عراقي بين رجال البحر والحوريات في أشجع الأعمال الإنسانية (صور)


وليد أو سام ( شاب ايزيدي من هانوفر) كما يسميه أصدقائه وزميلاته، الذي يشكل معهم، فريقا كأنه "حوريات البحر"... على غرار الشخصيات الأسطورية التي صورتها الروايات والرسوم المتحركة للحوريات وآبائهن بنصف جسد إنسان، وذيل سمكة، في إنقاذ الغرباء وأطفالهم من فاه الغرق المتربص بهروبهم من العنف في بلادهم.




تحدث "سام" واسمه الحقيقي وليد صالح، وهو لاجئ عراقي في ألمانيا، والذي ساعد في إنقاذ آلاف المهاجرين بينهم أكثرية من العراقيين والسوريين، من الموت في بحر إيجة بين اليونان وتركيا، عن عمله وأحزن المواقف وأشجعها، في حوار أجرته معه مراسلة "سبوتنيك" في العراق، اليوم الأربعاء 18 أبريل/ نيسان. إلى نص الحوار…
سبوتنيك: عرفنا ومتابعي موقعنا عنك؟
اسمي وليد صالح، لكنني استخدم اسما آخر هو "سام" معروف لدى الأوروبيين والمتطوعين أصدقائي في العمل الإنساني، من مواليد عام 1988، من قضاء سنجار "غربي الموصل، مركز نينوى، شمال العراق"، تخرجت من الصف الخامس العلمي للمرحلة الإعدادية، وأجلت المرحلة الأخيرة "أي السادسة" لسنتين، وقبل التخرج هاجرت.
سبوتنيك: متى هاجرت من العراق نحو أوروبا؟
هاجرت في سنة 2013، غادرت لأسباب اجتماعية وشخصية، وحصلت على الإقامة في ألمانيا في عام 2014، وأنا مقيم فيها حتى الآن منذ ذلك الوقت.
سبوتنيك: متى بدأت في عمل إنقاذ المهاجرين، وفي أي الأماكن؟
تطوعت بشكل شخصي في شهر شباط/ فبراير عام 2016، في اليونان مرتين، وفي سنة 2017 أيضا ذهبت مرتين هناك… كل مرة شهر، وفي هذا العام أيضا ذهبت مرة، وسأكرر ذلك مرة أخرى لمدة شهر.
سبوتنيك: متى انضممت لفريق منظمة الإنقاذ، ومما يتكون؟
عملت أول مرة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، عام 2015، مع متطوعين من جميع دول العالم، عملنا كفريق تحت اسم (United Rescues) منظمة الإنقاذ العالمية، وكان معنا أيضا مترجمين بكل اللغات، ومسؤولين عن أمن القوارب.
سبوتنيك: ما الذي دفعك للانضمام إلى فريق منظمة الإنقاذ؟
الشيء الذي دفعني لهذا العمل، هو في نظري كل إنسان لديه قدرات مهما كان مستواه أو مستواها، ومن الضروري إعطاء هذه القدرات للآخرين والاستفادة منها، أيضا كإنسان، بنظري بما أن الحياة ليست عادلة، اعتبر أنه من الضروري الوقوف مع الناس الذين ليس لديهم قوة وهم يعانون، فالكثير يعانون حتى الموت ولا يوجد من يفكر فيهم ولو دقيقة، يوجد قليل من الناس يهتمون بهؤلاء المهاجرين، وهذا يعتبر حرب تستمر ربما، ليست بين الحق والباطل، وإنما حرب يستمر فيها الضعفاء يموتون بصمت.
أنا بنفسي عندما اعتبر شخصي كإنسان فلا بد أن أقف مع الإنسان الأخر من أجل أن يرتقي، من أجل سعادته أيضا، هذا أهم شيء بالنسبة لي كأهداف في الحياة بعيدا عن الأهداف الشخصية.
سبوتنيك: وما هي الإجراءات التي تتخذونها بشأن القوارب التي يهددها الغرق؟
كنا نضغط على الخفر "التركي واليوناني، والفرق الأرضية على البحر والشاطئ"، لكي يتحركون بأسرع وقت في البحر، في حال تواصل أي قارب معانا، وتحت أي ظروف صعبة، كنا ننقذه مهما كلف الأمر في حال حصلنا الإحداثيات منهم.
للأسف حصلت حالات غرق كثيرة، لأنه لم يكن لديهم تواصل مع فرق الإنقاذ، الكثير منهم يخرجون إلى البحر دون التواصل مع الفرق، وأيضا بسبب تدفق اللاجئين بشكل كبير عبر القوارب الخشبية والحديدة القديمة وإثرها أكثر حالات الغرق تحصل.
سبوتنيك: هل لديكم تنسيق مع منظمات دولية في إنقاذ المهاجرين؟
نعم، مثل منظمات "أطباء بلا حدود"، والـ(UN) الأمم المتحدة، ومتطوعون مستقلون في الجزر، حيث كنا نؤمن سلامة القارب في البحر عن طريق التواصل المستمر عبر الهاتف، ونقل الإحداثيات كل عشر دقائق إلى الفرق الأرضية والخفر حسب ظروف القارب الذي في البحر، بالإضافة إلى التعاون مع فرق الإنقاذ الإسبانية واليونانية.


