ليلى وآلام الليالي .................................................. ......... خالد تعلو القائدي
قراءة في كتاب " ليلى وليالي الالم"
آزا حسيب القرداغي
امرأة حنطاوية، بوجهها الحزين المليء بالسائلة، تتشح بوشاح ناصح البياض، على خلفية سوداء كسواد رايات داعش، تنظر بعينين يقبعان خلف الضباب مباشرة في اعيننا. فاتحة شفتيها فتحة ضيقة لا نكاد ان نراها، وكأنها تريد ان تقول شيئا. أو تسالنا سؤالاً .. او انها تريد ان تشكو من شيء ولكن لا تأتي على ذكره، هذه المرأة هي ليلى ..ليلى التي تلونت بكل الوان الجمال.. واحيطت بالأسئلة والشكوك من كل الجوانب، كما ان روحها ممتلئة بآلاف الهموم البيضاء تطوف كالسحاب في فضاء عفتها وكرامتها وعزة نفسها.
ليلى تحكي لنا آلام لياليها .. وهي غير متأكدة من اننا نفهمها او ندرك ما عانت .. لكنها تحكي وتقص كي تتخلص من تلك الوحوش والكوابيس التي تعرضت لها واغتصبتها في تلك الليالي الظلماء. وان لم تقص تلك القصص المؤلمة فسوف تبقى جاثمة على صدرها الى الابد قاطعة عليها انفاسها، تذيقها مرارة اشد من مرارة تلك الليالي واكره من انفاس هؤلاء الدواعش الذين خلوا عليها عنوةً وخرجوا ليتركوها لآلامها وعذاباتها دون ان يحسوا بأية ذرة من تلك الاحاسيس التي نسميها احاسيس الانسان.
ليلى اذا لم تقص تلك القصص فتتحول الجدران والشبابيك والابواب وكل الاشياء، كل الناس الى تلك الوحوش السادية التي كانت تغتصبها وتلذذ من تعذيبها والتقليل من شانها وطمس كرامتها بأحذيتها التي تتقطر منها دماء من نحورهم.
ليلى امرأة كوردية ايزيدية. كانت سبية عند ازلام داعش من 3 آب 2014 الى 9 نيسان 2017، بعد تحررها تقص على اخيه "خالد" ما عانتها في عامان وثمان اشهر وست ايام.
خالد كاتب وصحفي. مثله مثل ليلى وكل كوردي ايزيدي يحمل حقداً مقدساً ضد كل من ارادوا ويريدون الغاء الايزيدية وتدمير ايزيدخان، اي موطن الايزيدية وانفلة الايزيديين. لذا فان خالد لم يريد ان تحكي له فقط وتسرد تلك الماسي بينها وبينه، انما اراد ان يحول نفسه الى مذياع نسمع من خلاله بكاء والام شقيقته وكل الفتيات والنساء اللواتي عانوا ما عانتها ليلى على يد عصابات داعش.
قرار خالد، قرار تاريخي، شجاعة لا مثيب له، انه جرأة انسان حر عندما يعلو على التقاليد والاعراف ويقوم بنشر ما تعرضت لها اختها وما عانتها من الام ومآسي جراء اختطافها والتعامل معها وكأنها شيء او بضاعة تباع وتشترى في سوق النخاسة وتغتصب ويقوم مغتصبيها بتعذيبها وتجويعها وتبديلها بغيرها في عمليات مبادلة بين الدواعش.
ان ينشر خالد كتابه باللغة العربية اي لغة الدواعش، لهو عمل جيد، كي يقرأها من يتكلمون بلغة الضاد ويعلموا ماذا فعل ويفعل الداعش باسم الاسلام ويغطى جرائمه برداء الشرع ويخفي ساديته خلف الآيات والسنن.
كتاب "ليلى وليالي الالم" يقف شامخاً على عدة اعمدة احاول ان اشير على اهميتها.
· العمود الاول:
( ليلى تجهش بالبكاء وتذرف الدموع وتصرخ من عمق اوجاعها).
هذا هو السطر الاول من الحكاية. اذن اول عمود من الاعمدة التي يقف عليها الكتاب هو ( البكاء ) بكاء مرير مليء بالحسرة والوجع والخوف الذي لا يزال كامناً في اعماق ليلى فيحول يقظتها ومنامها الى علقم مر. كما انه بكاء يختفي من وراءه ذلك الحياء الذي يكنها ليلى في دواخلها من شقيقه الذي تحكي له ما عانتها وهي تباع وتشترى كـ سبية وتغتصب كـ عبدة لا حول لها ولا قوة ولا ارادة. لذا فان شقيقها يكتب ( عيناها مازالت فيها احمرار وخوف ) فيتحرك لتشجيعها في الحديث ورواية ما راتها فيقول لها ( يا اختاه اعلم بحالتك وخوفك ووجعك، ولكن لا تخافي فانا بقربك، عليك ان تحاربي خوفك ووجعك ).
· العمود الثاني:
هذا هو العمود الثاني، اي مساندة وتعاطف الاخ مع اختها وتشجيعها على محاربة تلك الكوابيس كي تنقذ نفسها وذلك من خلال الحديث، وقص قصصها المرعبة، ورواية ما جرى لها ولغيرها من الايزيدييات المخطوفات اللواتي تم سبيتهن وبيعهن في سوق النخاسة.
· العمود الثالث:
ليلى تقول، ( هنا اتذكر ان اول شخص من داعش قام بعزل احدى فتيات الايزيدييات من بيننا وقال انها اصبحت ملكي) هذا هو العمود الثالث الذي يقف هذا الكتاب فوقه. ( الملكية )!! ملكية انسان لإنسان اخر. اي العبودية. فان ليلى ترى بالإضافة الى سرقة الاغراض والمنازل والمال والمواشي، كيف يسرق الانسان. كيف يفرق الداعشي الفتيات الصغيرات والجميلات ويتم تمليكهن كأي شيء اخر تم الاستيلاء عليه في هذه الغزوة. ومن ثم يتحول هذه العملية الى تجارة ويفتح لهذه التجارة سوق خاص، يطلب من النسوة والفتيات ان يتبرجن ويلبسن اردية داخلية غير محتشمة ويعرضن اجسادهن. واكثر وحشية وقذارة من هذا، هو عندما تعرف ليلى بان من يشتريهن، من حقه ان يبادلهن مع غيره من الدواعش بعد ليلة او اكثر.
ان تجارة النخاسة تطور على يد الدواعش وخاصة في عاصمة الخلافة للدولة الاسلامية، حيث تحولت الى سوق وتجارة ديجيتال تتم عمليات العرض والبيع والشراء من خلال الانترنيت وحسابات الكترونية خاصة. يتم تصوير الفتيات والنساء وهن عاريات نسبياً يلبسن ملابس اشبه بملابس الراقصات في الملاهي، متبرجات وفي اوضاع مثيرة، ويعرض الصور وبعض لقطات بالفيديو ويوضع اسعار على المعروضات. ومنثم يتم المزايدة عليهن ويباع لمن يعرض اعلى الاسعار. والعملية غير محدودة بواحدة فقط انما من حق الداعشي الذي يدفع ان يشتري اكثر من بضاعة. كما انه من حقه ان يقوم ببيعها بعد ان يأخذ منها ما يريد، او يبدلها مبادلة مع غيرها من فتاة عند داعشي اخر.
في هذا السوق الفتيات الباكرات اسعارهن اعلى من النساء المتزوجات سابقاً. الحوامل لا يشترى. اللواتي تتجاوزن في العمر اكثر من ثلاثين عاماً يتم شرائهن لليلة واحدة او لساعات قليلة ومن ثم يعاد بيعهن بسعر اقل. ومَن من الفتيات او النسوة تحبل عن الداعشي عليها ان تجهض باي شكل كان.
تقول ليلى ( بعد فترة، اصبحت حبلى عن الارهابي، وبعد مرور ثلاثة ايام طلب مني ان اجهض الجنين, وكل يوم كان يأخذني للأطباء ويأتي بالعلاج حتى حصل نزيف حاد، كنت اتعذب من شدة الالم والنزيف حتى سقط الجنين.
النساء اللواتي يعانون من نزيف او مرض معين لا يصلحن للبيع في اسواق النخاسة والعبيد والجواري، حسب شريعة الدولة الاسلامية الداعشية. وايضا الحوامل لا يتم شراءهن من قبل الاخرين.
· العمود الرابع:
( كنت الخادمة المطيعة لزوجات الدواعش، اطبخ، اغسل، انظف وزوجات الدواعش جالسات ينظرنَ الىَ بكل حقارة واستهزاء).
هذا هو العمود الرابع لهذه القصة المأساوية حيث ان الداعشي متزوج من امرأة او اكثر ويشتري جارية او اكثر ويأتي بهن الى نفس المنزل وزوجته او زوجاته راضيات بهذا السلوك المشين والقذر.
هؤلاء النسوة راضيات بان يتزوجن واحدة على اخرى، وصولاً الى اربعة زوجات. تباً لهن وهنَ راضيات بهذا.
ولكن ان ترضيين بان يشتري زوجهن جارية او اكثر ويأتي بهن الى نفس المنزل. فهذا قذارة لا يتصوره البشر ان كنا بشر.
كيف لامرأة ان تتحمل صوت امرأة اخرى تغتصب في الغرفة المجاورة، وبعد العملية تطلب من المغتصبة ان تكنس البيت وتغسل ملابسها هي، وتطبخ كي تأكل هي وزوجها.
هذه هي الدولة الاسلامية شريعتها وتعاملها مع الانسان الذي خلقه الله في احسن تقويم واسكنه الارض خليفة له.
هذا هو الداعشي وتعامله مع المرأة والام التي وضع الله الجنة تحت اقدامها!!
· العمود الخامس:
العمود الخامس لهذا الكتاب وهو ذلك الوهم العملاق الذي يعيش عليه كل داعشي. واسلمة السبايا والعبد.
قراءة الشهادة والقيام بالصلاة والصوم. كذلك تغيير الاسماء الكوردية الى اسماء عربية. ها هم يغيرون اسم سالار وسارة، ابن وبنت ليلى الى عبدالرحمن وهاجر. هذا هو الاسلام المتوهم والخادع الذي يؤمن به كل داعشي وكل من يحمل افكار داعش بأشكاله المختلفة. انهم يرون الدين والعقيدة في القول والفعل الظاهر، وليس الذي يسكن في العمق وباطن التأمل الوجداني. انهم لا يرون ذلك العمق الروحي في الايمان. انهم غير مدركين بذلك العشق الإلهي الذي يسكن سراً في دواخل كل ايزيدي والذي يبقيه ايزيدياً الى اخر يوم في حياته حتى عندما يلتقي ربه.
كم كان صعباً على ليلى وغيرها هذه الحالة الازدواجية. ان تكون مسلمة في الظاهر، تصلي وتصوم وايزيدية في العمق الروح تلتمس الى ملك طاووس وترجو رجاء الوجدان من لالش ومن يسكنه من الطاهرين وترفع دعائها الى شيخ شرفدين وتحلف في السر بالمصحف الاسود.
· العمود السادس:
ليلى التي تعتقد بانها وبعد انفصالها عن زوجها وشقيقها قد خسرت حياتها، ولكنها وبعد ان تباع كـ سبية لأول مرة الى امير في تنظيم داعش وتغتصب لثلاث ليال متتالية، عندئذ تدرك ليلى مأساتها الكبرى وتقول حسرة، ان اصعب ايام حياتي هي تلك التي عشتها وان بسبب شريعة داعش الاجرامي خسرت كل ما املك في حياتي وهو شرفي.
هذا هو العمود السادس لهذه المأساة، وهي واحدة من اهم اعمدتها ( شرف امرأة ايزيدية ).
عندما قرأت هذا الكلام على لسان ليلى عندئذ فهمت ما قصده الرئيس مسعود البارزاني عندما خاطب بابا شيخ قائلاً: ( الفتيات الايزيدييات هن رمز شرف الكورد ).
واعاد اليهم الثقة عندما قال بان كل نساء وفتيات الايزيدية اللواتي تم اختطافهم من قبل داعش هن اشرف واطهر نساء وبنات الكورد.
ليلى تقول بانها خسرت حياتها عندما فصلوها عن ذويها، وبعد ذلك تقول خسرت كل ما املكها في الحياة وهو الشرف عندما اغتصبوني. عليه فان الشرف هو اثمن رأسمال عند الفتيات ونساء الايزيدييات. وان مجمل الكتاب تدور احداثها ورواية ليلى حول هذا المحور الا وهو الشرف وعلينا نحن كذلك ان نفهم ونتقمص فهم ليلى للشرف كي نفهم تلك المعاناة والآلام التي ذاقتها ليلى وهي سبية عند الدواعش وكذلك كي نفهم تلك الشجاعة والجرأة عند ليلى وهي تستطيع ان تحكي بهذه الصراحة لفقدانها هذا الرأسمال الكبير. ومنها سوف نفهم شجاعة خالد عندما استطاع ان يستمع الى اختها وهي تحكي حكاية عبوديتها واغتصابها من قبل مالكيها المتعددون من قوميات مختلفة ومن اوطان ومجتمعات مختلفة. كما نفهم قراره الجريء عندما اخذ القلم وبدا يسطر هذه المأساة ويحولها الى كتاب كي تتعذب كما تعذبت ليلى.
كتاب ليلى وليالي الالم ليست رواية. كما انها ليست من نسيج خيال الكاتب. انها وثيقة تاريخية على لسان راويها التي هي بطلة الاحداث التي جرت في تلك الفترة السوداء.
ان هذا الكتاب كتب على شاكلة تحقيق صحفي معتمدة على ما روتها ليلى.
اقل كلام، اقل اسئلة، انما الراوي وهو ليلى لها حصة الاسد في الكلام وهي تروي تراجيديا ايام العبودية.
الكتاب يتضمن لقطات وملحقات ومعطيات كثيرة وثمينة وقد يستفاد منها كتاب القصص والروايات اذا ارادوا ان يكتبوا قصصاً من نسيج الخيال عن الايزيدييات المختطفات ولكن يكون خيالهم مطعماً بمعلومات صحيحة وواقعية عن مجريات الامور وما جرى في تلك السنوات المظلمة في حياة شعب كوردستان عامة وبالأخص الكورد الايزيديين.
ان متأكد بان ليلى تخزن في اعماقها الكثير الكثير حول تلك السنوات الثلاث، رات الكثير في الدولة الاسلامية وهي شاهدة على جرائم داعش وسلوك الدواعش الوحشية. سجلت في ذاكرتها حوادث جرت امامها، قد تتسنى لها ان تعيدها الى الاذهان وتقوم بروايتها وتسجيلها وهي تصبح الوثيقة الاهم لمعرفة داعش حق المعرفة.