+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات الدينية في كتاب جديد للدكتور خليل جندي

  1. #1
    اداري
    الحالة: bahzani4 متواجد حالياً
    رقم العضوية: 3
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 26,791
    التقييم: 10

    المعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات الدينية في كتاب جديد للدكتور خليل جندي

    Share on Facebook




    الدين الايزيدي
    المعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات الدينية

    سيصدر قريباً عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية بالاشتراك مع دار الرافدين في بيروت، كتابي بالعنوان أعلاه وهو الطبعة الثالثة لكتابي السابق الموسوم: "نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية" حيث اجري على الكتاب بعض التنقيحات وإضافة بعض المواضيع الجديدة.الكتاب سيشترك في الكثير من معارض الكتب في البلدان العربية والعالمية، وسيدرس مستقبلاً كمادة منهجية في جامعة الكوفة /كورسي اليونسكو.
    أدناه تقديم الاستاذ الدكتور سعد سلوم للكتاب:
    مقدمة كتاب
    فهم الدين الإيزيدي : الجماعة، الكتاب، المؤرخ
    سعد سلوم

    منذ إجتياح مقاتلي تنظيم داعش قرى الايزيديين على الجهة الجنوبية من جبل سنجار، تلك الكتلة الصخرية الحمراء اللون من التاريخ الدموي، سجلوا حلقة جديدة في تاريخ الفرمانات الإيزيدية. إذ، يؤرخ الأيزيديون لــ"73" إبادة جماعية يطلقون عليها تسمية "الفرمانات"، ويضيفون الرقم 74 لوصف الإبادة الأخيرة على يد داعش، ويمكن للأرقام الباردة أن تقدم تصورا عن المأساة التي حلت بهم، فبعد عام من اجتياح داعش لمناطق الأيزيديين في سنجار، كان أكثر من نصف المجتمع مشردا خارج مناطقه الأصلية، فمن أصل 550.000 أيزيدي، ، بلغ عدد النازحين نحو 360,000 نازح، وعدد من قتلوا في الايام الاولى للأبادة 1293، وعدد الأيتام 2745، وعدد المختطفين 6417 منهم 3548 من الاناث و 2869 من الذكور، وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة حديثا في سنجار 67 مقبرة جماعية، فضلا عن العشرات من مواقع المقابر الفردية، وتم تدمير 68 مزارا ومكانا مقدسا للأيزيديين، ويقدر عدد الذين هاجروا الى خارج العراق بنحو (100.000) حسب احصائيات المديرية العامة للشؤون الايزيدية في أقليم كردستان العراق في اخر تحديث لها بتاريخ 10-2-2018.