© Sputnik . Nazek Mohammed
وليد صالح لاجئ عراقي في ألمانيا

سبوتنيك: المهاجرون الذين قمتم بإنقاذهم، من أي دول، هل الأغلبية من العراق وسوريا؟
في بداية الهجرة أي خلال سنة ٢٠١٥، كان أغلب المهاجرين عراقيين وسوريين، وليس لدينا إحصائيات دقيقة بإعدادهم لكن الإيزيديين من العراق، منهم بشكل عام تقريبا نحو ٧٠ ألف شخص هاجر إلى أوروبا، وأكثرهم استخدموا طريق البحر في الوصول، بعد الإبادة التي نفذها بهم تنظيم "داعش" الإرهابي، في مطلع أغسطس/ آب عام 2014.
سبوتنيك: كم أنقذتم من المهاجرين؟
ساعدنا حتى الآن أكثر من ١٥٠٠ قارب في أول سنة من عملنا، كنا في ذلك الوقت نساعد أقل شيء، نحو 10 قوارب تقل مهاجرين، من بحر إيجة "أحد أفرع البحر المتوسط، ويقع بين شبه الجزيرة اليونانية والأناضول التركية"، في اليوم الواحد.
سبوتنيك: ما هي أصعب المواقف التي واجهتموها في الإنقاذ؟
أصعب عمليات الإنقاذ كانت بالنسبة لي، عندما يتصل بي المهاجرون وأسمعهم وهم يغرقون في البحر، كنت أحصل على الإحداثيات والموقف منهم، ثم أنسق مع فرق الإنقاذ على الشاطئ أو الخفر لكي يبعثون قارب سريع لأجل الإنقاذ، وأحزن المواقف كانت عندما أسمع صوت الأطفال وهم في قارب مطاطي يصرخون من الخوف.
أذكر مرة، في شهر فبراير 2016، عندما كنت على شاطئ البحر، في جزيرة "متيليني"، وصل قارب يقل مهاجرين، ساعدناهم في تغيير ملابسهم المبتلة، وغطيناهم بالـ"بطانيات" الأغطية السمكية، ووفرنا لهم الطعام والشراب، لكن كان من بينهم طفل في حالة غرق.. بقينا حوله أكثر من ربع ساعة والفريق الطبي يحاول إنقاذه بكل الطرق لكن لم يحالفه الحظ ويحالفنا في إنقاذه، تألمت بشكل فضيع.
وأيضا في الوقت الذي كنت على الشاطئ للمناوبة، أرى المهاجرين يصلون بالقوارب، وقتها أصاب بحالة هستيرية فظيعة لا أستطع السيطرة على نفسي، عندما أرى ٧٠ شخصا في قارب مطاطي صغير واحد، كنت أبكي مع نفسي في داخلي، لكن كنا هناك للمساعدة لهذا كنا نحاول أن نكن أقوياء ولا ننهار مع المواقف ونبقى نتحرك بسرعة.


