المهمة الثالثة : من سوريا الى العراق
من البديهي ليست هناك اي تحرك دون أمر من رئيس المخابرات السورية في مدينة القامشلي المدعو (محمد المنصورة) ومدير أمن الدولة (ابو عبيدة)
كان طريق مرورنا كالمعتاد عبر المجمعات السكنية (خانصور ودوكرى) حينها انتظرت مرور سيارة لحين بزوغ الفجر وجاءت سيارة، توجهت بها الى الموصل، وعند وصولي تجولت في شوارع المدينة لساعات طويلة، لاني لا استطيع الذهاب مباشرة الى قرية خانك الا عندما يسدل الظلام كي لا يدركون الاهالي بقدومي .
عند التجوال سألت أحد المارة : هذا الموقع كان مرآب سيارات نقل بغداد واليوم مشيد بالمحلات التجارية ، أين انتقل هذا المرآب ؟
رد قائلاً : يبدو انك لم تأتي الى الموصل منذ عدة سنوات ، تم نقل المرآب الى منطقة المحطة .
⦁ نعم أنا من الاكراد المرحلين ومنذ سنة 1975 منفي الى الرمادي .
وصلت قرية خانك / جنوب سميل بعد غروب الشمس وبعد يومين توجهت الى منطقة شيخان لأني كنت مكلف من قبل المناضل ابو سربست ان ازور بيت شقيقته (ريال) التي تسكن قرية باعذرة لإيصال كلمة سر اليها .
ركبت سيارة نوع لاندروفر من مفرق شيخان الى باعذرة وكانت مزدحمة بالركاب شاهدت رجل مسن وملتحي في داخلها جلست الى جانبه وتبين لي انه ليس شخصاً غريباً فسألته : الست قوال حجي ؟
- نعم، من انت ؟
- ستعرفني فيما بعد ، ثم همست في أذنه قائلاً: انا صاحب الدار حينما زرتنا في قرية (ركافا) من اجل الحصول على المعلومات حول أستشهاد المرحوم ولدك الشهيد عادل ( أمين )
هل انت علي حاول ؟
- نعم
بعد ترجلنا من السيارة، قال : أرجو ان تتبعني الى دارنا ؟
- حسنأ .
بعد تقديم الشاي قال لزوجته، ضيفنا اسمه (علي) احد رفاق ولدكِ الشهيد عادل – فبكت وقبلت وجنتي ، ثم دار الحديث عن كيفية استشهاده مع رفيقه ( مؤيد ) وهو المناضل عبد العال من اهالي محافظة ذي قار / الناصرية في جنوب العراق بتاريخ16/8/1985 بالقرب من قرية (ملا جه برا) القريبة من قرية باعذرة بعد المقاومة العنيفة مع المرتزقة الماجورين من سرايا ابي الفراس الحمداني، حيث ارتكب المرتزقة جريمة ربط الجثتين خلف السيارة وسحلهما في الشوارع لقد شاهدها الناس ولاقت استنكاراً لبشاعة المنظر.
خرجت من دار القوال دون ان يعلم وجهتي، سألت أمرأة مسنة عن بيت ريال ؟
جلست في غرفة الضيوف، بعد تقديم الشاي سألتني : خيراً أيها الضيف ؟
- انا صديق شقيقكِ ابو سربست وقادم من سوريا، كلفني أن أزوركم للإطمئنان .
أنتابها الخوف والتردد ولم تصدقني، حيث قالت : والله يا بني لا أمتلك معلومات عنه ولم أتصل به منذ عشرة أعوام - وبعد ان تناولت الشاي، ناولتها صورة لي مع ابو سربست كنا قد التقطناها في احدى استوديوهات مدينة القامشلي، مع كلمة السر .
بعد خروجي من الدار، شاهدت في الطريق الصديق شيخ خديدا جيجو ( ابو سالم ) كان قادماً من قصر الامارة وأستقبلني بحفاوة، وقال لي مازحاً يبدو اصبحت عاقلاً يا علي - كنت مرتدياً الملابس العسكرية - أراك مرتاح البال ولا تختفي بنفسك هنا وهناك، نعم كفاك من المشاكل وارتاح - وكان يعتقد اني جندي في الخدمة العسكرية لقادسية صدام !! قلت له بصوت هادئ : لا والله يا شيخي العزيز انا نفس علي السابق ومستمر في ذلك النهج ، فتغير وجهه ودار ظهره عني مسرعاً، كي لا يراه شخصاً وهو واقف معي .