    إذا "لا شيء جديد تحت شمس الإبادة"، بهذه العبارة يختصر المؤرخ والمفكر الإيزيدي "خليل جندي" في حديث معه بعد أكمال المسودة النهائية لهذا الكتاب تاريخ تعامل السلطات المختلفة مع الإيزيديين منذ قرون. كانت السياسة تجاه الإيزيديين قد إتخذ طابعا متشددا في الحقبة العثمانية لما يزل طريا في قصصهم؛ فالحملات العسكرية التي شنت ضدهم خلال الصراع الصفوي - العثماني في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، تجددت بعد منتصف القرن المذكور على أيدي القادة والولاة العثمانيين والصفويين مشفوعة بصدور فتاوى رسمية من الدولة العثمانية عدّت مناطقهم (دار حرب) من الوجهة الشرعية، وبذلك أصبحوا هدفا مباحا للقتل والسلب والنهب. وواجهوا حملات الأمراء المحليين طيلة القرن التاسع عشر، فكانوا هدفا لحملات القادة والولاة والأمراء في مختلف المناطق والولايات العثمانية، وفي منتصف القرن التاسع عشر حاولت السلطات العثمانية إجبارهم على أداء الخدمة العسكرية في الجيش العثماني، وأعيد تعريفهم كفرقة إسلامية منشقة، تصادمت بعنف مع السلطات.
    في العقدين الأول وبداية العقد الثاني من القرن العشرين اتخذت سياسة العنف منحى خطيرا بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى من خلال تبني العثمانيين سياسة الحل النهائي بالقضاء على الأقليات الدينية في الدولة العثمانية من الآشوريين والسريان والأرمن، كما ضمت سياسة متشددة تجاه الأيزيديين لا تقل قسوة عما واجهه الأرمن. وذلك قبل أن يحتل البريطانيون العراق، والفرنسيون سوريا، ويتصارعون على النفوذ في مناطق الأيزيديين مع المحتل التركي القديم.
    مع إنطلاق مشروع الدولة/الأمة الحديثة في العراق 1921 كان حذر السلطة وراعيها البريطاني ينبع من أمكانية توظيف الأقلية صعبة المراس ضمن مخططات فرنسا أو تركيا الكمالية، ثم ورثت الأنظمة المتعاقبة هذه المخاوف ولعبت على ورقة توظيف الأقلية في صراعها مع الجماعات الأكبر، لا سيما في ذروة السياسات الإيديولوجية القومية في عهد البعث منذ ستينات القرن الماضي، إذ تحولت المخاوف من توظيفها في مخططات الحركة الاستقلالية الكردية.
    في هذا السياق الانتقالي بين الأعداء الخارجيين والداخليين أعيد إنتاج أفكار عن الأيزيديين تتفق مع سعي الدولة لصهر التنوع في هوية متماسكة وجامعة سواء من خلال قولبتهم كجماعة تتحدد خياراتها بـالرجوع إلى حظيرة دين الأغلبية، أو تتطابق مع هوية الأغلبية القومية.
    بعد أنهيار مشروع الدولة/الأمة نهائيا في العام 2003 وقع الأيزيديون ضمن رقعة صراع جديدة، وفي ظل ظروف تفاوضية للجماعات الكبرى: الأكراد، والشيعة، والسنة، بشأن تقاسم السلطة والثروة في ظل الاحتلال الأميركي، واستهدفوا لإسباب دينية على يد الجماعات المتطرفة التي أصدرت "فتاوى" لتكفيرهم معيدة إنتاج تاريخ قديم من الاضطهاد والاستهداف. وأصبح الاستهداف الجديد خلفية تشكل الواقع القلق للأيزيديين، فالحاضر في نظر الأيزيديين لم يعد سوى حلقة مضافة لتاريخ متصل لم يقبلوا فيه كجماعة مختلفة، فهو تاريخ منفتح على إضافة أرقام تصاعدية لقائمة الفرمانات الـ 73.
