رواية قواعد العشق الأربعون
اهداء الى شفان شيخ علو
قواعد العشق الأربعون للكاتبة اليسارية التركية ( إليف شافاك ) .. التي اثبتت من خلال ابداعها ونتاجاتها الفكرية التي ترجمت لأكثر من 42 لغة لحد الآن بما فيها الكردية.. وما بيع من روايتها هذه في تركيا حيث تجاوز الـ 600,000 ألف نسخة في غضون اربعة اعوام فقط ..
يشكل معلماً من معالم الانجاز الروائي والأدبي يستحق التوقف عنده و متابعته.. ليس كأدب محلي تجاوز أطر الجغرافية التركية.. بل لأنه أدب عالمي يتناول في ثيمته كما هو الحال مع رواية قواعد العشق.. حالة الجدل المتواصلة في إطار المجتمعات الشرقية بنزعتها الصوفية الانسانية ومفهومها المنفتح للدين.. والعلاقة بين الايمان وحرية المعتقد والتفكير.. و التركيز على قيم المحبة والتآخي والتعاضد بين البشر.. و القبول بالآخر المختلف.. بحكم التنوع في الطبيعة..
التي تجسدت بشخصية المتصوف والشاعر جلال الدين الرومي وعلاقته الشائكة بالدرويش شمس التبريزي.. أو شيشمس توريزي.. التي أجمعت عدة اديان وطوائف وشعوب على قبولها من افغانستان وايران وكردستان وتركيا والعرب وبجلتها كما هو الحال بالنسبة للعلويين والفرس والايزيديين والارد حيث تحظي شخصية التبريزي او التوريزي .. واحياناً كما هو الحال عند الايزيديين بشيشمس تتري .. (من الجدير بالذكر ان تترستان معناها في اللغة التترية بلاد الشمس) ..
شيمشس التبريزي وجلال الدين الرومي ـ مولانا الافغاني.. الذي تواجد في قونيا عاصمة الدولة السلجوقية.. وتركا فيها ضريحين يئمهما الكثير من المريدين لليوم .. هما الشخصيتين المحوريتين في الرواية ..
شكل لقاؤهما وعلاقتهم نقطة انعطاف فاضت بالمزيد من الأفكار والمواقف المنسجمة التي جسدت توجههم الانساني وعمق محبتهم للناس في رؤية تراجيدية ـ درامية ـ متصاعدة.. تعكس حالة الصراع مع الجهلة والمتخلفين المتشبثين بالمظاهر والشكليات الايمانية الفارغة.. التي تفقد قيمتها واهميتها في المواجهة حينما ينبري الدرويش المتجول شيشمس للذين يتبوؤون المناصب الدينية ويتحكمون بالبشر ويحكمون بينهم كقضاة..
حيث يلوذ أحدهم بالفرار من اول مواجهة فكرية عميقة تكشف زيف القاضي المتجبر ونفاقه الديني المبتذل.. في ذات الوقت الذي تبدأ الحيرة المشفوعة بالتساؤلات العميقة من بين الجمهور الشاهد لحالة الجدل والنقاش..
الذي لا يلغي الانقسام واستمرار بقاء محورين متضادين يتصارعان في السر والعلن.. يكون بينهم ولدي مولانا الذي يناصب احدهم العداء للتبريزي ويحقد عليه بالرغم من وجوده في ذات الدار مع ابيه الذي استضافه في زاوية منه لأربعين يوماً هي مدة اعتكافهما.. شكلت ساحة للجريمة التي ذهب ضحيتها التبريزي المغدور .. حيث اغتيل بتواطؤ ومشاركة ابن مولانا الذي سهل مهمة القتلة ..
هذه النهاية البايولوجية للحدث من خلال مقتل شمس التبريزي.. لا تشكل نهاية الرواية.. ولا تنهي دوره التاريخي مع مقتله بالطريقة البشعة التي تم التخلص منه والقائه بالبئر.. لأنها تتجسد في محور آخر من العمل بظهور شخصية عزيز المعاصرة التي تستخدم التكنولوجيا والفيسبوك وتتبادل الرسائل مع شخصية محورية في النص هي عشيقة وحبيبة عزيز إيلا ..
سرعان ما تكتشف تطابق مفاهيمها مع مفاهيم شمس وتتأكد ان نزعة الحلول التي كان يؤمن بها التبريزي قد تحققت من خلال خصال عزيز وروحه وطبيعة علاقاته الصوفية وتصرفه مع المرأة والحوار الدائر بينهما.. في ذلك اللقاء الخالد في الذاكرة رغم بعد المسافة بينهما..
كما تتجسد شخصية الرومي والتبريزي في ديمومة افكارهم .. وما حملاه من قيم انسانية خالدة ما زالت تتوارث وتتواصل رغم الكارثة التي حلت بالبشر في هذا العهد الذي اعادنا مع ظهور التعصب الديني وظهور القاعدة وداعش.. الى تلك الاجواء التي احتدمت فيها الصراعات الاجتماعية في القرن الثالث عشر وسخرت الدين ووظفته بشكل مبتذل في صراعاتها كما يحدث مع الدواعش في زمن العولمة المتوحشة اليوم ..
لهذا فإن القراءة المعمقة للرواية لا تخلو من استنتاجات واسقاطات تدين التعصب والتشدد الراهن للدواعش.. الذين لم يكتفوا بما فعله اسلافهم بالتبريزي فقط .. و سعوا لإبادة مجموعات بشرية كاملة كما حدث في سنجار وسهل نينوى .. انها رواية تدين العنف الديني.. كما تدين اغلاق العقل والتحجر ومصادرة حرية التفكير .. تدعونا لنبذ التطرف ..التعصب .. والتمسك بالحب والعشق الصوفي لمعرفة طريق الحقيقة بين القلب و الرأس.. وان اردت معرفة الله وادراكه فأن وجوده لا ينحصر في المسجد أو الكنيسة والمعبد .. و إن كنت ترغب الوصول لعرشه يمكنك المجازفة والتوجه للدخول لقلب أي عاشق حقيقي.. فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات لا يمكن إدراكُه إلا بالصمت .. و عليك أن لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع ربهم، فالمناسك و الطقوس لا تجعلهم مؤمنين .. رواية تأخذ مكانتها الحقيقية في قمة الادب العالمي تستحق القراءة..
دون أن نغفل براعة ترجمتها الى العربية من قبل خالد الجبيلي الذي مازال يلفت الانظار لاختياراته الراقية ويستحق التقدير والثناء على ما يقدمه لقراء العربية بتواصل ترجماته ..
ــــــــــــــ

صباح كنجي
اوائل آذار 2018
ــ اليف شافاق مواليد ستراسبورغ فرنسا 1971 .. تشكل صوتا متميزاً في مسار الادب التركي والعالمي المعاصر .. لديها اكثر من ثمانية روايات منها رواية ( لقيطة اسطنبول) عن الأرمن وما حل بهم وتعرضت للاعتقال والمحاكمة بسببها بالإضافة الى عدة كتب تهتم بالفلسفة والفكر السياسي المعاصر ..