© Sputnik . Nazek Mohammed
وليد صالح لاجئ عراقي في ألمانيا

سبوتنيك: ما أغرب موقف صادفته خلال إجلاء المهاجرين من باطن البحر؟
لم يكن هنالك مواقف غريبة، السبب أننا تعودنا على نفس العمل كل يوم، الكثير من الناس كانوا في حالة خطر وغرقوا، ومنهم من استخدموا الهواتف ونقلوا لنا الإحداثيات ومن ثم ننسق مع الخفر والفرق، ويتم إنقاذهم سواء كانوا في الطرف التركي أو اليوناني، وفي نهاية المطاف نكن أسعد الناس في الدنيا عندما ننهي المهمة دون أن يحدث أي ضرر لأي لاجئ، بالنسبة لي إنه كجزء من عمل عسكري، لا ينقسم على اثنين، أما الإنقاذ أو الإنقاذ، لا يوجد شيء ثان يجب أن يحدث، لهذا يعتبر عملنا هو الأصعب، نحتاج فيه إلى ضبط نفس، والمعلومات الدقيقة، وشرح موقف بشكل سريع، ثم التنسيق والبدء في إتمام المهمة.
سبوتنيك: ما هي الخدمات التي تقدمونها للاجئين عدا إنقاذهم من الغرق وأمواج البحر؟
تعرفت على الكثير من المتطوعين من خلال هذا العمل، واستثمرت ذلك لمصلحة اللاجئين، ومن خلال اتصالاتي ساعدت الكثير منهم فيما يخص العلاج للأطفال والمرضى الذين لم يقدروا على الاهتمام بحالهم أثناء طريق الهجرة، استطعت الحصول على الدواء، وعمليات جراحية لهم ومساعدات مادية، بالإضافة إلى شراء الحليب للصغار، في بعض الكمبات "مأوي اللاجين"، والمواد الغذائية للعائلات الفقيرة، ومؤخرا قمت بتوزيع مواد غذائية على حوالي 400 شخص.


© Sputnik . Nazek Mohammed
وليد صالح لاجئ عراقي في ألمانيا

سبوتنيك: كم تحتاج من الوقت في يومك للإنقاذ؟
أنا أعمل حارسا أمنيا، ستة أيام في الأسبوع، و12 ساعة في اليوم أعمل في مركز اللاجئين في مدينة هانوفر، كرست كل وقتي في العمل وفي البيت، لأجل التطوع والعمل الإنساني، حيث كنت في عملي، على مدار ١٢ ساعة استخدم الهاتف من أجل سلامة المهاجرين، وإنقاذهم من البحر، كنت مرات كثيرة أنجز العمل وأخرج إلى البيت للاستراحة لكنني لا أنام ولا يبق عندي حتى وقت لتناول الطعام.
مرات كنت أظل مستيقظا ليومين مع أجل عمليات الإنقاذ، وفي أول 6 شهور من بداية العمل أصبت بتعب نفسي وجسدي ولم تكن لدي القوة الكافية لأعتني بنفسي حتى، وحاولت أن أنسحب وأترك العمل لكنني لم استطع، أدركت إنني إذا استطعت إنقاذ روح طفل أو امرأة أو إنسان مهما يكون، هذا يكلفني الحياة كله، أشعر أني كإنسان ذو قيمة ولدي قدرات يجب استثمارها لأجل الآخرين.


© Sputnik . Nazek Mohammed
وليد صالح لاجئ عراقي في ألمانيا

سبوتنيك: ما هي المشاكل التي تصادفكم كفريق؟
عندما عملت مع فريق (United Rescues) بعد سنة، حصلت مشاكل كثيرة بين بعض المتطوعين، فيما بينهم، والكثير منهم تركوا العمل، لكننا بقينا نحن كشخصين أو ثلاثة، من أجل إنقاذ المهاجرين، وحتى اليوم نحن مستمرون بجهودنا الخاصة، إذ نسقنا مع جميع الفرق الأرضية.
سبوتنيك: أخيرا ما حلمك قبل أن تعمل في إنقاذ المهاجرين؟
حلمي كان التخرج من المدرسة ودخول الجامعة ونيل شهادات في الدراسات العليا وأخدم بلدي ومجتمعي أينما أكون، لكن لم يحدث ذلك، فقد تركت المدرسة في آخر سنة من المرحلة الإعدادية، وهاجرت.

أجرت الحوار/ نازك محمد