    في هذا السياق الملتبس والزاخر بسرديات متنافسة في سياق بناء الدولة/الأمة وإنهيارها يلقي الخلاف بشأن تسمية "الأيزيديين" بوصفها جماعة، و"الأيزيدية" بوصفها عقيدة ضوءاً كاشفا على الخلاف بين السردية القومية العربية والسردية الاستشراقية بشأن أصل الجماعة وطبيعة معتقداتها. فالمستشرقون كانت لهم مقاربة مختلفة لأصل الأيزيدية الذي رده الباحثون الشرق أوسطيون العرب إلى يزيد بن معاوية الأموي، وذلك قبل أن يظهر تأكيد الباحثين الأيزيديين أخيرا على أصالة دينهم وافتراقه عن دين الأغلبية المسلمة عندما بدأ الأيزيديون برفع سردية مضادة تؤكد هويتهم المستقلة من خلال البحث والتنقيب عن تاريخهم وأصل معتقداتهم قبل عقود قريبة، و يمثل كتاب الدكتور "خليل جندي" ذروة هذه السردية الإيزيدية.
    تأثر إنطلاق السردية التي هيمنت عليها إيديولوجيا القومية العربية وتطابقت مع سعي بناء دولة/ أمة جديدة في العراق، بكتاب أحمد تيمور باشا "اليزيدية ومنشأ نحلتهم" الذي صدر في القاهرة عام 1928، فهو أول دراسة بالعربية كتبت عن الإيزيديين وأبعدها تأثيرا في ما لحقه من دراسات وكتب، ثم توالت المؤلفات التي لم تخرج عن هذه السردية المهمينة التي شكلت صورة الإيزيديين في ثقافة بلدان الشرق الأوسط الإسلامية. ومن ممثليها : "عباس العزاوي"، "عبد الرزاق الحسني"، "صديق الدملوجي"، "سعيد الديوه جي"، "سامي سعيد الأحمد" والأخير يمثل أفضلها على صعيد أكاديمي. ومع عدم اطلاع معظم هؤلاء الكتاب على نصوص الديانة الأيزيدية وعدم معرفتهم باللغة الكردية، أو عدم اتصالهم بموضوع بحثهم، ومن ثم التحقق ميدانيا من صحة ما أوردوه من آراء، أصبحت آراؤهم بمثابة "رأي سائد" عزز من حجته سكوت الأيزيديين عن تصحيح هذه المغالطات. إذ لم يتيسر التعليم آنذاك لدى الغالبية العظمى من الأيزيديين، ولم تتوافر لديهم معرفة جيدة بشؤون دينهم وفلسفة معتقداتهم، فضلا عن سرية هذه المعتقدات وعدم رغبة رجال دينهم وقادتهم الاصطدام بالآخر، لا سيما مع تبن الأنظمة السياسية المتعاقبة الأيديولوجية القومية العربية لذا فضل الأيزيديون التكيف مع سياسات الهوية الرسمية مشفوعة برغبتهم في التكيف مع محيط اجتماعي مغاير دينيا، برغم أن تلك المغالطات في كتب الباحثين تعدتها إلى تشويهات بعيدة عن فهم ماهية "العقيدة الأيزيدية" و"الأيزيديين" بوصفها جماعة إثنية متميزة.
    لكن سبعينيات القرن الماضي شهدت إنفتاحا رسميا على التنوع الإثني والديني وصدور تشريعات منحت الأقليات حقوقا ثقافية مكنت من نمو سردية مضادة تمردت على الخط الإيديولوجي للسردية القومية العربية وروايتها الرسمية التي يعد مؤرخ الدولة "عبد الرزاق الحسني" أشهر ممثليها، وقد وفرت مجلة "التراث الشعبي" المجلة الفولكلورية الرائدة في العراق والمنطقة العربية مساحة غير مسبوقة لتناول قضايا التعددية والتنوع في جوانبها الثقافية والفنية والفولكلورية. الأمر الذي أسهم في تأسيس السردية الإيزيدية التي يعد "خليل جندي" من بين أبرز ممثليها.

