التي يوازيها أحدا إطلاقا هي شخص الفريق سعيد حمو (رحمه الله رحمة واسعه).
    كما أن الكاتب قد أغفل إعدام صدام حسين لصديقه الحميم الدكتور فاضل البراك عام 1994 وكان يشغل البراك حينها منصب مدير عام جهاز المخابرات العراقي ومازال السبب مجهولا الى حد الآن!!!
    وأما إشارة الخزرجي حول إعدام اللواء الركن وليد محمود سيرت وغيره من العشرات من القادة والوزراء والسياسيين والبعثيين فإنما لم تكن هنالك أية مؤامرة تذكر!!!
    وإنما كل ما في المسألة أن صدام حسين ومن بعد قيامه بعزل الرءيس البكر الذي رفض في البداية أمر إقالته من قبل صدام حسين ولكنه وافق من بعد قيام صدام حسين بقتل نجله الأكبر بحادث سير مدبروقد وصلت رسالة صدام حسين بأن الحبل على الجرار فيما يخص أولاد الرءيس أحمد حسن البكر البقيه !!!
    ومن بعد تنازل البكر عن منصب الرئاسة لصدام حسين كان الأخير على علم تام للغاية بأن تصرفه هذا كان مرفوضا البته من قبل محبي ومؤيدي الرئيس أحمد حسن البكر . ومن ثم قرر صدام حسين القيام بتمثيلية معروفة الى جميع أطياف وطبقات الشعب العراقي ومن الإدعاء كذبا مفضوحا بأنه تم إكتشاف مؤامرة بين قيادات عراقية وبين الرئيس السوري السابق حافظ الاسد!!!
    ومن ثم تم إعدام أولائك الغير مرغوب بهم ومن الذين يشك بولائهم له ويجب أن يتغدى بهم صداما قبل أن يتعشوا به !!!
    ولقد أكد العديد من القيادات البعثية من بعد سقوط النظام عام 2003 بأنه كانت تلك مسرحية تمت بتخطيط وتنفيذ مباشر من قبل صدام حسين واخيه غير الشقيق برزان التكريتي .
    ومن الذين كشفوا تلك المسرحية هم:

    1- الرفيق حسن العلوي.

    2- الرفيق محمد تايه النعيمي.

    3- الرفيق الفريق الركن طالب علي السعدون.

    4- الرفيق محمد دبدب.

    والعديد من القيادات البعثية التي توفت الى ربها ومن الذين ما زالوا على قيد الحياة .

    فلماذا غفل الحزرجي عن ذكر كل ذلك ؟؟؟

    بالنسبه لموضوع اعدام فاضل البراك مدير جهاز المخابرات العراقيه السابق فقد اعدم بتهمه العماله لجهاز الموساد الاسرائيلي والتي جندته تحت غطاء استخبارات المانيا الشرقية.

    التعديل الأخير تم بواسطة bahzani-3 ; 03-04-2018 الساعة 17:25

+ الرد على الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك