مهمتي الثانية من سوريا الى العراق

علي حاول بكو
في الوقت الذي كنتٌ مقيماً في سوريا كانت عوائلنا خلف القضبان تعاني من ظروف قاسية بل ان مصيرهم كان مجهولاً وهم تحت رحمة احد اكثر الانظمة االاستبدادية الفاشية في الشرق الاوسط آنذاك، وللاطمئنان على العوائل او معرفة مصيرهم توجب علي الرجوع مرة اخرى الى العراق لمعرفة أخبارهم ومصيرهم وظروفهم وبذل كل ما في وسعي من اجل جمع المعلومات عنهم، ومن المعروف ان وسائل الاعلام والاتصال المعروفة الان لم تكن متوفرة في ذلك الوقت لكي يتسنى لنا معرفة اخبارهم والاطمئنان عليهم من خلال الاتصال بهم .
لأجل ذلك توجب علي الرجوع الى العراق مرة اخرى بالخفاء وسيرا على الأقدام، ولكن هذه المرة لم أكن لوحدي بل كان معي شخص أخر أسمه شوكت كان قد كٌلف بمهمة اخرى من قبل الحزب، وكانت وسيلتنا الوحيدة مثلما قلت سابقاً هي السير على الاقدام لأجتياز الحدود بين العراق وسوريا بصورة غير شرعية هذا الامر كان يتطلب منا المزيد من الجهد والصبر لسلك الطرق السرية والخطرة والمغامرة بارواحنا في سبيل تحقيق العدالة ونيل الحرية سواءً كنا خارج الوطن او داخله، فقد قدمت جميع الأحزاب الكوردية كوكبة من الشهداء على أيدي النظام الفاشي حينذاك، نال الحزب الشيوعي العراقي وقتها حصة الاسد من الشهداء من خلال نضالهم السري بسبب جغرافية المنطقة والطرق الخطرة التي كانوا يسلكونها والتي كانت في احيان كثيرة مكشوفة وفيها كمائن للحكومة مما كان يؤدي الى عدم تكليل مهماتهم بالنجاح في احياناً كثيرة فيستشهدون على أيدي القوات الفاشية او يقبض عليهم ، أما جغرافية كوردستان فقد كانت تختلف كليا فبفضل جبالها الشماء العالية الوعرة أستطاعت قوات البيشمه ركه من أنزال ضربات ساحقة ومدمرة بالقوات الحكومية الفاشية، وقد صدق القائد الخالد مصطفى البرزاني عندما قال ان الشعب الكوردي ليس له اصدقاء سوى جبال كوردستان العزيزة .
أعود الى المهمة التي كلفنا بها أنا ومجموعة من الانصار بالاخص صديقي شوكت الذي كان عليه مرافقتي الى داخل العراق، كانت مجموعتنا تضم عددا من كوادر الحزب الشيوعي المخضرمين أنا وحجي حسو ابو خضر والمعروف بصاحب الشوارب من اهل مجمع دوكرى الواقعة بالقرب من الحدود العراقية السورية والتابعة الى قضاء سنجار وابو ناديا وكان معنا ايضا احد الأخوة العرب من جنوب العراق ولم اتعرف عليه الا بعد وصولنا الى سوريا والاخ شوكت شريكي في المهمة من الأخوة المسيحيين من اهل القوش كان احد الانصار في الجبال يتمتع بروح شجاعة كنا مع بعض في السرية الرابعة الفوج الاول في قاطع بهدينان وشخص أخر للاسف لا اذكر اسمه، قبل أنطلاقنا من القامشلي كان الاتفاق بيننا يتضمن ان تكون مهمتي انا وشوكت هي التوجه الى منطقة دهوك والقوش وبعد ان نصل الى المنطقة يكون كل واحد منا مسؤول عن المهمة التي كٌلف بها من قبل الحزب وبمعزل عن الاخر، أنطلقت مفرزتنا المكونة من خمسة اشخاص وقد رافقنا ثلاثة أشخاص من المخابرات السورية إضافة الى المرحوم ابو حربي الختاري عضو مكتب الحزب في القامشلي الى نقطة الحدود قرب مجمع دوكرى، ثم توجهنا نحن الخمسة نحو الحدود وبسرية تامة بعيداً عن أعين الجنود في النقاط العسكرية الحكومية وبعد ان تجاوزنا الحدود بسلام وعبر سلسلة من نقاط تمركز الجيش والمفارز من المرتزقة والمأجورين من أهل تلك المنطقة الى داخل الاراضي العراقية توجه مسؤول المجموعة ابو الشوارب حجي حسو ابو خضر وباعتباره من اهل المنطقة الى داخل مجمع دوكرى، وبقينا نحن في أطراف قرية دوكرى وبعد حوالي ساعة عاد الينا وتوجهنا نحو جبل سنجار وعندما وصلنا الى الجبل مكثنا في احد الكهوف هناك، وبعد منتصف الليل رجع ثلاثة أشخاص الى سوريا مرة أخرى بعد أن أوصلونا الى جبل سنجار وبقينا انا وشوكت فقط لكي نقوم بمهمتنا وكنا بالقرب من الشارع الرابط بين مجمعات سنجار والمتجه الى مدينة الموصل، أنتظرنا هناك حتى بزوغ الفجر حتى نشطت حركة السيارات المتجهة الى الموصل.
كان الاتفاق بيني وبين الاخ شوكت يتضمن على ان يستقل كل واحد منا سيارة لكي نبعد الشكوك عنا على أن يكون موعد اللقاء بيننا أثناء الوصول الى الموصل قرب رأس الجسر الحديدي والذي يربط بين منطقة البلدية وحي الفيصلية داخل الموصل، في البداية أستقل الاخ شوكت سيارة وأتجه نحو مدينة الموصل، وبعد ذهابه أقتربت من الشارع بأنتظار قدوم سيارة وبعد حوالي نصف ساعة تقريبا تبين لي اضواء سيارة قادمة وتحركت نحو الشارع ولوحت بيدي للسائق الذي توقف حالما رأني وقلت له صباح الخير فرد علي السلام ثم سمح لي بالصعود معه للذهاب الى الموصل، ثم تبين لي ومن حسن الحظ ان السائق من الأيزيدية على عكس المرات السابقة، وصلنا الى مدينة الموصل بعد شروق الشمس وحسب الاتفاق توجهت الى الجسر الحديدي في الفيصلية من اجل اللقاء بصديقي شوكت وعندما وصلت الى هناك كان في أنتظاري على بعد 50 متر من الجسر اثناء أقتربي منه تحرك وأبتعد عن الجسر لكثافة حركة الناس المارة هناك ولكي نبعد الشكوك عنا ثم اومئ برأسه وقال لي أتبعني ثم تبعته حتى وصلنا الى مكان أمن نستطيع فيه التحدث مع بعض، وعندما تأكدنا أنه لا يوجد هناك من يتبعنا او يترصدنا تحدثنا مع بعض حول كيفية التجاوز من سيطرة المجموعة الواقعة على طريق الموصل بأتجاه مدينة دهوك، وبحسب خبرتي في الطرق الترابية التي سلكتها سابقا قلت له سوف نمر بالطريق الترابي الرابط بين ناحية الرشيدية ومنطقة سدة الموصل ولكن قبل الوصول الى السدة سوف نلتف حول سيطرة المجموعة حينها نتخلص منها وقد وافقني على ذلك، فقمنا بتأجير سيارة أجرة خصوصية كانت لرجل مسن وتوجهنا الى الرشيدية من اجل الالتفاف حول السيطرة وتجاوزها وبعد عبور ناحية الرشيدية أخطأنا الطريق ثم تفاجئنا بسيطرة سدة الموصل أمامنا مباشرة حيث كان من الصعب على اي شخص أن يتجاوزها أو ينجو منها، أنذاك أصبحنا في وضع خطير جداً لا نحسد عليه كدنا أن نقع في قبضة قوات حماية سدة الموصل حيث كانوا كلهم من منتسبي الامن والاستخبارات كانت مهمتهم تأمين الطريق المؤدي الى السد وتأمين الدور السكنية لكبار ضباط الامن والاستخبارات
وكنا قد أقتربنا كثيرا من السيطرة بحيث أصبحت المسافة بين سيارتنا وبين السيطرة لا تتجاوز 30 متر تقريبا ولم يكن بأستطاعتنا الرجوع لذلك ومن اجل فعل شيء ينقذنا من هذا الوضع الخطير طلبت من السائق التوقف بسرعة، وعندما توقفت السيارة ترجلت منها وتوجهت نحو السيطرة كان هناك عدد من الجنود في السيطرة العسكرية عندما أقتربت منهم ألقيت عليهم السلام، وبدل ان يردوا علي السلام أطلقوا علي الشتائم وبدأو بسبي، أنذاك شعرت بأننا أصبحنا في قبضتهم ولا مفر لنا، لذلك حاولت مراوغتهم بالحديث فقلت لهم عذرا أخوان يبدو أننا ضعنا وضللنا طريقنا هل تستطيعون مساعدتنا، فبادر أحدهم بالكلام وشتمني مرة أخرى وقال الى أين تريد الذهاب، قلت له نود الذهاب الى قرية ترو وترميان فقد كنت قد سمعت أسماء هذه القرى من المرحوم