    و كان الحدث الأهم في تلك الفترة على صعيد داخلي إيزيدي يتمثل بتخرج نخبة من الشباب الإيزيديين في كلية الآداب بجامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي بدأوا بصياغة السردية الإيزيدية المضادة، وبناء عليه بدأ الصمت وموقف المتفرج السلبي يتغير. وقد وجد "خليل جندي" ضمن نخبة صغيرة من الشبان الأيزيديين ضرورة أن لا يتركوا للآخر مهمة الكتابة عن دينهم ومعتقداتهم، ووقفوا إزاء مسؤولية الكتابة عنها. فنشر "خليل جندي"؛ و"خضر سليمان" كتابا مشتركا باللغة الكردية أسمياه "ئيزدياتي" (الأيزدية في ضوء نصوص الديانة الأيزيدية)، طبعه المجمع العلمي الكردي في العام 1979. ينتمي الباحثان الى جيل من المتعلمين الإيزيديين في مدراس حكومية في مناطق الإيزيدين المختلطة، وقد واجها في ظل نظام التعليم الرسمي تمييزا قاسيا، ويروي "خضر سليمان" قصة ملفتة بهذا الشأن :
    في أحد أيام الشتاء القارص من العام 1964-1965، كان "جندي" و"سليمان" في الصف الثاني المتوسط في ثانوية عين سفني، وكان الصف الدراسي يتكون من مجموعة مختلطة دينيا من الطلاب المسلمين والمسيحيين مع أغلبية أيزيدية. دخل مدرس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية وطلب خروج كل طالب ليس لديه دين وكانت الإشارة تتضمن سليمان وجندي اللذان خرجا مع زملائهما المسيحيين، وهما يحملان جرح هذه الإهانة العميقة، فهل معنى كلام الأستاذ أن غير المسلم ليس لديه دين؟!.
    كان المطر ينهمر بغزارة في الخارج، وليس هناك مكان يحميهما من البرد والمطر الذي بلل ملابسهما الكامل. قرر "سليمان" بعد أن تصاعد الغضب في رأسه الرجوع إلى غرفة الصف مع زميله للاعتراض على جملة (ليس عندكم دين) المستفزة. وحين واجها الأستاذ في غرفة الصف بالاعتراض، دار حوار غير متكافئ عن العقيدة الأيزيدية، عرضهم الأستاذ إلى وابل من الأسئلة الاستفزازية التي لم يملكوا أجوبة عنها، ومنذ ذلك الوقت -وكما يقول سليمان- "أضحى البحث عن ماهية الديانة الأيزيدية شغلنا الشاغل، إذ كنا نستغل كل الفرص المتاحة للعثور على مفتاح السر الكامن في صدور رجال الدين، والقوالين، والمجيورين(سدنة المعبد والمزارات الإيزيدية)، الذين كانوا دوما يوصدون الأبواب بوجوهنا". ويشير "خليل جندي" في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية) إلى هذا المعنى بقوله : "كانت مدينتنا الصغيرة في عين سفني مركز قضاء الشيخان صورة مصغرة لملتقى وتعايش كثير من الأديان (الأيزيدية، والمسيحية، والإسلام، واليهودية سابقا). وفي مرحلتي الدراسة المتوسطة والإعدادية كنا نواجه أسئلة واستفسارات بحجم ذلك اليوم. كبرنا وكبرت معنا تلك الأسئلة: ما هي الأيزيدية؟ من هو طاؤوس ملك؟ هل تؤمن الأيزيدية بالإله الأوحد؟ ما هو سر الطبقات الدينية، ونظام الزواج المغلق الصارم؟ لماذا النظام الهرمي المراتبي الديني؟". لم يواجه "خليل جندي" وزميله " خضر سليمان" محيطا يسيئ فهم الأيزيدية فحسب، بل واجها ضغوطا داخلية من رجال الدين، وحاولا التغلب عليها، ولاسيما أن الأدب الأيزيدي غير مدون، ولأجل هذه المهمة توجها الى رجال الدين مرات عدّة، حتى أفلحت محاولاتهما لفسح المجال لتدوين النصوص التراثية، وعدم معارضة البحث في الديانة الإيزيدية.
    بعد حرب الخليج 1991 وحصول الأكراد على وضع استقلال نسبي، أتيح للأيزيديين هامش من التحرك لمأسسة السردية المضادة لم يكن متاحا في ظل قبضة الدولة الشاملة ، فأسس كل من "خليل جندي" و"خضر سليمان" مراكز بحثية خاصة بالأيزيدية لإنهاض مستوى الوعي الأيزيدي وتعريف الأخرين بمعتقداتها وتاريخها، وهكذا كان مشروع مركز لالش داخل العراق الذي ترأسه "خضر سليمان" ومركز الأيزيدية خارج الوطن الذي ترأسه "خليل جندي"، وأصدر الأخير مجلة ثقافية "روز" تعني بالشأن الأيزيدي، وأصبح وبحسب نظامه الداخلي نقطة التقاء للأيزيديين في الخارج، ووسيطا لتطوير العلاقة بينهم، فضلا عن مهامه في الحفاظ على الهوية والتراث الأيزيدي وجمع النصوص التراثية وأرشفتها وإجراء البحوث عنها، وتسهيل مهمة الكتاب والباحثين بالشأن الأيزيدي، وإصدار الكتب والمجلات بلغات عدّة.
    أسهم هذا النشاط في احتواء الحذر الإيزيدي الداخلي من التحدث عن معتقدات الدين وتصوراته ومواجهة الصور النمطية عن الأيزيديين في سياق شرق أوسطي متزمت، ويشرح "خليل جندي" هذه الصعوبة بقوله: "لقد كتبت دراستي (نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية)، ولاسيما الحلقة الأولى بشيء من الحذر والتأني، بسبب من أن مجتمعات الشرق الدينية المتزمتة يجد الباحث عن أصول الأديان و معتقداتها صعوبات جمة في التوفيق بين مشاعر الناس الدينية، وبين قول الحقائق التاريخية". فتح "خليل جندي" بذلك طريقا سلكه الباحثون الإيزيديون الشباب في ما بعد، لا سيما بعد أن ساعد الأعتراف الرسمي بالإيزيدية بعد العام 2003 (المادة2/2) ومنح الأيزيديين "كوتا" في البرلمان العراقي، وإنشاء ديوان الأوقاف المسيحية والأيزيدية والصابئة المندائية، على تجاوز عقدة الخوف من محيطهم الاجتماعي، وتحطيم جدار الجهل بمعتقداتهم لدى الآخر، فبرز جيل جديد من الأكاديميين الشباب تصدى للتعريف بتاريخ ومعتقدات الأيزيدية للجمهور العربي.
    ثم حملت صدمة إبادة الإيزيديين 2014 تأثيرا محفزا للباحثين الإيزيديين، ودفعت "خليل جندي" لإصدار عمل توثيقي ضخم حمل عنوان "صفحات من الأدب الديني الايزيدي" الصادر بـ1122 صفحة باللغة الكردية كتتويج لخبرة أكثر من ثلاثة عقود في البحث والتنقيب في التاريخ والمعتقدات الإيزيدية. لكن مع ذلك، فإننا نعتقد بإن اجتياح مقاتلي داعش سنجار، وما رافقه من فظاعات، عمل مثل محفز للسردية إلإيزيدية المستقلة لتحرير الأيزيديين من صراع الهويات الكبرى من جهة، وتحديث الديانة الأيزيدية من جهة أخرى، والرغبة في فتح الباب لتأثير النخب المثقفة والشباب، والذي قد يسهم في حركة إصلاحية تحافظ على الوجود الأيزيدي من مخاطر الانقراض أو الذوبان في ثقافات الأغلبية. ويمكن القول إن تعالي أصوات هذه السردية المتمردة يمثل نتيجة مباشرة لسلبيات نظام المحاصصة الطائفي بعد 2003، وانعكاساته في معركة الهويات الكبرى التي تستعمل الأقليات في صراعها على السلطة والثروة، وبسبب من ضياع المواطنة في الضجيج العالي لاستحقاق المكونات التي تختفي فيها الحقوق الفردية، وتموت في فضاء الهويات الأكبر الكاتم للأنفاس.
    وعلى الرغم من عمق الضربة التي طالت الوجود الأيزيدي بفعل فظاعات داعش فقد كانت فرصة لإنبعاث جديد يستوعب تأثيرها المدمر، فـ"بعد هذه الكارثة، كثرت المقابر، وكذلك الشعراء" على حد تعبير الشاعر الإيزيدي "سعيد ذيبان" في قصيدته (عشرة فصول من مسرحية الإبادة)، ويعلق المتخصص بالشؤون الإيزيدية "عيدان برير" على بيت الشعر هذا بالقول "إن المعاناة وحجم الخسائر والضحايا التي سببتها الأحداث للشعب الإيزيدي، أدت الى إنفجار أبداعي لدى أبناء وبنات الشعب الإيزيدي، الى جانب النشاط السياسي والإنساني الذي بدأ الكثير من الإيزيديين ممارسته أثر هذه الأحداث الطارئة".