عدت الى دهوك، وفي الطريق التقيت بالمرحوم رشيد عبدو من اهل قرية (ركافا ) جنوب دهوك تربطني به علاقة اجتماعية وقد نقلت عائلتي الى دار ابن عمه وصهره (خضر ابو سمير) منذ عام 1983 لتواجدي في الجبال وخوفا من اعتقالهم من قبل النظام .
وهو كالاخر لم يتجرأ في اللقاء معي بسبب الخوف من أجهزة النظام البعثي وقد اعدم والده المرحوم عفدو رشو بسبب انتمائه لتنظيمات حزب الديمقراطي الكوردستاني .
كان شقيقي يزدين قادم من ايران وسلم نفسه الى النظام قبل عدة أشهر وأسكنه ضمن عوائل البيشمركة واهالي قرة الجبيلية في مجمع (بحركى وجزنكان وطوب زاوا) في منطقة دشت اربيل كأسرة تحت المراقبة المتشددة ولم يكن يخرج شخص ما من هناك الا بعلم من الامن والمخابرات وكان احيانا يتواجد في مجمع خانك ويعمل بناء من اجل معيشته وكان ملزماً بالتواجد بالذهاب الى دائرة الامن في قضاء سميل كل اسبوع لغرض تسجيل حضوره امام ضابط الأمن .
اخبأت نفسي في غرفة خاصة داخل دار شقيقتي في مجمع خانك، بعد يومين أدركت بان دار شقيقتي تحت المراقبة والتجسس، فنقلني شقيقي ايزدين الى دار خمو جانكير الهويري .
تحت ضغوطات شقيقتي لوجود عائلتي وعوائل اشقائي الاربعة وهم (26 ) فرداً في قبضة النظام ومصيرهم مجهول وإضافة الى والدتي العجوز ، حيث قالت : انت شخص أناني وجبان
–قلت لها لماذا ؟
قالت باكياً : هؤلاء الابرياء في سجون النظام ومصيرهم مجهول وانت تود ان تعيش في الخارج ما هذا الفكر والمبادى التي تحمله ، فهل هذه رجولة اليس هذا جبن ؟! حينها أصبحت في حيرة من امري والواقع انها الكارثة ، لذلك قررت ان اسلم نفسي بالرغم اني على يقين سوف اواجه حكم الأعدام ، ولكن لم يكن في الحسبان تصل جريمة النظام ان يدفن هؤلاء الأبرياء وهم أحياء في قبور جماعية في الصحراء .
كانت هناك مواد ضمن قانون الاعدام في دستور النظام البعثي تطبق على ما فعلت ومنها :
1 كل من يرتكب جريمة الهروب للمرة الثالثة من الجيش اثناء حرب القادسية ،
وكنت هارباً من الجيش للمرة الخامسة .
2 – هروبي من سجن سرية الانضباط العسكري لفرقة 33 في زاخو بتاريخ (16/4/1983) بسبب صدور امر مثولي امام محكمة الثورة في بغداد
3- كل من ينتمي الى حزب غير حزب البعث يحكم بالاعدام- كنت أنتمي الى حزب الشيوعي العراقي الذي رفع شعار الكفاح المسلح واسقاط النظام
4- كل من يحمل السلاح ويقاتل النظام ومرتزقته يحكم بالاعدام. كنت في الكفاح المسلح ضد النظام
5- تهمة الاستيلاء على سيارة الخبراء في خانك في عام 1985 وللمرة الثانية 1986حينما كنت في الجبال .
6- كل من يتجاوز حدود العراقية السورية يحكم بالاعدام– وأنا كنت اجتاز الحدود باستمرار. والى حلقة القادمة تتعلق في قصص السجون وكيفية هروبي من السجن واللمرة الثانية