والدي في عام 1972 حيث كان له صديق تركماني من هذه القرى، بعد ذلك تحدثوا مع بعض وبعد برهة قصيرة طلبوا مني أن ارجع من حيث ما أتيت وأن لا أسلك هذا الطريق مرة اخرى. عندما سمعت منهم ذلك شعرت بشئ من الراحة لاننا سوف نرجع ولن يقبضوا علينا، بعد ذلك توجهت الى السيارة ورأيت صديقي شوكت والخوف كان واضحا على وجهه ولكنه ايضا بعد أن سمع بأننا سوف نرجع ولن يقبضوا علينا شعر بالراحة، وأثناء رجوعنا نحو الرشيدية قال لي شوكت اسمع يا جمال حيث كنت احمل وقتها اسم جمال كدلالة على أسمي الحركي لن ارافقك بعد الآن وتعتبر كل الأتفاقات التي بيننا ملغية من الان ويجب على كل واحد منا تنفيذ مهمته المكلف بها من قبل الحزب وسوف نفترق، فوافقته على ذلك، وعندما وصلنا الى مفرق الرشيدية الذي يبعد حوالي 2 كيلومتر متر عن سيطرة الموصل العسكرية ترجلت من السيارة لكي أتجه الى دهوك بقيت هناك لوحدي لتنفيذ مهمتي اما شوكت ذهب مع السيارة التي كنا نستقلها لتنفيذ مهمته.

وبقيت على الشارع أحمل حقيبتي مرتديا الزي العسكري أنتظر سيارة للذهاب الى مدينة دهوك، أنذاك قررت التحدي والعبور من السيطرة بشكل رسمي رغم الخطورة الكبيرة وبعد مرور دقائق معدودة أستقليت سيارة تكسي وأوصلني السائق الى السيطرة، عندما وصلت الى هناك ترجلت من السيارة وتوجهت الى الانضباط العسكري الذي كان مكلفا بمهمة تفتيش السيارات والتدقيق على المارين ذهابا وايابا بين المحافظتين موصل ودهوك وطلبت منه أن كان بأستطاعتي البقاء بعض الوقت هنا في السيطرة وأن كان بأستطاعته مساعدتي بوصفه المشرف على تفتيش السيارات القادمة من دهوك والمتجه اليها لكي أتجه مع سيارة للالتحاق بوحدتي في آمرية موقع سرسنك كوني منتسب لهذه الوحدة ، فوافق على ذلك ووقفت الى جانبه بين الاتجاهين ذهابا وإيابا في السيطرة وبعد لحظات شاهدت قدوم سيارة تيوتا بيك اب محملة بالدواشك الإسفنجية أمره بالتوقف الى جانب الشارع وعندما كان الانضباط ملتهي بالتفتيش كنت أراقب حركة السيارات الاتية والذاهبة من والى دهوك، وبما انني كنت أرتدي الزي العسكري فقد كان السواق يظنوني بأنني مكلف بالتفيش في السيطرة العسكرية لذلك كانوا يتوقفون عندما يمرون من أمامي أحيانا كنت اؤشر لهم بالتحرك من خلال تحريك رأسي، رغم أنني كنت أعيش حالة من الخوف لانني كنت في قبضة القوات الحكومية وهم لا يعرفون من أنا والشيء الاخر الذي كان يرعبني أكثر نظرا لوجودي في سيطرة عسكرية بين مدينتين كبيرتين كان ينتابني خوف شديد من أن تأتي سيارة وفيها أحد المعارف يعرفني ويتحدث معي وهنا كانت ستقع الكارثة، لذلك حاولت الابتعاد عن السيطرة قليلا لتجنب ذلك، ولكن عندما حاولت الابتعاد لاحظ أنضباط التفتيش ذلك ثم صاح علي وقال لماذا أبتعدت فتحججت وقلت له بالرغم من أنني عسكري وكنت سابقا ايضا أنضباط عسكري في آمرية الحارثية ببغداد ولكن وقوفي هنا يربك السواق المارين لانهم يظنونني عسكري هنا مسؤلا عن التفتيش، فرد علي الأنضباط وقال كلنا عسكريين ليس هناك مشكلة فرجعت الى مكاني والدقائق كانت تمر علي بصعوبة شديدة
وبعد طول أنتظار أوقف ألانضباط سيارة متوجهة الى مدينة زاخو وطلب من سائقها أيصالي معه الى مفرق دهوك - زاخو ووافق السائق وركبت السيارة معه متوجها الى مدينة دهوك، كان سائقا كورديا وعندما عرف بأنني كوردي فرح وأحترمني أكثر حينها كنت احمل اوراق ثبوتية مثل الهوية العسكرية مع ورقة أجازة كان تسمى أجازة مكتوم وكان من الصعب تزويرها واسمي عليها جمال حسن عاشور . أثناء الطريق دار الحديث بيننا حول وضع كوردستان والأنفال وقد شرحت له ما حدث حيث أدعيت بأنني سمعت ذلك من أحد اقربائي يدعى علي حاول بكو، كان رجل كريم يتمتع بالروح القومية وكنت أحاول أطالة الحديث معه من اجل معرفة ما في داخله، ثم بدأ بأطلاق الشتائم على الدكتاتور صدام حسين بشكل عصبي، وقلت له يا أخي كيف تتجرأ على التحدث عن هكذا مواضيع حساسة معي وانت لا تعلم من انا كيف تثق بي، فرد علي وقال انا لا اتحمل اكثر لاننا فقدنا كل الشي ولم يبقى لشعبنا الكوردي لا ألارض ولا العرض في عهد هذا الفاشي، ونحن مشغولون بالحديث وصلنا الى مجمع الجانبور، حينها طلبت منه التوقف لأنه يجب علي الترجل من السيارة والذهاب الى مجمع جانبور ، فتعجب وقال لي كانت وجهتك في البداية هي الذهاب الى دهوك والان لماذا تنزل هنا في جامبور فقلت له خدمتي العسكرية في تلك النقاط حماية الشارع ، بعد ذلك شكرته على خدمته لي ونزلت من السيارة وتوجهت الى مجمع جانبور الى بيت صديقي آزاد كوجر الذي مر ذكر اسمه عدة مرات في كتاباتي السابقة لأن بيته كان بمثابة محطة الانطلاق لي في كل المهمات السابقة، ولسوء الحظ لم يكن موجودا حينها في البيت حيث كان مدعوا لعرس في الرشيدية(المنطقة التي اتيت منها) لذلك اضطررت الى الرجوع الى الرشيدية مرة اخرى دون ان اعرف عنوان صاحب العرس وبعد الدخول الى القرية سمعت صوت الطبل والزرنايا فتابعتها الى ان وصلني الصوت الى دار العريس فدخلت بين الناس لأتابع العرس وابحث عن صديقي آزاد فرأيته مشاركاً في العرس وهو يرقص(يدبك) وفِي يده اليسرى امرأة جميلة ويده اليمنى امرأة اجمل وعندما شاهدني تفاجئ وانقلبت أساريره وجهه فترك الرقص واتجه نحوي فمر من جنبي وقال اتبعني فتبعته الى طرف البيت وشرحت له كيفية وصولي الى هناك وعن مهمتي، بعد ذلك توجهنا الى داره في مجمع جانبور ثم الى مجمع مسوريك الواقع بالقرب من قضاء سميل حيث أصبحنا ضيوفاً في بيت المرحوم حجي جلو الهاجاني الذي أحتضنني مع شقيقي خضر المعوق في ايايم الانفال وبعد ذلك توجهنا الى مجمع خانك الى بيت شقيقتي في قرية خيرافا وبعد اسبوع من بقائي هناك وتنفيذ مهمتي رجعت الى سوريا، هنا سوف أكتفي بهذا القدر من الكتابة بسبب أطالة الموضوع في الحلقة القادمة سوف اتحدث عن كيفية تنفيذ مهمتي في العراق وكيفية تسليم نفسي للنظام بسبب وجود عائلتي المكونة من 27 فردا في قبضة النظام .