    خلقت الإبادة كتحد إستجابة ترتب عليها تغيير بنية الجماعة الدينية على نحو لا يمكن السيطرة عليه، وسرعان ما برز متحدثون جدد بأسم الطائفة نافسوا قادته وزعماءه التقليديين، فقد أصبحت الناجية من مجزرة كوجو "نادية مراد" أبرز شخصية إيزيدية على مستوى دولي، وضربت مثالا على صلابة المجتمع الإيزيدي وتخطيه المحن، وبعد لقاءاتها مع قادة وزعماء من دول مختلفة وحديثها في المحافل الدولية عن مأساة شعبها، ومن ثم ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام وحصولها على جائزة سخاروف من البرلمان الأوربي 2016، تحولت الى أيقونة للنضال الإيزيدي والنضال النسوي المتخطي للإبادة. وتحول الخطاب على صعيد المؤسسات التقليدية للطائفة الإيزيدية على نحو نجح في احتواء حجم الحدث وتأثيراته، فقد اصدر المرجع الديني الاعلى للأيزيديين "بابا شيخ" بيانا تصدى فيه لمحاولات تغيير عقيدة الايزيديين الدينية مؤكدا على انها تمت بالاكراه، وطمأن الأيزيديين من انها لن تؤثر على نقاء الانتماء الى الأيزيدية، كما إشار البيان الى اهمية استقبال المختطفات والمختطفين منهم، لكي يعودوا الى ممارسة حياتهم الطبيعية والاندماج في المجتمع مجددا. وقد اصبحت قصص الزواج بالناجيات مثالا مؤسسا لهوية إيزيدية متخطية لفعل الإبادة، واعلانا عن انعتاق من تقاليد المجتمع التقليدية التي كانت تضطهد المرأة وتنظر لها بدونية، او لا تتقبلها بعد اغتصابها، وبهذا الفعل وهذه القصص تمكن الأيزيديون من ان يظهروا للعالم صورة اخرى تتجاوز التنميط والاحكام المسبقة عن مجتمع تقليدي مغلق.
    مع الذكرى الاولى لإبادة قرية "كوجو" بتاريخ 15 اب 2015 رسمت مراسيم استقبال الناجيات الأيزيديات في معبد لالش المقدس طقوس انتقال الجماعة الى عتبة جديدة،: استقبل "القوالون" الناجيات على وقع التراتيل الدينية، صاحبها وقع الدفوف وعزف الشبابة، قبل ان يتم استقبالهن من قبل رجال الدين وسدنة معبد لالش، ليدخلن في مياه كانيا سبي (العين البيضاء) ليتم تعميدهن حسب الطقوس الأيزيدية، ثم بعد خروجهن من عتبة كانيا سبي، كان هناك شبان إيزيديون في الانتظار، يحملون الورود الحمراء للترحيب بالناجيات، ويطلبون الزواج بهن. هذه المراسيم بكل رمزيتها واحتفاءها بالضحايا وسط اجواء مهيبة، تظل مثالا فريدا في تاريخ التحولات الاجتماعية للجماعات الدينية في الشرق الاوسط.
    في هذا السياق الذي يحتفي بشجاعة الإيزيديين وقدرتهم على تحدي المحن نقدم كتاب خليل جندي "الدين الإيزيدي" الذي يعد من وجهة نظرنا أبرز ما كتب عن هذه الديانة وأتباعها، متوجا عقودا من البحث والرصد والتحليل لإبرز خبراء الإيزيدية على المستوى العالمي.

    سعد سلوم : بغداد
    1-4-2018
    ملاحظة : المقال مقدمة لكتاب (خليل جندي : الدين الإيزيدي، المعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات) الصادر عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية بالإشتراك مع دار الرافدين في بيروت عام 2018.



  2. #2
    Senior Member
    الحالة: غازي الياس نزام غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 2780
    تاريخ التسجيل: Apr 2012
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 229
    التقييم: 10




    بالتوفيق للاخ الدكتور خليل جندي

+ الرد على الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك